المشترك اللّفظي

ظاهرة الاشتراك اللفظي من الظواهر التي وقع الاختلاف حول وجودها. وإن كان الاختلاف في الواقع، حسب رأيينا، يرجع إلى الاختلاف في تخربج وتفسير الظاهرة لا إلى وجود معانٍ تشترك في لفظ واحد.

يرى صبحي الصالح: أنّ تعريف أهل الأصول للمشترك لعله أدق ما يحد به، ونقل تعريفهم، فهو(المشترك) عندهم "اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة" . ثم رأى له أن اختصارا  لتعريفه يمكن القول "المشترك هو ما اتحدت صورته واختلف معناه"..( صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة، ص302)

والاشتراك اللفظي من حيث وجوده ليس خاصا باللغة العربيّة، بل منتشر في اللّغات، ويرد عندهم مصطلح المشترك " Homonymes "، ولعلّ ما تتميّز به اللغة العربية، كما قال صبحي الصالح، هو الكثرة النسبية للمشترك في اللغة العربيّة. ولعلّ ذلك، وفق ما نراه، يرجع إلى اختلاف القبائل كما يذكره العلماء، وكذلك قدّم هذه اللغة وبقائها حيّة في الاستعمال طيلة قرون بما وهو ما نتج عنه ما صار يسمى "التطوّر الدلالي" بمختلف آلياته.

ويمكن أن نذكر من الأسباب التي يوردها الباحثون (ينظر مثلا: حاتم الضامن، فقه اللغة، ص68 وما بعدها)حول وجود المشترك مايلي:

أ‌-      اختلاف اللهجات والقبائل ← (مثال: السدفة والظلمة/النور):

وهذا من أشهر أسباب وجود المشترك، وفي المثال هنا نجد أن لفظ "السدفة" لم يوضع لمعنيين من قبل شخص واحد، بل إن قبيلة تميم وضعته ليعني (الظلمة)، بينما وضعته قبيلة قيس ليعني (الضوء). وعندما جُمعت اللغة من القبائل المختلفة، أصبح اللفظ الواحد يحمل المعنيين المتضادين في القواميس العربية.

ب‌-  المجاز وكثرة الاستعمال ← (مثال: العين الباصرة والجاسوس):


الأصل في كلمة "العين" هو عضو الإبصار. لكن لصعوبة وضع لفظ جديد لكل فكرة، استعار العرب هذا اللفظ ليدل على (الجاسوس) لأنه يعتمد على عينه في نقل الأخبار. ومع كثرة استعمال هذا المجاز، نسي الناس أنه "تشبيه" وصار اللفظ يدل حقيقةً على الجاسوس وعلى العضو في آن واحد.

ت‌-  التطور اللغوي الصوتي ← (مثال: أزّت وعزّت):


أحياناً تكون هناك كلمتان مختلفتان تماماً في النطق والمعنى (مثل اختلاف الهمزة عن العين)، ومع مرور الزمن وتسهيل النطق أو إبدال الحروف، تتقارب المخارج الصوتية حتى يذوب الفارق بينهما، فتتحول الكلمتان إلى لفظ واحد ينطق بنفس الطريقة لكنه يحمل معنيين مستقلين تماماً.

ث‌-  التضاد ← (مثال: القُرء للطهر والحيض):


هذا نوع خاص من الاشتراك، حيث تطلق العرب اللفظ على الشيء وضده. فكلمة "القرء" في اللغة مأخوذة من "الجمع"؛ فالحيض هو اجتماع الدم، والطهر هو اجتماع الدم في الرحم وعدم خروجه. هذا الأصل "الجمعي" جعل اللفظ صالحاً لوصف الحالة وعكسها.

وقد لخص "حلمي خليل" (حلمي خليل، مقدّمة لدراسة فقه اللّغة، ص159).