فقه اللغة
Résumé de section
-
أستاذ المقياس: محمد لعجالي
البريد الإلكتروني (المهني):
laadjali.mohamed@univ-tipaza.dz
أيام وساعات العمل الشخصي: الأحد والثلاثاء
من 8:00 صباحا إلى 15:00 مساء.
بمكتب فريق ميدان التكوين/ قاعة الأساتذة
عنوان الليسانس: السنة أولى جذع مشترك لغة وأدب عربي
مقياس: فقه اللّغة
السداسي: الثاني.
الوحدة: الوحدة التعليمية الأساسية.
المستوى: سنة أولى ليسانس
الحجم الزمني للسداسي: 15 أسبوعا.
الحجم الساعي الأسبوعي: 1سا ونصف (أعمال موجّهة).
المعامل: 02.
الرصيد: 04.
طريقة التقييم:وفق طبيعة الأعمال الموجهة؛ يتم التقييم وفق ما يلي:
وضع مجموعة من النّصوص، تشكّل السند المنطلق منه؛ حيث هي التي يطلب من الطالب فهمها والانطلاق منها لتعميق معلوماته والاستزادة فيما يمكنه ذلك.
تتنوّع الأسئلة في مختلف الدروس بين (الربط، خ/ص، QCM،...إلخ).
-
-
Ouvert le : vendredi 13 mars 2026, 00:00À rendre : samedi 20 juin 2026, 00:00
-
-
من بين الظواهر التي نجدها في كثير من اللغات ومنها اللّغة العربيّة، ظاهرة النّبر.
-
-
-
المعرّب من بين مباحث علاقة اللفظ بالمعنى
-
-

لكي يستطيع الطالب استيعاب وفهم كل ما يتعلق بالمفاهيم التي يتم التطرق إليها أثناء الدرس والقدرة على القيام بكل نشاطات التعلم،لابد من :
الحضور المستمر للمحاضرة المتعلقة بفقه اللغة وكذا الحصص التطبيقية وتدوين كل المعلومات وأخذ رؤوس أقلام لكل ماتم مناقشته، بالإضافة إلى المشاركة في المناقشات وطرح الانشغالات والتساؤلات التي تفتح باب المناقشة إضافة إلى طرح كل الأسئلة التي تتبادر إلى الأذهان،وتبادل الآراء ووجهات النظر حول المواضيع المطروحة لإثراء المكتسبات والمعلومات
-

المراجع الأساسية في مقياس فقه اللغة :
كتاب فقه اللغة وأسرار العربية، للإمام أبي منصور عبد الله بن محمد بن إسماعيل الثعالبي (ت430ه)، منشورات دار مكتبة الحياة،بيروت
الخصائص، لابن جني،تحقيق محمد علي النجار
سرّ صناعة الإعراب،لابن جني،تحقيق مصطفى السقا،ومحمد الزفزاف،وإبراهيم مصطفى، وعبد الله أمين، البابي الحلبي، مصر ط1/1954م. وتحقيق حسن هنداوي، دار القلم،دمشق 1985 م
فقه اللغة في الكتب العربية،د/ عبده الرّاجحي.دار النهضة العربية،بيروت
دراسات في اللغة، د/ إبراهيم السامرائي
المُزهر في علوم اللّغة،و أنواعها،لجلال الدين السيوطي
دراسات في فقه اللغة،د/صبحي صالح .دار العلم للملايين .بيروت
فصول في فقه اللغة،د/ رمضان عبد التواب
دراسة الصوت اللغوي،د/أحمد مختار عمر
الصاحبي في فقه اللغة وسُنن العرب في كلامها،لابن فارس
دراسات في فقه اللغة،لمحمد الإنطاكي .الطبعة الرابعة مزيدة ومنقحة،دار الشرق العربي.بيروت،لبنان
مدخل إلى فقه اللغة العربية، د/أحمد محمد قدور.دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ودار الفكر،دمشق،سورية
اللّغة،ج.لفندريس .ترجمة : عبد الحميد الدواخلي، محمد القصاص،تقديم : فاطمة خليل،الطبعة 2014م، المركز القومي للترجمة،القاهرة
محاضرات في مقياس فقه اللغة،د/ محمد الحبّاس، أستاذ الدراسات اللغوية، جامعة الجزائر دار غبريني للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،2006م
وقائع لغوية،وأنظار نحوية،د/ سالم علوي، دار هومه،بوزريعه،الجزائر
العربية الفصحى نحو بناء لغوي جديد، هنري فليش،تعريب وتحقيق: د/ عبد الصبور شاهين، دار الشرق بيروت، الطبعة الثانية
العربية دراسات في اللغة واللهجات والأساليب،تأليف: يوهان فك،وترجمة وتقديم، وتعليق:
د/ رمضان عبد التواب.مكتبة الخانجي،مصر1400ه- 1980م
كتاب الأضداد،لمحمد بن القاسم الأنباري، تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية،بيروت
دراسات في العربية أصولها، مراحل التاريخية، بنيتها، لهجاتها، علاقاتها بأخواتها الساميات، لمجموعة من المستشرقين المعاصرين، نقلها إلى العربية وعلق عليها: د/ سعيد حسن بحيري،مكتبة الآداب،ميدان الأوبرا،القاهرة
شجاعة العربية،أبحاث ودروس في فقه اللغة، د/ سالم علوي، دار الآفاق، الأبيار، الجزائر
الدراسات اللغوية عند العرب إلى نهاية القرن الثالث، محمد حسين آل حسين، منشورات دار مكتبة الحياة،بيروت،لبنان،الطبعة الأولى 1400ه-1980م
المسار في فقه اللغة العربية، إعداد : د/ عاطف فضل،دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع،الأردن،الطبعة الأولى 2010م
فقه اللغة في المصادر اللغوية والنحوية،د/ خالد إسماعيل حسان، مكتبة الآداب،القاهرة
العربية تاريخ وتطوّر،د/ إبراهيم السامرائي،،مكتبة المعارف،بيروت.لبنان
فقه اللغة العربية وخصائصها،د/ إميل بديع يعقوب،دار العلم للملايين بيروت
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد، الحمد غانم قدوري
-

ترتكز المقاربة البيداغوجية على ثلاث ركائز وهي المعرفة –الخبرة المكتسبة من المعرفة – توظيف المعرفة- وتعتبر هذه الكفاءات مهمة وأساسية في عملية التعلم وتحتاج لمنهجية للوصول لتحقيقها، كما ستدعم بتقويم اختبار قدرة الطالب على استيعاب المعلومات المقدمة وتحقيق الأهداف المرجوة.
بالنسبة – للمعرفة – فبالتمارين والبحوث التي ينجزها و المحاضرة التي يسمعها والحضور المستمر سيكتسب الطالب كفاءة القدرة على التعرف والتعلم وفهم مقياس فقه اللغة وأهم مباحثه .
وتكتسب هذه الكفاءة عن طريق تخزين كل المعلومات والمفاهيم الخاصة بالدرس وتدّعم هذه الكفاءة بأسئلة نظرية حول مدى فهم واستيعاب المعلومات. ثم ينتقل الطالب إلى الركيزة الثانية وهي الخبرة المكتسبة من المعرفة و كيفية تطبيق هذه المعارف والمفاهيم والمعلومات ، ومن ثم ينتقل إلى كفاءة توظيف المعرفة وتتمثل في تطبيق المفاهيم المكتسبة على أرض الواقع .
-
-

-
يكون التقييم بامتحان كتابي آخر السداسي والذي يكون حول كل ما يتعلق بنظريات نشأة اللغة وخصائص اللغة العربية وكل ماتم مناقشته أثناء المحاضرة سواء من خلال ماقدّمه الأستاذ أو إلى ما أشار إليه الأستاذ في الأنترنت
-
-
-

-
الإلمام بخصائص اللغة العربية خاصة مصطلح التّضاد أو ( الأضداد في اللغة العربية ) والتعريف بمصطلح المشترك اللّفظي وكذلك معرفة موضوع الترادف في اللّغة، ثم في الاصطلاح ، والإلمام بموضوعات الأبنية والأوزان ، ثم معرفة ما يُعرف بالدلالة الصّرفية وكذا النّبر في المعاجم العربية.
-
-
-

معرفة نظريات نشأة اللغة الإنسانية : نظرية المحاكاة والتقليد،ونظرية التواضع والاصطلاح، ونظرية الإلهام والتوقيف.
في المقياس نتعرف عن نشأة اللغة وهو الموضوع الذي شغل كبار المفكرين، وفقهاء اللغة، وجهابذة الفكر، والفلسفة ، واستمر إلى يومنا هذا، وهو كما قيل موضوع قديم جديد،وشائك، وشائق، ولاسيما ما تعلّق بتلك المناقشات العقلية المنطقية التي يصرّح بها كلّ مَن يخوض في الموضوع،أضف إلى ذلك أن الدّاخل في مناقشة جوانب هذا الموضوع لن يصل إلى نتيجة مرضية مُقنعة، وسيعود إلى نقطة البداية التي انطلق منها .
-

امتازت اللّغة العربية بوفرة رصيدها اللّغوي، ودقّة مبانيها، وغزارة معانيها. وما وصلنا منها هو غيض من فيض، أو رشف من الدّيم. ولاأدلّ على ذلك ممّا قاله أبو عمرو بن العلاء (ت154هـ) وهو أحد القراء السبعة :" ما انتهى إليكم ممّا قالت العرب إلاّ أقلّه، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير."
ولمّا سطعت شمس العربية من سماء القرآن الذي أمدّها بمبتكرات البيان، وفرائد ما يجري على اللّسان. ممّا يقضي فيه الأديب اللّبيب بالعجب، ويجد فيه الحافظ المطّلع منتهى الأرب، من سمت ما قدح زناد العقل للنظر في هذه اللّغة اللّطيفة الشريفة كما يقول ابن جنّي التي تفتّقت منها علوم الآلة المساعدة على فقه أسرار اللّسان العربي الموصلة إلى إمكانية الوقوف على مقاصد الخطاب القرآني الذي أذكى جذوة علوم العربية على اختلاف تخصّصاتها. وكان منها علم فقه اللغة الذي وُجِد لينظر في حقيقة هذه اللّغة من حيث نشأتها، وتعقّب ظواهرها في أحوالها الإفرادية. وما تنتظم منه هذه الوحدات من علاقات لفظية كالترادف، والاشتراك، والتضادّ. أو علاقات معنوية كالنّبر، ودلالة الأبنية والأوزان. وما ينجم عن علاقة اللّفظ بالاستعمال كالاشتقاق بأنواعه ، والمعرّب ، والدّخيل، والمولّد وما إلى ذلك من ظواهر لغوية
-
المحاضرة الأولى مدخل: فقه اللّغة (نشأة المصطلح، مفهومه) الفرق بين فقه اللّغة وعلم اللّغة والفلولوجيا،
مقدمة :
فقه اللغة علم يُعنى بدراسة القضايا اللغوية من حيث أصواتها ومفرداتها وتراكيبها وخصائصها ؛ على المستوى الصوتي والصرفي والنحوي والدلالي , والتغيرات التي تطرأ عليها واللهجات التي تتفرع منها. و يبحث قضايا الاشتقاق والنحت والترادف والمشترك اللفظي والأضداد في اللغة ، كما يبحث وظيفة اللغة وأصلها ومصادرها ونشأتها -أي أنه العلم الذي يهتم بدراسة اللغة -
*أقدم من استعمل مصطلح (فقه اللغة) هو : أبو الحسن أحمد بن فارس القزويني ، المتوفى سنة 390هـ . قال في مقدمة كتابه الذي ألفه للوزير إسماعيل بن عبّاد صاحب ابن العميد: " هذا كتاب الصاحبي في فقه اللغة العربية وسنن العرب في كلامها " .
*الكتاب الثاني الذي ألّف بعده , واستعمل مصطلح ( فقه اللغة )هو كتاب ((فقه اللغة))لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي.
وهو معجم من معاجم المعاني ، رتبت فيه المادة اللغوية ترتيبًا معنويًا. (وطبع معه كتاب آخر اسمه سر العربية) .
*علماء الغرب من المستشرقين يخالفون الشرقيين في مدلول لفظ (فقه اللغة) , وهو ما يسمّونه (فيلولوجي-philology) فيقصرونه على المباحث التاريخية التي تبيّن أصل اللغة ونشأتها وتطوّرها , والعوامل التي أدّت إلى تغيرها أو نهوضها , وهو عندهم علم نظري خالص وليس علما تطبيقيا.
أولا - تعريف فقه اللغة , و بيان الفرق بينه وبين علم اللغة.
تعريف فقه اللغة :
مصطلح (فقه اللغة ) - باعتبار تركيبه - يُعرف تعريفاً لغوياً، وتعريفاً اصطلاحيا :
تعريف فقه اللغة لغة : فهم اللغة، والعلم بها، وإدراك كنهها .
تعريفه في الاصطلاح : يطلق فقه اللغة في الاصطلاح على العلم الذي يعنى بدراسة قضايا اللغة؛ من حيث أصواتها، ومفرداتها، وتراكيبها، وفي خصائصها الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، وما يطرأ عليها من تغييرات، وما ينشأ من لهجات، وما يثار حول العربية من قضايا، وما تواجهه من مشكلات إلى غير ذلك مما يجري ويدور في فلكه .
وهو العلم الذي يحاول الكشف عن أسرار اللغة والوقوف على القوانين التي تسير عليها في حياتها ومعرفة سير تطورها ودراسة ظواهرها المختلفة دراسة تاريخية من جانب , و وصفية من جانب آخر .
ويرى (ماريو باي) أن موضوع فقه اللغة لا يختص بدراسة موضوع اللغات فقط ولكن يجمع إلى ذلك دراسات تشتمل على ثقافة وتاريخ اللغة فضلا عن إنتاجها الأدبي .
ويمكن أن يعرف تعريفاً موجزاً، فيقال: هو العلم الذي يعنى بفهم اللغة، ودراسة قضاياها، وموضوعاتها.
بين فقه اللغة وعلم اللغة
المعنى اللغوي لفقه اللغة ولعلم اللغة : أجمعت المعاجم العربية على أن الفقه هو العلم ، قال ابن فارس في مادة فقه : " الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح ، يدل على إدراك الشيء والعلم به ... وكل علم بالشيء فهو فقهه ... ثم اختص بذلك علم الشريعة ، فقيل لكل عالم بالحلال والحرام فقيه ”
وجاء في لسان العرب : " الفقه : العلم بالشيء والفهم له ، وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلوم ... والفقه في الأصل الفهم . يقال : أوتي فلان فقهاً في الدين أي فهماً فيه . قال الله عز وجل : " ليتفقهوا في الدين " أي ليكونوا علماء به ، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس فقال : اللهم علمه الدين وفقه التأويل ، أي فهمه تأويله ومعناه ” وفي القاموس المحيط : " الفقه : العلم بالشيء والفهم له ، والفطنة ، وغلب على علم الدين لشرفه ” فإذا كان الفقه يعني العلم فإن فقه اللغة هو علم اللغة عينه ، إنهما شيء واحد كما جاء في سائر المعاجم العربية .
فقه اللغة وعلم اللغة من الناحية الاصطلاحية :
إذا كان هذان اللفظان ( فقه ، وعلم ) لهما نفس الدلالة ونفس المعنى ، فهل هما كذلك في الاصطلاح ؟
يبدو أن علماءنا القدماء لم يكونوا يفرقون بين هذين المصطلحين ، والسبب في هذا أن علم اللغة (Linguistics ) لم يكن قد ظهر إلى الوجود كمصطلح مستقل ، لذلك فإن كتب اللغويين القدماء تضم موضوعات هذين المصطلحين دون تفريق ، والدليل على هذا الأمر ما جاء في أشهر كتبهم ، وأهمها ما يلي :
أولها : كتاب ( الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها ) لأبي الحسين أحمد بن فارس ، وهو أول كتاب وصل إلينا يحمل هذا المصطلح " فقه اللغة " ويفهم من عنوان الكتاب أنه يتناول نوعين من الدراسة ، الأول فقه اللغة ، والآخر سنن العرب في كلامها ، ونلحظ في الكتاب خلطاً واضحاً بين ما يصنف اليوم ضمن موضوعات فقه اللغة وما يصنف ضمن موضوعات علم اللغة .
فقد اشتمل الكتاب على قضايا لغوية عامة تتحدث عن نشأة اللغة ، وتطورها ، وأفضلية اللغة العربية ، ولهجاتها وغير ذلك من القضايا التي تصنف ضمن موضوعات فقه اللغة . كما اشتمل على مسائل صوتية وهي منتثرة في الأبواب النحوية وذلك عند دراسته للحروف . ومسائل صرفية انتشرت في أماكن مختلفة من الكتاب ، كباب معاني أبنية الأفعال في الأغلب الأكثر وباب البناء الدال على الكثرة ، وباب الفعل اللازم والمتعدي بلفظ واحد ، وغيرها .كما ضم مسائل نحوية ، مثل : حديثه عن أقسام الكلام والحروف ، وحروف المعاني ، النعت وقد أفرد لكل منها باباً خاصاً . كما تحدث عن الإعراب ، ورأى أن علامات الإعراب ذات دلالة على معانٍ فقال : " فأما الإعراب فيه تُميَّز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين "
كما اشتمل على مسائل دلالية تناثرت في أماكن مختلفة من الكتاب كحديثه عن " معاني ألفاظ العبارات التي يعبر بها عن الأشياء " .إلى جانب مسائل بلاغية تشمل بعض قضايا البيان وبعض قضايا علم المعاني وعلم البديع .
مما سبق ندرك أن ابن فارس قد خلط خلطاً واضحاً بين موضوعات اللغة دون أية إشارة للتفريق بين ما يصنف في إطار فقه اللغة أو ما يصنف في إطار علم اللغة .
الكتاب الثاني : فهو كتاب ( فقه اللغة وسر العربية ) لأبي منصور عبدالملك بن محمد الثعالبي (ت429هـ) وقد قسمه مؤلفه إلى قسمين : القسم الأول "فقه اللغة" ضمنه ثلاثين باباً ، وهو عبارة عن معجم خاص ضمنه مؤلفه الألفاظ التي تتصل بموضوع واحد وهو ما عرف باسم الكليات " وهي ما أطلق أئمة اللغة في تفسيره لفظة كل ، من ذلك : كل ما علاك وأظلك فهو سماء ، كل أرض مستوية فهي صعيد ، كل حاجز بين شيئين فهو موْبق ... " كما نجد فيه أبواباً تناولت : الأطعمة والأشربة ، أسنان الناس ، الأمراض ، الطول والقصر ، أوائل الأشياء ، وغير ذلك وكأن كل باب من هذه الأبواب رسالة لغوية من الرسائل التي عرفها العرب في بداية تأليفهم المعجمي .
أما القسم الثاني من الكتاب " سر العربية " فإنه يشتمل على قضايا لغوية مختلفة ، كبعض الأمور الصوتية عند حديثه عن (الإتباع) إلى جانب بعض الأمور الصرفية كحديثه عن (أبنية الأفعال) وحديثه عن (الإبدال ) و (في المفعول يأتي بلفظ الفاعل والفاعل يأتي بلفظ المفعول ) و (في اشتقاق نعت الشيء من اسمه عند المبالغة " . كما اشتمل على بعض الجوانب النحوية عند حديثه عن الحروف وتقديم المؤخر وتأخير المقدم وغيرها . كما نجد فيه بعض المسائل البلاغية كالحديث عن الاستعارة والتجنيس والطباق والكناية والالتفات .
الكتاب الثالث : هو كتاب (الخصائص) لأبي الفتح عثمان بن جنّي ت395هـ ، وهو من أشهر الكتب اللغوية عند قدماء العرب ، وأوفرها مادة ، وأكثرها دقة ، وقد ضمنه مؤلفه عدداً من القضايا اللغوية كما يلي :
1- جوانب تتضمن البحث في اللغة ، من حيث تعريفها ، ونشأتها ، وتفرعها إلى لهجات وتطورها .
2- مسائل تتعلق بمنهج البحث في اللغة ، كحديثه عن حجية اللغة وجمع اللغة وتعليل ظواهرها .
3- جوانب صوتية : كحديثه عن الحرفين المتقاربين يستعمل أحدهما مكان صاحبه ، ومضارعة الحركات للحروف والحروف للحركات ، والساكن والمتحرك وغيرها من المسائل التي تصنف ضمن المستوى الصوتي في الدرس اللغوي .
4- جوانب صوتية : كحديثه عن الحرفين المتقاربين يستعمل أحدهما مكان صاحبه ، ومضارعة الحركات للحروف والحروف للحركات ، والساكن والمتحرك وغيرها من المسائل التي تصنف ضمن المستوى الصوتي في الدرس اللغوي .
5- قضايا صرفية : كحديثه عن الاشتقاق ، والقلب ، والزيادة وغيرها .
6- قضايا نحوية : كحديثه عن النحو والإعراب والحذف (حذف الفعل وحذف الحرف) والبناء .
7- قضايا بلاغية ودلالية : تحدث فيها عن الحقيقة والمجاز وقوة اللفظ لقوة المعنى والدلالة التي قسمها إلى الدلالة اللفظية والدلالة الصناعية والدلالة المعنوية .
يتضح مما سبق أن اللغويين القدماء نظروا إلى كل الموضوعات اللغوية نظرة واحدة ، ولم يفكروا في وضع حد فاصل ينبغي اتباعه بين موضوعات كل مصطلح من المصطلحين (فقه اللغة وعلم اللغة ) فسووا بينهما في مؤلفاتهم .
وهذا الاتجاه من عدم التفريق بين علم اللغة وفقه اللغة وجد صداه في العصر الحديث لدى عدد من الباحثين العرب :
* فذهب علي عبدالواحد وافي إلى أنهما شيء واحد ، وأن فقه اللغة هو أفضل ما يطلق على كل بحث يتناول أية قضية لغوية ، فيقول : " أما بحوث علم اللغة نفسه فقد درس المؤلفون من العرب بعضها تحت أسماء مختلفة ، أشهرها ( فقه اللغة ) وهذه التسمية هي خير ما يوضع لهذه البحوث ، فإن فقه الشيء هو كل ما يتصل بفلسفته وفهمه الوقوف على ما يسير عليه من قوانين "
*أما صبحي الصالح فيرى أنهما شيء واحد ، لأنه ليس من السهولة تحديد ما بينهما من الفروق الدقيقة ، لذا يرى أن التفرقة بينهما تافهة لا قيمة لها ، يقول : " من العسير تحديد الفروق الدقيقة بين علم اللغة وفقه اللغة ، لأن جلّ مباحثهما متداخل لدى طائفة من العلماء في الشرق والغرب ، قديماً وحديثاً . وقد سمح هذا التداخل أحياناً بإطلاق كل من التسميتين على الأخرى ... وإذا التمسنا التفرقة بين هذين الضربين من ضروب الدراسة من خلال التسميتين المختلفتين اللتين تطلقان عليهما ، وجدناها تافهة لا وزن لها ... وإنه ليحلو لنا أن نقترح على الباحثين المعاصرين ألّا يستبدلوا بهذه التسمية القديمة شيئاً ، وأن يعمموها على جميع البحوث اللغوية ، لأن كل علم لشيء فهو فقه ، فما أجدر هذه الدراسات جميعاً أن تُسمى فقهاً ”
*ويرى محمد المبارك : " أن علم اللغة بهذا المفهوم الذي بسطناه والذي آل إليه الأمر في تطور البحث اللغوي نرى أن نطلق عليه أحد الاسمين (علم اللغة ) أو (فقه اللغة ) وكلاهما يفيد المقصود وينطبق على المفهوم العلمي لمباحث اللغة ... وإننا باستعمالنا هذه التسمية وإطلاقنا على هذا العلم أحد الاسمين نكون قد جارينا قدماءنا الذين استعملوهما كليهما وأصابوا كل الإصابة في ذلك "
وإلى جانب هذا الفريق من الباحثين الذين يرون أن (فقه اللغة) و (علم اللغة) شيء واحد ولا ضرورة للتفريق بينهما ، هنا فريق آخر يرى أن التفريق بين هذين العلمين ضرورة ملحة وأمر واجب :
* فقد ذهب كمال بشر إلى مصطلح (فقه اللغة) عند القدماء كان يدل على نوعين من الأبحاث اللغوية ، النوع الأول يتناول البحث في المعجمات وقضاياها المختلفة وما يدور حولها ، إلى جانب مشكلات الألفاظ من حيث معانيها وسماتها وأصالتها ، وترادفها ، وصورها المجازية والحقيقية وما إلى ذلك . ويتضمن النوع الثاني القضايا اللغوية العامة كالحديث عن أصل اللغة ووظيفتها ومصادرها واللهجات والقياس والتعليل وغير ذلك من هذه القضايا التي تعد مدخلاً لدراسة العلم .
ثم ينتقل إلى الحديث عن وضع هذين المصطلحين (فقه اللغة وعلم اللغة ) فيقول : " أما في الحديث فلم يزل (فقه اللغة) يعني البحث في هذه القضايا وأضرابها ، غير أن بعض الدارسين يخلطون بينه وبين علم اللغة بالمفهوم الجديد ، فيطلقونهما في مناقشاتهم كما لو كانا مترادفين ، وهو خلط واضح . ففقه اللغة بمفهومه القديم أو الحديث لا يعدو أن يكون حلقة من حلقات الدرس في علم اللغة ، وبهذا يمكن الاستغناء عنه والاكتفاء بهذا المصطلح العام (علم اللغة ) الذي يجري تطبيقه الآن على أي نوع من أنواع الدرس اللغوي ”
*أما عبده الراجحي وبعد أن عرض لآراء العلماء حول نشأة البحث اللغوي وتطوره عند القدماء والمحدثين رأى أن هناك فرقاً واضحاً بين هذين العلمين (فقه اللغة وعلم اللغة ) فقال : " ومهما يكن من أمر فإن تطور (علم اللغة ) في هذا القرن – على اختلاف مناهجه ومدارسه – قد ساعد على التمييز الواضح بينه وبين (فقه اللغة) ”
وبعد أن عرض إلى منهجي العلمين وموضوعات كل منهما عاد ليؤكد على ضرورة الفصل بينهما فقال : " وغني عن البيان الآن أن هناك فرقاً واضحاً بين موضوعي العلمين ومنهجيهما في درس اللغة ، وهذا التفريق ينبغي أن يكون واضحاً عند بحث المنهج اللغوي عند العرب "
والبحث اللغوي يرى ضرورة التمييز بين هذين المصطلحين ، ولعل أهم الفوارق بينهما تتمثل فيما يلي :
1/ المنهج : فمنهج (فقه اللغة) يختلف عن منهج (علم اللغة) فبعد أن حدد دي سوسير De Saussure الإطار العام لعلم اللغة بقوله : " إن موضوع علم اللغة الصحيح والوحيد هو اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها ” (1) . التزم علماء اللغة بهذا وقصروا بحوثهم على اللغة نفسها في مستوياتها المعروفة وغرضهم من الدرس اللغة لأجل اللغة ، أما فقهاء اللغة فهم يدرسون اللغة وسيلة إلى غاية ، يدرسونها من أجل معرفة الحضارة والآداب والفنون والقيم والمبادئ وما إلى ذلك ، من هنا ندرك فرقاً واضحاً بين منهجي العلمين يوجب التفريق بينهما ، وهو ما أشار إليه أحد الباحثين بقوله : " إن التفريق بين الاصطلاحين (فقه اللغة وعلم اللغة) واجب للتفريق بين دراسة اللغة باعتبارها وسيلة بين دراستها باعتبارها غاية في ذاتها .
2/ إن ميدان فقه اللغة أعم وأوسع وأشمل ، فهو يهتم بالجانب اللغوي للأدب وصيغ الفنون المماثلة ، كما يهتم بالجوانب الاجتماعية المختلفة للحياة ، وقد انصب اهتمام فقهاء اللغة على تقسيم اللغات والمقارنة بينها ومحاولة إعادة تشكيل اللغات ، وفهم النصوص القديمة وشرحها للتعرف على القيم الحضارية التي سادت مجتمعاً ما ، من أجل رسم حضارته بكل أبعادها : " ففقه اللغة هو الأرض الواسعة بين (علم اللغة ) من ناحية من ناحية ، وبين الدراسات الأدبية والإنسانية من ناحية أخرى" (1) أما علم اللغة فيدرس ذات اللغة من حيث البناء والتراكيب ولا يتطرق في دراسته إلى جانب من جوانب الحياة الاجتماعية " وعلم اللغة بمعناه الضيق يركز على التحليل لتركيب اللغة ووصفها باعتبارها ميدانه الأساسي ، وعندما يوسع علماء اللغة ميدان موضوعهم فيعالجون المعنى فإنهم يقتربون من مجال فقه اللغة .
3/ مصطلح (فقه اللغة) سبق مصطلح (علم اللغة) من الناحية الزمنية ، فمصطلح (علم اللغة) حديث عهد ظهر في العصر الحديث ، أما (فقه اللغة) فقد ظهر منذ عصور ما قبل الميلاد ، نعلم إنما جاء " لتوضيح التركيز على التركيب اللغوي دون غيره كأساس للفرق بين الاثنين وذلك واضح في وصف فقه اللغة غالباً بأنه مقارن ، أما علم اللغة فهو تركيبي أو شكلي أي يعنى بالشكل فقط ولا يعنى بما حول اللغة أو ما يتصل بالشكل اللغوي "
4/ منذ ظهور علم اللغة وُصف بالعلم Science ، وقد ركز الباحثون فيه على هذه التسمية . ولا يوجد من حاول أن يصف فقه اللغة بالعلم .
5/ اهتم فقهاء اللغة – منذ أن بدأوا دراسة اللغة – بالمقارنة بين اللغات ومحاولة إعادة تشكيلها ، ورصد تطورها والتأريخ لها مما جعل عملهم عملاً مقارناً تاريخياً في معظمه ، أما عمل علماء اللغة فهو وصفي تقريري .
الخلط بين المصطلحين:
لقد حصل خلط بين المصطلحين السابقين بسبب ترجمة بعض المصطلحات الغربية ومحاولة تطبيقها على لغتنا.
فالغربيون يفرقون بين علمين يتناولان اللغة :
أحدهما: يُعنى بدراسة النصوص اللغوية القديمة، واللغات البائدة، ويهتم بالتراث، والتاريخ، والنتاج الأدبي واللغوي، وقد ترجم هذا باسم (فقه اللغة ).
والثاني: يُعنى بدراسة اللغة في ذاتها: وصفاً وتاريخاً، ومقارنة، ودراسة للهجات والأصوات مستعيناً بوسائل علمية، وآلات حديثة , وهو ما عرفوه باسم (علم اللغة )
وباختصار يتمثل الفرق بين علم اللغة وفقه اللغة في أن علم اللغة يطلق عليه أحيانا (علم اللغة العام ) ويركز على اللغة نفسها , واللغة التي يبحث فيها علم اللغة ليست لغة معينة (اللغة العربية , أو الإنكليزية أو الألمانية ) ؛ وإنما اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها وهي اللغة التي تحققت في أشكال لغات كثيرة , فهناك أصول وخصائص جوهرية تجمع بين اللغات , وهي التي تدرس في مادة علم اللغة . أما فقه اللغة يركز على دراسة لغة واحدة بعينها ؛ العربية أو الانكليزية من كل نواحيها فهو من هنا يختلف عن علم اللغة .
ماذا يدرس فقه اللغة العربية ؟
من الموضوعات التي تدرس في فقه اللغة:
1- نشأة اللغة
2- اللهجات العربية
3- الفصحى والعامية
4- الترادف والأضداد والمشترك اللفظي والدخيل والمعرب
5- العلاقة بين اللفظ والمعنى
6- الخط العربي
7- مميزات اللغة العربية وموقعها بين اللغات السامية .
-
نظريات نشأة اللغة
1- نظرية الوحي والإلهام (التوقيفية):
يرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة هبة من الله تعالى، ولا شأن للإنسان بوضعها ، وأوّل من قال بهذه النظرية كان الفيلسوف اليوناني هيرقليطس الذي رأى أن الأسماء تدل على مُسمّياتها بالطبيعة لا بالتواطؤ والاصطلاح، وأن هذه الأسماء قد أعُطيت من لدن قوّة إلهيّة لتكون أسماء لمسمَّياتها.
واستمرّت هذه النظرية في العصور الوسطى، ولاقت قبولاً عند رجال الدين، ولم تعد براهين هذه النظرية تعتمد على الأدلّة العقليّة والفلسفيّة فحسب؛ بل أضحت تستمدّ شرعيتها من الكتب السماويّة (الإنجيل والتوراة)، من ذلك الجملة التي وردت في صدر إنجيل يوحنّا : ( في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله.
واستمرّت هذه النظريّة بعد ظهور الإسلام، بل ازدادت قوّة بفضل آية قرآنيّة رأى معظم المفسرين أنها دليل على توقيفيّة اللغة ، وهي قوله تعالى : (وعلّم آدم الأسماء كلّها)، وتابع عدد من علماء العربية المفسرين فيما ذهبوا إليه من القول بتوقيفيّة اللغة، منطلقين في ذلك من الآية القرآنيّة ذاتها، وأهمهم : ابن دريد في كتابه الاشتقاق، وابن فارس في كتابيه : الصاحبي في فقه اللغة، ومعجم مقاييس اللغة.
أمّا في العصر الحديث فقد انحسرت هذه النظرية نوعاً ما، إلاّ أنها لم تندثر نهائياً، ففي القرن الثامن عشر نادى بها المفكر الفرنسي دي بونالد، الذي رأى أن اللغة ليست تواطئيّة من خلق الإرادة البشرية فالناس لم يتفقوا فيما بينهم على أن يكون ثمّة لغة فكان هناك لغة، فالإنسان لا يقدر على خلق شيء ما لم يكن لديه فكرة صريحة عنه، ولكي يحصل على هذه الفكرة الصريحة ينبغي له أن يعبّر عنها، إذن اللغة واجب وجود لمنشأ اللغة ذاتها، مما يفيد أن اللغة ليست من عمل القوى البشرية، إنها من لدن الله.
والحق أن ما ذهب إليه دي بونالد بقوله : (إن اللغة واجب وجود لمنشأ اللغة ذاتها ) ليس فتحاً جديداً، فقد سبقه إليه السيوطي بقوله في كتابه المزهر : لو كانت اللغات اصطلاحيّة لاحتيج في التخاطب بوضعها إلى اصطلاح آخر من لغة أو كتابة يعود إليه الكلام.
وبعد هذا العرض السريع لتاريخ هذه النظرية؛ يجدر بنا الوقوف عند قوله تعالى : (وعلّم آدم الأسماء كلّها) .
إن معظم المفسرين ذهب إلى أن اللغة توقيفيّة، ودليل توقيفيتها هو هذه الآية ، وأخذ كلٌّ منهم يفسرها بالشكل الذي يجعل من توقيفيّة اللغة أمراً لا محيد عنه، وتعدّدت الآراء وتشعبت في ماهيّة هذه الأسماء، فابن جني يرى أن الله سبحانه علّم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات العربية والفارسيّة والسريانيّة والعبرانيّة والروميّة وغير ذلك من سائر اللغات، فكان آدم وولده يتكلمون بها، ثمّ إن ولده تفرقوا في الدنيا وعلق كلٌّ منهم بلغة من تلك اللغات، فغلبت عليه واضمحلّ عنها ما سواها لبعد عهدهم بها.
وذهب بعض المفسرين إلى أنّه علمه أسماء ذريته، وبعضهم الآخر إلى أنّه علمه أسماء النجوم، وبعضهم إلى أنه علمه أسماء الملائكة، وبعضهم إلى أنه علمه أسماءه الحسنى.
2- نظرية المحاكاة:
ملخص هذه النظرية أن اللغة نشأت عن محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة المحيطة به، وأقدم الأقوال التي وصلتنا حول هذه النظرية كانت للفراهيدي وتلميذه سيبويه، فقد نقل لنا ابن جني في الخصائص ما نصّه: ( قال الخليل كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدّاً، فقالوا: صرّ، وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً، فقالوا: صرصر، وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على فَعَلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة نحو: النقزان والغليان، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال، وقَبِل ابن جني بهذا الرأي ورجحه بقوله: وذهب بعضهم إلى أنّ أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوِيّ الريح وحنينِ الرعد وخرِير الماء وشحِيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزِيبِ الظبي ونحو ذلك ثم ولدتِ اللغات عن ذلك فيما بعد وهذا عندي وجه صالح ومذهب مُتقبَّل.
وتابعت هذه النظرية ظهورها في العصور الحديثة، فتبنّى العالم ( وايتني ) ما ذهب إليه ابن جنّي بحرفيته تقريباً، إذ رأى ( أن اللغة نشأت عن طريق محاكاة الإنسان للأصوات الطبيعية التي كان يسمعها حوله، وبالغ بعضهم في قيمة هذه النظرية كعبد الله العلايلي ( الذي يزعم أن كلّ حرف من حروف الأبجدية العربية يدلّ على معنى خاصّ، وأنّه إذا عرفت معاني الحروف أمكن معرفة معنى الكلمة العربية ولو لم تكن معروفة من قبل، ثمّ يمضي فيجعل لهذه الحروف معاني فلسفيّة لا نظنّ أنها خطرت يوماً على قلب الإنسان العربي القديم.
والحقّ أن هذه النظرية فيها من المبالغة ما يجاوز حدّ المعقول، فلو كانت اللغة بكاملها محاكاة للطبيعة لما تعدّدت لغات العالم،ولَكان للعالم لغةٌ واحدة لا غير.
إلاّ أن هذه النظرية تحمل شيئاً من الصواب، فبعض الألفاظ تُعد صدىً لأصوات الطبيعة كالحفيف والخرير والزفير والصهيل والعواء، كما أن بعض الألفاظ قد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالدلالات في بعض الحالات النفسيّة، كالكلمات التي تعبّر عن الغضب أو النفور أو الكره، كما أنّه غدا معروفاً في العربية أن زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، وهذا ما أشار إليه سيبويه والخليل آنفاً.
3- نظرية المواضعة والاصطلاح :
يرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة اصطلاح وتواضع يتمّ بين أفراد المجتمع، ومن ثمّ ليس لألفاظ اللغة أيّة علاقة بمسمياتها.
وأوّل من قال بهذه النظرية كان الفيلسوف اليوناني ديمقريطس الذي عدّ مَنشَأ اللغة عملية تواطئيّة؛ لأن الاسم الواحد ذاته كثيراً ما يقبل عدّة مسميات، ولأنّ الشيء الواحد كثيراً ما يقبل عدّة أسماء أو قد يتبدّل اسمه ولا يتبدّل هو، وتوسعاً بهذا المبدأ انتهى ديمقريطس إلى القول بأن الأسماء تُعطى للأشياء من لدن الإنسان لا من لدن قوّة إلهيّة.
وعلى الرغم من سيطرة النظرة الدينية التوقيفيّة في المجتمع الإسلامي؛ فإن ذلك لم يمنع بعض اللغويين العرب من القول بالاصطلاح، وهذا ما يبدو جلياً من خلال قول ابن جنّي في الخصائص: ( أكثـر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف.
وتابعت هذه النظرية في العصور الحديثة استمراريتها، حيث لاقت قبولاً عند الأب الروحي للدراسات اللغوية الحديثة فردينان دي سوسير، فهو يقرّر منذ البداية أن الرابط الجامع بين الدال والمدلول هو اعتباطي، ويبرّر ذلك بقوله: وحجتنا في ذلك إنما هي الاختلافات القائمة بين اللغات ووجود اللغات المختلفة، ولكن دي سوسير ما لبث أن أقرّ بوجود شيء من العلاقة بين الدال والمدلول، إذ يرى أن هناك بعضاً من ملامح الرابط الطبيعي بين الدال والمدلول، ثمّ يرى أن الفرد ليس لديه القدرة على تغيير أي شيء في علامة ما، وذلك عند ثبوتها وتمكنها في مجموعة لغوية.
4- نظرية الانفعالات الفردية والجماعية
يرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة في بداياتها الأولى قد نشأت بسبب مجموعة انفعالات قام بها الإنسان الأول من خلال مشاعره كالفرح والحزن والألم والتعب وغيرها، إذ عبّر عنها بمجموعة أصوات اعتباطية تحولت فيما بعد إلى أصوات منسجمة كونت جملة من المفردات والجمل فيما بعد، أضف إلى ذلك الانفعالات الجماعية من خلال العمل الجماعي كرفع الصخور والصيد والبناء والهدم وغيرها.
5- النظرية التوليدية التحويلية
وهي النظرية التي نادى بها عالم اللغة الأميركي ناعوم جومسكي، إذ يرى أن النحو التوليدي أداة فعالة لتفسير الظواهر اللغوية كحالات الحذف والإضمار والتقديم والتأخير وغيرها، وحالات اللبس التركيبي تشمل البنية العميقة (الذهنية)، وهي مجموعة الخبرات والمعلومات المخزونة في الذهن، والبنية السطحية (الكلام) وهي مجموعة الأصوات والمفردات والتراكيب التي ينطق بها الإنسان.
-
اللغة العربية واللغات السامية:
عاشت في أقصى الغرب الآسيوي مجموعة من الأقوام تتقارب لغاتهم , وقامت لهم حضارات متعاصرة أو متعاقبة أطلق عليهم اسم الساميين ,كما أطلق على مجموعة اللغات التي نطقت بها تلك الشعوب اسم اللغات السامية وتضم مجموعة من اللغات هي :اللغة البابلية والآشورية والعربية والعبرية والآرامية والفينيقية والحبشية , " وبعضها حي لا يزال يتكلم به ملايين البشر , ويحمل كنوزاً غنية من الثقافة والأدب , وبعضها ميت عفت أثاره بذهاب الأيام” .
وأول من أطلق هذه التسمية "اللغات السامية" هو العالم الألماني شلوتزر في أبحاثه وتحقيقاته في تاريخ الأمم سنة 1781م . وقد استخلص هذه التسمية من الجدول الخاص بأنساب نوح عليه السلام الوارد في التوراة : ( وهذه مواليد بني نوح سام وحام ويافت .... بنو سام : عيلام وآشور وارفكشاد ولور وآرام ...)
يلاحظ أن ما جاء في التوراة من أنساب ليس دقيقاً , فقد اعتمدت التوراة في تقسيم الشعوب على الروابط الجغرافية والسياسية والثقافية أكثر من اعتمادها على روابط الدم وأواصر القربى والروابط الشعبية , يؤكد هذا أن نص التوراة السابق قد اعتبر كلاً من الليديين Lydiens والعيلاميينElym'eens من الساميين وذلك لخضوعهم لسلطان الآشوريين وامتزاجهم بهم .
والحقيقة أن لا صلة بين هذين الشعبين والشعوب السامية فهما أجنبيان عن الساميين وأجنبيان أحدهما عن الآخر , فالعلاميون ينسبون إلى الجنس الإيراني , ولم تذكر المصادر أي شيء عن أصل الليدين ز كما اعتبر نص التوراة السابق " الفينقيين من الشعوب الحامية , لتعدد الصلات السياسية والثقافية التي كانت تربطهم بالشعوب الحامية المصرية والبربرية , ولما كان بينهم وبين العبريين من عداء وحروب , ولإختلافهم عنهم في النظم الإجتماعية وشؤون السياسة والدين , مع أنهم من أخلص الساميين نسباً وأقربهم رحماً إلى العبريين أنفسهم" .
ومهما يكن من أمر فإن نص التوراة السابق يوحي بعدم الدقة والصحة "وقد تسرب إلى نفوس الباحثين شيء من الشك في صحة ما جاء فيه” .
ومع كل هذا فقد أطلق الباحثون على لغات هذه الأقوام اسم "اللغات السامية" ,معتمدين في ذلك على ما تم كشفه من النقوش التي تظهر كثيراً من صلات القربى والترابط بين هذه اللغات , مما أنشأ بينهما كثيراً من الخصائص والمميزات .
الخصائص المشتركة بين اللغات السامية :-
1- تعتمد في الكتابة على الحروف الساكنة Consonants أكثر من اعتمادها على الحروف المتحركة Vowels.
2- ترجع معظم كلماتها إلى أصل ذي ثلاثة أحروف.
3- تتشابه في تكوين الاسم من حيث عدده ونوعه.
4- تتشابه في تكوين الفعل من حيث زمنه وتجرده وزيادته وصحته وعلته.
5- تتشابه في الضمائر وطريقة اتصالها بالأسماء والأفعال والحروف , وفي صوغ الجمل وتركيبها , وفي المشتقات لاسمي الفاعل والمفعول واسمي الزمان والمكان .
6- تكاد تخلو من الأسماء المركبة تركيباً مزجياً إلاّ في ألفاظ العدد نحو :خمسة عشر ,بخلاف اللغة الآرية.
7- تختص بمجموعة أصوات الحلق :الحاء والعين,والغين والخاء ,والهاء والهمزة, وهذه المجموعة موجودة بشكلها الكامل في العربية.
8- توجد فيها مجموعة أصوات مطبقة وهي : الصاد والضاد ,والطاء و الظاء.
9- تحقق الاشتقاق إما بتغيير حركة ,وإما بالزيادة في أحرف الكلمة , وإما بإنقاصها من غير أن تلتزم موضعاً واحداً في هذا التغيير , بخلاف الآرية التي يتحقق فيها الاشتقاق بزيادة أدوات تدل على معنى خاص في أول الكلمة غالباً.
10- تتشابه في كثير من المفردات الأساسية المشتركة وعلى الأخص المفردات الدالة على أعضاء الجسم , وصلة القرابة والعدد وبعض الأفعال وبعض الحروف ومرافق الحياة التي كانت منتشرة في الشعب السامي الأم .
أوجه الخلاف بين اللغات السامية :
ومع هذا التشابه والتقارب بين هذه المجموعة من اللغات , يوجد بينها اختلافات كثيرة تميز كل لغة عن غيرها , وأهم هذه الخلافات ما يلي :
1- الاختلاف في أداة التعريف : فهي في العربية " ال" في أول الاسم , وفي العبرية وبعض اللهجات العربية البائدة حرف "ه" في أول الاسم , وفي السبئية حرف "ن" في آخر الكلمة , وفي الآرامية حرف "آ"في نهاية الكلمة , ولا يوجد في الآشورية البابلية ولا الحبشية أداة للتعريف مطلقاً.
2- الاختلاف في علامة الجمع : فهي في العبرية حرفا "يم" للمذكر و"واو وتاء" للمؤنث , وفي الآرامية حرفا "ين" , وفي العربية يستعمل للدلالة على جمع المذكر السالم "واو و نون ",أو "ياء و نون" في آخر الكلمة ,و" ألف و تاء " في آخر الكلمة للدلالة على جمع المؤنث السالم.
3- الاختلاف في الأصوات العربية "ذ غ ظ ض" لا أثر لها في العبرية , والصوتان العبريان "ب ا" و" ﭫ v" لا وجود لهما في العربية ولا وجود للأصوات " ع ق س" في البابلية , وأغلب ما يأتي في العبرية بالسين يأتي في العربية والحبشية بالشين والعكس بالعكس .
وبعد هذه الإشارة السريعة إلى هؤلاء الأقوام الذين عاشوا منذ القدم في أجزاء مختلفة من قارتي أسيا وأفريقيا وقامت لهم حضارات متعاصرة أو متعاقبة وأطلق عليهم اسم "الساميون" وعلى لغاتهم اسم "اللغات السامية" , وبالاعتماد على نص من سفر التكوين , وظهر ما يعرف باسم النظرية السامية.
فالسامية تسمية حديثة عهد أول من استخدمها العالم الألماني شلوتزر في أواخر القرن الثامن عشر , فهي تسمية حديثة شاعت وأصبحت علماً على هذه المجموعة من الشعوب عند عدد كبير من العلماء في الغرب ومن سايرهم من العرب "على الرغم أن هذه التسمية لا تستند إلى واقع تاريخي , أو إلى أسس علمية عنصرية صحيحة أو وجهة نظر لغوية ”.
إن هذا التصنيف للبشر الذي ورد في التوراة ليس إلا من باب الترهات التي دونها الحاخامات ورجال الدين اليهودي , فهو لا يتند إلى أية حقيقة علمية كما أنه لا يقوم على أية اعتبارات لغوية أو عرقية أو جغرافية , إن شلوتزر الذي اقترح هذه التسمية كان يهدف من ورائها تحقيق أهداف سياسية تخدم مصالح الدول الأوربية الاستعمارية , ويقول الدكتور نعيم فرح : "وقد اكتسبت هذه النظرية مفهوما سياسيا , حيث اهتم بها بعض المستشرقين الأوروبيين لتحقيق خدمات حكوماتهم في استعمارها أقطار الوطن العربي , وكان معظم هؤلاء المستشرقين من رجال اللاهوت أو من اليهود التوراتيين , كما كان بعضهم من الجواسيس والسفراء و رجال الاستخبارات وما شابه ذلك
كما تخدم الصهيونية العالمية التي نشطت في تلك الفترة من أجل إقناع يهود العالم بالهجرة إلى فلسطين لإقامة وطن قومي لهم , "وقد أصبحت فلسطين مركزاً يهودياً روحانياً مهماً منذ القرن السادس عشر , أي إبان الفترة التي عاشت فيها سائر الطوائف بالشرق في حالة لا مثيل لها من التردي والركود الفكري ” .
إن الزعم بوجود جنس سام زعم باطل ووهم لا صحة له , إنه من قبيل الدعاية السياسية التي تهدف إلى تحقيق أطماع استعمارية , والعمل على تحطيم الجذور التاريخية للأصول العربية وهدم وحدتها , من أجل قطع حاضر هذه الأمة عن ماضيها لتبقى عاجزة عن إدراك ذاتها ومعرفة طاقاتها , إنه زعم من باب الأساطير التي تحدثنا عن أقوام وشعوب ليس لهم وجود في الواقع , كما أنه بعيد عن الموضوعية وليست له أية صفة علمية , لذا فقد رفضه كثير من العلماء يقول سبيتنوموسكاني عند حديثه عن النظرية السامية :"هي نظرية تنتمي إلى ميدان الدعاية السياسية التي عفت آثارها الآن , أكثر مما تنتمي إلى العلم الجاد , وقد نبذها علماء الأجناس عن حق ”
إن هذه الشعوب التي أطلق عليها خطأ اسم "الساميون" هي في الحقيقة الأمر قبائل عربية هاجرت بفعل العوامل الطبيعية من جزيرة العرب بحثا عن الماء والمكلأ ,ومنهم تفرعت الأقوام الأخرى , يؤكد هذا القول ما ذهب إليه "كثير من العلماء الباحثين في أصل الأجناس والسلالات إلى أن العرب هم الأصل للعرق السامي , ومن أورمتهم تفرعت الأقوام الأخرى وتشعبت قبائلها , ولهذا الفريق شواهد تاريخية و عرقية و لغوية يدعم بها حجته ويثبت آراءه ”
إذا كنا قد تجرأنا بفرضنا السابق من أن العرب هم الأصل للعرق السامي – إن وجد عرق سام – وأن اللغة العربية هي أصل اللغات السامية , فهل يمكننا أن نتقدم خطوة إلى الأمام في محاولة لإثبات هذا الافتراض ؟.
إن الحديث في هذا المجال شاق ومعقد , لأن جل قضاياه غائمة يلفها الغموض كما أنها متشابكة جدا لا تكاد حدودها تتضح , ولعل السبب في ذلك أن هذا الموضوع بني منذ بدايته على افتراض توراتي لا يقوم على دليل علمي و لا أساس له من الصحة . إن كثرة الآراء وتزاحمها وكثرة التخمينات والتخريصات والاجتهادات في هذا المجال جعلت منه أمرا يصعب اكتشاف كنهه وإدراك غوره , مما جعل من العسير علينا أن نقول فيه بقول أو نجزم فيه بأي قاطع . ولكن بعد طول مراجعة وكثرة إطلاع على كتب التاريخ وكتب تاريخ اللغات واللهجات إلى جانب الكتب التي تبحث في الحضارات القديمة , تجمع لدينا عدد من الآراء والأقوال لعدد كبير من العلماء العرب وغير العرب , وبعد دراسة هذه الآراء وتلك الأقوال وتمحيصها والمقارنة بينها أمكن الاعتماد عليها أو الاستئناس بها من أجل تدعيم فرضنا السابق.
وطن الساميين الأصلي :
اختلف الباحثون اختلافاً شديداً في تعيين الموطن الأصلي للساميين وتباينت آراؤهم في تحديد البقعة التي عاش فيها سام بن نوح وذريته , وحاول كل فريق أن يتلمس بعض الأمور التي يدعم بها زعمه , وأن يجد له سندا يعتمد عليه , فلجأ فريق منهم إلى الأساطير والمأثورات القصصية وما دار حول الطوفان وسفينة نوح والمكان الذي رست فيه , ولجأ بعضهم إلى الاعتماد على تشابه بعض الكلمات في لغات تلك القوام كألفاظ أسماء النباتات والحيوانات وأعضاء الإنسان , وبعض الظواهر الطبيعية , ولجأ فريق آخر إلى الاعتماد على خصب البقعة التي زعم أنها موطن سام فالأرض الخصبة لابد من أن تكون مكانا للعيش ومهدا للحضارة . ويمكن استخلاص خمسة آراء في تحديد هذا الموطن كلها لا يعتد بها في هذا الأمر ولا يعول عليها في تحديد موطن حقيقي للساميين , وهذه الآراء هي:
- الرأي الأول :
قال به كل من : إرنست رينان , وفرانسوا لنورمان , وفرينز هومل , وييترز , وأغناطيوس جويدي, ويذهب القول بأن موطن الساميين الأصلي هو شمال شرق جزيرة العرب , أي جنوب العراق , وذلك لوجود بعض الكلمات التي تتشابه في اللغات السامية المختلفة كأسماء النباتات والحيوانات وغيرها , هذا ما جعل جويدي يجزم بأن "سهول العراق لابد أن تكون الموطن الأصلي للساميين , ولاسيما إذا أضفنا إلى ذلك أن البابلية الأشورية توجد منها نصوص مكتوبة منذ الألف الرابع قبل الميلاد , وهي أقدم كتابة في تاريخ الساميين على الإطلاق ” .
ويعلق الدكتور حسن ظاظا على هذا الزعم بقوله :" ولكن هذه النظرية أيضا مجروحة لسبب بسيط جدا , وهو أن أحد الملوك الساميين الأول في العراق وهو الملك سرجون الأول الأكادي " حوالي سنة2600 قبل الميلاد " كتب عن أصله في نقش مشهور ما يفهم منه صراحة أنه وعشيرته نزحوا إلى العراق من شرقي جزيرة العرب ”
- الرأي الثاني :
ويذهب إلى أن مرتفعات كردستان وأرمينيا هي موطن الساميين الأصلي , معتمدا على كثير من الأساطير التوراتية والمأثورات القصصية التي تدور كلها حول تحديد المكان الذي رست فيه سفينة نوح بعد الطوفان , وزعم أنه جبل آرارات بإرمينيا ,وهذا الفرض ليس صحيحا , إذ لو كانت سفينة نوح قد رست في هذه المنطقة لكانت هذه لمنطقة موطنا لجميع البشرية لا للساميين وحدهم.
- الرأي الثالث :
ويقول أن إفريقيا وبلاد الحبشة هي ذلك الموطن الأصلي للساميين , وكان المستشرق " تيودور نولدكه " أشهر من قال بهذا الرأي , معتمدا على بعض التشابه بين اللغات السامية والحامية التي يذهب بعض العلماء إلى اعتبارها لغة سكان إفريقيا الحاميين , ويمكن دحض هذا الرأي بالسؤال الآتي : لم اندثرت اللغات السامية من إفريقيا وبقيت الحامية ؟
- الرأي الرابع :
فيذهب إلى أن بلاد سوريا (أرض كنعان) هي الموطن الأصلي لهؤلاء الأقوام , وبه قال المستشرق الأمريكي " كلاي" , وهو افتراض تعوزه الدقة لأنه بني على بعض المقارنات بين الأساطير والمأثورات الشعبية , وحاول أن يستنتج رأيه هذا من تلك المقارنات , وهي دراسة لا يعتمد عليها لإثبات حقائق علمية , خاصة إذا كانت تلك الحقيقة تعيين وطن أصلي لأقوام عاشت في عصور سحيقة من القدم , ولا يستطيع أحد أن يعرف عنهم شيئا إلا بالاعتماد على الكشوف الأثرية والحفريات , وما يكتشف من نقوش تشير إلى بعض جوانب حياتهم أو تدل على بعض أخبارهم .
- الرأي الخامس :
ويذهب إلى القول بأن جنوب غرب جزيرة العرب ( اليمن ) هو الموطن الأصلي للساميين نظرا لخصب تلك المناطق ولوجود بعض الألفاظ المشتركة بين اللغتين السبئية والعبرية .
هذه هي المناطق التي دار حولها التخمين بأن أحدهما لابد هو الموطن السامي الأول , وإذا نظرنا على تلك المواقع التي افترض العلماء أن موطن الساميين لا يخرج عن واحد منها وجدناها في معظمها تقع على تخوم جزيرة العرب و مشارفها سواء من شمالها الشرقي أو شمالها أو شمالها الغربي أو جنوبها الغربي أو غربها , وهذا يؤكد أن الساميين لابد قد خرجوا من جزيرة العرب طلبا للماء والكلأ , وقد دفعت بهجرات متتالية عمرت مناطق شاسعة من شرق البحر المتوسط ووادي النيل والساحل الغربي للبحر الأحمر حتى عدت هذه الجزيرة مصدراً هاماً للهجرات البشرية , فقد ذهب معظم المؤرخين إلى القول بأن مصادر الهجرة البشرية ثلاثة : أواسط آسيا بالنسبة لشرق آسيا , وأستراليا , وشمال أوروبا , والجزيرة العربية بالنسبة لحوض البحر المتوسط وإفريقيا ووادي النيل وجنوب إفريقيا , وأمريكا مصدر هجرتها غير محدد ومعروف .... فليس لنا بد من أن نتمثل ما يذكره العلماء من أن الجزيرة العربية كانت في حقبة من الحقب مصدرا يوزع على العالم الثروة البشرية ” .
أما السبب في تلك الهجرات من داخل الجزيرة العربية إلى خارجها فيعود إلى ما أصابها من جفاف لأنهارها وتصحر لأراضيها مما أجبر سكانها على الهجرة , ويؤكد لنا جواد علي هذا الأمر بقوله :" وقد رأى بعض العلماء أن جزيرة العرب كانت في عصر البلايستوسين Pleistocene خصبة جدا كثيرة المياه تتساقط عليها الأمطار بغزارة في جميع فصول السنة , وذات غابات كبيرة وأشجارها ضخمة كالأشجار التي نجدها في الزمان الحاضر في الهند وإفريقيا , وأن جوها كان خيرا من جو أوروبا في العصور الجليدية التي كانت تغطي الثلوج معظم تلك القارة , ثم أخذ الجو يتغير في العالم , فذابت الثلوج بالتدريج , وتغير جو بلاد العرب , بالطبع حدث هذا التغير في عصر النيوليتك Neolithic أو عصر الكالكوليتك Chalcolithic ولم يكن هذا التغير في مصلحة جزيرة العرب لأنه صار يقلل من الرطوبة ويزيد في الجفاف ويحول رطوبة التربة إلى يبوسة ,فيميت الزرع بالتدريج ويهيج سطح القشرة فيحولها رمالا وترابا , ثم صحاري لا تصلح لإنبات ولا لحياة الأحياء” .
وما يجعلنا نجزم بأن الجزيرة العربية كانت ذات جو مطير وذات غابات وأشجار قول الرسول صلى الله عليه وسلم :"لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض وحتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها , وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا ” . فالرسول عليه الصلاة والسلام في قوله :" حتى تعود" يؤكد أن هذه الجزيرة كانت مروجا وأنهارا لكثرة الأمطار وطيب الجو , وأنها ستعود كما كانت مروجا وأنهارا . وهذا ما ذكره كثير من المؤرخين عن طبيعة جزيرة العرب وصفات أنهارها وخصائصها وأن مناخها قد تغير لتصير إلى الجفاف والتصحر .
وهناك رأي آخر يذهب إلى أن الموطن الأصلي للساميين هو جزيرة العرب , وقد قال بهذا الرأي عدد كبير من العلماء والمستشرقين , يقول الدكتور حسن ظاظا :"هناك رأي أخير ذهب إليه من أوائل المستشرقين إيرهارد شرادر وأيده من بعد فنكلر , وتيله , والأب فنسان , والأثري الفرنسي جاك دي مورجان , والمستشرق الايطالي كايتاني , وهو يرى أن الموطن الأصلي للساميين كان شبه الجزيرة العربية ” . وهذا ما أكده إسرائيل ولفنسون بقوله :"والذي يمكننا أن نجزم به هو أن أكثر الحركات والهجرات عند أغلب الأمم السامية التي علمنا أخبارها وأسماءها كانت من نزوح جماعات سامية من أرض الجزيرة إلى البلدان المعمورة الدانية والقاصية في عصور مختلفة , فأقدم هجرة سامية اتجهت إلى بابل كانت من ناحية جزيرة العرب.... وكذلك هاجرت البطون الكنعانية والآرامية تاركة بلاد العرب , وكان لحوادثها أثر عظيم في حياة العالم القديم , ثم كانت الهجرة الإسرائيلية التي فتحت بلاد فلسطين بعد أن صدرت من الجزيرة العربية . وقد كان شبرنكر أول القائلين عام 1861م بأن أواسط شبه الجزيرة هي الموطن الأول للساميين ”
ندرك مما سبق أن العلماء والمؤرخين يكادون يجمعون على أن جزيرة العرب هي الموطن الأصلي لتلك القبائل والشعوب التي هاجرت منها متأثرة بما أصابها من جفاف وتصحر أدى إلى تعسر الحياة فيها وأوجب الرحيل عنها طلبا للماء والمرعى , وقد أطلق على هذه القبائل " القبائل السامية " بناء على ذلك الافتراض الذي يزعم أنها من نسل سام بن نوح . ولكن لم كانت هذه البلاد وطنا لسام ؟ هل أن سفينة نوح قد رست فيها ؟ أم أن ساما وذريته قد وجدوا في مكان آخر ثم هاجروا إليها؟ وإن كانوا قد هاجروا إليها , فما سبب هجرتهم ؟ ومن أين أتوا ؟ ثم إن المكان الذي سكنوه قبل هجرتهم إلى جزيرة العرب أولى بأن يسمى موطنهم الأصلي . أسئلة كثيرة تجعلنا أمام حيرة واضطراب , لكن هذه الحيرة وهذا الاضطراب يمكن تبديدهما إذا قلنا أن هذه الشعوب والقبائل شعوب وقبائل عربية وجدت في جزيرة العرب منذ فجر التاريخ ,وعاشت في هذه البلاد وشيدت فيها حضارات علمنا بعض أخبارها مما توفر من نقوش تدل على ذلك . وبعد أن بدأ التصحر يلف هذه البلاد , تحركت تلك القبائل في هجرات متتالية خارج مناطق التصحر والجفاف باحثة عن أسباب الحياة والاستقرار التي ترتبط بالماء والكلأ .
فكانت القبيلة أو المجموعة المهاجرة تبقى سائرة إلى أن تجد ضالتها فتحط عصا الترحال وتقيم في ذلك المكان , ولم تكن كل القبائل لتسير في نفس الطريق وتتجه نفس الاتجاه , فاستقر بعضها في الشمال الشرقي للجزيرة العربية في جنوب العراق وعلى سواحل الخليج العربي حيث مصب دجلة والفرات , واستقر البعض الآخر في بلاد سوريا حيث المياه والأنهار , واستقر البعض في اليمن , وهكذا مما جعل علماء الآثار يكتشفون نقوشا متشابهة اللغة في هذه المناطق مما أدى إلى تخبطهم واضطراب آرائهم في تحديد الموطن السامي الأصلي .
وقد رأى عدد من المؤرخين والعلماء أن من الخير لنا وللحقيقة العلمية أن نطلق على هذه الشعوب التي نزحت من جزيرة العرب اسم الشعوب العربية , يقول الدكتور أحمد سوسة :"يرى بعض الاختصاصيين وجوب تسمية هذه الأقوام بالأقوام العربية لتشمل كل من سكن الجزيرة العربية وخرج منها , لأن العرب والساميين شيء واحد”
وهذا ما أكده الدكتور جواد علي بقوله :" لقد قلت إن مصطلح الشعوب العربية هو أصدق اصطلاح يمكن إطلاقه على الشعوب , وإن الزمان قد حان لاستبدال مصطلح " عربي " و" عربية " ب" سامي " و" سامية " ”(1). ولم تقتصر وجهة النظر هذه على المؤرخين العرب , بل إن المؤرخ الفرنسي بيير روسيه يرى أن الساميين لم يوجدوا في الحقيقة , وأن وجودهم كان من وحي الخيال ومن الوهم , وأن الأقوام التي وجدت في الواقع وأنشات حضارات واسعة وفرضت الاستقرار على تلك المناطق التي وجدت فيها هم العرب , فيقول :" كل شيء يمكن أن يكون بسيطاً لو أننا بدل أن نتحدث عن الساميين – الأبطال الوهميين – نتحدث عن العرب , عن الشعب الذي وجد في الواقع , له كيان اجتماعي ثقافي ولغوي دائم , الشعب الذي منح الحياة والتوازن للبحر المتوسط منذ آلاف السنين”.
إن ذلك الجفاف والتصحر الذي بدأ يزحف إلى جزيرة العرب منذ حقب طويلة من الزمن سبقت ميلاد المسيح بآلاف السنين لم يكن ليشمل أرض الجزيرة كلها في آن واحد , بل كان زحفا تدريجيا ذا تأثير محدود في جو تلك البلاد وفي طبيعة أراضيها , ولازمه زحف بشري في موجات متتالية إلى خارج تلك الجزيرة بحثا عن مقومات الحياة في تلك الأزمان ," ويرى كيتاني أن هذا التغير الذي طرأ على جو جزيرة العرب إنما ظهر قبل الميلاد بنحو خمسة آلاف سنة , وعندئذ صار سكان بلاد العرب وهم الساميون ينزحون عنها أفواجا للبحث عن مواطن أخرى يتوفر فيها الخصب والخير , وحياة أفضل من هذه الحياة التي أخذت تضيق أكثر منذ هذا الزمن”
سكان بلاد العرب هم الساميون , كما قال كيتاني , لست أدري لم أطلق عليها اسم بلاد العرب إذا كانت موطناً للساميين !! ولماذا لم يطلق عليها بلاد الساميين ؟ علماً أن الموطن السامي الأول لا يزال مجهولا حتى الآن , ولم يستطع العلماء أن يتفقوا على رأي واحد فيه , كما أنه من المعروف إطلاق اسم الجماعة البشرية على الأرض التي عاشت فيها , أو قد يطلق اسم الأرض على القوم الذين عاشوا فيها , وقد خالف كيتاني هذا العرف فلم يطلق اسم الجماعة البشرية على الأرض التي عاشت عليها , ولم ينسب الجماعة إلى تلك الأرض , فهو لم يقل العرب سكان بلاد العرب . وقد حدد زمن تأثر تلك البلاد بالجفاف ونزوح أهلها بالقرن الخامس قبل الميلاد , وهو القرن الذي ذكرت فيه كلمة ( العرب ) لتدل على سكان جزيرة العرب , يقول الدكتور نعيم فرح :" وفي القرن الخامس قبل الميلاد ذكر المؤرخ اليوناني هيردوت ( أبو التاريخ ) كلمة العرب وقصد بها سكان الجزيرة العربية كلها ”
يؤكد هذا القول ما ذهب إليه مرجوليوث من أن الوطن الأصلي لبني إسرائيل هو بلاد اليمن وليس شبه جزيرة سيناء , وقد اعتمد في رأيه هذا على بعض الخصائص اللغوية المشتركة بين السبئية والعبرية , إلى جانب اعتماده على تشابه العادات والتقاليد والأخلاق الدينية عند السبئيين وبني إسرائيل , ويقول إسرائيل ولفنسون :" يذهب العالم مرجوليوث إلى أن الوطن الأصلي لبني إسرائيل لم يكن في شبه جزيرة طور سيناء , بل كان ببلاد اليمن التي خرجت منها أمم كثيرة من أقدم الأزمنة التاريخية , ويستدل على رأيه هذا ببعض أدلة منها وجود ألفاظ كثيرة مشتركة بين اللغتين السبئية والعبرية , ومنها أن هناك شبها عظيما بين العادات الاجتماعية والأخلاق الدينية عند أهل سبأ وبني إسرائيل” .
ولا يشك ولفنسون في ما قاله مرجوليوث , بل يؤكد أن عادات بني إسرائيل وأخلاقهم الاجتماعية في عصورهم الأولى بفلسطين كانت قريبة من أخلاق العرب في الجاهلية, ويشير في موضع آخر إلى أن هناك قبيلة يهودية تدعى قبيلة كلب , هاجر منها اليهود الذين سكنوا في جنوب فلسطين , كما يشير إلى وجود قبيلة عربية بهذا الاسم تعيش في شمال جزيرة العرب , وأنها قد هاجرت من اليمن , فيقول : "وكانت بطون كلب من أعظم البطون اليهودية التي تسكن في جنوب فلسطين , وكذلك نجد بين القبائل العربية من يلقب بهذا اللقب , فقد كانت القبائل الكلبية العربية في شمال الجزيرة التي نسبت إلى العصبية اليمنية ” .
وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن تلك البطون الكلبية اليهودية التي تشبه في عاداتها وأخلاقها عرب الجاهلية والتي تقطن جنوب فلسطين أي شمال جزيرة العرب هي أحد بطون قبيلة كلب العربية التي كانت تعيش في اليمن منذ العصور الأولى , وقد اعتنق هذا البطن الديانة اليهودية خاصة إذا عرفنا أن الديانة اليهودية قد انتشرت في جنوب بلاد العرب , وهذا البطن الكلبي أو بعض منه قد نزح شمالا إلى أن استقر في جنوب فلسطين , وليس بعيدا أن تكون هذه البطون قد نزحت إلى شمال الجزيرة ثم اعتنقت اليهودية هناك , حيث أن بعض بطون كلب العربية المسلمة سكنت في شمال بلاد العرب .
وإذا حاولنا استقصاء تاريخ العبرانيين أمكننا القول بأنهم عرب من الكنعانيين العرب الذين هاجروا من الجزيرة العربية متجهين شمالا حيث أقاموا في بلاد سوريا ( أرض كنعان ) , فالعبرانيون من أبناء سيدنا إبراهيم عليه السلام ومعروف أنه كنعاني .
من كل ما سبق يمكن القول إن هذه التسمية – السامية – لا أساس لها من الصحة , إنها تسمية ذات نزعة سياسية معينة , ظهرت في فترة زمنية معينة , من أجل خدمة بعض الأغراض السياسية , كما أنه يمكن القول أن السامية ليست دالة على عرق معينة فلا وجود لجنس سامي بين أجناس العالم , وهذا ما يؤكده الدكتور جواد علي بقوله :" إني حين أتحدث عن السامية لا أتحدث عنها على أنها جنس أي رس صاف بالمعنى الانثروبولوجي , بل أتحدث عنها على أنها مجموعة ثقافية , وعلى أنها مصطلح أطلقه العلماء على هذه المجموعة لتميزها عن بقية الأجناس البشرية , فأنا أجاريهم لذلك في هذه التسمية ليس غيره ”
فهذه التسمية فارغة المحتوى لا تدل على أي جنس بشري , ويجب علينا إسقاطها من تفكيرنا مطلقا , يقول الأب هنري فليش :" إنه ينبغي ألا نفهم من استعمال كلمة السامية أي شيء أكثر من اصطلاح المقصود به تيسير الأمور على الباحثين , دون أن نعتقد أن له دلالة عنصرية ”
إن هذه الشعوب التي أطلق عليها اسم شعوب سامية , ليست إلا شعوبا عربية عاشت في وطنها العربي منذ آلاف السنين , وإن القول بوجود لغات سامية وشعوب سامية لا أساس له من الصحة , ولا يعتمد على أي سند علمي صحيح , إنها أسطورة خيالية روجت لها الصهيونية العالمية والاستعمار , وعلى هذا يجب علينا – نحن العرب – أن نرفض هذه النظرية الكاذبة و نستبدل تسمية " أسرة اللغة السامية – الحامية " و " الهجرات السامية – الحامية " باسم " أسرة اللغة العربية " و " الهجرات العربية ”
اللغة العربية بين الساميات
بعد هذا العرض السريع لتاريخ الساميين ومحاولة توضيح حقيقة النظرية السامية , وحقيقة تلك الشعوب و الأقوام التي أطلق عليها خطأ اسم " الساميون " وبعد أن عرفنا أنهم عرب هاجروا من جزيرتهم بعد أن أصابها الجفاف و التصحر إلى أماكن أكثر أمنا وملاءمة للحياة , يجدر بنا التحدث عن لغات هؤلاء الأقوام ومحاولة الوقوف على خصائصها ومدى تطورها وبعدها عن اللغة الأم .
خرجت تلك القبائل في موجات متتالية , اتجهت كل مجموعة منها إلى جهة معينة , حاملة معها لهجتها الخاصة بها , التي أخذت في الابتعاد التدريجي عن الأصل بسبب بعدها عن الأم , والتطور اللغوي الذي يرافق اللغات , والظروف البيئية الجديدة واحتكاكها بغيرها من اللغات , مما أسهم في تكوين صفات خاصة لهذه اللهجة أو تلك , أدت في النهاية إلى قطع أواصر الصلة بينها وبين أمها من جهة وبينها وبين أخواتها من جهة أخرى , فأخذت تستقل شيئا فشيئا إلى أن أصبحت لغة مستقلة تماما لها خصائصها وصفاتها التي تميزها عن غيرها , " فاللغات التي ظهرت لنا في العصور التاريخية في صور لغات مستقلة لم تكن إلا لهجات للغة واحدة , في الوقت الذي كان فيه الشعب الأول لا يزال أفراده يعيشون معها في منطقة واحدة ”
ونحاول الآن أن نتتبع أقوال العلماء والمؤرخين حول هذه القضية , فقد ذكرت المصادر التي توفرت لنا أن هؤلاء الأقوام الذين رحلوا من جزيرة العرب قد احتكوا بغيرهم من الأمم التي كانت تسكن المناطق التي نزلوا بها , مما أدى إلى اكتسابهم صفات اجتماعية وخصائص لغوية أسهمت في إبعاد لهجاتهم عن اللغة الأم أكثر وأكثر , وعملت على منحها الاستقلال التام كلغات جديدة لكل منها كينونة و نظام خاص بها , وقد أطلق على تلك اللغات " اللغات السامية " , وقد أشار إلى ذلك إسرائيل ولفنسون عند حديثه عن البابليين , فقال :" رحل هؤلاء الساميون من الجزيرة العربية , أو من ناحية سوريا إلى أرض الشومريين , وغلبوهم على أمرهم , وأخضعوهم لحكمهم , ولكنهم لم يستطيعوا أن يغلبوهم في الدين والحضارة واللغة وفي كل نواحي التفكير , بل كان التغلب في هذه الجوانب للشومريين , فتأثر الفاتحون بدين المغلوبين وعمرانهم , واقتبسوا خطهم , وشوهت لغة الساميين بعد أن امتزجت بعناصر كثيرة من لغة المقهورين”
فتأثرت تلك اللهجة العربية التي حملها البابليون معهم بلغات الشومريين , وقد أدى هذا التأثر إلى تطوير لتلك اللهجة أفقدها كثيرا من صفاتها التي ورثتها عن اللغة الأم , مما أدى إلى انفصالها انفصالا تاما لتصبح لغة جديدة مستقلة , لا يربطها بأخواتها اللهجات إلا بعض الخصائص التي لم تتمكن من التنازل عنها , مما جعل تحديد أصلها ليس سهلا , ومثل هذا يقال عن بقية اللهجات العربية التي هاجرت من الجزيرة , فقد أصابها شيء من التطور القسري نتيجة احتكاكها بلغات الشعوب التي عاشت معها , إلى جانب ما أصابها من التطور الطبيعي الذي تتعرض له كل اللغات .
ويزعم ولفنسون أن الأمم السامية قد تأثرت بلغات الجزيرة العربية , كما يلاحظ أن مظاهر هذه الأمم تكاد تكون صحراوية , فعواطفها وخيالها وطرائق تفكيرها يشعرنا بروح الصحراء على زعمه . وهذا ما يجعلنا نتساءل , أي لغات تلك التي يقصد بها لغات الجزيرة العربية ؟ هل كان يعيش في تلك الجزيرة أقوام وشعوب غير الساميين ؟ وإذا كان الجواب بنعم , فلن نسأل عن جنسهم , بل نسأل : إذا كان الساميون قد هاجروا من الجزيرة العربية هربا من الجفاف والتصحر, فلم بقيت تلك الشعوب ولم تهاجر كما فعل الساميون ؟ أم أنها لا تتأثر بالجفاف وانعدام الحياة ؟ ثم نسأل عن نوع ذلك التأثر الذي تأثرت به اللغات السامية , هل كان تأثراً صوتياً أم صرفياً أم في التراكيب أم الدلالة والمعنى , وما مقدار هذا التأثر ودرجته ؟ وما السند العلمي الذي اعتمد عليه المؤلف في إصدار رأيه هذا ؟ كل هذه أسئلة بحاجة إلى إجابات ....!! ثم لم لا تكون هذه الأقوام التي هاجرت من الجزيرة العربية قبائل عربية هاجرت ومعها لغاتها , لا قبائل سامية و معها لغاتها التي تأثرت بلغات جزيرة العرب
ثم يذهب ولفنسون إلى أن من مميزات اللغة العربية أنها تشتمل على عناصر قديمة جدا من اللغات السامية الأصلية , وهذا يدل على أن اللغة العربية كانت موجودة في مهد اللغات السامية , أو في ناحية قريبة منه , أو أن العناصر التي نزحت إلى بلاد العرب كانت من أقدم الأمم السامية .
إن هذا الاستدلال الذي توصل إليه ولفنسون يمكننا من استنتاج أن اللغة العربية لم تكن سامية , بل جاورت السامية وعاشت معها في نفس الإقليم أو أنها كانت في أقاليم مجاورة , مما أدى إلى حصول احتكاك بين تلك اللغات تأثرت العربية من جرائه ببعض الخصائص السامية , ثم إن زعمه بنزوح أمم سامية إلى بلاد العرب زعم يعوزه الدقة والتحقيق أيضا , فمن أي الأقاليم نزحت تلك العناصر السامية إلى بلاد العرب ؟ ومتى كان هذا النزوح ؟ وما أسبابه ؟ ثم أين عاشت تلك الشعوب قبل هجرتها إلى بلاد العرب ؟ كل هذه التساؤلات لا نجد إجابة لها .
إن هذا الغموض وعدم الوضوح الذي يطغى على ما ذهب ولفنسون لخير دليل على أن اللغة العربية هي اللغة التي عاشت في مهد العرب " الجزيرة العربية " وإن ما يدور حول ذلك القول من تساؤلات يدل دلالة واضحة على أن تلك اللغة التي عاشت في بلاد العرب هي لغتهم العربية , كما أن اشتمالها على عناصر قديمة جدا من العناصر السامية المزعومة يؤكد صحة ما نقول , وإلا فلم اشتملت العربية على هذه العناصر القديمة جدا دون غيرها من بقية الساميات ؟ أليس من الجائز أن تكون العربية قد حافظت على خصائصها وصفاتها ولم تفقدها كما في تلك اللغات السامية , التي ليست في حد ذاتها سوى لهجات عربية كانت تعيش في جزيرة العرب إلى جانب اللغة الأم , ومع الهجرة والنزوح بدأت تلك اللهجات بفقد بعض خصائصها تدريجيا بفعل احتكاكها بغيرها من لغات الأمم , أضف إلى ذلك التطور اللغوي الذي يسهم في ابتعاد اللهجة عن أمها , كل هذا أدى إلى قطع الصلات بين هذه اللهجات المهاجرة من جهة , وبينها وبين أمها التي بقيت في الموطن الأصلي من جهة أخرى , مما أدى إلى استقلال كل لهجة منها لتصبح لغة مستقلة قائمة بذاتها كما هو شأن اللغات الأخرى " لأنه متى كثرت هذه الصفات الخاصة , بعدت اللهجة عن أخواتها , فلا تلبث أن تستقل وتصبح لغة قائمة بذاتها”
ومما يؤكد أيضا أن هذه اللغة العربية هي السامية الأم ما ذكره ولفنسون نفسه من أن هناك شبها كبيرا بين العربية والعبرية في كثير من الخصائص والتراكيب وأسماء الأعلام فقال :" وزيادة على المادة اللغوية العبرية التي تشبه العربية شبها كبيرا نجد كثيرا من أسماء الأعلام العبرية القديمة شائعة الاستعمال عند العرب في الجاهلية ”
فوجود كثير من أسماء الأعلام مشتركا بين العبرية والعربية يؤكد لنا تجاور هاتين اللغتين وحياتهما معا في محيط واحد , وقد أسلفنا أن العبرانيين عرب ولغتهم لهجة عربية , وأن أسماء الأعلام المشتركة بين العبرية والعربية هي أسماء أعلام عربية احتفظت بها العبرية باعتبارها لهجة عربية وقد أكد هذا الدكتور علي العناني بقوله :" إن هذا المصدر الذي تشعبت عنه سائر اللغات السامية إنما هو اللغة العربية الأولى التي نطقت بها سبأ في غابر الدهور حين عمرت اليمن وجعلت منها موطنا لها , وجعلت تبتعد هذه الساميات عن أمها السبئية بتراخي العصور وتنائي الديار واختلاط هؤلاء النازحين بمختلف الأقوام ممن جاورهم في أصقاع الأرض ”
هذا رأي صائب لاشك , فاللغات التي أطلق عليها اسم الساميات ليست إلا لهجات عربية انسلخت من العربية الأم بمرور الزمان , هنا قد يقول البعض كيف انسلخت تلك اللهجات من العربية الأم , ولازالت هذه العربية محافظة على سماتها وخصائصها , ولم تندثر كما اندثر غيرها من اللغات , كما لم ينسلخ عنها لغات جديدة ؟ إن تلك اللهجات قد انفصلت عن العربية بفعل عوامل كثيرة , كالبيئة الجغرافية , والوسط الاجتماعي , واحتكاكها بلغات الأمم الأخرى , والتطور اللغوي , كل هذه الأسباب مجتمعه أدت إلى انفصال تلك اللهجات القديمة عن العربية الأم , أما اللهجات العربية المعاصرة فكل لهجة منها تتحفز لتنطلق من عقالها , وتفلت من رباطها ذلك الرباط الذي يربطها باللغة الأم , محاولة الخروج من هذه الحضيرة اللغوية , إلا أن رباطها قوي متين لا ينفصم إنه رباط الإسلام الأبدي , وهذا الرباط هو الذي حافظ على بقاء هذه اللغة قوية متماسكة دون أن يصيبها ما أصاب غيرها من اللغات من تشرذم وانقسام .
ويرى البعض أن اللغة العربية القديمة يمكن تقسيمها إلى قسمين , لغة فصيحة عاشت على تخوم الجزيرة مع تلك القبائل العربية التي نزحت من الجزيرة العربية وهي ما أطلق عليها خطأ اسم اللغات السامية , ولغة فصيحة أخرى عاشت داخل الجزيرة منذ عصور التاريخ الأولى . وقد أشار إلى ذلك إسماعيل العرفي بقوله :" كان للغة العربية في زمن ما قبل الإسلام نوعان من اللهجات الفصحى : لهجات خارجية , ولهجات داخلية , أما اللهجات الخارجية فهي اللهجات التي نشأت خارج شبه الجزيرة العربية عبر أقوامها العربية النازحة منها والمستوطنة حولها , والتي يطلق عليها خطأ " اللغات السامية " كالسومرية , والبابلية , والآرامية , والكنعانية , والعبرية , والمصرية , والحبشية ,أما اللهجات الداخلية فهي اللهجات التي نشأت داخل شبه الجزيرة العربية عبر شعوبها وقبائلها المتعددة القاطنة في جميع أرجائها الشاسعة من بائدة وعاربة ومستعربة وجاهلية ”
وقد ذهب ابن حزم إلى أن أصل اللغات السامية كلها اللغة العربية , وأن تلك اللغات قد انبثقت عنها على مر العصور , وأن هذا التنوع والاختلاف بين هذه الساميات ليس إلا خلاف لهجي فقط , قال :" إلا أن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقيناً أن السريانية والعبرانية والعربية هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير , لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها , فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيران , ومن القيرواني إذا رام لهجة الأندلسي ومن الخرساني إذا رام نغمتيهما . ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط وهي على ليلة واحدة من قرطبة , كاد أن يقول : إنها لغة غير لغة أهل قرطبة , وهكذا في كثير من البلاد , فإنه بمجاورة أهل البلدة لأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلاً لا يخفى على من تأمله ”
هذا العرض لآراء العلماء يخلق لدينا اقتناع تام بأن النظرية السامية تسمية واهية خالية من كل مضمون , وليس لها أية دلالة عرقية أو لغوية , إنه ينطوي قبل كل شيء على نقض للنظرية التي تنادي بمجموعة جنسية تتفق والمجموعة اللغوية السامية ”.
إن الحديث عن لغة سامية حديث بعيد عن الواقع ولا يمت إلى الحقيقة بصلة ,إنه وهم أشبه ما يكون بالخرافة لأنه لا يقوم على سند نقلي أو دليل عقلي , إن هذه السامية المزعومة التي يتحدثون عنها لا يستطيع أي باحث أن يوضح شيئاً من صفاتها أو خصائصها , ولا أن يعرف حتى كلمة واحدة من كلماتها , فالزعم بوجود لغة سامية زعم باطل يدور حول لغة " مندثرة لا نملك منها نصوصاً مكتوبة ولا مروية في كتابات الآخرين ”
إنها لغة مندثرة , إنها عدم لا وجود له , قال أحمد ياقوت :" ونبادر إلى القول بأننا نظن أن اللغة العربية هي السامية الأم نفسها , وليس كما قال العلماء هي أقرب الساميات إلى اللغة الأم . ونظن أيضاً أن باقي الساميات هي لهجات أو لغيات ناقصة النمو متفرعة عن اللغة العربية , والدليل على ذلك ما يلي :
أول هذه الأدلة وهو أهمها أننا إذا افترضنا أن اللغة العربية هي أقرب الساميات شبهاً باللغة السامية الأم , فأين اللغة السامية الأم إذن ؟ يقولون إنها اندثرت ولا نملك منها نصوصاً مكتوبة ولا مروية في كتابات آخرين وهذا شيء عجيب حقاً , فنحن لا نعرف هذه اللغة ولا نملك نصوصاً مكتوبة عنها , ولا نقوشاً , ولم يرو واحد من العلماء نصوصاً بهذه اللغة , ثم بعد ذلك نحكم بأنها كانت موجودة ثم اندثرت , كأننا نحكم على العدم بأنه كان موجوداً ثم أصبح عدماً.
هذه واحدة وأخرى أن هذه اللغة السامية الأم إن كانت قد اندثرت , فلم لم تندثر اللاتينية أيضاً أو السنسكريتية وكلاهما لغة أم انبثقت عنها لغات أخرى, بل كلاهما يقاربان اللغة السامية الأم في القدم ؟ ”
وإذا حاولنا أن نقارن بين هذه اللغات التي زعم أنها لغات سامية من حيث الخصائص والصفات المشتركة بينها ومدى محافظة كل لغة منها على تلك الخصائص لوجدنا أن اللغة العربية قد تميزت على غيرها في المحافظة على تلك الخصائص والصفات التي فقدتها بقية اللغات , مما يؤكد لنا أن العربية هي السامية الأم وقد احتفظت بمعظم الصفات والمزايا التي غالباً ما تفقدها اللهجات المنبثقة عن الأم, وأهم هذه الخصائص التي تميزت بها العربية ما يلي:
الخصائص التي تميزت بها اللغة العربية :
1- أبجدية العربية أوفى هذه الأبجديات وأكثرها قربا والتصاقا بالأبجدية الأم – السامية المزعومة – فهي تفوق غيرها في عدد الأصوات والمخارج التي تستعملها , يقول الدكتور حسن ظاظا :"ولو عرضنا على هذه الأصوات مجموعة مخارج الحروف الموجودة في كل لغة من اللغات السامية , لوجدنا أن أوفى الأبجديات , وأشدها انطباقا على مخارج السامية الأول هو أبجدية اللغة العربية الفصحى التي تحتوي على كل ما جاء هنا ماعدا السين التي بين بين والصاد الفرعيتين , وقد حدث في العربية نطقان جديدان هما الضاد والظاء ”.
فالسبب الذي جعل العربية دون غيرها من بقية مجموعة هذه اللغات تحتوي على كل المخارج وزيادة هو أنها أصل هذه اللغات جميعاً ولم تخسر شيئاً من هذه الأصوات و المخارج إلا ما خضع للتطور الصوتي واللغوي , أما غيرها من اللهجات المتشعبة عنها فكان لا بد لها من التغير وفقدان بعض الخصائص والبعد عن الأصل حتى يمكن استقلالها لتصبح لغة جديدة . إذن فخسارتها أمر حتمي , وبناء على ما سبق فإن مخارج الحروف البالغة ثمانية وعشرين حرفاً ستكون أكثر من أصوات أية لغة أخرى ضمن هذه المجموعة " فهي تنقص عن ذلك كثيراً في العبرية والآرامية والحبشية والبابلية والأشورية . مع ملاحظة أننا نتكلم هنا عن المخارج الأصلية للحروف التي تؤخذ في الاعتبار عند المقارنة اللغوية والبحث عن أصول الألفاظ ”
2- إلى جانب محافظة العربية على المخارج , حافظت كذلك على الأصوات بين السنانية وهما صوت الذال وصوت الثاء , اللذان فقدا من اللغات الأخريات , ليحل صوت الزاي محل الذال في بعض اللغات , ويحل الدال محله في البعض الآخر , أما صوت الثاء فأصبح ينطق في بعض اللغات شينا وفي البعض الآخر سينا , كما ينطق تاء في بعض آخر , وقد أشار إلى هذا الدكتور حسن ظاظا عند حديثه عن صوتي الثاء والذال فقال : "وهما شائعان في العربية , والمقارنة تثبت أنها حافظت عليهما من اللغة السامية الأم , بينما أضاعتهما اللغات السامية الأخرى , فكلمة " أذن " في اللغة العربية , تأتي في البابلية الآشورية وفي العبرية والحبشية بالزاي , بينما تأتي بالدال في الآرامية والسريانية , وفي عربية اليمن القديمة ورد " أذن " بالذال كما في العربية الفصحى . وأما حرف الثاء فإنه يتأرجح في غير العربية من اللغات السامية بين الشين أو السين أو التاء , فالعبرية تنطق " شورو " وفي الآرامية والسريانية " تورا " , ولم ترد الثاء إلا في الفينيقية إلى جانب العربية ”
وهذا التغير في هذه الأصوات نجده الآن في لهجاتنا المحلية , فصوت الذال ينطق زايا في كثير من الكلمات , فكلمة " حذاء " مثلا تنطق "حزاء " فلا نسمع ذالا بل زايا , كما أن هذا الصوت قد نسمعه في بعض الكلمات دالا كما في نطق كلمة " دهب " بدلا من " ذهب " . وكذلك الثاء فإنا نسمعها سينا في بعض الكلمات كما في " ثلاثة " التي نسمعها " سلاسة " , وقد نسمعها تاء كما في " تعلب " بدلا من " ثعلب ". والسبب في تغير نطق هذين الصوتين هو تغير مواضع نطقهما , وهو ما يعزي إلى التطور الصوتي الذي لا تسلم منه لغة , وما يحصل لهذين الصوتين الآن في لهجاتنا المعاصرة هو عينه الذي حصل مع تلك اللهجات العربية القديمة التي أطلق عليها اللغات السامية , وهذا يجعلها تؤكد أن العربية هي أم لتلك اللغات السامية , لأنها حافظت على هذين الصوتين قديما وحديثا بينما خسرتها اللهجات في القديم كما خسرتها في الحديث .
3- وإذا حاولنا تقصي بعض الصوائت القصيرة ( الحركات ) في هذه المجموعة من اللهجات العربية القديمة ( السامية ) أدركنا أن تلك الحركات كلها قد أصابتها تغيرات مطردة أدت إلى تغير صفاتها وخصائصها , وهذا ما لا نجده في العربية الأم التي احتفظت بتلك الحركات كما هي منذ نشأتها باستثناء بعض التغيرات التي يمكن أن نقول عنها أنها شاذة وغير مطردة , السبب في ذلك التغير ما طرأ عليها من بعض التطورات الصوتية التي لا تسلم منها أية لغة , " وأكثر تغيرات الحروف الصائتة الواقعة في اللغة العربية , غير المذكورة إلى الآن اتفاقية , وليس فيها إلا القليل من المطردة , فبقيت الحركات السامية على العموم سالمة على حالها في اللغة العربية ”
4- ومن الخصائص اللغوية التي حافظت العربية عليها ظاهرة الإعراب , الذي هو من أقدم السمات اللغوية للغة السامية المزعومة , يقول برجشتراسر :" الإعراب سامي الأصل تشترك فيه اللغة الاكادية , وبعض الحبشية , ونجد آثارا منه في غيرها أيضا ”. وقد فقدت هذه الظاهرة من معظم المجموعة اللغوية التي زعم أنها الساميات , ولم يظهر واضحا جليا إلا في العربية فقط , يقول يوهان فك :" لقد احتفظت العربية الفصحى في ظاهرة التصرف الإعرابي بسمة من أقدم السمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية باستثناء البابلية القديمة قبل عصر نموها الأدبي ”
إن هذا التفرد للعربية باحتفاظها بظاهرة من أهم الظواهر اللغوية يشير إلى أنها أصل تلك اللغات التي استغنت عن تلك الظاهرة , وأن اللغات التي فقدت الإعراب ليست إلا لهجات عربية انبثقت عن العربية الأم . ولعل أول وأهم تغير يظهر في اللهجات ويبعدها عن الأم هو إهمال حركات الإعراب ومحاولة التخلص منها , وهو ما نشهده في لهجاتنا المعاصرة . " إن التحرر من الإعراب قرينة أكيدة على العربية المولدة , لا العكس , أي أنه ليست العربية المولدة منحصرة في التحرر من الإعراب ”
5- ومن الخصائص التي تؤكد أن العربية هي الأم لكل مجموعة اللغات السامية أن العربية تشتمل على ثروة لفظية كبيرة لا تجاريها فيها أية لغة من تلك اللغات , قد تشترك في عدد قليل من تلك الألفاظ بعض اللغات دون غيرها , وهذا يجعل اللغة العربية تنفرد بعدد كبير من الألفاظ لا توجد في غيرها من تلك المجموعة السامية , وهذا ما دفع برجشتراسر إلى القول :" فأما أصل هذه الكلمات الكثيرة الخاصة بالعربية , فقد فقد مال بعض العلماء إلى أنها أو أكثرها سامية أصلية أيضا , وسقطت من كل اللغات السامية غي العربية , وهذا بعيد عن الاحتمال في الغاية , ولا يجوز افتراضه إلا على فرض كون العربية أقرب إلى اللغة السامية الأم من أخواتها , وحتى كونها هي اللغة الأصلية بعينها ” .
زعم برجشتراسر أن تلك الألفاظ قد سقطت من كل اللغات السامية إلا العربية التي احتفظت بها دون غيرها , وهو زعم غير منطقي , إلا إذا قلنا بأن العربية هي أصل اللغات السامية , وأن تلك اللغات قد فقدت معظم خصائصها , وخسرت كثيرا من ألفاظها أثناء عملية انتقالها وتحولها من لهجة إلى لغة مستقلة , وقد أدرك برجشتراسر أن زعمه السابق غي مقبول , فحاول الاقتراب من الحقيقة عندما افترض أن اللغة العربية هي أصل الساميات . كما يفترض أن العربية ليست كغيرها من الساميات بل تتفوق عن تلك المجموعات بصيغ وأشكال كثيرة , وأفانين متعددة , مما جعلها لا تكتفي بهذه الصيغ القليلة التي ورثتها عن اللغة الأم , مما جعلها تضع صيغا جديدة من أجل الوفاء بالأفانين والأغراض المختلفة , فقال :" ويتضح من ذلك أن العربية لما لم تكتف بصيغ قليلة , مثل سائر اللغات السامية , كانت تميل إلى كثرة الأشكال , والتفنن في الصيغ الكثيرة , ونرى ذلك في صيغ جمع التكسير , فهي متعددة أيضا وبعضها افترضته العربية مع الحبشية , وبعضها اقترحته العربية وحدها ”
6- كما تتميز العربية عن بقية الساميات بخصائص فعلية كثيرة , إذ أن الفعل فيها يستخدم بطرق متعددة وصيغ مختلفة , لا نجدها في غيرها من اللغات , فهي تقوم بتحديد معنى الفعل وتخصيصه داخل السياق باستخدام الأدوات المساعدة الكثيرة والمختلفة الدلالات والأغراض , كل هذا أسهم في تنويع معاني الأفعال , فعندما نقول مثلا " فعل " و" قد فعل " و " قد يفعل " و " سيفعل " و " سوف يفعل " فإن كل صيغة من هذه الصيغ تدل على معنى مغاير لما يدل عليه غيرها من الصيغ الأخرى , " فكل هذا ينوع معاني الفعل اليوناني والغربي , أو بالأحرى : أغنى منهما في بعض الأشياء . وهذا أكبر دلالة على سجية اللغة العربية وطبيعتها , فهي أبا تؤثر المعين المحدد على المبهم المطلق , وتميل إلى التفريق والتخصيص , فاللغة العربية أكمل اللغات السامية وأتمها في هذا الباب , أي باب معاني الفعل الوقتية وغيرها ”
7 - إضافة إلى ما سبق فقد حافظت العربية على عمل الفعل من رفع ونصب , ووافقها في هذا بعض اللغات السامية , وقد انفردت بالمحافظة على عمل الأسماء التي تعمل عمل الفعل , فوضعت لها أحكاما دقيقة وقواعد ثابتة لا نجد لها أثرا في بقية الساميات
8- وقد تفوقت عن غيرها من اللغات السامية إلى جانب تفوقها عن أكثر لغات العالم , وهو ما دفع برجشتراسر إلى القول :" ومن غرائب العربية التي تتميز بها ليس عن سائر اللغات السامية فقط , بل عن أكثر اللغات على العموم : اسناد الفعل أو الخبر إلى ظرف الزمان . نحو : إذا نام ليل الهوجل ” .
9- ويقوم بناء الجملة في العربية على عملية الإسناد , ولابد من مراعاة الترتيب بين المسند والمسند إليه , وقد اختلفت اللغات في ترتيب الألفاظ داخل الجمل , فمنها ما قد عين موقعا محددا لكل لفظة داخل الجملة , لا يمكنها مغادرته إلا في بعض الحالات النادرة , ومن اللغات ما تتحرك كلماتها داخل الجملة كما تشاء دون تأثير على المعنى , أما في العربية فإن التقديم والتأخير بين مفردات الجملة الواحدة ممكن , ولكن وفق أطر ومعايير معينة , وشروط لابد من مراعاتها , فقد وضعت لتقديم الخبر في الجملة الاسمية قواعد أثبت مما يوجد في سائر اللغات السامية ... وهي أشد اللغات السامية تقييدا لترتيب الكلمات.
10 - ومع اشتمال العربية على كثير من الأدوات وطرائق التعبير المختلفة التي تساعد في تنوع التعبير وتسهم في إيضاح كل غموض وإبهام , رغم كل هذا فقد حافظت على كثير من الخصائص التي تؤكد قدمها إذا ما قورنت باللغات السامية الأخرى , فنجدها قد حافظت على خصائص الجملة الاسمية التي هي " من أقدم تركيبات اللغات , والعربية مع احتوائها على وسائط التخصيص والتعيين قد حافظت على هذا التركيب الأولي المبهم أيضا ”
العربية البائدة والعربية الباقية
منذ عصور سحيقة في التاريخ انتشرت اللغة العربية في كل مناطق الجزيرة العربية وأنحائها المختلفة وتفرعت بفعل عوامل التطور اللغوي إلى لهجات متباينة لكل قبيلة لجهتها الخاصة بها ، أدى ذلك إلى أن قسم المستشرقون هذه اللهجات إلى قسمين : لهجات الشمال ولهجات الجنوب . وقد أشار إسرائيل ولفنون إلى ذلك بقوله " وقد وجدنا العلماء من العرب والإفرنج يقسمون اللهجات العربية إلى قسمين يشتمل القسم الأول على جميع اللهجات العربية في شمال الجزيرة ، والآخر يشمل اللهجات التي في الجنوب ”
إلا إن هذا التقسيم لم يَرُق له " ول فنسون " فاعترض عليه ورأى أن لا يعتمد على أسس علمية سليمة وإنما يعتمد على أسس جغرافية وتاريخية غير دقيقة ، كما يرى أن أصحاب هذا التقسيم لم يقدموا تبريراً معقولاً لهذه التسمية ، فيقول : " إنهم لم يشرحوا لنا شرحاً وافياً السبب الذي حملهم على تقسيمهم هذا ولم يبينوا له علة ... إنه ليس تقسيماً جغرافياً صحيحاً ولا تاريخياً دقيقاً فليست هناك حدود واضحة تفصل شمال الجزيرة عن الجنوب ، وتبين لنا من أين وإلى أين كانت منطقة انتشار القسم الجنوبي من اللغة العربية ، ومن أين وإلى أين سادت اللهجات الشمالية من العربية " ثم يقترح أن تقسم هذه اللهجات العربية إلى عربية بائدة وأخرى باقية ، فيقول : " والذي نراه صواباً أن تقسم اللهجات العربية إلى بائدة وباقية "
ومهما يكن من أمر فإن أي تقسيم سواء كان جغرافياً أم تاريخياً أم غير ذلك سيقودنا إلى القول بأن اللهجات العربية القديمة قد انقسمت إلى عربية بائدة تضم تلك اللهجات التي عثر عليها في جنوب بلاد العرب ، وبعضاً من لهجات الشمال ، حيث سادت هذه اللهجات في فترات تاريخية مختلفة ، ثم أتت عليها يد الدهر فأبادتها . وعربية باقية ، وهي التي سادت في العصور الجاهلية ، ونظمت بها القصائد ونزل بها القرآن الكريم ، وهي التي تستخدمها في كتابتنا بها إبداعتنا ونتحـدث بها اليوم . وبناءً على ما سبق سنقوم بدراسة اللهجات العربية على هذا الأساس " العربية البائدة والعربية الباقية " .
-
منذ بداية النظر في اللغة ، مثّل الانتباه إلى أن المعنى وإيصاله إلى المتلقي الهدف من الكلام ، وقد حاول الباحثون النظر في العلاقة بين اللفظ ومعناه، وظهرت آراء في هذه العلاقة منذ عصور الفكر العربي القديم إلى الآن .
يُلاحظ أنّ الكلمة تصير لفظًا عند الكلام وإلاّ فهي كلمة يُحدد سياق الكلام معناها بشكل كبير، ولكن مع ذلك فهي تحتفظ بمعنى يُدعى بالمعنى المعجمي ، وبشكلٍ عام يكون هذا المعنى الأبرز المتعارف عليه بين المتعاملين بتلك اللغة.
محور التساؤل عن العلاقة بين اللفظ والمعنى يدور حول الفكرة الآتية :
في كلمة (حصان) مثلا، هل هناك علاقة ذاتية بين هذه الكلمة والمخلوق الذي تدلّ عليه ؟ أليس بالإمكان أن يتفق أصحاب اللغة على تسمية هذا المخلوق بكلمة أخرى تدلّ عليه بدلا من (حصان) كـ (كلب) مثلا، وتصبح مفهومة ومتعارفًا عليها بين أبناء اللغة ومستعمليها؟
الجواب : بالإمكان ذلك، إذن العلاقة (عُرفية) بين هذا اللفظ ومعناه وليست ذاتية.
دليل آخر على ذلك - كون العلاقة عرفية - أن العلاقة بين كلمة (حصان) وهذا المخلوق لو كانت ذاتية لاتفقت اللغات على تسمية هذا المخلوق بـ(الحصان)، لكنّه في الإنجليزية مثلا(horse).
تعود فكرة النظر في العلاقة بين اللفظ والمعنى إلى قضية تساءل عنها الباحثون في اللغة-ومرّت بنا-هي قضية نشأة اللغة.
تتناول العلاقة بين اللفظ والمعنى
أ-التناسب بين الألفاظ والمعاني.
ب-التقارب بين الألفاظ المتقاربة والمعاني.
ج- اتفاق فروع المادة الواحدة في أصل معناها .
د- دوران المادة على معنى واحد مهما اختلف ترتيب حروفها .
- التناسب بين الألفاظ والمعاني: (تابع للعلاقة الذاتية عكس العلاقة العرفية)
عقد ابن جنّي في كتابه (الخصائص) بابًا في (إمساس الألفاظ أشباه المعاني)
قال فيه: " اعلم أن هذا موضوع شريف لطيف، وقد نبّه عليه الخليل وسيبويه وتلقّته الجماعة بالقبول له، والاعتراف بصحته ، قال الخليل : كأنّهم توهّموا في صوت الجندب استطالة ومدّا فقالوا: (صرَّ)، وتوهّموا في صوت البازي تقطيعًا فقالوا:(صَرْصَرْ). قال سيبويه في المصادر التي جاءت (على الفَعَلان) أنّها تأتي للاضطراب والحركة، نحو: النَقَزَان والغَلَيَان والغَثَيَان، فقابلوا بتوالي حركات الأمثال توالي حركات الأفعال.
قال ابن جنّي:( وجدت أشياء كثيرة من هذا النمط، من ذلك: المصادر الرّباعية المضعّفة تأتي للتكرير نحو: الزعزعة والقلقلة والصلصلة والقعقعة والجرجرة والقرقرة.
- وكذلك جعلوا تكرير العين في نحو: (فرَّح و بشَّر) فجعلوا قوة في اللفظ لقوة في المعنى.
- في مقابلة اللفظ للصوت:
قال ابن جنّي: ( فأمّا مقابلة الألفاظ بما يُشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع، وذلك أنهم كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمْـت الأحداث المُعبّر بها عنها، فيعدلونها بها، من ذلك قولهم:( خَضِمَ و قَضِمَ) فالخضم لأكل الرَّطب كالبطيخ والقثاء وما كان من نحوهما من المأكول الرَّطب، والقضم للصلب اليابس وعليه قول أبي الدرداء : (يَخْضِمُونَ ونَقْضِم، والموعد الله).فاختاروا الخاء لرخاوتها للرَّطب، والقاف لصلابتها لليابس.-مثال آخر: ومن ذلك قولهم: النَّضح للماء ونحوه، والنّضخ أقوى منه. قال الله سبحانه: " فيهما عينان نضّاختان" فجعلوا الحاء لرقّتها للماء الخفيف، والخاء لغلظها لما هو أقوى منه.
- مثال ثالث: قال أبو عمرو: النضح- بالضاد المعجمة-: الشّرب دون الريّ، والنصح- بالصاد المهملة- الشّرب حتى يَروى.
- المناسبة بين اللفظ والحركات للمعنى :
قال ابن القيم: " يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى، والفتحة الخفيفة للمعنى الخفيف، والمتوسطة-الكسرة- للمتوسط "
مثال: (حِمْل و حَمْل) فبالكسر لما كان قويّا مرئيًا مثقلا لحامله على ظهره أو رأسه أو غيرهما من أعضائه ، والحَمْل- بالفتح- لما كان خفيفًا غير مثقل لحامله كحمل الحيوان وحمل الشجرة.
وتأمّل كونهم عكسوا هذا في (الحِبّ و الحُبّ) فجعلوا المكسور الأول لنفس المحبوب، ومضمومه للمصدر، إيذانًا بخفة المحبوب على قلوبهم وثقل حمل الحُب ولزومه للمُحِب.
-مثال آخر: وتأمّل قولهم : دار دورانا، وفارت القدر فورانا وغَلَت غليانا، كيف تابعوا بين الحركات في هذه المصادر لتتابع حركة المُسمّى، فطابق اللفظ المعنى.
- المناسبة بين اللفظ وحروفه:
قال ابن القيم: ( تأمّل قولهم حجر وهواء، كيف وضعوا للمعنى الثقيل الشديد هذه الحروف الشديدة ، ووضعوا للمعنى الخفيف هذه الحروف الهوائية التي هي من أخفّ الحروف وهذا أكثر من أن يُحاط به).
- اتفاق فروع المادة الواحدة في أصل معناها- دوران المادة على معنى واحد مهما اختلف ترتيب حروفها.
-
مقدمة:
تعد الأبنية والأوزان من الأبعاد الأساسية التي تميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات. فالبنية في اللغة العربية ليست مجرد تنظيم للحروف، بل هي الإطار الذي يحدد معنى الكلمة. بينما تعد الأوزان النظام الصرفي الذي يساعد في تحويل الجذر إلى صيغ متنوعة، تساهم في إغناء المعنى اللغوي. في هذا البحث، سنتناول الأبنية والأوزان من خلال عرض مفصل لماهية كل منهما، وتصنيفهما، وتأثيرهما في اللغة العربية.
الأبنية في اللغة العربية:
تعريف البنية :
البنية هي التركيب الداخلي للكلمة العربية، والذي يتكون من الجذر وحروف زائدة أو مصاحبة قد تأتي لتعطي معنى جديدًا. يشير هذا المصطلح إلى كيفية ترتيب الحروف داخل الكلمة، وعادة ما يتم تصنيف الكلمات حسب عدد الحروف الأصلية فيها، سواء كانت ثلاثية أو رباعية أو خماسية أو سداسية.
أنواع الأبنية :الأبنية الثلاثية :
تعد الأبنية الثلاثية هي الأكثر شيوعًا في اللغة العربية. هذه الكلمات تتكون من ثلاثة حروف أصلية تُبنى عليها كلمات كثيرة في اللغة، وأمثلتها: كَتَبَ (فعل ماضٍ) فَتَحَ (فعل ماضٍ) سَمِعَ (فعل ماضٍ) البنية الرباعية الأبنية الرباعية تتكون من أربعة حروف أصلية، وهذه الأبنية نادرة مقارنة بالأبنية الثلاثية، لكنها تحمل معاني متميزة. ومن أمثلتها: دَرَّسَ (فعل ماضٍ) سَافَرَ (فعل ماضٍ) البنية الخماسية والسداسية وهذه الأبنية أقل شيوعًا، وعادة ما تكون في الأسماء أو المصطلحات المتخصصة، مثل: استفهم (فعل ماضٍ) استخرج (فعل ماضٍ)
الأوزان في اللغة العربية:
تعريف الوزن :
الوزن في اللغة العربية هو الصيغة التي يتم بها بناء الكلمة من الجذر العربي. يتكون الوزن من ترتيب معين للأحرف الساكنة والمتحركة في الكلمة، ويُستخدم لتكوين معاني جديدة. الأوزان هي الأسس التي تُبنى عليها الأفعال والأسماء في اللغة العربية، وتختلف هذه الأوزان باختلاف المعاني المراد نقلها.
أنواع الأوزان واستخداماتها:
وزن "فَعَلَ" (الماضي) هذا الوزن يستخدم للإشارة إلى الفعل الماضي في اللغة العربية. هو الوزن الأساسي في تصريف الأفعال، ويشمل أفعالًا مثل: كَتَبَ (فعل ماضٍ) فَتَحَ (فعل ماضٍ) وزن "مَفْعُول" (اسم مفعول) يُستخدم هذا الوزن لتكوين اسم المفعول، ويعبر عن الشيء الذي وقع عليه الفعل. أمثلة: مَكْتُوب (اسم مفعول) مَفْهُوم (اسم مفعول) وزن "فَعَّال" (اسم مبالغ) هذا الوزن يستخدم للدلالة على المبالغة في حدوث الفعل. وهو يُستخدم للإشارة إلى الصفات المبالغ فيها، مثل: كَرَّام (شخص كريم جدًا) عَطَّار (شخص يتاجر في العطور) وزن "مُفَعِّل" (اسم فاعل من فعل رباعي) هذا الوزن يستخدم عند اشتقاق أسماء الفاعلين من الأفعال الرباعية. مثال: مُدَرِّس (اسم فاعل من "دَرَّسَ") وزن "فَيْعَل" (اسم مكان) يُستخدم هذا الوزن في تكوين أسماء الأماكن، مثل: مَصْرَف (مكان لصرف الأموال) مَلْهَى (مكان للترفيه)
تأثير الأوزان في المعنى:
كل وزن من الأوزان المذكورة يحمل دلالات معينة تؤثر في معنى الكلمة المشتقة. على سبيل المثال، تغيير وزن الكلمة من "فَعَلَ" إلى "فَعَّال" قد يُحول المعنى من فعل بسيط إلى دلالة على المبالغة في الفعل أو النشاط.
دور الأبنية والأوزان في فقه اللغة العربية :
تأثير الأبنية في الصرف العربي:
تعد الأبنية في اللغة العربية من الأسس المهمة في الصرف العربي. فهي تشكل الإطار الذي يُحدد كيف يمكن اشتقاق كلمات جديدة باستخدام الجذر، وتساهم في تطور المعنى من خلال إضافة أحرف زائدة أو تغيير ترتيب الحروف.
توسيع المعاني عبر الأوزان:
يتمكن المتحدثون من توسيع معاني الكلمات عبر استخدام الأوزان المختلفة، ما يعزز قدرة اللغة على التعبير عن الأفكار والمفاهيم المختلفة. على سبيل المثال، من خلال استخدام وزن "مَفْعُول" يمكن تحويل الجذر "كتب" إلى "مكتوب" الذي يشير إلى شيء قد تم كتابته.
الاشتقاق والتنوّع اللغوي :
الاشتقاق هو عملية تكوين كلمات جديدة باستخدام الأوزان المختلفة التي تتخذ من الجذر الأساس. بفضل هذا النظام، فإن اللغة العربية قادرة على تقديم دلالات متعددة للكلمة الواحدة، سواء كانت اسمًا أو فعلًا، وفي مختلف السياقات.
أمثلة توضيحية على الأبنية والأوزان:
أمثلة على الأبنية الثلاثية :
جذر "ك-ت-ب" وزن "فَعَلَ": كَتَبَ (فعل ماضٍ) وزن "مَفْعُول": مَكْتُوب (اسم مفعول) جذر "ف-ت-ح" وزن "فَعَلَ": فَتَحَ (فعل ماضٍ) وزن "مَفْعُول": مَفْتُوح (اسم مفعول) المطلب الثاني: أمثلة على الأوزان الرباعية جذر "د-ر-س" وزن "فَعَّلَ": دَرَّسَ (فعل ماضٍ) وزن "مُفَعِّل": مُدَرِّس (اسم فاعل)
خاتمة :
تعد الأبنية والأوزان من الركائز الأساسية في دراسة فقه اللغة العربية، فهي التي تساهم في بناء الكلمات وتحديد معانيها وتوسيع نطاقها في اللغة. من خلال تحليل الأبنية والأوزان يمكن فهم عميق للغة العربية وطريقة اشتقاق الكلمات والتعبير عن المعاني الدقيقة. إن دراسة الأبنية والأوزان توفر للدارسين آلية قوية لفهم تطور اللغة العربية وكيفية تأثير التراكيب الصرفية في تشكيل المعاني.
-
أ ـ الترادف في اللغة :
قال تعالى: ﴿(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ))، قال الفراء: ((فأما مردفين : فمتتابعين))، و((الرِّدْفُ: ما تَبِعَ شيئاً فهو رِدْفُه، وإذا تتابع شيءٌ خَلْفَ شيءٍ فهو التَّرادُف، والجميعُ: الرُّدافَى))، و(( وقال الزجاج رَدِفْتُ الرَّجل إذا ركبت خلفه، وأَرْدَفْتُهُ أركبته خلفي ))، وقال ابن منظور: ((وترادف الشيء تبع بعضه بعضاً)).
ب ـ الترادف في الاصطلاح :
قال أبو حامد الغزالي (ت505هـ): الترادف يعني: ((الألفاظ المختلفة في الصيغة المتواردة على مسمى واحد كالخمر والعقار، والليث والأسد، والسهام والنِّشاب، وبالجملة كل اسمين عبَّرت بهما عن معنى واحد فهما مترادفان))، وعند الإمام فخر الدين الرازي (ت606هـ) يعني: ((الألفاظ المفردة الدالة على شيءٍ واحدٍ باعتبارٍ واحدٍ))، وعرَّفه الشريف الجرجاني (ت816هـ) بأنَّه ((عبارة عن الاتحاد في المفهوم، وقيل: هو توالي الألفاظ المفردة الدالة على شيءٍ واحدٍ باعتبارٍ واحدٍ، ويُطلق على معنيين أحدهما: الاتحاد في الصدق، والثاني: الاتحاد في المفهوم ومَن نظرَ إلى الأول فرَّق بينهما، ومَن نظر إلى الثاني لم يُفرق بينهما))، وقال في موضعٍ آخر: ((المترادف ما كان معناه واحداً وأسماؤه كثيرة وهو ضد المشترك أخذاً من الترادف الذي هو ركوب أحد خلف آخر كأنَّ المعنى مركوب، واللفظين راكبان عليه كالليث والأسد)).
وعرفه الدكتور رمضان عبد التواب بأنه ((ألفاظٌ متحدة المعنى، وقابلة للتبادل فيما بينها في أي سياق))، وهو عند الدكتور حاكم الزيادي ((تلك الألفاظ المختلفة التي تدل على معنى واحد على سبيل الإنفراد))، وعرَّفه الدكتور ﮔاصد ياسر الزيدي بـ((أن يدل لفظان أو أكثر على معنى واحد ))، وعند الدكتور رشيد العبيـدي: ((هو الاتحاد في المفهوم أو الدلالة)).
وتشير الدراسات إلى أنَّ أول إشارة إلى هذه الظاهرة اللغوية نجدها عند سيبويه (ت180هـ) في كتابه، إذ قال: ((اعلم أنَّ من كلامهم اختلافَ اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلافَ اللفظيين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين... فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلسَ وذهبَ. واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو: ذهبَ وانطلقَ)) .
أسباب وقوع الترادف :
اختلف العلماء في أسباب الترادف في اللغة العربية، فقد عزا قطرب (ت206هـ) ذلك إلى التوسع بالكلام فهو القائل: ((إنَّما أوقعت العرب اللفظين على المعنى الواحد ليدلّوا على اتساعهم في الكلام، كما زاحفوا في أجزاء الشعر، ليدلّوا على أن الكلام واسعٌ عندهم، وأن مذاهبه لا تضيق عليهم عند الخطاب والإطالة والإطناب))، وعزا الدكتور علي عبد الواحد وافي ذلك إلى جامعي المعجمات العربية، وذكر(سبعة) أسبابٍ عدَّها من أهم أسباب وقوع الترادف في اللغة العربية، هي: أنَّ جامعي المعجمات العربية لم يأخذوا عن قريش وحدها بل أخذوا عن قبائل أخرى، ودونوا في معجماتهم الكلمات المهجورة في الاستعـمال، وخلطوا بين الألفاظ الحقيقية والألفاظ المجازية، وخلطوا بين الأسماء والصفات، وجعلوا الألفاظ المتقاربة في المعنى من الألفاظ المترادفة، وأضافوا إلى العربية ألفاظاً من أخواتها الساميات، أما السبب السابع فهو احتكاك لغة قريش باللغات الأخرى.
ب ـ شروط قبول الترادف :
أول مَن وضع شروطاً لقبول الترادف في اللغة العربية هو فخر الدين الرازي إذ قال في حدِّ الترادف: ((هو الألفاظ المفردةُ الدالة على شيء واحد باعتبارٍ واحد)) قال: ((واحترزنا بالإفراد عن الاسم والحدِّ فليسا مُترادفين، وبوَحْدة الاعتبار عن المتباينين كالسيف والصارم، فإنهما دَلاَّ على شيءٍ واحد لكنْ باعتبارين: أحدُهما على الذَّات والآخر على الصّفة، والفرقُ بينه وبين التوكيد أنَّ أحد المترادفين يُفيدُ ما أفاده الآخر كالإنسان والبشر، وفي التوكيد يُفيد الثاني تقويةَ الأوّل، والفرقُ بينه وبين التابع أن التابع وحدَه لا يفيد شيئاً كقولنا: عَطْشان نطْشان)). وزاد الدكتور رشيد العبيدي على هذه الشروط شرطاً آخر هو ألا تكون ألفاظاً دخيلة ومعربة.
واشترط المحدثون لوقوع الترادف في اللغة (أربعة) شروط هي :
1. الاتفاق في المعنى بين الكلمتين اتفاقاً تاماً .
2. الاتحاد في البيئة اللغوية .
3. الاتحاد في العصر .
4. ألا يكون أحد اللفظين نتيجة تطور صوتي للفظ الآخر.
وهذا يعني أنَّ الترادف لا يقع في الألفاظ المتقاربة في المعنى، ولا في الألفاظ المعربة والدخيلة، ولا بين الأسماء والصفات، ولا في الألفاظ المأخوذة من اللغات السامية الأخرى؛ لعدم اتفاقها في العصر. أما اختلاف اللهجات فقد قال الدكتور إبراهيم أنيس فيه: (( فإذا طبقت هذه الشروط على اللغة العربية، اتضح لنا أنَّ الترادف لا يكاد يوجد في اللهجات العربية القديمة، وإنَّما يمكن أن يلتمس في اللغة النموذجية الأدبية))، وقصد باللغة النموذجية الأدبية لغة القرآن.
· عوامل نشأة الترادف :
1/ التطور الدلالي :
حصل لكثير من المفردات ذات المعاني المتقاربة تطور دلالي في مرحلة تاريخية معينة أدى الى تغيير معناها ، مثال ذلك لفظة عقيرة ، فمعناها في الأصل الساق المقطوعة ، ثم قالوا رفع عقيرته أي صوته ، وسبب ذلك أن رجلا عقرت رجله فرفعها وصاح ، فقيل بعد ذلك لكل من رفع صوته رفع عقيرته .
2/ التطور الصوتي :
قد تتطور بعض أصوات الكلمة الواحدة على ألسنة الناس ، فتنشأ كلمة جديدة ، عندها تعد الكلمتان من الترادف ، مثل سقر وصقر وزقر ، ودعس ودعز وغيرهما .
3/ اختلاف اللهجات :
دفع هذا الاختلاف العرب الى اطلاق أسماء متعددة على الشيء الواحد ، فكل قبيلة تطلق على الشيء اسما مغايرا للاسم الذي أطلقته قبيلة أخرى على الشيء نفسه ، وبعد نشوء اللغة المشتركة تمسكت بعدد من تلك الأسماء مثل حلف وأقسم وبعث وأرسل ، وفي واقعنا اللهجي اليوم أمثلة كثيرة ، من ذلك البطيخ في مصر والرقي في العراق والدلاح في ليبيا والحبحب في السعودية .
4/ الصفات :
وضع العرب صفات مختلفة لكثير من الأسماء ، عدها الرواة من قبيل الأسماء ، ثم شاع استعمالها ونسي ما فيها من وصف ، فاختلطت الأسماء بالصفات ، مثال ذلك أسماء السيف المختلفة هي في الأصل صفات له نحو الصارم والباتر والقاضب والصقيل وغير ذلك .
5/ الاستعارة من اللغات الأعجمية :
جاورت العرب عبر التاريخ أقوام أعجمية ،لهم لغاتهم كالفارسية والحبشية واليونانية وغيرها ، فاستعار العرب منهم بعض الكلمات ، مثل الاستبرق والباذق والبخت واليم والدست
ظاهرة الترادف واختلاف الدراسين حول وجوده بين الإثبات والنفي:
يرى أغلب الباحثين المحدثين أنَّ الترادف ظاهرة لغوية موجودة في العربية، ومن ينعم النظر في الدراسات اللغوية الحديثة التي تناولت موضوع الترادف يجد أصحابها يُقَسِّمون العلماء بيـن منكرٍ لهذه الظاهرة اللغوية، ومُبالغٍ فيها، ويجعلون قسماً ثالثاً معتدلاً بين القسمين، وبعضهم يُصرِّح بذلك، وبعضهم يُشير إليه ضمناً.
الفريق الأول : ذهب سيبويه، وتلميذه قطرب، والأصمعي، والقاسم بن سلام (ت 224هـ)، وابن السكيت (ت 244هـ)، وغيرهم من اللغويين إلى جواز وقوع الترادف في اللغة ومن المعاصرين الذين قالوا بجواز وقوعه في اللغة علي الجارم وتابعه تلميذه الدكتور إبراهيم أنيس والدكتور صبحي الصالح.
والفريق الثاني : أنكر وقوع الترادف في اللغة ابن الأعرابي، وتابعه تلميذه ثعلب(ت291هـ)، وابن فارس(ت395هـ)، وأبو علي الفارسي (ت377هـ)، وعدَّ ابن درستويه (ت347هـ) الترادف بأنَّه لغات، وتابعهم من المحدثين الأب هنري كولا منس اليسوعي، والأستاذ حفني ناصف، والدكتورة بنت الشاطئ، والدكتور أحمد مختار عمر، فالترادف عنده غير موجود على الإطلاق.
أما القسم الثالث فيمثله فخر الدين الرازي، قال الدكتور ﮔاصد ياسر الزيدي: ((وقد كان فخر الدين الرازي يحدد الترادف، دون أن ينكره جملة ... وهذا الذي ذهب إليه الرازي هو أقرب في ما يبدو إلى واقع اللغة وقصد المتكلم، ممَّا يذهب إليه كثير من القدامى من الرفض المطلق أو القبول المطلق)).
· أمثلة على الترادف
العسل له ثمانون اسما ، منها : الضرب والذوب والشوب والورس والنسيل والشهد والماذي والسنوت ولعاب النحل والرضاب والسلوى والسليق والسلاف .
· مؤلفات في الترادف :
1/ ما اختلفت ألفاظه واتفقت معانيه للأصمعي (ت 216هـ)
2/ الألفاظ لابن السكيت ( ت 244هـ )
3/ جواهر الألفاظ لقدامة بن جعفر ( ت 337هـ)
-
1-تعريف المشترك اللفظي:
أ- لغة:
من الاشتراك وهو الاجتماع، والمخالطة، يقال: أشرك فلانا في الأمر إذا دخل فيه معه، ولفظ مشترك أي مجتمع فيه معان كثيرة (مختار الصحاح للرازي).
ب-اصطلاحاً:
ويتجلى من خلال تعريفه عند العلماء القدماء والمحدثين:
1- عرفه سيبويه في كتابه (باب اللفظ والمعنى) ومن كلامهم: ” اتفاق اللفظين، والمعنى مختلف، نحو قولك: وجدتُ عليه من الموجدة، ووجدتُ، إذا أردت وجدان الضالة.
2- وعرفه الأنطاكي في كتابه ” دراسات في فقه اللغة ” :( إن الاشتراك هو أن تتعدد المعاني للفظ الواحد، ويسمى اللفظ الذي تعددت معانيه بالمشترك).
3- وأما الرازي في المحصول فعرفه بقوله:(هو اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعا أولا من حيث هما كذلك)
4- وجاء في كتاب (الصاحبي في فقه اللغة) لأبي الحسين أحمد بن فارس قوله في باب الأسماء كيف تقع على المسميات: ” يسمى الشيئان المختلفان بالاسمين المختلفين، وذلك أكثر الكلام، كرجل وفرس، وتسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد، نحو عين الماء، وعين المال وعين السحاب. ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو السيف، المهند، الحسام.
2-كتب القدماء التي عالجت قضية المشترك اللفظي:
أ-في القرآن الكريم:
1- الوجوه والنظائر في القرآن الكريم لمقاتل بن سليمان البلخي المتوفى سنة ١٥٠هـ.
2- الوجوه والنظائر في القرآن لهارون بن موسى الأزدي الأعور المتوفى سنة١٧٠هـ.
3- الوجوه والنظائر للحسين بن محمد الدامغاني.
4- معترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي خصص قسماً كبيراً منه في المشترك.
5- كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن المجيد للمبرد (ت٢٨٥هـ).
ب-في الحديث الشريف:
كتاب الأجناس من كلام العرب وما اشتبه في اللفظ واختلف في المعنى لأبي عبيد القاسم بن سلام (224ه)
ج-في اللغة العربية ككل:
1- كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه لأبي العميثل.
2- المنجد لكراع النمل.
3- ألف فيه كذلك الأصمعي، واليزيدي.
3-أسباب نشأة المشترك:
1- وجود كلمة في صيغة الجمع أشبهت أخرى في صيغة المفرد مثل “النوى” جمع نواة و ” النوى ” البعد، فيما يعرف بالاشتراك الكاذب، ولا يستعمل إلا عند التكلف من الذين يريدون التورية وما يشبهها في دقائق البديع.
ومنه الاشتراك تشابه اسم وفعل في النطق، مثل الفعل (هوى)أي سقط و (الهوى) الذي هو ميل النفس، والحب، ومنه أيضاً تشابه صيغ مختلفة الأصل والاشتقاق والعموم.
2- وجود كلمة هي من حيث اللفظ عند أكثر من قبيلة، مع اختلاف المعني أو الاستعمال في كل من هذه القبائل، فإذا ما حدثت وحدة بينهما أكتسب اللفظ أكثر من معنى من القبائل التي كانت تستعمله.
3- الاستعمال المجازي أو اختلاف اللهجات، أو التعريب من لغات أخرى، أو التطور اللغوي.
فمثلا كلمة “كافر” لم تطلق على “الآكار ” و “الليل ” إلا من قبيل المجاز، بسبب حمل هذه الألفاظ لمعني التغطية، فالآكار يغطي البذور بالتراب، والليل يغطي الأشياء بظلامه.
4-كيف وُجد المشترك اللفظي في اللغة؟
قال بعض العلماء إنه وجد في اللغة بسبب الوضع:
1- إما من واضعين بأن يضع أحدهما لفظاً لمعنى، ثم يضعه الآخر لمعنى آخر، ثم يشتهر ذلك اللفظ ما بين الطائفتين في إفادة المعنيين، وبمرور الوقت يشيع الاستعمال عند الفريقين، فيستعمل هذا ذاك والعكس، حتى ينسى الواضع، ويبقى الاستعمالان.
2- وإما من واضع واحد؛ لغرض الإبهام على السامع، حيث يكون التصريح سبباً لمضرة.
5-موقف العلماء من المشترك:
1- موقف المُثْبتين:
الأكثرون من علماء اللغة قالوا: إن المشترك اللفظي واقع في اللغة واعترف به ابن فارس ومثل له (بالعين) و(مضى) كما ألف كتاباً في الرد على منكري الأضداد، وأفرده بعضهم بتآليف مثل الأصمعي، والخليل، وسيبويه، وأبوعبيدة، وغيرهم.
2- موقف المنكرين:
أ- ابن درستويه: على رأس المنكرين للمشترك اللفظي، وعلة إنكاره هو إرجاع المعاني كلها لمعنى واحد وأنه لا يقع في كلام العرب للأمور التالية:
1- لأنه يُلبس، وواضع اللغة هو الله، فقد وضعها للإبانة عن المعاني.
2- لو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على المعنيين المختلفين لما كان ذلك إبانة، بل تعميم وتغطية.
3- الذين جوزوا وقوع المشترك اللفظي متوهمون مخطئون، والمثل على ذلك مجيء فعل وأفعل لمعنيين مختلفين في نظر المجوزين، فمن لا يعرف العلل، ويتعمق في دراسة الكلمات يحكم هذا الحكم مع أنهما في الحقيقة لمعنى واحد، وإذا وقع في كلام العرب أنهما لمعنيين مختلفين؛ فإنما يرجع ذلك إلى لغتين متباينتين، أو لحذف واختصار وقع في الكلام.
4- ويضرب مثلاً على توهم المجوزين بلزوم الفعل وتعديته، وذلك أن الفعل لا يتعدى فاعله إذا احتيج إلى تعديته لم تجز تعديته على لفظه الذي هو عليه حتى يتغير إلى لفظ آخر بأن يزاد في أوله الهمزة، أو يوصل به حرف جر؛ ليستدل السامع على اختلاف المعنيين.
وفي رأي ابن درستويه أن اللغة لا تعترف بهذه الظاهرة، وأنه إذا وجد اختلاف في المعنى؛ فإنما يرجع إلى تصاريف الكلمة، فهي المفتاح الوحيد للتفرقة بين المعاني.
ب- أبو هلال العسكري: أنكر المشترك اللفظي أيضا حيث ألف كتاباً سماه (الفروق اللغوية)، حاول أن يفرقَ فيه بين الألفاظ مثل كلمة قعد وجلس هل هما بمعنى واحد أم بينهما اختلاف، فقال: فكما لا يجوز أن يدل اللفظ الواحد على معنيين فكذلك لا يجوز أن يكون اللفظان يدلان على معنى واحد؛ لأن في ذلك تكثيراً للّغة بما لا فائدة فيه.
وتحدث أبو هلال على (فعل وأفعل) فقال: لا يجوز أن يكون فعل وأفعل بمعنى واحد، كما لا يكونان على بناء واحد إلا أن يجيء ذلك في لغتين، فأما في لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظان والمعنى واحد، كما ظن كثير من النحويين واللغويين؛ وإنما سمعوا العرب تتكلم بذلك على طباعها، وما في نفوسها من معانيها المختلفة، وعلى ما جرت به عاداتها وتعارفها، ولم يعرف السامعون تلك العلل والفروق فظنوا ما ظنوه من ذلك وتأولوا على العرب ما لا يجوز في الحكم.
3- موقف المعتدلين:
أ- أبو علي الفارسي: من المعتدلين فكان لا يغالي في إنكار المشترك مغالاة ابن درستويه، ولا يبالغ في جميع صوره مبالغة الفريق المؤيد للمشترك، فهو يقول: ” اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين ينبغي ألا يكون قصداً في الوضع ولا أصلاً؛ ولكنه من لغات تداخلت، أو أن تكون لفظة تستعمل لمعنى ثم تستعار لشيء فتكثر وتصير بمنزلة الأصل.
ب- المحدثون: حاول بعضهم الموازنة بين من أنكر المشترك، ومن أقر به. ومن بينهم إبراهيم أنيس وتمام حسان وعلي عبد الواحد وافي.
6- أمثلة على المشترك اللفظي من بعض الكتب:
أولاً: كتاب المنجد في اللغة لكراع النمل:
1- العرش: السرير ويكون للملك، وعرشُ البيت: سقفه، والعرش: اسم لمكة، والعرش: البيت، وجمعه: عروش، والعرش: ما يستظل به، والعرش: الذي يكون على فم البئر، يقوم عليه الساقي، وعرش الرجل: قوام أمره، فإذا زال ذلك عنه قيل: ثُلَّ عرشه أي: هدم.
2- الدين: الإسلام، والدين: الحساب، والدين: العادة، والدين: الطاعة والدين: الجزاء.
ثانياً: كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه لابن الشجري:
1- الجنُب: الرجلُ الغريب، والجنُب: الرجل المخالط للمرأة، وقد استعمل للجماعة في قوله تعالى: ” وإن كنتم جنباً فاطهروا”.
2- الخليل: الصديق، مأخوذ من الخُلَّة، وهي المودة، وفي التنزيل:” لا بيع فيه ولا خُلَّة “، والخليل: المحتاج، مأخوذٌ من الخَلَّة، وهي الحاجة.
وختاما فإن المشترك اللفظي موجود في الكتاب والسنة واللغة في رأي أغلب العلماء ولا اعتبار لقول من نفى ذلك، وهو من أهم العوامل التي تؤثر في تحديد المعنى.
· عوامل نشأة المشترك اللفظي :
1/ الاستعمال المجازي :
ونهني به الانتقال باللفظ من معناه الأصلي الى معان مجازية تختلف عن معاني الأصول ، مثل العين والخال لهما دلالات كثيرة نشأت عن طريق المجاز .
2/ اختلاف اللهجات :
جاءت كثير من ألفاظ المشترك اللفظي نتيجة اختلاف القبائل في استعمالها ، مثال ذلك ان كثيرا من قبائل العرب تطلق على الذئب السرحان والسيد ، وعند هذيل تطلق هاتان الكلمتان على الأسد .
3/ الاقتراض اللغوي :
ربما كانت الكلمة المقترضة تشبه في لفظها كلمة عربية لكنها ذات دلالة مختلفة ، ففي العربية السور حائط المدينة وفي الفارسية السور تعني الضيافة .
4/ التطور الصوتي :
ونعني به ما يحصل للكلمة من حذف أو زيادة أو ابدال نتيجة ما يطرأ عليها من تغير صوتي ، فيحدث تماثل اللفظ الجديد مع لفظ وضع لمعنى آخر ، مثل الفروة بمعنى جلدة الرأس والغنى ، وأصل المعنى الثاني هو الثروة ، فأبدلت الثاء فاء .
· أمثلة على المشترك اللفظي
العم أخو الأب ، والعم الجمع الكثير ، النوى الدار والنوى البعد والنوى النية .
· مؤلفات في المشترك اللفظي :
1/ ما اشتبه في الألفاظ واختلف في المعنى لأبي عبيد القاسم ابن سلام ( ت 224هـ)
2/ ما اتفق لفظه واختلف معناه لأبي العميثل ( ت 240هـ)
3/ ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن الكريم للمبرد ( ت 285هـ)
المراجع:
1-الترادف والمشترك اللفظي في القرآن الكريم..، عبد القادر عبد الله محمد علي، بحث مقدم لنيل الدكتوراة في اللغة العربية، جامعة السودان للعلوم، الخرطوم 2016.
2-المشترك اللفظي عند القدماء والمحدثين، فاطمة لطفي، مقال على موقع الألوكة، 2010.
3-المشترك اللفظي في القرءان، عبد القادر عبد الله أحمد، جامعة السودان، بحث.
4-المشترك اللفظي وترجمة معاني القرآن، المولودي بن إسماعيل، دراسة.
5-المشترك اللفظي عند الأصوليين..، بابكر الخضر يعقوب، حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية، العدد 35، الإسكندرية.
-
أ - تعريفه :
هو : أن يُطلق اللفظ على المعنى وضده .
فهو نوع من المشترك اللفظي ، فكل تضاد مشترك لفظي وليس العكس .
من أمثلته : الحميم : الماء البارد أو الحار ، المولى : العبد أو السيد ، الجون : الأبيض أو الأسود ...
ب - موقف الباحثين منه :
1- كان من الطبيعي أن ينكره ابن دُرُستُويه لإنكاره الاشتراك اللفظي ، فأفرد كتابًا لتأييد رأيه سمّاه : ( إبطال الأضداد ) ولكنه لم يصلنا .
2- وذهب فريق إلى كثرة وروده ، وأورد له شواهد كثيرة ومنهم الخليل وسيبويه وأبو عبيدة والثعالبي والسيوطي ، ومن أنفس الكتب في ذلك كتاب : ( الأضداد ) لابن الأنباري ، الذي أحصى فيه أكثر من أربعمائة شاهد عليه .
3- رأي المؤلف : والحقيقة أنّ كثيرًا من ألفاظ التضاد يمكن تأويله على وجه آخر يُخرجه من هذا الباب . ففي بعض الأمثلة استعمل اللفظ في ضد ما وضع له لمجرد التفاؤل : كالسليم للملدوغ ، والريّان والناهل للعطشان ، أو للتهكم كإطلاق لفظ العاقل على المعتوه أو الأحمق . لكن إن كنّأ نستطيع أن نؤول كثيرًا من الكلمات التي ذكرها ابن الأنباري وغيره ممن بالغوا في إثبات التضاد ؛ فإنه من التعسف تأويلها جميعًا .
ج - أسبابه :
1- دلالة اللفظ في أصل وضعه على معنى عام يشترك فيه الضدّان . وقد يسهو بعضهم عن ذلك المعنى الجامع فيظن الكلمة من قبيل التضاد . فمن ذلك : الصريم : يقال لليل صريم ، والنهار صريم ؛ لأن الليل ينصرم من النهار ، والنهار ينصرم من الليل . وكذلك الصارخ : المغيث ، والصارخ : المستغيث ، سمّيا بذلك لأن المُغيث يصرخ بالإغاثة ، والمستغيث يصرخ بالاستغاثة ...
2- انتقال اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى آخر مجازي ...
3- اتفاق كلمتين في صيغة صرفية واحدة . ومن ذلك كلمة : ( مجتثٌ ) ومعناها الذي يجتث الشيء ، والذي يُجتث . وأصل اسم الفاعل من : ( اجتث ) ( مُجْتَثِث) واسم المفعول ( مُجْتَثَث ) ، وقد نشأ اتحاد اللفظين : اسم الفاعل واسم المفعول من الإدغام . ومن هذا القبيل ) المختار).
4- اختلاف القبائل العربية في استعمال الألفاظ ، كلفظ : ( سجد ) الذي يعني (انتصب ) عند طيء و(انحنى ) عند سائر القبائل .
وتعد قضية التضاد، من أبرز القضايا المعجمية، التي نالت اهتمام الباحثين سواء العرب أو غيرهم. وسنحاول في هذا المقال الإجابة عن بعض الإشكالات التي تتعلق بهذا الموضوع. فما معنى التضاد في اللغة العربية؟ وماهي أسباب ظهوره ؟ وما موقف الباحثين من هذه القضية؟ وكيف عالجها الأنباري في كتابه الأضداد؟
والتضاد “نوع من المشترك، وقال أهل الأصول: “مفهوما اللفظ المشترك إما أن يتباينا، بأن لا يمكن اجتماعهما في الصدق على شيء واحد، كالحيض والطهر، فإنهما مدلولا القراء، ولا يجوز اجتماعهما لواحد في زمن واحد. أو يتواصلا، فإما أن يكون أحدهما جزءا من الآخر كالممكن العام للخاص، أو صفة كالأسود لدى السواد فيمن سمى به.” وهو بعبارة أخرى: “الكلمات التي تؤدي إلى معنيين متضادين بلفظ واحد، ككلمة (الجون) تطلق على الأسود والأبيض، والجلل تطلق على الحقير والعظيم، وهكذا.”
وقد ساهمت مجموعة من الأسباب والعوامل في بروز الكلمات المتضادة، فمن البديهي أن هذه الكلمات لم تصنع لتكون ضد كلمات أخرى، فالأسود لم يكن أصله ضد الأبيض، وهكذا دواليك. وقد ذكر رمضان عبد التواب في كتابه ” فصول في فقه العربية”، جملة من العوامل أدت إلى ظهور قضية “التضاد”، منها : عموم المعنى الأصلي: بمعنى تخصيص المعنى العام، في لهجة من اللهجات، وكذا في اللهجة المضادة.التفاؤل: عبر التعبير عن الكلمات السيئة التي تعبر عن الموت والمصائب، بضدها، أي بكلمات حسنة المعنى.
التهكم: وهذا العامل يؤدي إلى قلب المعنى، وتغيير دلالاتها إلى ضدها، كقولنا للعاقل “الجاهل” .
الخوف من الحسد: فيطلق ضد اللفظ على الشيء الحسن خشية من العين والحسد.
التطور اللغوي: فتكون الكلمات في البداية مختلفتين، لكن التطور الذي يحصل على إحداهما يجعلها مشابهة للأخرى، مما قد يشكلها كلمة واحدة لها معنيان متضادان.احتمال الصيغة الصرفية للمعنيين: عبر استخدام صيغ كثيرة للفاعل والمفعول، ومن هنا ينشأ التضاد.
ومما يمكن أن نلاحظه في هذه الأسباب التي عدها الدكتور رمضان عبد التواب، أنها تنقسم إلى أسباب اجتماعية، تتعلق خاصة بطريقة تفكير العربي، بابتعاده مثلا عن الكلمات سيئة الحظ واستعمال ضدها، والتهكم، أو الخوف من الحسد، فاستخدام اللغة والتلاعب في ألفاظها عبر إيراد الضد وغير ذلك، ذو أهمية بالغة. ثم أسباب لغوية تتعلق بالتطور اللغوي أو الصيغ أو المجاز والاستعارة.
وعلى منوال القضايا المعجمية الأخرى، عرفت قضية التضاد أخذا وردا كبيرا بين منكر لها، ومدافع عنها، وقد تحدث عن هذه الآراء ابن فارس، لكن الكتاب لم يصل إلينا، ونجد فقط بعض الإشارات إليه في كتابه الآخر: “فقه اللغة”.
وممن أنكر هذه الأضداد إنكارا قويا، وحاول إلغاءها جملة وتفصيلا، دُرستويه؛ فألف فيه كتابه “إبطال الأضداد”، فيقول مثلا: ” … وزعم قوم من اللغويين أن النوه السقوط أيضا، وأنه من الأضداد، وقد أوضحنا الحجة عليهم في ذلك في كتابنا في إبطال الأضداد.” ومن بين هؤلاء أيضا القالي في أماليه: “والصريم الليل، لأنه انصرم عن النهار، وليس هو عندنا الضد.”وقد ألف في الأضداد جماعة من أئمة اللغة، منهم قطرب والتوزي، وأبو بكر بن الأنباري، وأبو البركات الأنباري، وابن الدهان، والصفاني.
ولعل أكثر من أثارنا في بحثنا حول هذه القضية المعجمية المتميزة، كتاب الأنباري المعنون “بكتاب الأضداد”، يقول المحقق محمد أبو الفضل إبراهيم ” وأعظم هذه الكتب خطرا ، وأوسعها كلما، وأحفلها بالشواهد، وأشملها للعلل…هو كتاب الأنباري فإنه أتى على جميع ما ألف قبله وأربى عليه، وجاء بالعجيب من أزاجير العرب وشواهد الشعر والحديث والقرآن… وانتصر فيه للعرب فيما ورد على ألسنتهم من ألفاظ الأضداد.” ويقول الأنباري في أول كتابه: “هذا كتاب الحروف التي يوقعها العرب على المعاني المتضادة؛ فيكون الحرف منها مؤديا عن معنيين مختلفين.” كما أنه يرد في كتابه القيم هذا عن من يشك وينكر قضية التضاد في اللغة العربية فيقول: “ويظن أهل البدع والزَّيغ والإزراء بالعرب، أن ذلك كان منهم لنقصان حكمتهم، ونقصان بلاغتهم، وكثرة الالتباس في محاوراتهم…فأجيبوا عن هذا الذي ظنوه… بضروب من الأجوبة: أحدهن أن كلام العرب يصحح بعضه بعضا.
ونشير إلى أن التضاد لا يقصد به الاختلاف، حيث إن القوة ليست ضد الجهل، بل هي مخالفتها، فالثاني أعم وأشمل من الأول. ومن هنا ينبغي أن يراعي قولنا على الشيء ضدا، مجموعة من الشروط، كأن تتحد الكلمة اتحادا تاما، وتكون في اللغة الواحدة، إلى غير ذلك من الشروط. -
المحاضرة العاشرة علاقة اللفظ بالاستعمال (الاشتقاق ) مفهومه، أنواعه، العام، الكبير، الأكبر، الكبار، النحت)
الاشتِقاقُ لُغةً واصطِلاحًا
لُغةً: أخذُ شَيءٍ من شَيءٍ. اشتَقَّ الشَّيءَ: أخذَ شِقَّه، واشتَقَّ الكَلمةَ منَ الكَلمةِ: أخرَجَها منها، نَحوُ: اشتِقاقِ ضَربَ منَ الضَّربِ. قال ابنُ مَنظورٍ في لسانِ العَربِ: (اشتِقاقُ الشَّيءِ: بُنيانُه منَ المُرتَجَلِ، واشتِقاقُ الكَلامِ: الأخذُ به يَمينًا وشِمالًا، واشتِقاقُ الحَرفِ منَ الحَرفِ: أخذُه منه) ([1])
اصطِلاحًا: هو أخذُ صيغةٍ من أُخرى مع اتِّفاقِهما مَعنًى ومادَّةً أصليَّةً، وهيئةَ تَركيبٍ لها؛ ليَدُلَّ بالثَّانيةِ على مَعنى الأصل بزيادةٍ مُفيدةٍ؛ لأجْلِها اختَلَفا حُروفًا أو هيئةً، ك(ضارِبٍ مِن ضَربَ، وحَذِرٍ مِن حَذِرَ) ([2]) .
وعَرَّفَه العُكبَريُّ وبَيَّنَ فرعَه وأصلَه بقَولِه: (الاشتِقاقُ: اقتِطاعُ فرعٍ من أصلٍ يَدورُ في تَصاريفِه على الأصلِ؛ فقد تَضَمَّنَ هذا الحَدُّ مَعنى الاشتِقاقِ، ولَزِمَ منه التَّعَرُّضُ للفَرعِ والأصلِ.
وأمَّا الفَرعُ والأصلُ: فهما في هذه الصِّناعةِ غَيرُهما في صِناعةِ الأقيِسَةِ الفِقْهيَّةِ؛ فالأصلُ هاهنا يُرادُ به الحُروفُ المَوضوعةُ على المَعنى وضَعًا أوَّليًّا، والفَرعُ لَفظٌ توجَدُ فيه تلك الحُروفُ مع نَوعِ تَغييرٍ يَنضَمُّ إليه مَعنًى زائِدٌ على الأصلِ، والمِثالُ في ذلك (الضَّرب) مَثَلًا؛ فإنَّه اسمٌ مَوضوعٌ على الحَرَكةِ المَعلومةِ المُسَمَّاةِ ضَرْبًا، ولا يَدُلُّ لَفظُ الضَّربِ على أكثَرَ من ذلك، فأمَّا ضَربَ، ويَضرِبُ، وضارِبٌ، ومَضروبٌ؛ ففيها حُروفُ الأصلِ، وهيَ الضَّادُّ والرَّاءُ والباءُ، وزياداتٌ لَفظيَّةٌ لَزِمَ من مَجموعِها الدَّلالةُ على مَعنى الضَّربِ ومَعنًى آخَرَ، وإذا تَقَرَّرَ هذا المَعنى جِئنا إلى مَسألةِ المَصدَرِ) ([3]) .
أقسام الاشتقاق في اللغة العربية :
لم يتبادر لذهن العلماء في البداية إلى أنّ الاشتقاق هو عملية إنشاء فرع من أصل يدل عليه، فوصل تقسيمه إلى أربعة أقسام، وهي كالآتي:
الاشتقاق الصغير:
يُسمى أيضًا الاشتقاق الصرفي، وقد عرّفه السيوطي بأنّه أخذ صيغة من صيغة أخرى على أن يتفقا في المعنى والمادة الأصلية والتركيب، لتدل الصيغة الثانية على معنى الصيغة الأصلية بزيادة قد تكون اختلافًا في حرف أو هيئة، مثل: حَذَرٌ من الفعل حَذِرَ.
وعرّفه عبد الواحد وافي بأنّه ارتباط كلّ أصل ثُلاثي في اللغة بمعنى عام وُضع له، وهذا المعنى يتوفر في كل كلمة تتواجد فيها الأصوات الثلاثة مرتبةً حسب الطريقة التي رُتبت فيها في أصل الكلمة التي أُخذت منها.
الاشتقاق الكبير:
يُسمى أيضًا باسم التقاليب وهذا ما يُميزه عن الاشتقاق الأكبر الذي عُرف بالنحت، إذ إنّ الاشتقاق الكبير يكون اللفظان فيه متناسبين في المعنى، متفقين في الأحرف الأصلية دون ترتيبها، مع تشابه بينهما في المعنى واتفاق في الأحرف، مثل: "لكم وكلم وملك وكمل"، وكان ابن جني أول من عرّف الاشتقاق الكبير، وأطلق عليه اسم الأكبر.
عقد ابن جني فصلًا خاصًا بالاشتقاق الكبير، إذ يقول فيه: "وهو أن نأخذ أصلًا من الأصول الثلاثة فنعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحد، إذ تُرد التقليبات من الأصل الثلاثي إلى مدلول عام، ومثال ذلك: (ك ل م) ومنها كَلِم، و(م ل ك) ومنها مَلِك، و(ك م ل) ومنها كَمَلَ، ويزعم أنّ جميع هذه التراكيب تدل على القوة والشدة.
الاشتقاق الأكبر:
أضاف السكاكي قسمًا للاشتقاق أَطلق عليه اسم الاشتقاق الأكبر، وهو قسم مُختلف عن قسم "الاشتقاق الأكبر" الموجود عند ابن جني، وقد عُرف هذا القسم بالإبدال اللغوي في القِدم، وقام بعض المحدثين بزيادة قسم رابع وأطلقوا عليه اسم الاشتقاق الكُبَّار، وهو الذي كان يُعرف بالنحت.
عُرف الاشتقاق الأكبر بالإبدال أيضًا، وهو أن ترتبط الأصوات من المجموعات الثلاثية مع بعض المعاني حيث يكون هذا الارتباط غير مُقيد بالأصوات نفسها، وإنّما يكون مقيدًا بنوعها وترتيبها فقط، سواء تم الإبقاء على هذه الأصوات أم تم استبدالها بأخرى متفقة معها في النوع.
الاشتقاق الأكبر يعني أيضًا الاتفاق في النوع عندما تكون الحروف متقاربة في مخارجها، أو الاتحاد في الصفات جميعها ما عدا الإطباق كتقارب المخرج، مثل: تناوب الميم والنون، مثل: امتقع لونه وانقع، وتناوب النون واللام، مثل: أسود حالك وحانك، والميم والواو، مثل: أوشاج وأمشاج.
الاشتقاق الكبار:
يُطلق عليه أيضًا النحت أو الاختزال، وأمّا تسميته بالكُبَّار فهي تسمية أطلقها بعض المحدثين، ويَعنون بها أخذ كلمة من كلمتين أو أكثر ويجب أن يتناسب المأخوذ والمأخوذ منه في المعنى واللفظ. اعتمد العلّامة عبدالله أمين تقسيم الاشتقاق الكُبَّار في كتابه الاشتقاق، ثم جاء محمد حسن حسن جبل وهو باحث، فذكر قسمًا خامسًا وهو ما كان يُطلق عليه الاتباع في كتب اللغة، مثل: حَسَن بَسَن، ولم يَذكر هذا القسم أحد سواه، كما أنّه لم يُسمِّ من نَقَل عنه، يكون ذلك من خلال أخذ كلمتين أو أكثر تُزال منهما أو البعض منهما حرفًا أو أكثر، وتَجمع ما بقي من أحرف كل كلمة إلى الأخرى، وتُؤلف منها جميعًا كلمة واحدة فيها بعض أحرف الكلمتين أو الأكثر، وما تدلان عليه من معانٍ، مثل: "حمدل" في الحمد لله، وقد جعل العلماء للنحت أقسامًا أربعة، وهي كالآتي:
النحت الفعلي
هو نحت فعل من الجملة يدل هذا الفعل على النطق بها، أو يدل على حدوث ما تتضمنه، مثل: بسمل؛ أيّ بسم الله الرحمن الرحيم.
النحت الاسمي
هو نحت اسم من كلمتين مثل: الجلمود وتعني الصخر، وهي اسم من جلد وجمد، وحبَقُر للبرد، وأصلها من الكلمتين حَبُّ قُرّ.
النحت الوصفي
هو نحت كلمة واحدة من كلمتين تدل على صفة من حيث المعنى أو بأشد منه، مثل: الضبطر؛ أيّ الرجل الشديد من ضبط وضبر.
النحت النسبي
هو نسب الأشخاص أو الأشياء إلى مدينتين أو رجلين، فتَنحت من اسمي المنسوب إليها اسمًا منسوبًا واحدًا، مثل: تيلمىّ من تيم الله، ومرقشي نسبة إلى امرئ القيس.
شروط الاشتقاق في اللغة العربية:
للتأكد من صحة الاشتقاق وضع علماء اللّغة شُروطًا لذلك، وقد ذكر الشيخ التهانوي شروط الاشتقاق واختلاف الناس فيه، فقال: أعلم أنّه لا بد في المشتق اسمًا كان أو فعلًا من أمور أحدها: أن يكون له أصل، فإنّ المشتق فرع مأخوذ من لفظ آخر، ولو كان أصلًا في الوضع غير مأخوذ من غيره لم يكن مُشتقًا. أن يتناسب المُشتق في الحروف مع الأصل؛ وذلك لأنّ الأخذ لا يتحقق بدون التناسب بين الأصالة والفروع، وتناسب المعتبر في جميع الحروف الأصلية. أن يتناسبا في المعنى، سواء أنّهما اتفقا فيه أم لم يتفقا.
أصل الاشتقاق الاسم أم الفعل؟:
اختلف علماء اللغة في الأصل الذي يُشتق منه اللفظ، ففي أصل المشتقات أقوال كثيرة منها: أنّ المصدر هو الأصل وهذا كان رأي جمهور البصريين، وذهب جمهور الكوفيين إلى أنّ الفعل هو أصل المصدر وغيره من المشتقات، أمّا السيرافي فذهب إلى أنّ المصدر أصل للفعل وحده، وأنّ الفعل أصل لبقية المشتقات. ذهب ابن طلحة إلى أنّ المصدر والفعل كل منها أصل، وليس أحدهما مشتقًا من الآخر، وذهب الزجاجي إلى أنّ كل لفظ مشتق، ورُجح الرأي الذي يقول إنّ أصل المشتقات ليس واحدًا، وإنّما قامت العرب وبصورة مُتفاوتة بالاشتقاق من الأفعال والأسماء، فقد اشتق من الأفعال أكثر من الأسماء.
الاشتقاق بين السماع والقياس:
أجمع أهل اللغة على أنّ للاشتقاق قياسًا، وأنّ العرب اشتقت الكلام من بعضه بعضًا، فكلمة الاجتنان اشتق منها اسم الجن، وتدلان الجيم والنون على الستر، فتقول العرب للدّرع: جُنّة، وأججَنة الليلُ، وقول هذا جنين أيّ أنّه في بطن أمّه أو أنّه مقبور، وأنّ الإنس من الظهور؛ فعند القول أنسْتُ الشيء: أيّ أبصرته، وعلى هذا الشكل سائر كلام العرب.
يُبنى هذا الكلام على ما ذُكر عن التوقيف، فالذي جعلنا نتوقف على أنّ الاجتنان التستر هو ذاته الذي جعلنا نتوقف على أنّ الجن قد اشتق منه، واليوم لا يُمكننا أن نخترع أو نقول غير الذي قالوه أهل اللغة ولا يُمكننا أيضًا قياس أيّ شيء لم يقسوه؛ لأنّ ذلك يُؤدي إلى إفساد اللغة وإبطال حقائقها.
فوائد الاشتقاق في اللغة العربية
يُمكن الإشارة إلى بعض من فوائد الاشتقاق وأهميته في النقاط الآتية:
معرفة معاني الأسماء التي نقلها الناس عن العرب وجهلوا أصولها. الوقوف على الحس الجمالي للغة العربية الذي ينشأ عن التجاور الصوتي، إذ تأتي منه دلالات معينة. المحافظة على اللسان العربي من الانصهار والاضمحلال. معرفة أسرار الأمم وأصول لغتهم. معرفة الأصيل من الدخيل في اللسان العربي. نمو اللغة وزيادة الثروة اللفظية.
آراء العلماء حول الاشتقاق :
تعددت آراء العلماء حول الاشتقاق، نذكر منها الآتي:
تمّام حسان
أشار في كتابه "اللغة العربية معناها ومبناها" إلى الاشتقاق، حيث يرى أنّه قد تقوم بين الكلمات التي جاءت على صيغ مختلفة صلة معينة قوامها هو اشتراكها في ثلاثة أصول معينة وهي "فعل"؛ فتكون فاء الكلمة وعينها ولامها في كلمة واحدة.
المعجميون
من وجهة نظر المعجميين حول الاشتقاق هو أنّ الهدف ليس الصيغ، إذ قد تتحقق بكلمات، وقد تظل احتمالًا نظريًا صالحًا للتحقيق بصياغة الكلمة المناسبة على مثالها عند الحاجة إليها.
عبد الله أمين
عرّف علم الاشتقاق كما أسماه هو، وعرضه بصورة جليلة وواضحة في مؤلفه "الاشتقاق"؛ أنّه أخذ كلمة من كلمة أو أكثر تُناسب بين المأخوذ والمأخوذ منه في اللفظ والمعنى، كما صرح عن أقسام علم الاشتقاق واختار لها من الصفات "الصغير والكبير والكبار والكبّار".
إبراهيم أنيس
أشار في كتابه "من أسرار اللغة" أنّ الوسيلة الثانية لنمو اللغة، لا سيما من حيث الألفاظ والصيغ هي ما يُسمى بالاشتقاق، وأنّ الصلة بين القياس والاشتقاق هي صلة وثيقة، والقياس هو الأساس الذي تُبنى عليه هذه العملية الاشتقاقية.
هل الاشتقاق سماعي أم قياسي؟.
القياسي: هو الذي له قاعدة نقيس عليها وننطلق منها.
أما السماعي أو التوقيفي، فهو ما سمع من العرب، وليس من حقنا أن نأتي بألفاظ جديدة.
وفي هذا الموضوع خلاف بين علماء اللغة، فهناك من يرى أن الاشتقاق توقيفي، وهذا الرأي حَجرٌ على اللغة وتضييق، ولا يؤدي إلى نموها وتطورها.
وأكثر العلماء على أن اللغة قياسية، لأنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون العرب قد نطقوا جميع الكلمات ذات الدلالات المختلفة على مر العصور، فلكل عصر مستجداته، وفي عصرنا هذا خاصة كثير من الكلمات التي لا وجود لها أصلًا في نصوص لغتنا القديمة، وقد أوجدت مجامع اللغة حديثًا، لتنمية اللغة وإيجاد البديل عن اللفظة الأجنبية.
ولأبي عثمان المازني رأي في الاشتقاق رائع.
يقول المازني تحت عنوان: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب:
(ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك كل اسم فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت البعض فقست عليه، فإذا سمعت: (قام زيد) أجزت: كَرُم خالد.
قال أبو علي: إذا قلت: طاب الخشكنان - مثل البسكويت - فهذا من كلام العرب، لأنك بإعرابك إياه قد أدخلته كلام العرب.
وحكى لنا أبو علي عن ابن الأعرابي أظنه قال: يقال: درهمت الخبازي أي: صارت كالدراهم، فاشتق من الدرهم، وهو اسم أعجمي.
وحكى أبو زيد: رجل مدرهم، أي: كثير الدراهم، فكل ما قيس على كلامهم فهو من كلامهم.
ويتعلق في هذا الباب نقطتان:
الأولى:
أن قواعد اللغة العربية وقوانينها مطردة، بحيث تستطيع أن تتخذ مجموعة من النماذج أصلًا للكلام على هذه اللغة، والقياس على النماذج المتواترة الواردة إلينا بأكثر من طريقة، هذا هو المنهج للوصول إلى اللغة، وعلى هذا رفعوا الفاعل ونصبوا المفعول، وإن لم يكونوا سمعوا كل فاعل أو مفعول.
الثانية:
إن القياس على كلام العرب، يفيد ي استعمالنا للألفاظ غير العربية، وقد مارس القدماء موضوع التعريب، ووضعوا لنا فيها أصولًا، وإن كان لا يزال يشغل بال المجمعيين حتى الآن فيما يعرف بتعريب ألفاظ الحضارة، أو الاشتقاق منها، وقد عرض ابن جني هنا؛ أن الكلمة غير العربية، حين تدخل العربية وتطبعها بطابعها تصير عربية، كما أن الاشتقاق من الألفاظ الأجنبية اشتقاق صحيح، طالما أنه يتفق مع الصيغ العربية المستعملة.
وفي العصر الحاضر نستعمل هذا الاشتقاق في كثير من ألفاظ غير عربية فنقول: أمرك ومصر، أي: جعله أمريكيًا ومصريًا، ويقولون في لبنان: تلفن، أي: تحدث بالتلفون.. وهكذا ([4])
ومن أبرز الأمثلة على الاشتقاق من الألفاظ الأجنبية ودخول الكلمة إلى اللغة العربية، الخبر التالي:
قُدِّم إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه طعام طيب، فقال: ما هذا؟ فقالوا: اليوم عيد النيروز -من أعياد الفرس- فقال: نيروزنا كل يوم.
وكان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول بعد درس العلم: حمضونا. أي: قدموا لنا طرفة أدبية نروِّح بها عن أنفسنا، من نادرة أو أبيات من الشعر الذي يجلب إلى النفس السرور.
فالاشتقاق أساس التوسع اللغوي، ولا سيما منه الاشتقاق الصغير وبالتعريب نستطيع إدخال ألفاظ أعجمية إلى اللغة العربية كما في قولك:
سندويتش: شطيرة، أو فطيرة.
كمبيوتر: حاسب آلي، أو حاسوب.
تلفزيون: تلفاز، أو رائي أو مرناة.
تلفون: هاتف.
فهذا تعريب لألفاظ شتى من كلام الأعاجم، عربناه بإدخال مرادفه، أو ما يدل عليه، على اللغة العربية، فأصبح عربيًا.
-
-
-
1- الكلمة وأنواعها:
أ- اللغة العربية هي الكلمات المركبة في الجملة يعبر بها العرب عن مكنون نفوسهم. والجملة هي الكلام المفيد، وتتألف من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، والكلمة لفظ يدل على معنى مفرد. وهي ثلاثة أنواع اسم وفعل وحرف.
1- الفعل: ما دلّ (على معنى في نفسه) واقترن بالزمان. مثل: (جاء) وعلامته قبول السين وسوف أو تاء التأنيث الساكنة أو ضمير الفاعل نحو أخذت أو نون التوكيد ومنه الفعل الماضي والمضارع والأمر.
2- الاسم: ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان. نحو خالد. وجدار. وعلامته ان يقبل دخول أل التعريف، كالجدار أو التنوين كرجل أو دخول النداء يارجل، ويدلّ على إنسان أو حيوان أو نبات أو جماد.
3- الحرف: ما دلّ على معنى في غيره. مثل: هل وعلى. ومنه حروف الجر وحروف العطف وحروف الاستفهام والشرط وغيرها.
4- وللكمات العربية حالتان: حالة تركيب وهو موضوع علم النحو، وحالة إفراد وهو موضوع علم الصرف.
الإعراب وأنواعه:
أ- علامات الإعراب:
للإعراب ثلاث علامات: رفع ونصب وجر. فعلامة الرفع الضمة، وهي واو صغيرة توضع فوق الحرف هكذا (يدرسُ)، وعلامة النصب الفتحة وهي خط مائل توضع فوق الحرف هكذا (درسَ)، وعلامة الجر الكسرة وهي خط مائل توضع تحت الحرف هكذا (من الدرسِ) .
ب-الإعراب:
تعريف الإعراب:
الإعرابُ هو: تغير آخر الكلمات من رفعٍ ونصبٍ وجرٍ وجزمٍ بسبب تغير موقعها في الجملةِ واختلاف العوامل الداخلة عليها.
للإعراب حالة من حالتين. إعراب لفظي أو إعراب تقديري.
1- الإعراب اللفظي: هو ظهور الحركة باللفظ ونطق الفم على آخر الكلمة مثل (يقرأ التلميذ الدرسَ) .
ولنأخذ مثالاً لذلك: كلمة (الرسول) في ثلاث آيات من القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ) البقرة: 285(
تعرب: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
قال تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ [آل عمران: 86].
تعرب: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفحة.
قال تعالى: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ )المجادلة:8(.
تعرب: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
2- الإعراب التقديري: هو عدم ظهور الحركة باللفظ على آخر الكلمة فتكون الحركة مقدرة لأنها غير ظاهرة.
3- الإعراب التقديري:
أ- تقدر الحركات جميعها ، الرفع والنصب والجر في نهاية الأسماء والأفعال المنتهية بألف لينة لتعذر ظهور الحركة وسواء أرسمت الألف اللينة ياءً أم ألفاً مثل (رأى الفتى الذرا وسما إلى العلا).
ب- تقدر حركتا الضم والكسر في نهاية الأسماء والأفعال المنتهية بياء أو واو من أصل الكلمة لثقل ظهور الحركة في اللفظ مثل (يقضي القاضي على الجاني) (ويرنو الداعي إلى الراعي).
أما حركة الفتح فتظهر في مثل ذلك مثل (رأيت القاضيَ) (ولن يسموَ) .
ج- تقدر الحركات جميعها في نهاية الأسماء المتصلة بياء المتكلم لاشتغال الحركة بالياء مثل (أمسك أخي بكتبي) (وحملت محفظتي).
أحوال الإعراب وعلاماته في الاسم:
أحوال الإعراب في الأسماء المعربة هي)الرافع والنصب والجر(. ولكل منها علامات أصلية وفرعية.
(1) علامات الرفع الأصلية هي: )الضمة(:
والفرعية هي ): الألف للمثنى، والواو للجمع المذكر السالم والأسماء الخمسة(
(2) علامة النصب الأصلية هي: )الفتحة(:
والفرعية هي: (الياء للمثنى وجمع المذكر السالم، والألف للأسماء الخمسة، والكسرة للجمع المؤنث السالم).
(3) وعلامة الجر الأصلية هي : (الكسرة):
والفرعية هي: (الياء للمثنى وجمع المذكر السالم والأسماء الخمسة).
(وهناك علامات إعراب ظاهرة، وعلامات إعراب مقدرة).
1- المعربات ، هي :
أ ـ الأسماء إلا ما شابه الحرف منها .
ب ـ الفعل المضارع إذا لم تتصل به إحدى نوني التوكيد أو نون النسوة .
2- المبنيات ، هي :
البناء هو: ثبوت آخر الكلمة على حالةٍ واحدةٍ مع تغير موقعها في الجملةِ واختلاف العوامل الداخلة عليها.
الكلمة إما معربة تقبل جميع الحركات من كسر أو فتح أو ضم ، أو مبنية تلازم حالة واحدة وتقبل حركة واحدة دون غيرها نحو أمسِ والآنَ . أسماء الموصول ، والإشارة والضمائر والاستفهام والشرط ، والكناية ، والفعل الماضي والأمر كله مبني. وكذلك المضارع المتصل بنون التوكيد أو نون النسوة، كلها مبنية في محل رفع أو نصب أو جزم. بحسب مكانها في الجملة والعوامل المؤثرة فيها والفعل المضارع المجرد معرب مرفوع. وكذلك المضارع المنصوب والمجزوم.
إذن البناء هو لزوم آخر الكلمة حالة واحدة لا تتغير ، والبناء قد يكون على الفتح أو السكون أو الضم أو الكسر ، نحو : كيفَ ، منْ، نحنُ ، أمسِ
أ ـ الحروف كلها مبنية .
ب ـ بعض الأسماء التي تشابه الحرف .
ت ـ الأفعال :
1 - الماضي ، يبنى الفعل الماضي على :
أـ الفتح إذا لم يتصل به شيء ، نحو : كتبَ ، أو اتصلت به ألف الاثنين : كتبا ، أو تاء التأنيث الساكنة ، نحو : كتبَتْ هند .
ب ـ السكون : إذا أسند إلى ضمائر الرفع المتحركة كتاء الفاعل ، ونا الفاعل ونون النسوة ، نحو : كتبتُ، كتبتَ ، كتبْتِ ، كتبْنا ، كتبْنَ ، وسبب تسكين الباء هو أن العرب تكره اجتماع أربعة متحركات في كلمة واحدة وتاء الفاعل والفعل كالكلمة الواحدة فعوملا معاملة الكلمة الواحدة فسكن الحرف الثالث لصعوبة ذلك على النطق .
ت ـ الضم إذا أسند الفعل الماضي إلى واو الجماعة : الطلاب كتبوا الدرسَ .
2- فعل الأمر : ذهب الكوفيون إلى أن فعل الأمر معرب ، وقالوا في ( اكتبْ) مثلاً هو فعل أمر مجزوم بالسكون ، وذلك لأن أصله ( لتكتبْ)حذفت اللام للتخفيف فبقي ( تكتبْ) حذفت التاء لئلا يلتبس المضارع بالأمر ثم جيء بهمزة الوصل ليسوغ النطق بالكاف لأنها ساكنة والعرب لا تبدأ بساكن .
أما البصريون فقد ذهبوا الى أنه مبنيّ ( اكتبْ) فعل أمر مبني على السكون . وذكروا قاعدة لمعرفة حالة بنائه هي :( فعل الأمر يبنى على ما يجزم به مضارعه). اكتب ـ مضارعه : لتكتبْ بما أن مضارعه مجزوم بالسكون فهو مبني على السكون. ادعُ ـ مضارعه : لتدعُ بما أن مضارعه مجزوم بحذف حرف العلة فهو مبني على حذف حرف العلة . اكتبوا ـ مضارعه : لتكتبوا بما أن مضارعه مجزوم بحذف النون فهو مبني على حذف النون .
والقاعدة: يبنى الأمر على :
أـ السكون : اذا لم يتصل به شيء نحو : اكتبْ ، أو إذا اتصلت به نون النسوة : اكتبْنَ .
ب ـ الفتح : إذا اتصلت به نونا التوكيد : اكتبَنَّ ، اكتبَنْ .
ت ـ حذف حرف العلة : إذا كان معتل الآخر مثل : ادعُ ، ارمِ ، اسعَ .
ث ـ حذف النون إذا أسند إلى ضمائر الرفع : اكتبوا ، اكتبا ، اكتبي .
3- الفعل المضارع إذا اتصلت به نون النسوة أو نونا التوكيد اتصالاً مباشرا ، وقد سمي الفعل المضارع مضارعًا لمضارعته اسم الفاعل في حركاته وسكناته وعدد الأحرف ، فـ(يَكْتُب) مشابه لـ( كَاتِب) لذلك فهو معرب بخلاف باقي الأفعال . فهو يرفع وينصب ويجزم ، ولكن يبنى اذا اتصلت به نون النسوة على السكون نحو ( يكتبْنَ) . ويبنى على الفتح إذا اتصلت به نونا التوكيد اتصالاً مباشراً نحو : ليكتبَنَّ ، ليكتبَنْ، فهو فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم لأنه مسبوق بلام الأمر . ومعنى الاتصال المباشر أن لا يفصل بين الفعل والنون واو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطبة ، فمثلاً :
لَيكتبُنّ : فعل مضارع معرب مجزوم بحذف النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة بسبب التقاء الساكنين في محل رفع فاعل ونون التوكيد لامحل لها من الإعراب ولتوضيح ما جرى على الفعل نقول : يكتبون + نّ = يكتبون+ نْ نَ تحذف النون لتوالي الأمثال لأن العرب تكره تتابع ثلاثة حروف من جنس واحد فتصبح : تكتبو + نْ نَ تحذف الواو بسبب التقاء الساكنين فتصبح : تكتبُنَّ والضمة على الباء دليل على أن أصل الفعل من الأفعال الخمسة : تكتبين +نّ = يجري عليها ماجرى على ( يكتبون) فتصبح (
تكتبِنَّ) . تكتبان +نّ = تحذف النون لتوالي الأمثال ، فيلتقي ساكنان الألف والنون الأولى من نون التوكيد ، ولكن لا يمكن حذف الألف كما حذفنا الواو والياء لأنه عند حذف الألف تبقى الفتحة دالة على الالف المحذوفة فتصبح ( يكتبَنّ) وهنا تلتبس صيغة ( تفعل) المتصلة بها نون التوكيد ، بصيغة ( تفعلان) المتصلة بها نون التوكيد ، نبقي الألف ونكسر نون التوكيد لأمن اللبس = لتكتبانِّ .
والفرق بين نون التوكيد ونون النسوة أن نون التوكيد حرف لا محل له من الإعراب يفيد التوكيد يدخل على الفعل المضارع المسبوق بطلب أو قسم وعلى فعل الأمر من دون شرط فيبنى معها الفعل على الفتح . أما نون النسوة فهي اسم ضمير يكون في محل رفع فاعل يدخل على الفعل الماضي والمضارع والأمر فتبنى هذه الأفعال على السكون .
ولنأخذ مثالاً لذلك: كلمة (هؤلاء) فإنها مبنية على الكسرِ سواء كانت فاعلًا أم مفعولًا أم مجرورًا.
1 -هؤلاء الطلاب مجتهدون.
تعرب: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ.
2- ان هؤلاء الطلاب مجتهدون.
تعرب: اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم إن.
3- لهؤلاء الطلاب جائزة.
تعرب: اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر اسم مجرور.
والأسماء المبنية كما يأتي:
[1] جميع الضمائر:سواء أكانت متصلة أو منفصلة.
مثل: أنا- نحن- أنتَ- أنتِ- ما- أنتم- هو-ما- هم- هن.
تاء الفاعل- ناء الفاعلين- ألف الاثنين- واو الجماعة- نون النسوة.....إلخ.
[2] أسماء الإشارة: مثل: هذاـ هذه- هؤلاء- ذلك- تلك ما عدا هذين وهاتين يعربان إعراب المثنى يرفعان بالألف، وينصبان ويجران بالياء.
[3] الأسماء الموصولة:مثل: الذي- التي- الذين- اللاتي أو اللائي ما عدا اللذين- اللتين يعربان إعراب المثنى.
[4] أسماء الشرط: مثل: مَن- ما- متى- أين- كيف مَن يذاكر ينجح.
[5] أسماء الاستفهام: مثل:مَن- ما- متى- كيف مَن فهم الدرس؟
[6] بعض الظروف: مثل:حيث- أمس- الآن- إذ- إذا.
[7] الأعداد المركبة: من (أحدَ عشرَ) إلى (تسعةَ عشرَ) ما عدا (اثني عشرَ واثنتي عشرةَ).
فإن الجزء الأول منهما (اثني- اثنتي) معرب، والثاني مبني على الفتح.

