المعرّب
المعرّب من بين مباحث علاقة اللفظ بالمعنى
المعرّب
التعريف به:
عرّفه السيوطي بأنه : " هو ما استعمله العرب من الالفاظ الموضوعة لمعاني في غير لغتها "(السيوطي، ج1، 268)
المُعرَّبُ: هو اللَّفْظُ الأعْجَميُّ المَنْقولُ إلى العَربيَّةِ، سَواءٌ صَقَلَتْه العَربُ على مِنْهاجِها وأوْزانِها، أم تَكلَّمَتْ به بغيْرِ صَقْلٍ .
شروطه وأسباب وقوعه:
ويُشترَطُ في المُعرَّبِ أن تكونَ العَربُ قد تَكلَّمَتْ به، أي: يكونَ في عَصْرِ الاسْتِشْهادِ؛ يقولُ الأزْهَريُّ: (والقَيْرَوانُ مُعرَّبٌ، وهو بالفارِسِيَّةِ كاروان، وقدْ تَكلَّمَتْ به العَرَبُ قَديمًا) ، وقالَ الجَوْهَريُّ: (والنَّيْزَكُ: رُمحٌ قَصيرٌ، كأنَّه فارِسيٌّ مُعرَّبٌ، وقد تَكلَّمَتْ به الفُصَحاءُ، والجَمْعُ النَّيازِكُ) ، وقالَ ابنُ دُرَيْدٍ: (القُمْقُمُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: هو روميٌّ مُعرَّبٌ، وقدْ تَكلَّمَتْ به العَرَبُ في الشِّعْرِ الفَصيحِ.
ومن جهة البحث عن أسباب وقوعه، يذهب أنطون شال في مقاله حول "الثروة اللغوية العربية" إلى ربط هذا المعرّب إلى علاقة اللغة العربية باللغات السامية، ويرى أنّ ظاهرة الاقتراض (أ.د.فولفديتريش فيشر ، الأساس في فقه اللغة العربية، ص33). وقد ذكر حاتم الضامن رأيا مقاربا بخصوص السبب (الاحتكاك)، مبيّنا طرق التعريب حيث قال: "نخلص من هذه الآراء الى ان المعرَّب: هو اللفظ الاعجمي الذي يدخل اللغة العربية عن طريق الاحتكاك باللغات الاجنبية. وقد تطرأ عليه تغيرات في الحذف أو الزيادة، وقد تبقى اللفظة الاجنبية على حالها من غير تغيير، وتعامل معاملة المفردة العربية في اجراء مقاييس العربية عليها"(حاتم الضامن، فقه اللغة، ص91).
بين الدّخيل والمعرّب:
كَثير مِن أئِمَّةِ اللُّغةِ يَسْتَخْدِمونَ مُصْطَلَحَيِ "الدَّخيلِ" و"المُعرَّبِ" على أنَّ مَدْلولَهما واحِدٌ؛ يقولُ السُّيوطيُّ: (ويُطلَقُ على المُعرَّبِ: دَخيلٌ، وكَثيرًا ما يَقَعُ ذلك في كِتابِ العَيْنِ والجَمْهَرةِ وغيْرِهما) ، ويقولُ الجَواليقيُّ: (لم تَجتَمِعِ الجيمُ والقافُ في كَلِمةٍ عَربيَّةٍ، فمتى جاءتا في كَلِمةٍ فاعْلَمْ أنَّها مُعرَّبةٌ)، ثُمَّ يقولُ: (وليس في كَلامِهم زايٌ بعْدَ دالٍ إلَّا دَخيلٌ. بلْ إنَّهم قد يُشيرونَ إلى الكَلِمةِ الأعْجَميَّةِ باللَّفْظينِ معًا؛ قالَ الأزْهَريُّ في "النَّارجيل" -وهو الجَوْزُ الهِنْديُّ-: (وهو مُعرَّبٌ دَخيلٌ) ، وقالَ في "الهِمْيان" وهو المِنْطقةُ الَّتي تُشَدُّ على الوَسَطِ: (والهِمْيانُ دَخيلٌ مُعرَّبٌ) .
يمكن أن يكون سبب عدم التفرقة بينهما، حسب ما نظنه، هو عموم وخصوص، حيث إن بعض الباحثين يرون بأنّ الدخيل هو كل ما دخل إلى اللغة العربية في أي عصر من الجاهلي إلى المعاصر. ومن ذلك ما ذكره الدكتور عبد الرحيم في كتابه "معجم الدخيل في اللغة العربية الحديثة ولهجاتها". وبهذا يكون الدخيل عاما وشاملا للمعرّب والمولّد، وبهذا يكون التعبير عن المعرّب بالدخيل من باب التعبير بالعام عن الخاص.كما أنّ هناك اصْطِلاحا آخَرُ يَقتَرِنُ بتلك المُصْطلَحاتِ وهو "الأعْجَميُّ"؛ وهو كلُّ ما نَطَقَ به العَجَمُ، لكنْ لا يُطلِقُ أئِمَّةُ اللُّغةِ على الدَّخيلِ مِن الأعْلامِ -مِثلُ: إبْراهيمَ، وإسْحاقَ، وإسْماعيلَ- لَفْظَ "المُعرَّبِ"، إنَّما يُطلِقونَ عليه لَفْظَ "الأعْجَميِّ"، ويَخُصُّونَ المُعرَّبَ بالنَّكِرةِ؛ قالَ الفَيُّوميُّ: (وإن تَلَقَّوْه علَمًا فليس بمُعرَّبٍ، وقيلَ فيه: أعْجَميٌّ، مِثلُ إبْراهيمَ وإسْحاقَ.
أهميّة معرفة المعرّب:
الباحِثونَ في عِلمِ اللُّغةِ يَنْقسِمونَ إزاءَ أهَمِّيَّةِ مَعْرفةِ المُعرَّبِ قِسْمَينِ:
أ - فَريقٌ يَرى أنَّه لا أهمِّيَّةَ لمَعْرفةِ المُعرَّبِ مِن الكَلِماتِ، بلْ إنَّ مُجرَّدَ ضَبْطِ الكَلِماتِ معَ مَعْرفةِ مَعْناها كافٍ في بَيانِ المَقْصودِ، ومِنهم مَن يُشكِّكُ في أكْثَرِ المُعرَّباتِ ويَرى أنَّ القائِلينَ بذلك واهِمونَ.
ب - فَريقٌ يَرى أنَّ لمَعْرفةِ المُعرَّبِ أهمِّيَّةً كُبْرى؛ إذ إنَّ مَعْرفةَ المُعرَّبِ مَدخَلٌ لمَعْرفةِ الاشْتِقاقِ الكَبيرِ والاشْتِقاقِ الأكْبَرِ، وهؤلاء يَجعَلونَ التَّعْريبَ مِن أهَمِّ المَباحِثِ الَّتي يُعلَمُ بها سِرُّ اللُّغةِ، وقد بَحَثوا في المُعرَّباتِ وأصْلِها واللُّغةِ الَّتي أتَتْ مِنها، وأبانوا عن سِرِّ التَّغْييرِ الواقِعِ في الكَلِمةِ.