السداسي الثاني: النقد الموضوعاتي محاضرة +أعمال موجهة -الأستاذة بناني شهرزاد-
Section outline
-
-
لاستفساراتكم أو انشغالاتكم حول المقياس محاضرة كان أو في حصة الأعمال الموجهة مرحبا بكم في المنتدى الخاص بمقياس النقد الموضوعاتي
-

النقد الموضوعاتي (أو الموضوعاتية) هو منهج نقدي يهتم بتتبع "التيمات" أو الموضوعات المهيمنة في النص الأدبي (مثل: الحب، الموت، الغربة). ويسعى إلى الكشف عن المعنى الخفي والعميق من خلال تحليل الصور والأفكار وتكرارها، ليربط بينها ويستخلص الرؤية الكلية أو "المشروع الأدبي" للكاتب نسعى من خلاله إلى تعريف الطالب على أهم أعلام النقد الموضوعاتي الغربي ومؤلفاتهم في هذا الحقل وكذا كيف تلقت الساحة النقدية العربية هذا النقد من خلال نتاجات نقدية لنقاد عرب انقسموا بين منظر ومترجم ومطبق للنقد الموضوعاتي.
-
الأستاذة بناني شهرزاد
أستاذ محاضر ب
بكلية الآداب واللغات معهد اللغة العربية وآدابها -جامعة تيبازة-
-

البريد الإلكتروني: www.ahdchahrazed@gmail.com
رقــــم الهــاتــف : 0771.68.76.08
منتدى عبر منصة مودل.
مساحة للدردشة عبر منصة مودل.
الإجابة عبر الإيميل: عادة ما يتم الرد خلال نفس اليوم من تلقي الإيميل
أماكن التواجد: على مستوى المعهد من يوم الأحد إلى الاثنين.
-

مقياس: النقد الموضوعاتي.
السداسي: الثاني.
وحدة التعليم: الأساسية.
الرصيد: 04
المعامل: 02
محاضرة+أعمال موجهة
الفئة المستهدفة: طلبة السنة الثالثة ليسانس
التخصص: نقد ومناهج.
-
يهدف مقياس "النقد الموضوعاتي" إلى تزويد الطالب بالآليات اللازمة لقراءة النصوص الأدبية وتحليلها من خلال البحث عن "التيمة" أو الموضوع المهيمن (مثل: الزمن، الموت، الحب)يسعى المقياس إلى تحقيق الأهداف الأكاديمية والمعرفية التالية:
- ضبط المفاهيم: تعريف الطالب بمصطلح الموضوعاتية وروافده الفلسفية والنقدية، خاصة علاقته بالظواهرية (الفينومينولوجيا) والنقد الجديد
- استكشاف البنيات العميقة: تجاوز المعالجة السطحية للنصوص والبحث عن الرؤية للعالم التي يحملها الكاتب، من خلال تتبع الثيمات الممتدة عبر أعماله الكاملة
- تأهيل الناقد للتطبيق: تدريب الطلاب على تفكيك النصوص الأدبية، واستخراج الموضوعات المهيمنة، وربطها بالتراكيب اللغوية والصور الفنية。
- التعرف على الرواد: دراسة جهود أبرز مؤسسي هذا المنهج في الغرب (مثل غاستون باشلار)، وكيفية استيعاب وتطبيق هذا المنهج في الساحة النقدية العرب
-
تتمثل المتطلبات الأساسية لمقياس النقد الموضوعاتي (غالبًا ما يُدرس في السنة الثالثة ليسانس تخصص نقد ومناهج) في التحكم في أدوات التحليل الداخلي للنصوص، وتشمل:
- الخلفية المعرفية: إدراك المصطلحات النقدية وفهم المرجعيات الفلسفية والنفسية للمنهج، خاصة علاقته بالتحليل النفسي.
- الضبط المصطلحي: القدرة على التمييز بدقة بين مفاهيم أساسية مثل: التيمة (Theme)، الموضوع، الدال، والمدلول.
- الكفاءة المنهجية: التدرب على آليات "المقاربة الموضوعاتية"، كالتفكيك وتتبع الثيمات المهيمنة انطلاقاً من التفاصيل الجزئية وصولاً إلى الرؤية الكلية للنص.
- معرفة الرواد: الاطلاع على إسهامات المنظرين الغربيين لهذا المنهج، أمثال: غاستون باشلار، جورج بولي، وجان بيار ريشار.
-
. المراجع التنظيرية الغربية (الأساس الفلسفي)
- غاستون باشلار: رائد النقد الموضوعاتي والخيال المادي.
- كتاب: جماليات الصورة (دار التنوير).
- كتاب: شاعرية الأحلام، وكتاب جمالية المكان.
- جان بيير ريشار: منظّر المنهج في النقد الفرنسي.
- كتاب: الأدب والأسلوب (دراسات في الموضوعاتية الفرنسية).
2. المراجع النقدية العربية (التنصيل والتأصيل)- د. سعيد علوش:
- كتاب: النقد الموضوعاتي (شركة بابل) - يعد من أهم الدراسات العربية التي تنطلق من خلفية منهجية دقيقة لتحليل النصوص.
- د. جميل حمداوي:
- كتاب: المقاربة النقدية الموضوعاتية (يعتبر دليلاً شاملاً لضبط المصطلح والمفاهيم).
- د. عبد الكريم حسن:
- كتاب: المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق.
- كتاب: الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب (نموذج تطبيقي رصين).
- د. يوسف وغليسي:
- كتاب: التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري.
3. المقالات والأبحاث الجامعية (للإجراءات والتطبيق)- مقال: النقد الموضوعاتي: الأسس والإجراءات للباحثين رضوان جنيدي وعبد الحميد بيقة (منشور في مجلة العلوم الإنسانية).
- مقال: النقد الموضوعاتي من منظور الناقد محمد السعيد عبدلي (متوفر في المجلات الجامعية الجزائرية)
- غاستون باشلار: رائد النقد الموضوعاتي والخيال المادي.
-
يعد المنهج الموضوعاتي منهجا نقديا حديثا في دراسة النصوص الأدبية شعر ونثرا، وقد ظهر هذا المنهج في أوروبا في ستينيات القرن الماضي، أما في الوطن العربي فقد ظهر ظهورا محتشما ومتأخرا بما يفوق عقدا من الزمن. وهو بذلك يسعى إلى الإمساك بتلابيب الموضوعاتية المهيمنة في النص الأدبي انطلاقا من مجموعة من الآليات والمداخل الحرة؛ ذلك بالنظر إلى امتداد النقد الموضوعاتي وتداخله مع حقول معرفية ونقدية متنوعة، ومن أجل ذلك وجد المختصون صعوبة كبيرة في إيجاد تعريف دقيق له، أو حصره في آليات إجرائية محددة وصارمة. ولعل ذلك ما حمل جون بول ويبر إلى الصدع بالقول: "احذروا الموضوع: au thème Attention
وتجدر الإشارة هنا إلى الالتباس الحاصل بين تعريف الموضوع Themeوالموضوعاتية Thématique، هذه الأخيرة التي تشكل مدار اشتغال النقد الموضوعاتي:
أما الموضوع فيعرفه جان بيار ريشار
بأنه "مبدأ تنظيمي محسوس، أو ديناميكية داخلية، أو شيء ثابت يسمح لعالم حوله بالتشكل والامتداد. والنقطة المهlة في هذا المبدأ تكمن في تلك القرابة السردية؛ في ذلك التطابق الخفي والذي يراد الكشف عنه تحت أستار عديدة. "وانطلاقا من تعريف ريشار، وبشكل ملتبس بين الموضوع والنقد الموضوعاتي يقول سعيد علوش: " ...وبذلك يصبح مفهوم الموضوعاتي في الحقلين العربي والغربي، هو التردد المستمر لفكرة، أو صورة ما، فيما يشبه لازمة أساسية وجوهرية، تتخذ شكل مبدأ تنظيمي ومحسوس، أو دينامية داخلية، أو شيء ثابت، يسمح للعالم المصغر بالتشكل أو الامتداد.
وأما بالنسبة للنقد الموضوعاتي فيعرفه ميشال كولو بأن "الموضوعاتية تسعى إلى إبراز المعنى المضمر للعمل الأدبي. هذا المعنى غير معطى، ولكن يمكن إعادة تشكيله انطلاقا من النص، وفقا لمنطق يظل محايثا ولا يتعارض مع معناه الظاهر. "
أما بول آرون فيرى في معجم المصطلحات الأدبية الذي ترجمه محمد حمود أن هذا المنهج يقوم على "تخصيص لمفهوم الموضوع بالذات، وبحسب الفكرة التي يقيم فيها الوعي علاقة بين الموضوع والعالم الذي يندرج فيه، يستطيع النقد وصف كيفية الوجود في عالم الأديب الخاص، بفهمه للواقع كما يظهره النص (...) يقوم النقد الموضوعاتي بالكشف عن خرائطية شاملة بواسطة الخيال، كما مارسه هؤلاء الأدباء.
وعلى الرغم من هذه المحاولات الساعية إلى ضبط المقاربة الموضوعاتية وإيجاد تعريف لها، إلا أنه يظل منهجا بلا هوية ومنهجية واضحة، أو ميدانا نقديا هلاميا تتداخل فيه مختلف الرؤى الفلسفية والمناهج النقدية )الظاهراتية والتأويلية والبنيوية والنفسانية(... التي تتضافر مجتمعة من أجل التقاط الموضوعاتية المهيمنة داخل النصوص الأدبية، وفي التحامها بالتراكيب اللغوية المشكلة لها. وبهذا المعنى تتأسس الموضوعاتية هدفا وغاية بالنسبة لمنهج النقد الموضوعاتي ذلك لأن الموضوعاتية تعيش في كامل النص الأدبي، بل كثيرا ما تحيا في جميع أعمال الكاتب الواحد، ببنيات فنية متنوعة وموضوعات مختلفة؛ ذلك لأنه مادامت تصدر عن مؤلف واحد، فهي ترتبط فيما بينها بعلاقات فنية قوية وعميقة، كقوة وعمق علاقات الدم التي تربط بين الإخوة. ومن هنا ندرك مدى صدق كثير من الأدباء لما يصرحون بأنهم مهما تعددت أعمالهم الإبداعية وتنوعت، فهم لا يكتبون في نهاية الأمر سوى عمل إبداعي واحد. "
أخيرا يمكننا الخلوص إلى أن "المنهج الموضوعاتي عموما، منهج يلاحق موضوعات الأثر الأدبي وتفرعاتها الموضوعاتية، بطرائق إجرائية مختلفة من ناقد إلى آخر، لإدراك العالم التخيلي لأديب في اتصاله بوعيه الذاتي"
وأن الموضوعاتية هي النواة أو الخلية الأساسية التي تلد النص أو تخلقه بفضل نموها وتوسعها على أساس تعديلاتها المتتابعة حتى يبلغ النص تمام خلقته واكتماله.3" غير أن أهم تعريف وضع للنقد الموضوعاتي -رغم طبيعته الإشكالية وعوالمه العصية على الضبط والتحديد- هو التعريف الذي وضعه "معجم آداب اللغة الفرنسية"، وأشاد به الباحث "محمد السعيد عبدلي"، حيث جاء فيه: ..."يقف النقد الموضوعاتي ليفتح طريقا ثالثا يدرس فيه: الصور، الأفكار، والعلاقات الشكلية والدلالية في الآن نفسه التي تتكرر في نص ما، أو مجموعة من النصوص، والتي يعتقد أنها أساسية لفهم تلك النصوص أو شرحها. ولهذا السبب سميت موضوعات.
ويكون الموضوع في هذا النقد كالخلية الأصلية، أو المصدر الأول الذي تتوالد منه خطوط وملامح متعددة ومتنوعة، تبدو متباينة ومتباعدة عن بعضها، ولكن التعرف على أضوائها وألوانها يسمح بالكشف عن أصلها العائلي المشترك الذي تستمد منه جميعا وجودها. "
ولما كان النقد الموضوعاتي بهذه الأهمية أشاد به وأثنى عليه كثيرا الناقد الفرنسي الشهير "جيرار جيينيت" قائلا: "لا شيء في الحقل الأدبي تعلمت منه أكثر مما تعلمت من الدراسات التي أنجزها النقد الموضوعاتي، وانطلاقا منها رحت أبحث عن تطوير النقد، وهو تطوير قد يبدو الآن قد أدار ظهره لنقطة انطلاقه، لكن يبقى دائما أن النقد الموضوعاتي هو الذي علمنا كيف نقرأ، لأننا قبله كنا ربما ننجز أشياء مهمة، لكننا لم نكن نقرأ النصوص قراءة حقيقية. "
ولعل ذلك ما دفع بالباحث محمد السعيد عبدلي في دراسته لعالم كاتب ياسين الأدبي إلى إعادة النظر في مهمة النقد الأدبي كما حددها جيرار جينيت في كتابه أطراس" .palimpsestes فإذا كان جينيت يرى أن مهمة النقد الأدبي تتحدد في الكشف عن شاعرية النص الأدبي في حالته الانفرادية، فإن عبدلي يرى أن "هذا التحديد لمهمة النقد تتجاوزه هذه الدراسة، أو بالأحرى يتجاوزه النقد الموضوعاتي الذي تعمل هذه الدراسة وفق إجراءاته. وحتى تنسجم هذه الدراسة مع مهمة النقد الموضوعاتي التي تتجاوز المهمة التي أسندها جينيت للنقد، ينبغي إعادة تحديد هذه المهمة بشكل أوسع وأشمل لتصبح حسب الصيغة الآتية: مهمة النقد هي الكشف عن شاعرية نصوص كاتب ما في حالاتها الانفرادية. وما يدفع إلى هذا التحديد الموسع هو طبيعة الموضوعاتية الأساسية نفسها التي تتجاوز النص الواحد لمؤلف ما إلى جميع نصوصه، أو إلى نسبة هامة منها على الأقل؛ حسب ما جاء في دراسة جون بول ويبر لأعمال ستاندال بالخصوص، التي بين أنها تنبثق من موضوعاتية العضة، وحسب ما سنرى أيضا مع أعمال كاتب ياسين التي تنبثق بدورها من موضوعاتية واحدة. "
بهذا تتضح الآفاق الرحبة للنقد الموضوعاتي والمجالات الواسعة والفضاءات لفسيحة التي يشتغل في نطاقها، ذلك لأنه لا يعول على النص الواحد لدى الكاتب الواحد، بل تتحدد اهتماماته في دراسة المدونة الأدبية كاملة وفي شموليتها لدى الكاتب الواحد حتى تكون النتائج دقيقة والأحكام سليمة، وتكون مهمة الإمساك بموضوعاتية الأديب في حالتها الانفرادية المتكررة والمتواترة في جميع أعماله، أمرا ميسورا وهدفا ممكن التحقق.
المصادر والمراجع:
يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري)بحث في ثوابت المنهج وتحولاته العربية ومحاولات لتطبيقه(، دار جسور للنشر والتوزيع، الج ازئر، ط1،
.2017
- يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري )كلام المنهج..فعل
الكلام(، دار الريحانة للكتاب، الج ازئر، .2007
-محمد السعيد عبدلي، المنهج الموضوعاتي في النقد الأدبي: أسسه وإج ارءاته،
دار التنوير، الج ازئر، .2020
-محمد عبدلي، عالم كاتب ياسين الأدبي، دار القصبة للنشر، الج ازئر، .2009
-عبد الكريم حسن، الموضوعية البنيوية، د ارسة في شعر السياب، المؤسسة
الجامعية للد ارسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، .1983
-عبد الكريم حسن، المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق.
-حميد لحمداني، سحر الموضوع، عن النقد الموضوعاتي في الرواية والشعر،
دراسات سال،فاس المغرب، ط2 مزيدة ومنقحة، .2014
-سعيد علوش، النقد الموضوعاتي.
-محمد ع ازم، المنهج الموضوعي في النقد الأدبي.
-مجلة د ارسات سميائية أدبية لسانية، العدد04، 1990 )د ارسات سال المغرب.(
-مجلة الموقف الأدبي، ع403، منشورات اتحاد الكتاب العرب.
-
المحاضرة الثانية: مصادر المقاربة الموضوعاتية
تتعدد مصادر المقاربة الموضوعاتية وروافدها ومرجعياتها، حيث تهيمن الذات وتتمركز في صلب هذه المرجعيات المختلفة التي رفدتها وأمدتها بالأدوات النقدية والإجرائية، ومنها:
1-الرفد الفينومينولوجي:
شكلت الفلسفة الفينومينولوجية أو الظاهراتية phenomenology مصدر إشعاع فكري ومعرفي استمدت منه المقاربة الموضوعاتية أبرز مقولاتها النقدية، وأهم أدواتها الإجرائية والتحليلية؛ ذلك لأن هذه الفلسفة تدعو إلى الربط بين الذات والموضوع؛ أي إنها تتوجه إلى إدراك الموضوع من خلال الذات التي ينحصر اهتمامها ويتجه شعورها وقصديتها إلى موضوع مركزي واحد تدور حوله وفي فلكه، وبذلك تسعى الفينومينولوجيا إلى قراءة الوعي وإدراكه من خلال تأثير الذات وإدراكها وعواطفها وانفعالاتها.
وفي هذا الصدد نستحضر مقولة هوسرل رائد هذه الفلسفة؛ إذ يقول: "إن كل وعي هو وعي بشيء ما. " وبمعنى آخر "أ ن كل وعي أو كل شعور هو وعي بشيء أو موضوع ما." وهو وفق هذا الطرح والتصور يخالف "ديكارت" في مقولته الشهيرة: "أنا أفكر، إذن أنا موجود. " لتنقلب المعادلة وتصير "أنا أفكر في شيء مقصود )موضوع(، إذن أنا موجود." من هذا المنطلق تختص الظاهراتية بالكشف عن "الموضوع كما يُدرك، والموضوع كما يتخيل، والموضوع كما يُراد. " وبمعنى آخر فهي تسعى إلى تقديم تصور عن الموضوع والوجود كما تتمثله وتدركه الخبرة الذاتية، لأن وعي الإنسان بنفسه من منظور الفلسفة الظاهراتية يجب أن يمر أولا بوعيه بالعالم، بخلاف الفلسفة العقلية الديكارتية التي تنطلق في تحديد مسألة الوعي من وعي الإنسان بنفسه، لينتهي بعد ذلك إلى تحقيق وعيه بالعالم. فهي تؤسس تصوراتها وتبني إدراكها لأشياء على العقل وحده، وترفض شهادة الحواس كأداة معرفية؛ لأنها تخدعنا أحيانا، وليست مصدر ثقة في نظر ديكارت؛ ولأنها كثيرا ما تكون عرضة للأوهام والتخيلات الخاطئة والمزيفة.
وفي هذا الصدد يضرب "ديكارت" مثالا عن الحلم الذي الإنسان يعتقد بأنه يعيشه حقيقة؛ لكنه في الحقيقة غير ذلك، وقياسا على هذا يرى "ديكارت" أن ما نحس به ونستشعره قد يكون مجرد حلم كبير. ويضرب مثالا آخر على إثبات وجود الذات وامتدادها وديمومتها في الفكر قبل الجسم والشكل بقطعة الشمع التي يرى أنها عندما تتعرض للحرارة والذوبان يختفي لونها وشكلها وملمسها ويبقى أثرها وامتدادها وماهيتها في الفكر؛ فالفكر وحده من يمتلك القدرة على إدراك ماهية الأشياء ووجودها المادي والمحافظة على ثباتها وديمومتها، التي يستمدها من فكرة الامتداد نفسها، لا من الحواس )اللون والرائحة والملمس والشكل( التي ليس بمقدورها أن تبقي على هوية شيء ثابتة وقارة؛ لذلك لم تعد مصدر ثقة بالنسبة لديكارت، لأنها متغيرة ومتبدلة.
وبهذا يكون العقل وحده أساس إدراك الذات ووجودها وهويتها، وهو معنى أنا أفكر، أنا موجود؛ أي إن الذات توجد لحظة التفكير، ولا ينبغي أن نشكك في وجودها؛ لأن الذي يفكر هو الذات.
أفضى قلب هذه المعادلة الديكارتية )أنا أفكر، إذن أنا موجود( إلى بلورة المعادلة الفينومينولوجية كل وعي هو وعي بشيء ما التي قادت إلى بناء تصور منهجي وعلمي في دراسة النصوص الأدبية والكشف عن مختلف أبعادها الجمالية والمضمونية عرف "بالمنهج الموضوعاتي" الذي يستند إلى هذه الفلسفة الفينومينولوجية وإلى أفكارها وطروحاتها المنبثقة من المعادلة الهوسرلية السابقة، التي وجدت صداها في بعض المعاجم والموسوعات الفلسفية وفي بعض التعريفات النقدية التي يمكن استحضارها في هذا السياق، من أجل توكيد العلاقة الحميمية بين الفلسفة الفينومينولوجية والنقد الموضوعاتي.
يرى عبد الرحمان بدوي في موسوعته الفلسفية أن الفينومينولوجيا تعد منهجا...وهذا المنهج يقوم على رؤية الماهية في الشعور. في سبيل ذلك يستقرئ كل المعاني التي ترتبط بمفهوم ما، ابتغاء أن يستخلص منها هذه الماهية التي يسعى "إلى رؤيتها... والمنهج الواجب اتباعه يشتمل على خطوتين معياريتين...تقوم الأولى في التخلص من الأحكام السابقة...وتقوم الخطة الثانية في الالتجاء إلى العيان المباشر بوصفه الوسيلة الوحيدة القادرة على إدراك الواقع في صفائه المحض. "
بينما يؤكد جيرار دوروزوا Durozoi Gérard بأن "الظاهراتية في مفهومها العام تعني دراسة وصفية لمجموعة من الظواهر. وتعني في الفلسفة المعاصرة، حركة فلسفية دشنها هوسرل، من أجل التأسيس لفلسفة فعالة قادرة بدورها على التأسيس لعلوم خاصة ومحددة. ومن أجل هذا يجب الرجوع دائما إلى الأشياء نفسها بهدف القبض على المعاني ذلك لأن هوسرل لم يريد بناء نظام وإنما أراد فقط وصف ما نستطيع مشاهدته باتباع طريقة معينة
وفي الحقيقة أن التعريفين السابقين، ليسا إلا مجرد إعادة وتكرار لكلام هوسرل عن وظيفة الفينومينولوجيا ودورها الذي يختصره قوله: "أحاول فقط أن أرى وأن أصف ما أرى."
وهذا فضلا عن توكيدها على أسبقية الشيء في الوجود عن معناه، كون أن الإنسان هو الذي يقدم للشيء معنى بعد ظهوره وإدراكه له. وفي هذا النطاق توجب التمييز "بين الشيء كذات مستقلة، وبين ظهور هذا الشيء في وعينا؛ فظهور الشيء في وعينا هو حالة من حالات وعينا بهذا الشيء، لأن ظهوره لنا يتغير بتغير المكان والزمان، بينما الشيء يبقى واحدا غير متعدد؛ ومعنى هذا أن الوعي بالشيء الواحد هو وعي متحرك ومتعدد. وهكذا نجد موضوعاتية نص أدبي ما، هي موضوعاتية واحدة بينما تختلف صور تجليها في وعي الكاتب، ومن ثم أشكال تجسيد هذا الوعي في النص الإبداعي. "
بناء على ذلك يؤسس النقد الموضوعاتي منطلقاته التحليلية على قراءة العوالم الموضوعية لدى الكتاب والمبدعين، ومحاولة الوعي بها، وإدراكها إدراكا حسيا، والسعي إلى تحسس صورها وتخيلاتها ومختلف علاقاتها المعجمية والمعنوية والدلالية. من هذا المنطلق "تبدو استفادة النقاد الموضوعاتيين من الفلسفة الظاهراتية جلية من خلال المبدأ الرئيسي الذي أسسوا عليه منهجهم، والمتمثل في إقرارهم بتأخر الوعي عن موضوعه. وهذا يعني في مجال الإبداع الأدبي أن النص، [بوصفه] وعيا، هو نتيجة توالدت من موضوع محدد ودقيق، وهو ما سبق تلخيصه في فكرة )كل وعي هو دائما وعي بشيء ما(؛ وهذا الشيء في مجال الأدب هو الموضوعاتية. أما الوعي فهو وعي الكاتب بهذه الموضوعاتية وقد جسدها نصا إبداعيا. وبهذا تتضح مهمة النقد الموضوعاتي التي تتمثل في القيام بتحليل النص الأدبي [بوصفه] وعيا فنيا، بهدف استكشاف موضوعاتيته، أي ما سبق التعبير عنه بشيء ما. "
ولعل ذلك ما دفع بعبد الكريم حسن إلى توضيح الطريقة أو الكيفية التي يتجسد بها الواقع في الوعي، من خلال استحضاره لهذا المثال التوضيحي عن اللون الأبيض الذي ليس -في نظره- "وقفا على لون الثلج، ولكنه يتعدى ذلك إلى ما يصعب حصره من المواد، كالسوسن والقطن وأوراق الكتاب. وكل لغة تأتي لتعبر عن هذا اللون بالمفردات الخاصة بها. إن هذه المفردات وتلك المواد ليست إلا مظاهر يتجلى بها جوهر واحد هو الأبيض. وما تبحث عنه الظاهراتية هو الوصول إلى الجواهر عبر المظاهر. "
-2الرافد البنيوي
تعد البنيوية هي الأخرى منطلقا مركزيا في التحليل الموضوعاتي، حيث أمدته بأدواتها الإجرائية والمفاهيمية، ويظهر ذلك بجلاء من خلال استعارته مفاهيم البنية والشكل والنص والمعجم والمحايثة والتراكيب...وغيرها. وفي هذا الصدد يؤكد جان بيير ريشار على مدى الإفادة الكبيرة للنقد الموضوعاتي من البنيوية، إلى درجة أنه يعده "تجوالا في النص. " وهو بهذا يجعلنا نستحضر تلك المقولة الشهيرة عند البنيويين التي تؤكد على "النص ولاشيء خارج النص"، الذي يعد مدار اهتمام البنيويين ويشكل بؤرة اشتغالهم ودراستهم الشكلية المحايثة.
لقد تجلى التأثير البنيوي في حقل المقاربة الموضوعاتية بصورة واضحة وجلية مع الموضوعاتية البنيوية لدى كل من جون بيير ريشار وعبد الكريم حسن في مختلف دراساتهم النقدية والتطبيقية.
يمكننا في هذا الإطار أن نتبين بعض أوجه هذا التأثير من خلال مفهومي الكلية ورؤية العالم البنيويين اللذين يشكلان رؤية موضوعية واحدة تختزل العوالم الإبداعية لدى الأدباء وتلخصها "في موضوع واحد كلي متجذر في أعماق الأديب، ينتظم عالمه المتخيل...وفي الحالة الموضوعاتية.
تتحول رؤية العالم من صيغتها السوسيولوجية الطبقية إلى صيغة ذاتية عن حالة الوعي بشيء من تفسير الكون المتخيل لدة الكاتب وتعبر عن أشيائه.
3-الرافد السيكولوجي:
يشكل التحليل النفسي ركيزة أساسية ينطلق منها النقد الموضوعاتي ويقيم عليها معظم تحليلاته وتحديداته للموضوعات والتيمات المتغلغلة والمضمرة ضمن البنيات النصية والأدبية، ومن هذا المنطلق فقد يم˘كن التحليل النفسي الناقد الموضوعاتي من التعمق داخل البنية النفسية للعمل الأدبي بهدف القبض على تيماته المتواترة والإمساك بموضوعاته المتكررة والمهيمنة. ويمكن فيما يلي أن نرصد بعض النقاط التي تدل على إفادة النقد الموضوعاتي من التحليل النفسي:
-انطلاق النقد الموضوعاتي من ذاتية الكاتب ونفسيته التي يتمحور تركيزها وترددها حول خدمة موضوع محدد وتيمة معينة. ولعل ذلك قد وجد صداه في تلك الصيحات المبكرة التي أشار إليها الناقد النفساني الشهير "شارل مورون" Moron Charles في أطروحته المتميزة )من الاستعارات الملحة إلى الأسطورة الشخصية: مدخل إلى النقد النفساني(، حيث لاحظ تسرب بعض الأفكار التحليلية النفسية إلى ساحة النقد الموضوعاتي وبخاصة ملمح الأنا العميق الذي تركز عليه الموضوعاتية. فضلا عن ملاحظته لأعمال غاستون باشلار بأنها تقوم على تحليل نفسي علمي.
-يتأكد ذلك الإمداد المعرفي، وتلك العلاقة الحميمية بين النقد الموضوعاتي والتحليل النفسي، من خلال القناعات الراسخة لدى أبرز رواد النقد الموضوعاتي الذين يفهمون الموضوع فهما سيكولوجيا، وهو ما أشار إليه ج.ب. ويبر weber paul jean الذي يرى أن "الموضوع يتأصل في الذكريات الأولى للطفولة، فهو ذو بنية معقدة غالبا، كثيرا ما تقتضي إطارا موضوعاتيا، يمتد الحدث الأصلي ضمنه. "
أما ج.ب.ريشار فيرى بأن "الجذر، في مختلف الأحوال يبقى مرادفا للمركب أو العقد في قاموس التحليل الفرويدي. "
كما نجده يصرح بشكل واضح "أن النقد الموضوعي الذي يكشف هنا عن معنى الرغبة، إنما يستجوب علاقته القوية بالتحليل النفسي وعلم الدلالة. "
وعن التعريفين الأول والثاني يرى الباحث يوسف وغليسي بأن كليهما "يستدعي الولوج إلى الأعماق النفسية للمبدع. "
وبالإضافة ويبر وريشار، نجد جون ستاروبنسكي Starobinski Jean أحد أعمدة النقد الموضوعاتي كان طبيبا نفسانيا، مما دعاه إلى المراهنة على حضور التحليل النفسي في ممارساته النقدية الموضوعاتية، وقد بدا ذلك جليا في كتابه
)العلاقة النقدية( critique relation La الذي يتضمن فصلا تحت عنوان: (التحليل النفسي والأدب.(
-4-الرافد الرومنسي:
قادت مراهنة الرومنسية على مبدأ الذات أو الذات الحساسة في إنتاج العمل الفني جل المهتمين بالنقد الموضوعاتي إلى اعتماد هذه المبدأ في اشتغالاتهم الموضوعاتية؛ ذلك لأن الرومنسية "نظرت إلى العمل الفني بحد ذاته على أنه ثمرة إبداعية أصيلة بفعل الوعي الوجداني الشخصي. "
ومن ثمة يغدو الاهتمام الموضوعاتي مزيجا مركبا بين تجربة المبدع الوجدانية وبين بنية شكلية تؤول دائما إلى وعي هو وعي الذات؛ لذلك فقد رأى ستاروبنسكي أن العمل الأدبي هو "تزامن لبنية ما ولفكر ما مزيج من شكل وتجربة يتضامن تكونها." أما دانيال برجز Berger Daniels فينتهي إلى القول "بأن النقد الموضوعاتي هو إيديولوجيا ابن الرومنسية."
المصادر والمراجع:
1-يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري)بحث في ثوابت المنهج وتحولاته العربية ومحاولات لتطبيقه(
2- يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري )كلام المنهج..فعل الكلام.(
3-محمد السعيد عبدلي، المنهج الموضوعي في النقد الأدبي: أسسه وإجراءاته. –
4-عبد الكريم حسن، المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق.
5-حميد لحمداني، سحر الموضوع.
6 -سعيد علوش، النقد الموضوعاتي.
7-محمد عزام، المنهج الموضوعي في النقد الأدبي.
8-مجلة دارسات سيمائية أدبية لسانية، العدد04
9-مجلة الموقف الأدبي، ع403، منشو ارت اتحدا الكتاب العرب.
-
المحاضرةالثالثة: آليات المقاربة الموضوعاتية1
تمهيد:
تنهض المقاربة الموضوعاتية على مجموعة من الآليات المنهجية، والأسس النظرية والتطبيقية التي تقود إلى الإمساك بالتيمات الأساسية المهيمنة في العمل الأدبي، وقد حصر هذه الآليات والأسس الناقد المغربي جميل حمداوي في المبادئ التنظيمية التالية:
-قراءة النص قراءة عميقة ومنفتحة.
-الانتقال من القراءة الصغرى إلى القراءة الكبرى.
-تحديد مكونات النص المناصية والمرجعية.
-التأرجح بين القراءة الذاتية والقراءة الموضوعية.
-البحث عن التيمات الأساسية، والبنيات الدلالية المحورية، والموضوعات المتكررة في النص الإبداعي.
-جرد هذه التيمات، واستخلاص الصور المتواترة في سياقها النصي والذهني والجمالي.
-تشغيل المستوى الدلالي برصد الحقول الدلالية، وإحصاء الكلمات المعجمية، والمفردات المتواترة.
- توسيع الشبكة الدلالية لهذه التيمات المرصودة دلاليا فهما وتفسيرا.
-رصد الأفعال المحركة والمولدة للمعاني في سياقاتها الصوتية والإيقاعية والصرفية والتركيبية والتداولية، مع دراسة دلالاتها الحرفية والمجازية، واستنطاقها فهما وتأويلا.
-الانتقال من الداخل النصي إلى التأويل الخارجي، والعكس صحيح أيضا.
-دراسة الموضوع المعطى من أجل البلوغ إلى الجانب الحسي في الأثر الأدبي، أو الوصول إلى البنية الموضوعية المهيمنة للعمل الإبداعي.
-حصر العناصر التي تتكرر بكثرة، وبشكل لافت، في نسيج العمل الأدبي.
-تحليل العناصر التي تم حصرها ورصدها اطرادا وتواترا )الاهتمام بالمعنى السياقي.(
-المقارنة بين الظواهر الدلالية والمعجمية والبلاغية تآلفا واختلافا.
-جمع النتائج التي تم تحليلها لقراءتها تفسيرا وتأويلا واستنتاجا.
-ربط الدلالات الواعية وغير الواعية بصورة المبدع الذاتية والموضوعية.
وأما بالنسبة لثوابته المفاهيمية ومقولاته الجوهرية؛ فيجملها الباحثان عبد الكريم حسن ويوسف وغليسي في العناصر الآتية:
-1الموضوع:
يعد الموضوع مبدأ أساسيا تلتقي عنده جميع المفاهيم التي تؤسس للمنهج الموضوعاتي، لكنه يبقى مفهوما إشكاليا ونسبيا يستعصي على الضبط والتحديد، فهو مفهوم مختلف من ناقد إلى آخر وحسب توجه وأفكار كل واحد منهم أيضا، ولذلك لا يمكن وضع تعريف دقيق له، ولعل هذا الإشكال ناجم عن صعوبة إيجاد تعريف دقيق كذلك للنقد الموضوعاتي في حد ذاته، كما رأينا سابقا. وعلى الرغم من ذلك فيمكننا أن نقتصر على التعريف الذي وضعه له جون بيار ريشار، الذي يرى أن "الموضوع مبدأ تنظيمي محسوس، أو ديناميكية داخلية، أو شيء ثابت يسمح لعالم حوله بالتشكل والامتداد. والنقطة المهة في هذا المبدأ تكمن في تلك القرابة السرية؛ في ذلك التطابق الخفي والذي يراد الكشف عنه تحت أستار عديدة."
ذهب ريشار في نطاق تمييزه بين مفهوم الموضوع والموضوعاتية إلى القول بأنه ":يجب التفريق في قاموس النقد الجذري بين الفكرة الرئيسية والجذر. الفكرة الرئيسية هي كل عنصر لغوي يعود بإلحاح في الأثر الأدبي. إنها متعلقة بمفردات اللغة ومصطلحاتها. أما الجذر فإنه يختلف عن الفكرة الرئيسية ومجموعة التماعاتها ورموزها وجزئياتها." إضافة إلى ذلك، ومن أجل توضيح هذه الفروق راح يقدم مثالين: الأول عن أدب الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، والثاني عن أدب الشاعر الفرنسي ألفرد دوفيني، إذ يقول: "الحشرة فكرة رئسية عند لوركا، وباستطاعة الناقد أن يضع جدولا بالنصوص التي تشتمل على هذه المفردة ويرسم حدود مضمونها ودلالتها. أما الجذر فهو التنويعات الضمنية لها، مثل: الحرير، الشرنقة، الطبيعة، ورموز المواسم والعطاء والزمن المتجدد والمتآكل. والطير فكرة رئيسية عند ألفرد دوفيني، لكن مشتقاتها مثل: الإنسان العاشق، الهائم، والنازف، تشكل جذورا لوحدة دلالية تشير إلى عقدة أوديبية تتحكم في الشاعر."
من هذا المنطلق يكون الموضوع هدفا أساسيا ونقطة مركزية ومحورية في منهج النقد الموضوعاتي.
-2الدال والمدلول أو شكل المضمون:
إذا كانت هذه الثنائية ترجع إلى سوسير لكن الطرح الذي تأثر به رواد النقد الموضوعاتي يتعلق بالتصور الذي وضعه يالميسليف متجاوزا الفهم السوسيري الذي يرى بأن اللغة شكل وليست مادة، لكن يالميسليف يقترح تصورا رباعيا يفصل بين محوري التعبير والمحتوى: )شكل التعبير ومادة التعبير/ شكل المضمون ومادة المضمون.( وعلى هذا الأساس أفضى شكل المضمون إلى تبلوره إجراء أساسيا، وأداة منهجية في معاينة الموضوع واستكشافه في البنيات الأدبية والنصية، ولا سيما عند ريشار الذي عول على هذا المفهوم كثيرا في دراساته وأبحاثه المختلفة، التي تنطلق في "استنباط الموضوع من شكله اللغوي" أو ما اصطلح عليه "شكل المضمون" وهو التصور الذي اعتمده م.كولو في تمييز "مضمون الموضوع وشكله."
3-التركيز على البنية: يركز الناقدون الموضوعاتيون وبالأخص منهم ريشار على مفهوم البنية الذي يؤكد أن القراءة الموضوعاتية معناها التساؤل عن البينة الخاصة المميزة للعمل الإبداعي، وإلى جانب البنية يستعمل مصطلحات مجاورة من قبيل: الهيكل، المعمارية، البنية الخفية، التشاكل، الرؤيا المو ِّ˘حدة، الرؤيا الكلية...وغيرها، وكل ذلك من أجل التوصل إلى إدراك العلاقة بين الشكل والمضمون.
-4مفهوم العمق:
يميز ريشار بين نوعين من المعنى، المعنى الظاهري والمعنى الخفي أو العميق، ومهمة النقد الموضوعاتي هي البحث عن المعنى الخفي للعمل الإبداعي؛ لذلك كلما أوغل النص في الغموض والعمق، يتوجب مع ذلك عمق في القراءة النقدية، وكي يتمكن النقد الموضوعاتي من الوصول إلى هذا العمق المكنون والمتشظي في الأعمال الإبداعية ينبغي استيعاب المفاهيم الثلاثة الأساسية على حسب ريشار وهي: المشروع الأدبي أو النقدي، والقصدية والوعي.
-5مفهوم المعنى:
الوصول إلى المعنى في النقد الموضوعاتي ليس عملية تأويلية أو تفسيرية وإنما هو عملية وصفية شاملة قائمة على الجرد والإحصاء والتنضيد والتصنيف؛ أي وصف المعنى من خلال تنظيم وترتيب العناصر المشتركة والمتآلفة والمنسجمة في حقل واحد، بهدف تحقيق التجانس الموضوعي الناتج عن انتظام مجموعة من العناصر واتساقها في نظام ومقولات معنوية وموضوعية.
-6مفهوم الخيال:
يشكل الخيال مفهوما مركزيا ودعامة أساسية في تشييد صرح النقد الموضوعاتي، ويلتقي الخيال مع مفاهيم الحلم والإحساس والصور والفكر التي يستند إليها الأديب في بناء عالمه الإبداعي، وفي تشكيل موضوعاته ومراكمتها.
7-القرابة السردية:
يعد عنصر القرابة السرية، أو العائلة اللغوية بتعبير عبد الكريم حسن، من أهم المفاهيم التي يقوم عليها مفهوم المقاربة الموضوعاتية، ولاسيما عند جون بيار ريشار؛ الذي نلفيه يعول عليه كثيرا لدى تعريفه للموضوعاتية، إذ يقول: "الموضوع مبدأ تنظيمي محسوس...والنقطة المهمة في هذا المبدأ تكمن في تلك القرابة السرية، في ذلك التطابق الخفي، الذي يراد الكشف عنه تحت أستار عديدة."
انطلاقا من هذا التعريف يبدو أن مسألة الكشف عن القرابة السرية داخل النصوص الأدبية متعلقة بالدرجة الأولى بإدراك العلاقات الخفية التي تربط بين الوحدات النصية، وبالتوغل في أعماق هذه النصوص وتتبع خيوطها الرفيعة التي تبني نسيجها ونظامها الداخلي والموضوعي، إذ لا يتوقف العمل على مجرد استيعاب مضمونها الفكري الظاهري السطحي والمباشر، وإنما انطلاقا من عملية الربط بين مختلف تجارب المبدع والكاتب التي تتعالق وتتصادى وتتردد بين
ما ينتجه من نصوص. إنها بكل بساطة تجربته في الحياة متجلية في وعيه وفي عالمه الخيالي، وفي مجموع نتاجاته الفنية والأدبية التي تجمعها صلات عضوية وثقى، ويوحدها خيط القرابة السرية. يقول ريشار":لا يمكن أن يوجد انفصال بين التجارب المتنوعة للإنسان الواحد، سواء تعلق الأمر بالحب، بالذكرى، بالحياة الحسية، أو بالحياة الفكرية. فالمجالات التي تبدو أكثر انفصالا عن بعضها بعضا تحتوي بداخله على الأشكال نفسها."
-8التعديلات الموضوعاتية:
تقوم النصوص الأدبية وتتشكل بنيتها على التعديلات التي تنتجها الموضوعاتية بشكل مستمر؛ ذلك لأن أي موضوعاتية إلا وتشكل نواة ينبثق منها النص الأدبي؛ إذ تفضي التعديلات إلى بلورة مشاهد مشابهة ومماثلة بفعل التحولات والتعديلات الطارئة على الموضوعاتية المركزية. ولئن كانت هذه المشاهد المتولدة تبدو مختلفة ومغايرة إلا أنها تكون متقاربة في جوهرها وعمقها؛ ولأنها تعود إلى أصل واحد في النهاية هو الموضوعاتية الأساسية. يقول ويبر: "نعني بالتعديلات كل تماثل بالموضوع؛ وبتعبير آخر، التعديل هو الموضوع في صورة رمزية... [ويقول أيضا] كل موضوع يمكن أن يتنوع أو يتعدل حسب شبه مفضل، ثم يصبح هذا الشبه نفسه موضوعا لتشكيل ميدان آخر من التعديلات غير المباشرة في علاقتها مع الموضوع الأساسي الأول."
إلى جانب هذه العناصر يضيف يوسف وغليسي بعض الثوابت والخصائص المميزة للنقد الموضوعاتي، وهي: مركزية الذات وتسلطها في هذا الحقل النقدي، وحرية المدخل، والممارسة الانطباعية، وأخيرا خاصية ملاءمته لنقد الشعر، وصلاحية إجراء أدواته النقدية عليه، لكونه حقلا خصبا ومجالا حيويا للدراسة النقدية الموضوعاتية.
-
المحاضرة الرابعة: آليات المقاربة الموضوعاتية 2:
بالإضافة إلى ما سبق ذكره من آليات ومفاهيم متعلقة بالمقاربة الموضوعاتية يسوق الباحث محمد السعيد عبدلي بعض الأدوات والمفاهيم الأخرى التي يرتكز عليها المنهج الموضوعاتي ويحصرها في الإجراءات الآتية:
-1الحلولية:
يرى ريشار بأنه يجب على الناقد الموضوعاتي أن ينطلق من داخل النص وأن يحل فيه، وهو بذلك يلتقي مع آراء البنيويين في نظرتهم إلى النص، وبالأخص رولان بارت الذي ترجع إليه المقولة الشهيرة "موت المؤلف." فمن هذا المنطلق يؤكد ريشار على أنه ينبغي للناقد أن يجعل النص الأدبي مركز اهتمامه وبؤرة اشتغاله، "منه ينطلق، وفيه يتحرك، وإليه يعود...وأن على نص ما أن يقرأ من الداخل حتى يستوعب." يقول ريشار":إن الكاتب، أو حقيقة الشاعر توجد في أدبه." ويقول أيضا":إن الكاتب يوجد خارج العمل المنقود." وتجدر الإشارة هنا إلى أن فكرة الحلول في النص ليس معناها "قطع الصلة كلية بالظروف الخارجية، من مجتمع ومؤلف، لأن ذلك ليس أمرا ممكنا إلا بقدر معين؛ بل تكون الاستعانة بهذه الظروف في بعض المرات مفيدة لبناء قراءة.
وهو ما يؤكده قول ريشار":وعلى الرغم من أننا لا ننفي هذه العوامل الخارجية، إننا نضعها –على المستوى الذي نضع فيه منهجنا- بين قوسين لأنها لا تنبثق من داخل النص الأدبي."
-2حرية المدخل:
لا يقدم النقد الموضوعاتي طريقة منهجية صارمة ومرسومة سلفا تساعد الناقد على التحليل، بقدر ما توكل مهمة الولوج إلى النص ومقاربته إلى الناقد نفسه، فهو ليس مجبرا أو مقيدا في اختيار الزاوية التي يعالج من خلالها النص الأدبي؛ إذ ينطلق بكل حرية في التوغل إلى أعماقه من أجل اكتشاف أسراره ودفائنه، وبهذا تختلف أوجه النظر ومنطلقات التحليل النقدي للنص الواحد، لأن ما يعد مدخلا صالحا في نظر ناقد ما هو غير ذلك لدى ناقد آخر. يقول ريشار":وفي الخلاصة، فإنه لا وجود في القراءة الموضوعاتية لنقطة بدء ونقطة وصول. فالمدخل إلى حقل
القراءة الموضوعاتية مدخل حر، مما يضفي عليها شيئا من السحر. وعندما يكتب أحد النقاد الموضوعاتيين في مقدمة دراسته أنه سيبدأ من نقطة ما، فإن هذه البداية ستكون بداية كتابته هو، لا بداية يلزمه بها منطق حقيقي للموضوع المدروس."
على الرغم من أن مدخل القراءة الحرة إلى النص الأدبي يعدا إثراء له، وتنوعا في الدراسات المعدة حول النص الواحد، إلا أن ذلك قد يقود إلى التشتت في الآراء واختلافها وتعددها، وإلى سوء التقدير في اختيار المداخل الموصلة إلى إدراك الموضوع المهيمن في النصوص الأدبية، فضلا عن تعدد الموضوعات، وكذا السقوط في فخ الانطباعية والآراء الذاتية والشخصية للناقد نفسه، وبهذا تكون القراءة النقدية الحرة من أهم المآخذ التي سجلت على النقد الموضوعاتي.
-3القراءة المصغرة:
تشكل القراء المصغرة، أو القراءة المجهرية، إحدى عناوين كتب جون بيار ريشار، وهي تعني "عنده قيام التحليل الأدبي بالتركيز على جزء أو أجزاء صغيرة في النص الأدبي، قد يكون هذا الجزء: ...حرفا، كلمة، فقرة، مشهدا، حدثا، أو غير ذلك، مما يدخل في تكوين عالم النص وبنائه. وهو عمل يدخل في صميم مفهوم الموضوعاتية، التي هي النواة المركزية التي ينبثق منها النص الأدبي فينمو بفضل التعديلات، حتى يكتمل عالما خياليا."
-4-التكرار:
يؤدي التكرار دورا مهما في الكشف عن موضوعاتية النص. يقول جيل دولوز[":نعد] أن وحدة ما قد وقع تكرارها عندما نسجل أثناء القراءة أنها قد تم ذكرها مرة ثانية على الأقل في مسار النص." بينما
يفضل عبد الكريم حسن أن يستعمل بدل التكرار مصطلح الإحصاء وهو الجهد الذي أقام عليه دراسته لشعر السياب في كتابه )الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب(، وقد وضح الخطوات التي يتبعها في اعتماده هذا الإجراء المنهجي قائلا:
"نقطة البدء هي تكنيس الأعمال الشعرية الكاملة إحصائيا. فالإحصاء يجب أن يشمل الأغلبية الساحقة للمفردات إن لم يكن كلها. وبعد هذه العملية الإحصائية يتحدد لدينا الموضوع الرئيسي...الموضوع الرئيسي هو الموضوع الذي تتردد مفردات
عائلته اللغوية بشكل يفوق مفردات العائلات اللغوية الأخرى."
الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب: وبهذا الفهم يكون عبد الكريم حسن مختلفا عن بيار ريشار في فهمه للموضوع الذي يدرك عن طريق الذات والانطباع الشخصي، ذلك لأن عبد الكريم حسن يبني نتائجه معولا على العمل
الإحصائي للكلمات التي يفترض مع هذا الطرح أن يكون معناها ثابتا بتعدد أسيقتها ومواقع ورودها في النص، وهو ما جعل غريماس ينتقده بشدة معترضا على منهجيته الإحصائية، ومبينا بأن الطريق التي سلكها هي طريق الموضوعاتية المعجمية، وليس
طريق الموضوعاتية الأدبية:
وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أن ريشار لم يثق كثيرا في النتائج التي يمكن أن يقدمها له التكرارا أو التردد أو التواتر؛ ذلك لأنه يدرك جيدا عدم ثبات دلالات الوحدات النصية المتواترة من سياق إلى آخر في النص.
لذلك فهو يرى أن مثل هذه الدراسات القائمة على التكرار والتواتر "على الرغم من أهميتها القارة، فإن هذه الدراسات لن تستطيع، فيما نعتقد، أن تقودنا إلى حقائق نهائية...فتكوين معجم للترداد، هو افتراض لثبات دلالة الكلمات من مثال إلى آخر." ويؤكد جيل دولوز هذا الأمر قائلا":التكرار ليس مشابهة قصوى، إنه لا يكمن في إعادة إنتاج المطابق. فهو ليس هوية للمماثل، ولا معادلة للتشابه."
هذه تقريبا أهم العناصر المركزية والمقولات الجوهرية التي يختص بها النقد الموضوعاتي ويتميز عن سائر المقاربات المنهجية والنقدية الأخرى، وفي هذا المقام لا ندعي الإحاطة بها جميعا بالنظر إلى شساعة أطراف هذا الميدان وتنوع مصادره وأدواته، وصلات القرابة والوشائج المختلفة التي تربطه بحقول معرفية كثيرة.
المصادر والمراجع:
-جميل حمداوي، المقاربة النقدية الموضوعاتية.
-عبد الكريم حسن، المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق.
-عبد الكريم حسن، الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب. -يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري.
-محمد السعيد عبدلي، المنهج الموضوعي في النقد الأدبي. -حميد لحمداني، سحر الموضوع.
-ميشيل كولو، النقد الموضوعاتي، تر، غسان السيد، الآداب الأجنبية، ع93،
.1997
-
المحاضرة الخامسة: أعلام النقد الموضوعاتي عند الغرب:(1)
(Gaston Bachelard باشلار غاستون)
تمهيد:
إن ما يميز هذا الاختصاص النقدي الجديد، أقصد النقد الموضوعاتي، هو أن معظم أعلامه ورواده ينتمون إلى قطر جغرافي واحد هو أوربا وبالأخص فرنسا التي تعد مهدا لاستقطاب المناهج النقدية المعاصرة، ويكاد يجمع الدارسون على أن جون بيار ريشار يعد رائدا للموضوعاتية بدون منازع على الرغم من أنه قد حظي باهتمام العديد من الأقلام في سويسرا وبلجيكا.
ولعل القاسم المشترك بينهم يكمن في اللغة الفرنسية التي توحدهم جميعا ضمن مدرسة واحدة تسمى مدرسة جنيف. وهؤلاء الأعلام نذكر منهم: جون بيار ريشار، جورج بولي، جون ستاروبنسكي، جون روسي، مارسيل ريمون، ألبير بيغن، وجون بول ويبر... وغيرهم.
-1 غاستون باشلار:
وفي مقابل ذلك آثرنا في هذه المحاضرة أن نبدأ باستعراض الجهد الذي بذله الفيلسوف والمفكر والفينومينولوجي الفرنسي غاستون باشلار، والخدمة الجليلية التي قدمها لحقل الموضوعاتية، والتأثير الفاعل الذي أحدثه في رواده فيما بعد، ولا سيما
جون بيار ريشار، وعلى الرغم من ذلك لم يكن باشلار ناقدا أدبيا متخصصا، وإنما شكل اهتماماته الفلسفية بالخيال والمتخيل الشعري بشكل خاص.
من هذا المنطلق يكون باشلار قد دخل إلى ميدان النقد الموضوعاتي من باب الفلسفة الظاهراتية ومن باب اهتماماته بالتحليل النفسي والخيال المادي، وبذلك فقد اقتحم ميدان الأدب بأعمال شاعرية هامة هي كالآتي:
(1 التخيل الشاعري.
(2 لهيب شمعة.
(3 شعرية حلم اليقظة.
(4 الماء والأحلام.
(5 التحليل النفسي للنار. (6 الهواء وأضغاث الأحلام. (7 شعرية الفضاء.
(8 الأرض وأحلام يقظة الاستراحة.
وعلى هذا الأساس أدرجت اهتماماته بعناصر الكون الأربع: الماء، و التراب، والهواء، و النار ضمن حقل الموضوعاتية، حيث "درس مجموعة من الصور الشعرية ذات البعد "التيماتي"، مقاربة فينومينولوجية تربط الذات بالموضوع، باحثا عن مظاهر الوعي واللاوعي، مع رصد ترسباته السيكولوجية في الصور الشعرية. ولقد تناول
تيمة" الفضاء، خصوصا الحميمي منه بطريقة شعرية إيحائية، تستوحي الرؤيا الشعرية والتخييل الأدبي. هذا، وقد بلور باشلار "تيمات" ذات عنونة إيحائية تخييلية فائقة، كالحلم، والتخيل، والزمن، والماء، والهواء، والتراب، والنار.
-المصادر والمراجع:
-سعيد بوخليط، غاستون باشلار: نحو نظرية في الأدب.
-يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري.
-عبد الكريم حسن، المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق.
-حميد لحمداني، سحر الموضوع.
-محمد ع ازم، المنهج الموضوعي في النقد الأدبي.
-جميل حمداوي، المقاربة النقدية الموضوعاتية
-سعيد علوش، النقد الموضوعاتي.
-
المحاضرة السادسة: أعلام النقد الموضوعاتي عند الغرب:(2)
(Jean-Pierre Richard)
)جون بيار ريشار
تمهيد:
كنا سابقا وفي المحاضرة الثانية قد ذكرنا بعض الثوابت المفاهيمية والمقولات الأساسية للنقد الموضوعاتي، والحقيقة أنها من إقتراح ريشار ومن ضمن اهتماماته ومقولاته النقدية التي ولج من خلالها إلى أعماق النصوص الأدبية واستطاع أن يؤسس لمنهجية نقدية موضوعية خاصة به هي موضوعية جون بيار ريشار، كما أن هذه المقولات والمفاهيم عدت ركيزة ومنطلقا أساسيا لأي ناقد موضوعاتي، وهو الأمر الذي سنكتشفه مع موضوعية الناقد عبد الكريم حسن، لذلك لانريد في هذا السياق إعادة هذه المفاهيم وتكرارها، لكننا على بعض الجوانب الأخرى عند بيار ريشار لم نتطرق إليها من قبل.
-جون بيار ريشار:
ناقد فرنسي ورائد من رواد النقد الموضوعاتي، أبدى تأثره الواضح بأستاذه باشلار، وذلك من خلال اشتغاله المحوري على مبدأ الإحساس، الذي شكل بالنسبة له هاجسا نقديا في معظم أعماله، حيث صرح قائلا: "كان الإحساس فرس رهاني النقدي، من هنا دخول هذه الكلمة إلى عناوين معظم مؤلفاتي: الإحساس بالأشياء وبالمشاعر قبل الانطلاق نحو الخيارات الكتابية الثابتة."
ويرى جيرار جنجمبر أن ريشار "طور مقاربة موضوعاتية مؤسسة على الوعي والمتخيل، مميزة بالإحساس، وأنه استخلص عالما متخيلا للكاتب بواسطة جرد لأدحاسيس وتعابيرها."
ومن منطلق اهتمامه البليغ بالإحساس بنى تعريفه للموضوع، الذي يعد عنده "وحدة حسية، وهو مبدأ تنظيمي محسوس/ ملموس." فعن طريق الإحساس يتشكل الوعي النقدي بالموضوع، كما يتم الإمساك به وحصر امتداداته في أعماق النصوص الأدبية.وبالنسبة لمؤلفاته فقد أحصاها الباحث "يوسف وغليسي" كالآتي:
1 أدب وإحساس
2 شعر وأعماق
3 العالم التخيلي لمالارمي.
4 إحدى عشرة دراسة في الشعر الحديث.
دراسات في الرومنسية. مشهد شاتوبريان.
بروست والعالم المحسوس. غثيان سيلين.
قراءات مجهرية. صفحات مشاهد.
حالة الأشياء-دراسات حول ثمانية من كتاب اليوم. ميادين القراءة.
ماقالات في النقد المتنزه. أربع قراءات.
رولان بارت آخر مشهد. دروب ميشون.
هرج ومرج.
حدائق الأرض.
ومن أعماله الروائية: عام ثمانين، وحديقة في النار.
أما منهجيته النقدية فتتأسس على الخطوات التالية:
-البحث عن الخلية الرئيسية في النص، وحصر محاورها وجذورها ضمن التجسيد اللغوي البحت.
-مقارنة مختلف الجذور الدلالية، واستخلاص تراكماتها اللغوية وأبعادها الدلالية.
-تعميم المقارنة على مختلف نصوص الكاتب انطلاقا من وحدات أساسية تتحدد في نص رئيسي أو مجموعة نصوص مبنية.
-المصادر والم ارجع:
-يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري.
-فؤاد أبو منصور، النقد البنيوي الحديث بين لبنان وأوربا.
-عبد الكريم حسن، المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق.
-حميد لحمداني، سحر الموضوع.
-محمد عزام، المنهج الموضوعي في النقد الأدبي.
-جميل حمداوي، المقاربة النقدية الموضوعاتية.
-سعيد علوش، النقد الموضوعاتي.
-
المحاضرة السابعة: أعلام النقد الموضوعاتي عند الغرب(3)
(1991-1902) George Poulet بولي جورج
جورج بولي من النقاد البلجيكيين المهتمين بالنقد الموضوعاتي، تحصل على الدكتو اره من جامعة لياج، واشتغل أستاذا محاضرا في عدة جامعات منها جامعة،(Baltimore) جامعة ثم ،(johns hopking) وجامعة ،(Edimbourg جامعة ...(Zurich)وغيرها من الجامعات. سعى في معظم مؤلفاته إلى مقاربة خطاب الإبداع من زاوية فلسفية ذات نسق زمكاني. " ومن مؤلفاته في مجال النقد الموضوعاتي، نذكر:
-دراسات حول الزمن الإنساني .1949
-المسافة الداخلية .1952
-تحولات الدائرة .1961
-الفضاء البروستي .1963
-نقطة الانطلاق: دراسات حول الزمن الإنساني .1964
-الدروب الحالية للنقد .1967
-الوعي النقدي .1971
الشعر المتشظي .1980
-التفكير اللامحدود من النهضة إلى الرومنسية .1985
-قياس اللحظة.
ولعل أبرز قضية شغلت فكر جورج بولي، واستأثرت باهتماماته في جل كتاباته هي قضية الوعي؛ إذ يرى أن مسألة الكشف عن وعي الأديب بذاته لا تكون خارج الزمان والمكان بوصفهما عنصرين ضروريين ومهمين لوعي الإنسان بذاته، وبعلاقة الذات بعالمها المعيش، وقد أكد ذلك قاموس لاروس الفرنسي بأن "تحليل بولي لأعمال الأدبية انصب على الوعي بالزمان والمكان الخاص بكل كاتب. "
من هذا المنطلق لا يمكن تصور أي وجود أو حياة خارج عنصري الزمان والمكان، فهما مؤثران فاعلان في تكوين الوعي بالذات وبالعالم من حولنا. ويعد كتابه "الوعي النقدي" إشارة واضحة على مدى اهتمامه بالوعي الذي يشكل محور اهتمامه -كما ذكرنا آنفا- وبتأثير كبير من الظاهراتية، تجد بولي يؤكد في هذا الكتاب أن القراءة النقدية نتاج التقاء بين وعي القارئ ووعي الكاتب؛ حيث يقتضي "فعل القراءة الذي يرتد إليه كل فكر نقدي حقيقي، توافقا بين وعيين اثنين: أحدهما لقارئ والآخر لكاتب. "
وأما في كتابه "الفضاء البروستي" فقد شدد بولي على أهمية عنصري الزمان والمكان في بلورة وعي عميق وحقيقي بالذات، فمعنى "أن تشعر بأنك حي، يعني أنك تشعر في كل لحظة من يكون الأنا نفسه2"؛ ذلك لأن امتلاك تصور سليم ووعي صحيح بذواتنا مرتهن بامتلاك وعي صحيح بلحظة وجودنا في هذه الحياة، وبتجاربها المختلفة في الزمان والمكان المحددين.
وهو في هذا الصدد يؤيد ما ذهب إليه أستاذه باشلار، فيقول: "الحق مع باشلار، فكل حقيقة موضوعاتية مهمة، هي مرتبطة بتجربة أصيلة. يبدو لي أن تاريخ ولادتنا الحقيقية لا يبدأ إلا من اللحظة التي يتحقق فيها إدراكنا لذاتنا، ونبدأ في اللحظة نفسها بتحديد موقع هذه الذات في إطار محدد للزمان والمكان والعدد والعلاقات التي تربط بين كل العناصر التي تحيط بنا"
ولتأكيد صحة فرضياته حول الوعي بالذات وبمحيطها الذي تسبح فيه، راح بولي يستكشف عوالم رواية البحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست التي أسعفته بشكل كبير في التوصل إلى نتائج مرضية في تحديد الموضوعاتية المهيمنة فيها من خلال ربطها بعنصري الزمان والمكان.
وقد قاده إلى الإمساك بهذه الموضوعاتية مهمة بطل الرواية وهواجسه في البحث عن سر وجوده في هذه الحياة ووعيه بمحيطه الذي يعيش فيه. يقول بولي: "من خلال ألفاظ العنوان الذي تحمله رواية بروست، تبدو أنها بالفعل بحث عن الزمن الضائع. كائن يقوم بمحاولات القبض على ماضيه. يبذل كل قواه للعثور على ماضيه البعيد. " وليس البحث عن الزمن الضائع بمنأى عن البحث عن المكان، لأن البحث عن الأول هو بحث عن الثاني بالضرورة، ولأن وعي البطل بهما، هو وعي بذاته في الوقت نفسه. يقول بولي: "نرى إذن بوضوح أنه منذ اللحظة الأولى، ونكاد نقول أيضا منذ المكان الأول للحكاية، يفرض العمل البروستي نفسه بكونه ليس بحثا
عن الزمن الضائع فقط، وإنما هو بحث عن المكان الضائع أيضا." وقد دفعه الاشتغال على نص البحث عن الزمن الضائع-في مداخلة-موسومة "النقد الكشفي" ألقاها في ندوة "الاتجاهات الحالية للنقد" سنة -1966 إلى أن مارسيل بروست هو مؤسس النقد الموضوعاتي.
عند بولي متوقفة على النقدي بالأدب إلى القول بأن مسألة الوعي بهذا نخلص بتفاعل ثنائيتين محوريتين، هما ثنائية الزمان ومرتهنة إدراك بعدين أساسيين، والمكان، لأن الوعي بهما يقود في النهاية إلى الوعي بذاتية الكاتب وبالخيط الدقيق الذي تجتمع حوله موضوعاتية النصوص الأدبية.
-
المحاضرة الثامنة: أعلام النقد الموضوعاتي عند الغرب(4)
2019-1920 Jean starobinski ستاروبنسكي جون
جون ستاروبنسكي ناقد وطبيب نفساني سويسري تلقى تعليمه الجامعي في جامعة جنيف، التي أحرز منها على الدكتو اره في الطب والآداب، واشتغل بذات الجامعة أستاذا لأدب الفرنسي (1949-1946)، وطبيبا بمستشفيات جنيف الجامعية أيضا (1953-1949)، ثم عمل استاذا بجامعات بلتيمور وجنيف وكوليج دوفرانس وزيوريخ...وغيرها. له العديد من المؤلفات:
-مونتسكيو بقلمه .1952
-جون جاك روسو: الشفافية والحائل .1957
-العين الحية ج1 .1961
-العلاقة النقدية )العين الحية (02 .1970 ترجم إلى العربية بعنوان: النقد والأدب سنة .1976
-اختراع الحرية .1964
-الكلمات تحت الكلمات: جناسات فردينا ندي سوسير التصحيفية .1971
-ثلاثة هيجانات .1974
-مونتين حركيا .1982
-الملنخوليا في المرآة: ثلاث قراءات لبودلير .1989
-لوحة التوجيه، الكاتب وسلطته .1989
-الدواء والداء .1989
-سخاء .2007
-جمال العالم، الأدب والفنون .2016 -الفعل ورد الفعل.
يتميز الخطاب النقدي لدى ستاروبنسكي –حسب جيرار- بالتكامل المعرفي المستمد من الطب والتحليل النفسي، واللسانيات وتاريخ الفن، وعلم الجمال، والتاريخ الأدبي1، ولعل هذه الروافد والمنابع المعرفية كفيلة بجعل تجربته النقدية أكثر انفتاحا وثراء. ويبدو ذلك جليا من خلال تنوع أدواته الإجرائية والنقدية التي يستدعيها في دراساته- في كل مرة- من هذه الحقول المعرفية المشار إليها آنفا، وهذه
الأدوات يمكن تحديدها -انطلاقا من تناول يوسف وغليسي لمنهجه المتميز بالثراء والتنوع- في النقاط الآتية:
-يتناول في كتابه "العلاقة النقدية" critique relation 1La، وبالتحديد في فصله الأول )اتجاه النقد( مسائل العلاقة النقدية، ويستحضر الأسلوبية النفسية عند ليوسبيتزر، وبعض إجراءات الهرمينوطيقا )المؤول(؛ إذ "يتمظهر ستاروبنسكي في
صور شتى: منظرا نقديا، وعالما أسلوبيا، وناقدا هرمينوطيقيا. "
-إضافة إلى ذلك تجده في الفصل الثاني والثالث من الكتاب، ينوع في أدواته التحليلية بين الفينومينولوجيا )سلطان الخيال( وبين أدوات التحليل النفسي لأددب.
تعد دراساته للنتاج الأدبي الروائي والقصصي لجان جاك روسو ضمن أبرز اهتماماته النقدية، حيث قام بدراسة قصته "هولويز الجديدة"، وسيرته الذاتية الاعترافات"، وقد توصل إلى بعض الخصائص والتيمات المميزة لأعمال روسو ومنها: الواقعية والشفافية، والمسافة والمغامرة والانفصال...وغيرها من التيمات المهيمنة في أدبه، وفي هذا الصدد يمكن الاطلاع على تحليله المتميز لقصة "وليمة تورينو" في كتابه المذكور سابقا critique) relation .(La
وأما عن منهجه في دراسة عالم جان جاك روسو يقول: "حاولنا قدر الإمكان أن تكون مهمتنا مقتصرة على الملاحظة ووصف البنيات التي تنتمي إلى عالم جان جاك روسو. ولقد فضلنا استخدام قراءة تعمل ببساطة على كشف النظام أو الفوضى
الداخليين للنصوص التي تتم مساءلتها، كما تعمل على كشف الرموز والأفكار التي ينتظم وفقها تفكير الكاتب، وذلك بدل استخدام نقد متعسف يفرض من الخارج قيمه ونظامه وتصنيفاته المنجزة سلفا (...) وهذه الدراسة، تمتاز مع ذلك، بما هو أكثر من كونها تحليلا داخليا، لأنه من البديهي أننا لا نستطيع تأويل نتاج روسو دون أن نأخذ بعين الاعتبار العالم الذي يقف ذلك النتاج في مواجهته. "
انطلاقا من استكشافه لدراسات ستاروبنسكي النقدية، يستخلص حميد لحمداني بعض مهمات النقد الموضوعاتي ومنطلقاته التحليلية، ويحددها في النقاط الآتية:
-دراسة البنية الرمزية والدلالية، وذلك مع الحرص على أن يكون التحليل محايثا للنص، على الأقل في هذا الجانب بالذات.
-تأويل العمل الأدبي، أي إظهار موقف كاتبه تجاه العالم الذي يواجهه.
-الاهتمام بما هو خارج النص عند اللزوم، وتوظيف ذلك في فهم موقف الكاتب.
-
المحاضرة التاسعة: أعلام النقد الموضوعاتي عند الغرب(5) جون بول ويبر )تكوين الأثر الشعري(
يعد الناقد الفرنسي جون بول ويبر weber Jean-Paul أحد أهم أقطاب النقد الموضوعاتي في العالم بالنظر لما لقيته موضوعاتيته من انتشار على نطاق واسع، وبالنظر كذلك لدقته المنهجية ووضوح رؤاه وطروحاته النقدية وانسجامها. فقد استطاع بكل جسارة علمية واقتدار معرفي أن يرسم معالم واضحة لمنهج نقدي موضوعاتي تمكن من مزاحمة بقية المناهج النقدية الأخرى )البنوية والسيميائية والأسلوبية والتفكيكية(...، ويفرض وجوده في الساحة النقدية العالمية، ويبلغ صداه إلى خارج أوربا والعالم الغربي.
لقد تمكن ويبر من تأسيس رؤية منهجية موضوعاتية تعول على الأثر الأدبي، لكنها في الوقت نفسه، لا تقصي كاتبه أو مبدعه؛ إذ تركز بالدرجة الأولى على مرحلة طفولة المبدع وذكرياته، ذلك لأن نتاج العملية الإبداعية يمتد بعيدا في عمق أعماق نفسية المبدع التي ترجع إلى مراحل نشأة الأديب الأولى )مرحلة الطفولة.(
فقد عرفت هذه المرحلة في نظر [ويبر] حدثا متميزا أصبحت له مكانة متميزة في وعي المؤلف وفي لا وعيه، ثم يتحول هذا الحدث عنده إلى موضوعاتية أساسية
تنبثق منها نصوصه الأدبية. وهذا يعني [عند ويبر] أن الموضوعاتية الأساسية صورة فنية لحدث واقعي حقيقي. " وعلى هذا الأساس، يؤمن ويبر بفكرة النواة الواحدة، التي ينبثق منها النص الإبداعي، أو الموضوعاتية الواحدية التي تجمع بين جميع نصوص الكاتب الواحد وفق تمظهرات مختلفة، يحكمها قانون اللغة الرمزية والاستعارية والتعديلات الموضوعاتية.
إذا كان هذا التوجه النقدي الموضوعاتي، يقوم على التحليل النفسي-مما جعل بعض الدارسين يطلق عليه تسمية "الموضوعاتية السيكولوجية" وعلى الفلسفة البرغسونية "القائلة بأن النظام الفلسفي كله يعود إلى مصدر واحد، وكذا أبحاث العلوم الطبيعية التي تثبت أن التكوين البيولوجي للكائن الحي يقوم على خلية واحدة.
أما الأبحاث الكيميائية والفيزيائية فهي تذهب إلى أبعد من ذلك لما تكشف أن نظام الكون كله قائم على جزء منته في الصغر، وهو نظام الذرة. " فإن ذلك لم يمنع من تفرد رؤيته واستقلاليتها وشموليتها خاصة عن التحليل النفسي ومرحلة الطفولة التي سبق إليها فرويد، هذا الأخير الذي اختزلها في "غريزة اللبيدو"، مما طبع تحليلاته بالقصور، فضلا عن عدم استنباطها من نصوص أصحابها، ولا من سيرهم
الحقيقية، مما قاد -كذلك- إلى تشابه نتائجه وتكررها مع مبدعين كثر، الأمر الذي أدى إلى إلغاء فرادة الآثار الفنية وخصوصيتها الإبداعية، في حين أن "ويبر" ظل متمسكا بمبدأ الخصوصية الإبداعية التي تميز هذا الكاتب على غرار كتاب ومبدعين آخرين؛ أي الوحدة الموضوعاتية التي يتطلب الكشف عنها داخل بواطن الأعمال الإبداعية وفي أعماقها وخباياها.
لقد ضمن ويبر آراءه وتصوراته الموضوعاتية في أربعة مؤلفات، يجمعها تصور نقدي واحد، وتؤلف بينها مواقف نقدية ثابتة وقناعات راسخة، مستمدة من ميادين الفلسفة والفكر والعلوم والتحليل النفسي، وهذه المؤلفات، هي:
-سيكولوجية الفن .1958
-تكوين العمل الشعري .1961 -ميادين الموضوعاتية .1963
-ستاندال: البنيات الموضوعاتية لأدثر وللقدر .1969
فإذا كانت موضوعاتية ويبر لم تلق القبول والرضى بين الباحثين والدارسين في فرنسا، وأحدثت ضجة كبيرة في الأوساط النقدية آنذاك تزعمها Picart Raymond الذي تهجم على موضوعاتية ويبر موجها لها نقدا لاذعا وعنيفا، وكان ذلك في كتابه
الطريق الذي شقه للنقد الموضوعاتي، وللمنطلقات النظرية والآفاق المنهجية التي ارتضاها له، حيث يذهب في كتابه "ميادين الموضوعاتية" إلى تأكيد آرائه السابقة قائلا بأن الموضوعاتية هي: "الأثر الذي تتركه ذكرى الطفولة في ذاكرة الكاتب، وإذا عممنا فنقول في ذاكرة الفنان، والعالم، والفيلسوف، وغيرهم. هذه الذكرى، أو الذكرى الموضوعاتية، لا تتم دائما بغير وعي من الكاتب. إن ما يتم بعيدا عن وعيه هي علاقة تلك الذكرى الموضوعاتية بالعمل.2" لكنه في كتابه عن ستاندال كان أكثر دقة ووضوحا وثباتا و صرامة وتخصيصا؛ لأن التعريف السابق يكاد يكون عاما، فيشمل العمل الأدبي وغير الأدبي، بينما التعريف الذي سنسوقه يختص بالأثر الأدبي لا غير. يقول ويبر: "كل آفاق العمل الأدبي -في اعتقادنا- تعود في منطلقها إلى منبع واحد، هو الموضوع، الذي هو بدوره أثر واع أو غير واع لحادث مميز، يكون قد أحدث صدمة نفسية أو تأثيرا عميقا في طفولة الفنان. هذا الموضوع في نظرنا، سواء كان تحت رموز متنوعة أو تعديلات، فهو موجود عبر نسبة كبيرة من الأعمال الإبداعية للفنان ولئن كانت هذه الصرامة المنهجية التي تميز بها ويبر أفرزت ردود أفعال مشككة ورافضة لعملية إرجاع تكوين الأثر الأدبي إلى مرحلة الطفولة، ذلك لأنه حسب زعم أصحاب هذه الردود قد توجد موضوعاتيات أخرى أكثر أهمية في منطقة الذكريات الأولى لمرحلة الطفولة إذا ما تم معاينتها بدقة، وسبرها بعمق في أغلب أعمال الكاتب الواحد، غير أن ويبر ظل وفيا لآرائه، مقدما الإجابات المقنعة عن الأسئلة الملتبسة المثارة من قبل أصحاب حجة الموضوعات المتعددة بشأن موضوعاتياته السيكولوجية، وذلك من خلال تعويله على دراسته لعالم ستاندال وثقته في دقة النتائج التي توصل إليها، والتي كشفت له أن أعماله تصدر عن موضوعاتية واحدة هي موضوعاتية العضة.
وأما فيما يخص مسألة احتمالية تعدد الموضوعاتيات التي أصدرها بعض منتقدي منهجيته، وإن كانت تبدو –في نظره- "للدارس أنها موضوعاتيات أخرى للنص فهي ليست في حقيقة الأمر سوى تعديلات لتلك الموضوعاتية الأساسية، منها تفرعت وإليها يعود انبثاقها ووجودها في النص.2"
إن خاصية التعديلات الموضوعاتية التي كشفت عنها تحليلات ويبر، تبقى ميزة إجرائية بارزة في منهجه، بإمكانها التصدي للدعوات الانتقادية التي تعرض لها، كما يمكن لها أن تكون مبررا كافيا للتحولات المختلفة والتغيرات الطارئة والتنويعات
التضمينية التي تتمظهر بها الموضوعاتية المركزية في كل مرة. فهي وإن كانت تبدو مختلفة ومغايرة في ظاهرها إلا أنها تركن إلى موضوعاتية واحدة، متقاربة في أصلها ومتماثلة في جوهرها.
يرجع ويبر أعمال ستاندال إلى موضوعاتية واحدة، هي موضوعاتية العضة La
morsure ومن خلالها راح يثبت مدى صحة فرضياته المنهجية وجدوى أدواتها الإجرائية التي تستنبط من الذكريات الطفولية التي ترتد إليها مجموع أعمال الكاتب الإبداعية؛ لأنه سيظل أسيرا لها، ومفتونا بتأثيرها وبهواجسها التي تسيطر على تفكيرهوتهميمن على إبداعه وتخيم عليه بطريقة شعورية أو لا شعورية. إنها موضوعاتية الأثر الأدبي الواحدة المتعددة، المعدلة رمزيا واستعاريا وتضمينيا، والتي تجمع أواصره وتشد خيوطه وتنتظم نسيجه البنيوي والدلالي ككل.
إن موضوعاتية العضة التي تحكم مجموع أعمال ستاندال –حسب ويبر-تعود إلى تلك الحادثة -التي ذكرها ستاندال في كتابه "حياة هنري برولار-" التي وقعت له في مرحلة طفولته وهو طفل صغير، لا يتعدى عمره الثلاث سنوات، عندما طلبت منه
-بإلحاح- السيدة )بيسون دي غالوند( زوجة ابن عمه )فرانسوا بيسون دي غالوند(
–وهي جالسة وسط المرج والأزهار- تقبيلها على خدها فأثار غضبه اللون الأحمر،
فقام بعضها على خدها فأصيبت بخدوش وجروح أدت إلى تشوه وجهها.
لقد شكلت هذه الحادثة الأولى )موضوعاتية العضة( الذي تمتد إلى مرحلة مبكرة في مرحلة الطفولة من حياة هنري برولار )ثلاث سنوات( الجذوة الأولى أو الشرارة التي انبنى عليها عالم ستاندال الأدبي، حيث يرى ويبر بأنها ستسهم باستمرار في تشكيل موضوعاتيات أخرى متفرعة عنها، وسيبلغ صداها في موضوعاتيات معدلة منها، "موضوعاتية السكين" التي يستحضر من خلالها السارد حادثة موضوعاتية العضة مواصلا قصة حياته قائلا: "لقد قطفت مجموعة من الأعشاب
(joncs)، دائما فوق بقعة )دو البون...( وعند العودة إلى البيت حيث توجد به نافذة في الطابق الأول تطل على الشارع الكبير عند زاوية ساحة )غرينات(، أخذت اصنع حديقة بتقطيع تلك الأعشاب قطعا بطول الاصبعين، والتي كنت أرتبها في الشرفة على امتداد ساقية مياه الأمطار. ففلت من يدي سكين المطبخ الذي كنت أستعمله في هذه اللعبة من علو عشرة أقدام وسقط في الشارع قرب سيدة هي شينيفاز
(Chenevaz)، أو على هذه السيدة بالذات. إنها سيدة شريرة. لا تضاهيها في ذلك أية امرأة في المدينة...عمتي سيرافي قالت إنني كنت اريد أن أقتل السيدة سينيفاز، وكذا اعتبروني صاحب مزاج رهيب. وبخني جدي الممتاز السيد )غانيون( M.Gagnon، وحتى عمتي الكبرى الممتازة ذات المزاج الغسباني المتعالي الآنسة
)إلزابات غانيون( Gagnon Elizabeth وبختني كذلك. كنت ثائرا. وكان عمري حوالي أربع سنوات، وعلى أبعد تقدير لم أكن تجاوزت سن الخامسة. "
كذا تكون موضوعاتية السكين تعديلا أوليا لموضوعاتية العضة بدون وعي من ستاندال، ذلك لأنه وإن حصل بعض الاختلاف والتحوير الذي مس الموضوعاتية المركزية، فإن عدم التطابق الحرفي ليس إلا عملية فنية واستعارية، مما جعل ويبر يحكم على الحادثتين )العضة والسكين( بالتطابق والتشابه، والدليل على ذلك –في نظره- هو محافظة الحادثة الثانية )السكين( على جميع عناصر الموضوعاتية الأساسية من أحداث وشخصيات وأمكنة. وفي هذا الصدد يسوق الباحث محمد السعيد عبدلي انطلاقا من ويبر بعض أوجه التشابه والتطابق بين الحادثتين أو الذكريين )الأصلية والفرعية( كالآتي:
-1الحدثان في الأصل هما اعتداء.
-2الضحية هي امرأة في كل من الاعتداءين. -3الحدثان غير مبررين في الحالتين، المفاجآت كبيرة.
-4الذكرى السابقة في الحالتين هي باقة أزهار، في الذكرى الأولى الذكرى الثانية قطف مجموعة من الأعشاب
-5إطار الحدث كان حقلا في كلا الحالتين: واقعي وحاضر في الحادثة الأولى، مصنوع في شكل حديقة من الأعشاب التي تم إحضارها من ذلك الحقل بالذات في بداية الاعتداء الثاني.
-6الاعتداء الأول يكون قد ترك بدون شك علامة في وجه المرأة الشابة، كأن تكون هذه العلامة بقعة زرقاء، وفي الاعتداء الثاني المتمثل في السكين الساقط على المرأة، كان يمكن للسكين أن يجرحها بسهولة، أو على الأقل يخدشها، وهكذا ففي الحالتين يوجد احتمال إحداث علامة )حقيقية أو مفترضة، خدش أو بقعة زرقاء.(
-7وفي الأخير كان الاعتداءان سببا في كل مرة لظهور تعليقات جارحة، وردود فعل عدائية تجاه الراوي.
من هذا المنطلق، تظهر جليا عدة أوجه للتشابه أو التطابق بين الحادثتين، الأولى متمثلة في الموضوعاتية المحورية )العضة(، والثانية مجسدة في موضوعاتية السكين؛ إذ تتمظهر حادثة السكين في صورة معدلة فقط؛ لأنها منبثقة عن أصل واحد هو موضوعاتية العضة، لتكتمل عناصر هذا التشابه وتتعاضد وتترابط على نحو قد يصل إلى درجة التطابق بين كل عنصر من الحادثتين.
ننتهي أخيرا إلى تحديد أهم الخطوات المنهجية التي وضعها ويبر من أجل استكشاف الموضوعاتية المهيمنة والإمساك بها في مجمل الآثار الأدبية لأديب أو كاتب ما، وقد أجملها في أربعة نقاط كالآتي:
-1البحث في مرحلة الطفولة عن الذكريات الواضحة والدقيقة، ثم مقارنتها فيما بعد بالأعمال المختلفة للمؤلف.
-2البحث عن النصوص البسيطة التي تحمل دلالات رمزية أولية لموضوع ما.
-3الكشف عن الإلحاحات اللسانية )اللغوية( والأسلوبية للمؤلف، ثم السعي إلى إرجاع هذه الإلحاحات إلى ذكرى من ذكريات الطفولة التي تم التعرف عليها من قبل، أو ما تزال بعد في مستوى الافتراض.
-4وفي النهاية القيام بمسح شامل للعمل–أو الأعمال-في محاولة لاختزاله أو إرجاعه كله، إن أمكن، إلى الموضوعاتية المقترحة.
-
المحاضرة العاشرة: أعلام النقد الموضوعاتي عند العرب:(1) (عبد الكريم حسن(
تمهيد
يعد الباحث السوري عبد الكريم حسن أحد أبرز النقاد والأكاديميين العرب الأوائل الذين تبنوا الرؤية النقدية الموضوعاتية، وحاولوا أن يبلوروا مشروعا نقديا متكاملا في دراسة الأدب عامة والشعر بصفة خاصة، وقد اقتحم مجال المقاربة الموضوعاتية من باب البحوث الأكاديمية؛ لأن أول عمل له بعنوان )الموضوعية البنيوية: د راسة في شعر السياب(1983 هو في الأصل أطروحة دكتو اره ناقشها في السربون سنة1980 تحت إشراف المستشرق الفرنسي أندري ميكال، ثم نشر كتابه الثاني )المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق( سنة .1990 كما ترجم كتاب مورفولوجية الحكاية الشعبية لفلاديمير بروب سنة .1996
-الموضوعية البنيوية عند عبد الكريم حسن:
ينطلق عبد الكريم حسن من مرجعية ريشارية واضحة، في دراسته الموضوعية البنيوية في شعر السياب، إيمانا منه بأن تجربة ريشار ومنهجيته تعد رائدة ومتكاملة في مجال النقد الموضوعاتي، وعلى الرغم من اتكائه على هذه المنهجية أو المرجعية
الموضوعاتية إلا أنه كان حريصا غاية الحرص على تميز موضوعيته التي تجمع
بين الموضوعاتية والبنيوية، والتي امتدحها غريماس وأقر بتميزها عن موضوعية ريشارد الأدبية، وأطلق عليها تسمية "الموضوعاتية المعجمية. أضف إلى ذلك ما أشار إليه عبد الكريم حسن نفسه من "أن موضوعياتيته معجمية تحدد موضوعها الرئيسي على أساس علمي إحصائي بناء على الهيمنة المفرداتية للعائلة اللغوية، بعيدا عن الانطباع الشخصي الذي يلعب الدور الكبير في موضوعية ريشار، وأن المدخل الحر غير المحدد، أو الانفلات عند ريشار، يتحول عنده إلى مدخل إجباري يحدد الموضوع الرئيسي، كما أن سائر الموضوعاتيين ينتقون موضوعاتهم المتغيرة بتغير النافذة التي يطلون منها على الكون الإبداعي، بخلاف موضوعاتيته التي تبدو مستقرة وثابتة ونهائية؛ أي أنه يكتشف بنية العمل المدروس، بينما يختلقها غيره، وإذا كانت موضوعاتية غيره متهمة بتقليص خصوصية الأدب، فإن موضوعاتيته –في تقديره- بنيوية تتوخى ثوابت شكلية انطلاقا من المضامين المختلفة. كما ينفرد منهجه –في نظره- بذلك الفعل المحرك الذي يؤطر علاقة الشاعر بموضوعه الشعري."
ولئن كانت هذه المزاوجة المنهجية بين البنيوية والموضوعاتية، تشكل ميزة انفرد بها عبد الكريم حسن لوحده من بين النقاد العرب؛ فإنها رغم ذلك قد تعرضت للنقد إلى حد التجريح من طرف اللجنة التي ناقشت العمل، فقد سجل أندري ميكال المشرف على عمله بأنه كان "مغامرة مآلها الإخفاق" في
حين لاحظ غريماس-وهو أحد أعمدة النقد البنيوي والسيميائي في فرنسا- أن الباحث قد وظف عدة إحصائية ومفرداتية هائلة في سبيل خدمة الفكرة التي انطلق منه لينتهي إلى إثباتها في الأخير، وهو بذلك -كما يرى غريماس- قد طبق الموضوعية المعجمية وليس الموضوعية الأدبية، كما أنه لم يستسغ فكرة الجمع بين البنيوية والموضوعية، مما أفضى به إلى إصدار حكم بعدم مشروعية هذا الجمع .بينما رأى دافيد كوهين أن الباحث أراد أن يقيم مصالحة بين التزمن diachronie والتزامن
Synchronie غير أنها غير ممكنة –في نظره- كما ينتهي إلى أن مفهوم البنية في تصوره غامض، وأن بنيويته ليست بنيوية غريماس بقدر ما هي بنيوية عبد الكريم حسن.
لكنه على الرغم من هذه الانتقادات التي تعرض لها مشروع عبد الكريم حسن، إلا أنه يبقى محاولة رائدة بالنظر إلى سبقه الزمني وبالنظر أيضا، إلى ندرة الدراسات الموضوعاتية في النقد العربي ليس فقط خلال الفترة التي تبلور فيها هذا المشروع، وإنما في وقتنا الحالي أيضا لا تزال الساحة النقدية العربية فقيرة في مجال النقد الموضوعاتي مقارنة بالمناهج النقدية الأخرى كالبنيوية والسيميائيات والسرديات والأسلوبيات ...وغيرها.
-مفهوم الموضوع والموضوعاتية عند عبد الكريم حسن: يعرف عبد الكريم حسن المنهج الموضوعاتي بأنه "بحث في الموضوع يهدف إلى اكتشاف السجل الكامل للموضوعات الشعرية." أما الموضوع فيعرفه بأنه "مجموعة المفردات التي تنتمي إلى عائلة لغوية واحدة. وبهذا يشكل مفهوم العائلة اللغوية عنده أساسا في تحديد الموضوع؛ لذلك نجده يقول في موضع آخر من كتابه المنهج الموضوعي: "عندما نقول إن العائلة اللغوية هي حد الموضوع، فإننا نكون قد قدمنا تعريفا ملموسا
للموضوع"
وقد تبين له بعد معاينته وتتبعه للموضوعات المهيمنة في شعر السياب أنها لا تكاد تخرج عن إطار تيمات الحب والمرض والثورة والموت، وأن القانون الذي يرسمها هو كالآتي:
-القانون الذي يرسم حبه هو: أنا أحب/ سأخفق في حبي/ أنا مخفق/ سأبحث عن حب جديد.
-القانون الذي يرسم علاقته بالمرض: أنا في صحة جيدة/سأمرض/أنا مريض/سأبحث عن الشفاء.
-القانون الذي يرسم علاقته بالحياة: أنا حي/ سأموت/ أنا ميت/ سأبحث عن حياة جديدة.
-القانون الذي يرسم علاقته بالثورة: أنا ثائر/سأهزم في الثورة/أنا مهزوم/ سأبحث عن اتجاه جديد.
-خطوات منهجه في الموضوعية البنيوية: د ارسة في شعر السياب:
يجملها الباحث يوسف وغليسي في النقاط الآتية:
-1المسح الإحصائي الشامل لمعجم المدونة المدروسة، أو تكنيس الأعمال الشعرية الكاملة للسياب؛ حيث تمكن من إحصاء ثلاثة آلاف مفردة حسب القرابة أو العائلة اللغوية لكل مفردة، مثل: أحب، يحب، الحبيبة، المحبة...، ثم يذكر مرادفاتها: الهوى، الغرام، الصبابة...، ثم يذهب إلى إحصاء المفردات ذات القرابة المعنوية معها: اللثم، القبلة....وغيرها.
-2تحديد الموضوع الرئيسي، وفقا لهيمنة مفردات عائلته اللغوية، وبالاستناد إلى ثلاثة مبادئ أساسية هي: الاشتقاق والترادف والقرابة المعنوية.
-3تحليل المفردات التابعة للموضوع الرئيسي بكل ظهوراتها؛ أي بكل تواتراتها وورودها، ابتغاء دراسة الموضوع من خلال استخراج المخطط الكلي الذي ينتظمه. -4التفريع الموضوعاتي؛ أي دراسة الموضوعات الفرعية المنبثقة عن الموضوع الرئيسي، ثم فروع الموضوعات الفرعية.
-5التشجير الموضوعاتي أو صياغة شبكة العلاقات الموضوعاتية في شكل شجرة بيانية تمثل تنظيم العالم المتخيل.
-6اكتشاف الفعل المحرك الذي يحكم علاقة الكاتب بعوالمه الكتابية.
المصادر والمراجع:
-يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري)بحث في ثوابت المنهج وتحولاته العربية ومحاولات لتطبيقه(
- يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري )كلام المنهج..فعل الكلام.(
- عبد الكريم حسن، الموضوعية البنيوية: د ارسة في شعر السياب.
-عبد الكريم حسن، المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق.
-
المحاضرة الحادية عشرة: أعلام النقد الموضوعاتي عند العرب:(2) (سعيد علوش(
يعد الناقد والأكاديمي المغربي سعيد علوش هو الآخر أحد الأعلام الأوائل البارزين المهتمين بالنقد الموضوعاتي في الساحة النقدية العربية، ويأتي عمله الموسوم )النقد الموضوعاتي( جهدا متميزا في حقل المقاربة الموضوعاتية، جمع فيه بين التنظير والتطبيق والترجمة لأهم أعمال أعلام النقد الموضوعاتي عند الغرب ولاسيما أعمال "جون بيير ريشار.(
يقدم الباحث في القسم النظري عرضا عاما لوضعية النقد الموضوعاتي ولأبرز رواده وأعلامه في الدرس النقدي الغربي، ولأهم إرهاصاته وأعلامه في الدرس النقدي العربي كذلك. وفي هذا الصدد عرض لمفهوم الموضوعاتية عند ويبر وريشار، وسعى إلى مناقشة استعمال المصطلح )الموضوعاتي( في بيئته الأصلية، ثم استعماله وطرائق تلقيه وترجمته في البيئة العربية. يقول سعيد علوش: "إذا كانت تعريفات الحقل الثقافي لأدب ما –كيف ما كانت وطنيته- تمتلك ما يدعم الموضوعاتي على المستوى المعجمي والسيميائي، فإن الانتقال إلى الحقل الثقافي العربي يجعلنا نتردد بين بين الاحتفاظ بالمصطلح، كما هو في لغته: التيم/
لتيمية/التيماتية: Thème/Thématique/Thémtiser أو اعتماد التعريب العربي:
الموضوعاتي/ الموضوعاتية، الموضوعاتيات، وهي تعريبات يدعمها في غالب الأحيان الأصل الأجنبي، كما نجد ذلك في مقاربات عبد الكريم حسن، وجوزيف شريم، وكيتي سالم، وكيليطو. هذا إذن ما دفعنا إلى اختيار تعريب المصطلح مع التشديد على الأصل المرجعي. " ولئن كان الإطلاق الاصطلاحي أو الاختيار الترجمي للمصطلح لا يهم كثيرا؛ فإن التركيز على المفهوم هو الأهم في نظر علوش، ولذلك تجده يعود إلى الأصل الأجنبي لمفهوم الموضوعاتي وتحديدا إلى تبني مفهوم جان بيير ريشار. يقول علوش: ..."وبذلك يصبح مفهوم الموضوعاتي في الحقلين العربي والغربي هو التردد المستمر لفكرة ما ، أو صورة ما، فيما يشب لازمة أساسية وجوهرية، تتخذ شكل مبدأ تنظيمي ومحسوس أو ديناميكية داخلية، أو شيء ثابت، يسمح للعالم المصغر بالتشكل والتمدد. "
تتأسس رؤية سعيد علوش للنقد الموضوعاتي على مفاهيم ريشارية بحتة، وبناء على ذلك يحدد خطوات المنهج النقدي الموضوعاتي -كما أقرها رشار- في النقاط الآتية:
-1قراءة عمل أو أعمال الكاتب والتنقيب عن بنياتها الداخلية. -2التعليم على انتظام الموضوعاتية في مجموع متجانس ومتضاد. تكوين صورة عن لاوعي الكتابة عند الكاتب. 4معاينة معادلة الصور لحياة الكاتب المبكرة.
أما في الجانب التطبيقي، فقد قارب الباحث موضوعاتيا ديوان )قصيدة الحرب( للشاعر العراقي "ياسين طه حافظ"، حيث ركز على تيمة الحرب في الديوان من خلال ثلاثة موضوعات مهيمنة، جعلها مفاتيح أساسية للإمساك بموضوعاتيته الحرب في الديوان، هي موضوعات: الصوت والعين والوجه.
وقد سار في مقاربته الموضوعاتية على نهج جان بيار ريشار، حيث قال: "هذه الظاهرة رباعية الحدود هي الحافز الأساسي الذي يدفعنا إلى طرح قراءة موضوعاتية ومونوغرافية تستمد أصولها من منهجية النقد الموضوعاتي كما ترسخ في النقد الفرنسي، مع جان بيير ريشار، في تطبيقاته على أشعار ملارميه وستاندال والشعراء المعاصرين" وفي اعتماده على مفهوم القراءة المصغرة، وهو أحد الإجراءات المحورية المكونة لموضوعاتية ريشار، والذي اتخذه عنوانا لكتابه الأخير "قراءة مصغرة" يقول في هذا السياق: )وللإجابة عن هذه الأسئلة الكبيرة، ارتأينا أن نقوم ضمن إطار النقد الموضوعاتي بقراءة مصغرة (Microlecture) قبل أن ننتهي إلى قراءة مكبرة (Macrolecture) تقودنا بالضرورة إلى الإجابة عن الأسئلة
المطروحة. "... كما سار كذلك في ركاب عبد الكريم حسن في مقاربته الإحصائية المعجمية لشعر السياب، حيث يقول -أيضا-في هذا الصدد: "كانت أول عملية للقراءة المصغرة لقصيدة ياسين طه حافظ هي تفكيك المعجم الشعري الموظف كمرحلة أولية، ألقت بنا في خضم الأدوات التي يعتمدها الشاعر، وقد حصلنا في البداية على خليط من الكلمات والتعابير التي كان علينا أن نعيد تصنيفها من منظور مفهومي وموضوعاتي، أي إعادة ترتيبها تبعا لعلائقها الموضوعاتية، وهذا الترتيب الأخير هو ما انتهي بنا إلى الحصول على مجاميع معجمية تندرج تحت موضوعات: الصوت، الوجه، العين. "
فيما يخص موضوعاتية الصوت قدم الباحث جردا معجميا لتردد هذه التيمة في ديوان الشاعر، فانتهى إلى إحصاء العينات الآتية:
الصوت-صوت-الصوت-صوتك-صوتها-الأصوات-أصواته. -الكلم-الكلام-كلامهم-كلامها-كلام-الكلمات-كلما. -تصيح-يصيح-صيحة-تصيح-الصيحة-الصيحات-أصيح. -صارخا-يصارخان-صرخة-تصرخ-يصرخان-الصراخ.
:1 سعيد علوش، المرجع السابق، ص: .60
:2 صنف "يوسف وغليسي" دراسة سعيد علوش لتيمة الحرب في شعر ياسين طه حافظ ضمن الدراسـات التـي سـارت فـي ركـاب عبد الكريم حسن؛ لأن هذه الدراسات سهل عليهـا استنسـاخ منهجـه القـائم علـى الإحصـاء المعجمـي ومفهـوم العائلـة اللغويـة الـذي يصنف الموضوعات على أساس الحقول الدلالية. ينظر، يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري، ص: .125 :3 سعيد علوش، المرجع السابق، ص: .62
:4 المرجع نفسه، ص" 63، .64
-اسمعه-اسمعها-يسمعه-يسمعها-سمعت-تسمعون-تسمع. -يقول-تقول.
-أجوافهم-جوف-أجوافهم-جوفه. -حناجر-بلعومة. -أشداقه-أشداقها. -شفاهة-شفاهها. -القبلة-قبلة-المقبلة. -يمتص-تمتص.
وتبعا لذلك، ميز سعيد علوش داخل الصوت التنويعات الآتية:
الأصوات الإنسانية: حناجر، الهتاف، المغني، تضحكين، صافرة، الصخب، الضجيج، يجهش، حشرجة، الصيحة)
والأصوات الحيوانية: (الرغاء، تثغو، تخور، العويل، فحيح، تصهل....)
والأصوات الطبيعية: (الموج، الموجة، يهيج، هاجت العاصفة، ضخضاخ، يقرع.....)
الأصوات الاصطناعية: (الصواريخ، البنادق، المفرقعات، القذائف، القنبلة، المدافع، الرصاص، الرشاشة .....)
الدوي، شظايا، ارتطامه، الحطام، المحطمات، المرتج، ارتجاجه، ارتجاج، ارتجوا، أطلق، اصطدام، تصدمين، يصدم، الدفوف، الصنوج، الطبول. (
ومن أجل تعامل الباحث مع عينات دالة اقتصر تناوله لموضوعاتية الصوت على موضوعاتية الصيحة لاستحالة تناول المعجم المحدد سلفا بأكمله، "وهي موضوعاتية إصدار صوت مبهم ومرتفع، يمكن أن يدل على الاستغاثة والاحتجاج." كما أنها تدل على التعبير عن المعاناة والألم من جراء القهر والظلم ومختلف محاولات تكميم الأفواه وخنق الأصوات والصيحات المتألمة، إنها صرخات وصيحات من أجل الحياة أو الموت. وبهذا تكون موضوعاتية الصيحة موضوعاتية مهيمنة في ديوان الشاعر، ومتفرعة عن موضوعاتية مركزية هي موضوعاتية الصوت.
وأما فيما يخص موضوعاتية العين فقد قدم الباحث جردا معجميا لتردد هذه التيمة في ديوان الشاعر، فتحصل على المؤشرات الآتية:
-عيونهم-العينين-أعين-عيني-عيناه-أعينهم-عين-عيناها-العينين-العيون. -الساهر-السهر-يستفيق-يرقدون.
-أنام-ينام-نائما-ناموا-نومته-تنام. -الأحداق-حدق-أحداقهم-أحداق-المحاجر-محاجر.
-بصري-الدموع. -ينظر-النظرة-بانتظاركم-منتظرة-تنتظر-ينتظرون. -المستيقظ-يوقظ-استيقظي-يقظان-استيقظ. -بكاء-باكيا.
-الغافية-غفت. -الرؤيا-أرى-أراك-أراهم-ترى-يرى-رأى-رؤية-أرى-رؤيتنا. -رنت-ترنو-تشهد-يشهد.
تكشف موضوعاتية العين من خلال رصد تجلياتها المعجمية على لعين "ساهرة ومحدقة وناظرة وغافية وباكية ونائمة ورائية ورانية ونائمة...فهي عين للمحارب والشاعر والتاريخ، إنها مرآة عصر الصراع بين أطروحتين قومية وشبه دينية، إنها عين يبصر بها الأعمى صناعة الدمار وتجارة السلام."
وأخيرا تأتي موضوعاتية الوجه التي توصل من خلالها إلى الجرد المعجمي الآتي:
-وجه-وجهك-وجوههم-الوجوه-وجهي-الوجه-وجوه-وجه. -الرأس-أرؤس-رؤوسها-رؤوسهم-الرؤوس-رأسها-رأس.
-الرقاب-يرقب-رقابها-أرقبها. -الشعر-شعورهم-شعرو. -العقول.
-الأضراس-أضراسها-الناب-الأنياب. -فرح-الفرح-فرحة-يفرحه. -الجميل-أجمل-الجمال.
-يحسن. -يشرق-تشرق-تشرقين-إشراقة. -ابتهاجة-بهجة-البهجة. -تبسمين-يبسم-مبتسمين. -الأسى-بؤسهم-البلاهة-البله-الذاهل. -حزنا-الحزن-حزنك-الحزين-الشجن. -الخوف-مخيفة-الرعب. -الصورة-الصور-التصور. -الشبح-مشبوحة-الاشباح-أشباح.
-الظل-تظل-ظل-ظلت-ظلاله-أظل-ظلين-يستظل-يظل.
من منطلق هذا الرصد المعجمي يستهدف "علوش" إدراك الوظيفة المرجعية والشعرية الموضوعاتية الوجه التي تحيل على "وجه العصر/ التاريخ/ المكان، إنه شهادة على معاصرتنا وحياتنا وفضائنا، من هنا يتقمص الوجه كل الأشكال التي تدل على إنسانية الإنسان، بل وعلى تجذره في الطبيعة، لأن الشاعر يجعل منه...مرآة
عاكسة ساطعة ومشتعلة"، فهو رمز للسطوع والإشراق والوضوح أو العكس الذي يعبر عنه الاشتعال والظلام والحزن والأسى والظلم والقهر والرعب، وغيرها من المفردات المجسدة لتيمة الحرب وبهذا تتعاضد وتتفاعل موضوعاتيات الصوت والعين والوجه لتكون لنا صورة واضحة ومشهدا حيا لأشكال الوعي والحساسية -التي تسعى إلى تحويلي المادي
الحسي إلى مادة روحية- في قصيدة الحرب لدى الشاعر ياسين طه حافظ، وعلى هذا الأساس "تحول الصوت إلى صراخ )احتجاج( والعين إل رقيب )مرآة( والوجه إلى صفحة )تاريخ. "(
هكذا يكون "سعيد علوش" قد قدم مقاربة نقدية موضوعاتية في ديوان قصيدة الحرب للشاعر "ياسين طه حافظ"، تستضيء بأدوات نقدية ريشارية، قادته إلى إدراك الأبعاد الدلالية لتيمة الحرب التي تؤطرها موضوعاتيات ثلاث هي )الصوت والعين
والوجه(، ويدعمها قاموس معجمي ثابت ودال. وكل ذلك كان بهدف الكشف عن طرائق الوعي الذاتي
بعوالم الواقع والحياة المعيشة، وإدراك مختلف أعماق الأبعاد الجمالية والتصوير الخيالي في ديوان الشاعر.
-
المحاضرة الثانية عشرة: أعلام النقد الموضوعاتي عند العرب:(3)
(حميد لحمداني(
حميد لحمداني ناقد وقاص وروائي ومترجم مغربي متخصص في النقد الأدبي،ونقد الرواية والسرد الأدبي بشكل خاص، صدر له العديد من الأعمال في مجال النقد الأدبي والترجمة، نذكر منها:
-من أجل تحليل سوسيو بنائي للرواية، رواية المعلم علي نموذجا، منشورات الجامعة
البيضاء 1984 .
-الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي، دار الثقافة الجديدة، دار البيضاء
.1985
-في التنظير والممارسة، دراسات في الرواية المغربية، منـشورات عيون، البيضاء
.1986
-أسلوبية الرواية، مدخل نظري، منشورات دراسات سال .1989
-سحر الموضوع، منشورات دراسات سال، البيضاء .1990
-النقد الروائي والإيديولوجيا، المركز الثقافي العربي، البيضاء .1991
-بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المـركز الثقافي العربي، البيضاء
.1991
-النقد النفسي المعاصر، تَطْبيقاتُه في مجال السرد، منشورات دراسات سال، البيضاء
.1991
-كتابة المرأة من المنولوج إلى الحوار، الدار العالمية للكتاب، البيضاء .1993
-االواقعي والخيالي في الشعر العربي القديم دراسة نقدية )العصر الجاهلي(، مطبعة
النجاح الجديدة، البيضاء ط2، .2016
-النقد التاريخي في الأدب رؤية جديدة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة .1999
-القراءة وتوليد الدلالة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت .2003
-الفكر النقدي الأدبي المعاصر )مناهج ونظريات ومواقف(، منشورات مشروع البحث
النقدي ونظرية الترجمة كلية الآداب بروتارس 3، .2009
-القصة القصيرة في العالم العربي ظواهر بنائية ودلالية، منشورات المؤلف .2015
-معايير تحليل الأسلوب ميخائييل ريفاتير، منشورات دراسات سال، البيضاء
.1993
-الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة، مارسيلو داسكال، ترجمة بالاشتراك
مع مجموعة من الأساتذة، منشورات إفريقيا الشرق، البيضاء .1987
-فعل القراءة، نظرية جمالية التجاوب في الأدب، فولفغانغ إيزر، ترجمة بالاشتراك مع د. الجلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل، فاس .1995
-التخييلي والخيالي، فولفغانغ إيزر، ترجمة بالاشتراك مع د. الجلالي الكدية.
أما عن اشتغاله بالنقد الموضوعاتي فقد كان من بوابة كتابه "سحر الموضوع" الذي صدر في طبعتين1 مختلفتين، وبحسب إشارة الباحث نفسه أن اشتغاله بهذا الحقل المعرفي يعود إلى أطروحته في الدكتوراه التي ناقشها بكلية الآداب بالرباط في الثاني والعشرين من سبتمبر سنة . 1989 لذلك فالكتاب وإن كان يصنف ضمن دائرة "نقد النقد"؛ لأنه يقدم بعض الآليات المنهجية التي يقوم عليها هذا المنهج، أو أي دراسة تختار المتون النقدية حقلا للدراسة والتحليل.
وقد اتضح ذلك بجلاء من خلال المدخل الذي قدم فيه الباحث مبررات-ليس فقط- لاختياره المنهجي المعتمد في هذا الكتاب، ولكن من أجل محاولة تقديم وصفة منهجية عامة لاستقراء المتون النقدية والتطبيقية، ظلت غائبة عن مقدمات الكتب والدراسات المتبنية لهذا التوجه المنهجي الذي بات يعرف "بنقد النقد" de Critique
وفي هذا الإطار يقول "حميد لحمداني" عن منهجه العام في نقد النقد الذي تبناه في مقدمة هذا الكتاب: "هذا المدخل ليس خاصا بتقديم اختيارنا للمنهج المتبع في هذا الكتاب وحده. فهو على الأصح محاولة لوضع منهجية عامة قابلة للتطبيق بالنسبة لكل ممارسة في نقد النقد، لأنها أولا تتساءل عن مدى صلاحية المناهج المتبعة في معالجة الإبداع بالنسبة لدراسة وتحليل الأعمال النقدية، وثانيا لأنها تبحث في البعد المعرفي والابستيمولوجي لنقد الأعمال النقدية، وأخيرا تطرح سؤالا أساسيا عن الموقف الذي ينبغي أن يتخذه ناقد النقد، حين يدرس أعمالا نقدية تعالج هي وحدها مباشرة نصوصا إبداعية أدبية؟ أهمية هذه الأسئلة تأتي من كوننا قد لاحظنا
أنه قليلا ما يتساءل المشتغلون بنقد النقد –وهو الميدان الذي نريد أن نبحث فيه- عن المنهج الذي يحتكمون إليه في دراسة من هذا النوع. ولعلهم ينطلقون من شعور خفي بالتعالي يجعلهم يعتقدون تلقائيا بأن دراساتهم في غنى عن التقيد باي منهج مادامت مادة موضوعهم هي النصوص النقدية التطبيقية الصادرة في أساسها عن مناهج معينة...هذه الحالة تنطبق على كثير من دراسات نقد النقد la de Critique
critique الغربية وعلى مثيلاتها من الدراسات العربية. وفي الحالات القليلة التي يتساءل فيها نقاد النقد عن مناهج دراستهم فإنهم يبتسرون عنها الكلام في الغالب أو نراهم يستخدمون مناهج دراسة الأدب دون التساؤل عن صلاحيتها أو عدم صلاحياتها بالنسبة لدراسة النصوص النقدية. "
فإذا كان خطاب الباحث واضحا وصريحا في الإبانة عن منهجه في كتابه؛ فإن انتماءه إلى حقل الموضوعاتية وإدراجه في نطاقها، قد أتاه من جهة استثمار صاحبه أدوات الإجرائية لهذا المنهج )نقد النقد(، واشتغاله على مساءلة بعض المتون النقدية المهتمة بالنقد الموضوعاتي للشعر والرواية في الدرس النقدي العربي، وأيضا من جانب تناوله لبعض أصول هذا النقد الفلسفية والمعرفية، ولبعض أعلامه ورواده في الثقافة الغربية، أمثال: )باشلار، ريشار، جورج بولي، ستاروبنسكي، وتودوروف.(
من هذا المنطلق يكون كتاب "سحر الموضوع" أحد أهم الدراسات المهتمة بالنقد الموضوعاتي، والتعريف بأبرز أعلامه ودارسيه في العالمين العربي والغربي، ولو أن الكثير من النماذج التطبيقية العربية التي تناولها الباحث بوصفها مقاربات نقدية موضوعاتية، ليست لها علاقة بالنقد الموضوعاتي، ولا أصحابها أعلنوا عن ولائهم لهذا المنهج، أو تبنيهم له في مختلف مقارباتهم النقدية للظاهرة الأدبية، "فالطريف في الأمر أن أصحاب تلك الممارسات لم ي˘دعوا هذا الشرف المنهجي، ولا خطر ببالهم منهج بذلك الاسم، حين كتبوا ما كتبوا، ولكن نقاد النقد هم من أصروا على تشريفهم وتتويجهم نقادا موضوعاتيين، برغم أنوفهم، حتى لو كانوا لذلك الانتماء كارهين وبه كافرين. "!
وقد كان الباحث "يوسف وغليسي" محقا عندما تفطن إلى هذه الظاهرة في الكتاب، فوسمها بــــــ":موضوعاتيات ما قبل التاريخ الموضوعاتي[...أو] الممارسات النقدية المتقاطعة مع المنهج الموضوعاتي في مرحلة ما قبل الوعي العربي بهذا المنهج[...أو] في مرحلة ما قبل الزمن الموضوعاتي. "! غير أن اللافت للنظر في إشارة وغليسي السابقة، أنه لم ينصف صاحب الكتاب، ولا أنه خصص لكتابه حيزا يليق بأهميته العلمية –خاصة- فيما يتعلق بالمدخل المنهجي المتعلق بنقد النقد الذي ص˘در به الكتاب، وأيضا فيما يتعلق بتعريفه ببعض أعلام النقد الموضوعاتي في الثقافتين العربية والغربية، ولاسيما تناوله لكتاب عبد الكريم حسن الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب(، بوصفه دراسة رائدة، وأول تجربة للنقد الموضوعاتي في تاريخ الدرس النقدي العربي.
ومن هذه الدراسات التي أدرجها "لحمداني" ضمن مؤلفه، وتعامل معها بوصفها نماذج نقدية موضوعاتية، ولم تكن كذلك -لأنها دراسات قديمة، وتوجهاتها المنهجية تتراوح -في معظمها- بين النقد الاجتماعي والانطباعي- دراسة محمد مصايف "الرواية العربية الجزائرية الحديثة بين الواقعية والالتزام" الصادرة سنة 1983، التي تقترب -في نظره- من النقد الموضوعاتي بسبب اهتمام مصايف بموضوع الرواية، واعتماده على معرفته الحدسية والحرية الكاملة في طرائق تحليل النصوص وإبداء آرائه ومواقفه منها، لكنها في حقيقة الأمر دراسة نقدية، تعلن ولاءها للمنهج الاجتماعي، وهو ما يظهر من خلال عنوانها. ودراسة يوسف الشاروني "الروائيون الثلاثة" الصادرة سنة 1980، وبالأخص المقاربة التي تتضمنها المتعلقة بتتبعه لفكرة الموت التي تتردد في أعمال يوسف السباعي الروائية والقصصية، والتي عدها "حميد لحمداني" "مثالا نموذجيا للنقد الموضوعاتي المتماسك... بالنظر إلى تعدد زوايا النظر النقدية الأخرى في مجموع كتابه المذكور. " لكنها كسابقتها لا تمت بصلة إلى النقد الموضوعاتي المتماسك -كما يصفه لحمداني- ولأنها لا تتضمن أي إشارة صريحة أو ضمنية عن تبنيها للمنهج الموضوعاتي، ولا عن إفادتها من بعض مرجعياته في الثقافة الغربية، إلا ما كان من قبيل الصدفة في التقاء هذه الدراسات مع اشتغالات النقد الموضوعاتي واهتماماته. ناهيك عن عدم تعرف النقد العربي في هذه الفترة-التي صدرت فيها هذه الدراسات- على منهج يسمى المنهج الموضوعاتي.
ولا يبتعد كثيرا -عن هذا التوصيف السابق- العديد من الدراسات النقدية التي تناولها الباحث في كتابه، لأنها دراسات تفتقر -في مجملها- إلى تصور منهجي واضح، يقربها من النقد الموضوعاتي، ومنها في مجال نقد الرواية، دراسة علي الراعي المعنونة: "دراسات في الرواية المصرية" الصادر سنة 1956، وبحسب إشارة لحمداني "أن الكتاب لم ينجز في أصله دفعة واحدة؛ فالمقالات التي يضمها كتبت كما قال الناقد نفسه بين سنتي 1"1962-1956، وهو زمن متقدم كثيرا عن مرحلة الوعي العربي بالمنهج الموضوعاتي. ودراسة "فاطمة الزهراء محمد سعيد" الموسومة:
"الرمز في أدب نجيب محفوظ"، ودراسة "عبد الحميد القط "بناء الرواية في الأدب المصري الحديث"، وبعض أبحاث "غالي شكري:" )المنتمي: دراسة في أدب نجيب محفوظ"، و"الرواية العربية في رحلة العذاب"، و"أدب المقاومة"، وكذلك كتاب "جورج طرابيشي" )الله في رحلة نجيب محفوظ(، وكتاب "سمير روحي الفيصل" )ملامح في الرواية السورية...(وغيرها من الدراسات الأخرى -في هذا الباب- التي اكتفى الباحث بالإشارة إلى عناوينها تجنبا للإطالة في معاينتها ورصد محتوياتها.
وأما في مجال نقد الشعر، فيمثل "حميد لحمداني" لذلك بدراسات "علي شلق:" المتنبي شاعر ألفاظه تتوهج فرسانا تأسر الزمان(، و)ابن الرومي في الصورة والوجوه( وكتابه )القبلة في الشعر العربي القديم والحديث(، وبدراسة "عبد الكريم حسن" المتميزة )الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب( التي تعد الأكثر انسجاما وتطابقا مع التفكير النقدي الموضوعاتي لدى رواده الغربيين.
إذا كانت معظم هذه الدراسات تبتعد كثيرا عن اهتمامات النقد الموضوعاتي، وكانت لا تتقاطع مع مختلف مقولاته ولا تنسجم مع طروحاته وتصوراته العميقة، بالنظر لجملة من الأسباب التي ذكرنا بعضها آنفا، ونحجم عن ذكر بعضها الآخر لأن المجال لا يتسع لذلك؛ فإن الناقد المغربي حميد لحمداني" يبدو –مع هذه الحال- أنه لم يع جيدا حقيقة هذا الاختصاص المعرفي والنقدي، ووقع في الخلط الالتباس بدليل أنه لا يفرق بين الموضوع أو الفكرة المهيمنة أو الملحة في النص الأدبي من جهة، وبين الموضوعاتية التي تتميز بكونها تمثل ذلك الخيط الرفيع والبعد العميق الذي يجمع ويوحد بين مختلف أعمال الكاتب الواحد، وإن اختلفت مظاهر تشكيلها وأساليب تراكيبها، لأنها ستكون خاضعة للتعديل الموضوعاتي والتشكيل اللغوي الاستعاري والمجازي لا غير. وفي هذا السياق لو تعامل "لحمداني" مع هذه الدراسات -التي جاءت في غالبيتها مقحمة- على أنها إرهاصات أولية للاهتمام
بالنقد الموضوعاتي في النقد العربي لكان تناوله لها معللا، وإدراجها في هذا الباب أمرا مبررا ومستساغا.
وبذلك نعتب على "حميد لحمداني" وقوعه في التناقض والتذبذب تارة، وفي الخلط وإصداره لأحكام النقدية غير المؤسسة تارة أخرى؛ إذ كيف يصف مثل هذه الدراسات النقدية القديمة بالدراسات النموذجية المتماسكة والفذة، والمحاولات البارزة حتى يناقض قليلا ثم ما يلبث الموضوعاتية، في الممارسة النقدية والمبكرة نفسه، ويحكم عليها تجاوزا دراسات موضوعاتية، لأنها تغيب -حسب رأيه- خضوعها لنظرية نقدية معينة، ولأنها لا تتقيد بمنهج محدد ورؤية نقدية موضوعاتية واضحة، بالإضافة إلى خلوها من أي إشارة لإحدى التسميات المنهجية المستعملة في هذا الحقل النقدي كالموضوعاتية والغرضية والجذرية والظاهراتية...وغيرها، وذلك باستثناء دراسة عبد الكريم حسن "الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب" التي تعد مقاربة نقدية موضوعاتية ممنهجة، وواضحة المرجعيات، ومحددة الأدوات والإجراءات، وهي الدراسة التي أولاها "لحمداني" اهتمامه، وخصص لها حيزا معتبرا ضمن كتابه.
أخيرا يمكن القول: بأنه رغم المؤاخذات التي سجلت على كتاب "سحر الموضوع" لحميد لحمداني، إلا أنه يبقى عملا مهما ومتميزا في بابه، بالنظر إلى أهميته في التعريف ببعض الجهود النقدية في مجال المقاربة النقدية الموضوعاتية، ولاسيما في الساحة النقدية العربية، وبالنظر -كذلك- للمنهجية النقدية التي بسطها الباحث في بدايته، والتي يمكن تعميمها وإعمالها لدى مساءلة مختلف المتون النقدية
المبكر التفاتته إلى بعض الجهود النقدية العربية في دراسة الأدب، فضلا عن من حيث قصدت عربيا للنقد الموضوعات التي من شأنها أن تشكل إرهاصات أولية أو لم تقصد إليه.ذلك
-
Opened: Wednesday, 20 May 2026, 11:00 AMClosed: Wednesday, 20 May 2026, 11:10 AM
بعد تعرفكم على أعلام النقد العربي ومنجزاتهم في النقد الموضوعاتي وتفاوتها بين التنظير والتطبيق.
في رأيكم من هم النقاد العرب الذي قدموا إسهاما في الجانب التطبيقي واجتهدوا في اقتراح آليات نقدية للمقاربة الموضوعاتية؟
-
-
المحاضرة الثالثة عشرة: أعلام النقد الموضوعاتي عند العرب:(4)
(سمير سرحان(
سمير سرحان أحد الكتاب والنقاد المصريين الكبار، من مواليد القاهرة في الخامس من ديسمبر سنة 1941، خريج قسم اللغة الإنجليزية وآدابها بجامعة القاهرة سنة 1961، ومتحصل على الدكتواره في الأدب الإنجليزي من جامعة إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية سنة .1968 تقلد العديد من المناصب في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وبوز ارة الثقافة المصرية، كما عين رئيساً لمجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1985، كما تولى رئاسة تحرير العديد من الصحف والمجلات، وحاز على عضوية المجلس الأعلى للصحافة، وأكاديمي الفنون، والجمعية الأمريكية لأددب المقارن، وأخيرا مستشاراً لوزير الثقافة قبل وفاته في الأول من يوليو .2006
صدر له العديد من الكتب في مجال الإبداع والنقد والمسرح والترجمة، نذكر منها:
-المسرح المعاصر
-المسرح والتراث العربي :صدر عام 1988 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة.
-ملك يبحث عن وظيفة )مسرحية:( صدرت عام 1987 عن دار الغريب للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة.
-الكذب )مسرحية( :وهي مسرحية من ثلاث فصول، صدرت عام 1990 عن مكتبة غريب للنشر والتوزيع بالقاهرة.
- حكاية أولاد حارتنا :صدر عام 2002 عن مؤسسة أخبار اليوم لطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة.
-الشعر والأخلاق )فصول في النقد الأدبي( :صدر عام 2003 عن دار أطلس للنشر والتوزيع والإنتاج الإعلامي بالقاهرة.
ومن دراساته في النقد الأدبي كتابه )النقد الموضوعي( الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة سنة .1990 وقد انطلق الباحث –من خلاله- في التنظير لرؤيته الموضوعية من منظور مدرسة النقد الحديث التي يحمل لواءه "ت. س. إليوت" الذي يرى أن "الناقد الموضوعي ينظر إلى العمل بوصفه جسما مستقلا بذاته، وهو يتناوله بالشرح والتحليل بهدف تبيان قيمته بوصفه كائنا مستقلا قادرا على أداء وظائف محددة للمجتمع والفرد. " غير أن الناقد "سمير سرحان" آثر
الاهتمام بآراء "ماثيو أرنولد" (1888-1822) الذي "كان أول من قال إن النقد هو جهد موضوعي لرؤية الأعمال الأدبية كما هي على حقيقتها فأطلق بذلك الشرارة الأولى التي اتهمت النقد الرومانسي بالقصور من جانب، ثم أضاءت طريق النقد الموضوعي من جانب آخر."
من هذا المنطلق سنحاول تحديد أبرز مقومات النقد الموضوعي عند أرنولد كما حددها سمير سرحان في كتابه النقد الموضوعي في النقاط الآتية:
-1الموضوعية، وهي رؤية الشيء كما هو على حقيقته دون الانحياز لتحقيق مصلحة ما شخصية أم حزبية في عملية النقد الأدبي؛ أي يجب على الناقد أن يتميز بالحيادية ويحافظ على استقلاليته. ولكي يتميز الناقد بالموضوعية، يجب عليه أن يتخلى عن مقياسين في الحكم على العمل الأدبي، هما: المقياس التاريخي والمقياس الشخصي.
-2العصر: لا يمكن للإبداع الفني أن يتحقق ما لم تتهيأ له الظروف الممكنة، فإذا تهيأت الظروف أمكن لأدباء ذلك العصر أن ينتجوا أدبا عظيما، لأن الملكة
الإبداعية تستطيع ممارسة نشاطها على أساس وجود مادة وعناصر فكرية معينة، وإذا لم تتوفر هذه العناصر لأدديب أو الشاعر وفرها له النقد
-3الشعر: ينظر أرنولد للشعر في أبعاده الحضارية التي تدعو إلى الشمولية والنظرة التكاملية للمجتمع والدين والثقافة، وتعد نظرته للدين في علاقته بالشعر محورية في تصوره؛ إذ يرى أن الشعر بإمكانه أن يحل محل الدين، وأنه جدير بأن ينهض
بالأدوار التي كان يؤديها الدين. أما عن وظيفة الشعر فيحصرها في نقد الحياة، وبذلك أخذ مفهومه للشعر يقترب من مفهوم التطهير لدى أرسطو Catharsis، لأن النقد في نظره ليس تمييز الجيد من الرديء وإنما هو معرفة وتفسير بمعنى العالم والحياة بصفة عامة.
انطلاقا مما سبق يتضح جليا أن الأفكار التي طرحها سمير سرحان في هذا الكتاب لا تخرج عن نطاق الأفكار التي آمن بها ماتيو أرنولد في تصوره لعملية الإبداع الأدبي والشعري ولقضايا النقد الأدبي التي تقترب كثيرا من تصورات نظرية الأدب والنقد الأدبي بصفة عامة. وأما عن عنوان دراسته فقد جاء ملتبسا بمفهوم الموضوعاتية التي ظهرت متأخرة عن عصر أرنولد بقرن من الزمان تقريبا، وعلى ممارساتنا شتىنتحلى به في هذا الأساس شتان بين الموضوعية بوصفها مبدأ علميا الإنسانية، وبين الموضوعاتية وفي نظرتنا لمختلف مظاهر الحياة الأدبي، للنقد بوصفها منهجا نقديا في دراسة مختلف أشكال الوعي في النصوص الأدبية.
-
تعتبر هذه الحصة حصة أعمال موجهة مع طلبة السنة الثالثة ليسانس تخصص نقد ومناهج الفوج الأول، بحيث يقوم الطلبة بالتطبيق فيها من خلال إنجاز بحوث متسلسلة وفق البرنامج المسطر للمقياس والتقويم يكون في آخر الموسم بإنجاز إستجواب كتابي.
-
عنوان البحث: النقد الموضوعاتي عند غاستون باشلار
من إعداد:
الطالب إسحاق دحنون
الطالب سهيل بوغلوس
الطالب قشيش أيوب
ملخص البحث:
يُعد الفيلسوف والناقد الفرنسي غاستون باشلار (Gaston Bachelard) الأب الروحي لـ النقد الموضوعاتي، وهو منهج نقدي يغوص في أعماق النص الأدبي عبر استقصاء "التيمات" أو الموضوعات الكبرى المهيمنة (كالماء، النار، الهواء، المكان)، محاولاً فهم الرؤية الداخلية للعالم واللاشعور الجمعي للكاتب بعيداً عن التفسيرات التاريخية أو الخارجية الجافة.تتجلى أبرز ملامح النقد الموضوعاتي عند "باشلار" في النقاط التالية:- التحليل النفسي للعناصر الأربعة: انتقل باشلار من فلسفة العلوم إلى الأدب، محاولاً دراسة العلاقة بين اللاوعي الإنساني والعناصر الطبيعية، كما ظهر في دراساته الشهيرة مثل: التحليل النفسي للنار، والماء والأحلام، والهواء والأحلام.
- شعرية المكان: في كتابه الأيقوني جماليات المكان، أسس لنقد موضوعاتي يتتبع الأماكن المادية (كالبيت، الخزانة، الأدراج) ويحولها إلى فضاءات نفسية وشعرية محملة بالذكريات والأحلام.
- قصدية الخيال: يرى باشلار أن الخيال قوة مبدعة وحرة، وليست مجرد مرآة مشوهة للواقع أو انعكاساً لغرائز طفولية (كما يرى التحليل النفسي الكلاسيكي).
- تجاوز المنهج العلمي: يهدف نقد باشلار إلى دراسة "لحظة الإبداع" ذاتها، متجاوزاً التاريخ والسيرة الذاتية نحو استكشاف البعد الروحي والنفسي الذي يربط الشاعر بكونه.
لقد أثرت أطروحات باشلار بشكل عميق في تطور النقد المعاصر، حيث تفرعت عنها لاحقاً "مدرسة جنيف" النقدية وروادها مثل جورج بولي وجون بيار ريشار. -
عنوان البحث: النقد الموضوعاتي عند ويبر
من إعداد:
الطالبة بركان حنان
الطالبة لعرينونة أنفال
الطالبة قادري وصال
ملخص البحث:
النقد الموضوعاتي عند ويبر (جان بول ويبر) هو منهج نقدي يهدف إلى اكتشاف "الموضوعة الجوهرية" (التيمة) أو "الخلية الأصلية" التي تتولد منها جميع أعمال الكاتب. يركز هذا المنهج على الصور المتكررة والهواجس اللاواعية التي تتشكل غالباً في طفولة المبدع، لتصبح المحرك الخفي لنصوصه الكاملة.يتميز هذا المنهج بخصائص وإجراءات دقيقة، أبرزها:- الهوس والطفولة: يرى ويبر أن كل كاتب تحركه "أسطورة شخصية" أو عقدة نفسية تنبع غالباً من حدث أو صدمة في طفولته. يترجم الكاتب هذا الهاجس لا شعورياً إلى صور وأفكار تتكرر في مختلف أعماله.
- الخلية أو النواة المركزية: يعتمد على فكرة "الواحدية"، أي البحث في النص عن صورة ملحة ومتفردة (مثل: الغرق، الزمن، البرج) تعتبر بمثابة النواة أو الخلية الأصلية التي تتفرع منها باقي المعاني.
- التقاطع مع التحليل النفسي: يتسم المنهج بعلاقة وثيقة مع التحليل النفسي، حيث يستخدم مصطلحات ودلالات نفسية مثل: الرغبة، الحلم، الهاجس، والمعنى الخفي وراء المعنى الظاهري للنص.
- فك شفرات النص: يبتعد الناقد عن المعنى السطحي الظاهري للعمل الأدبي، ليغوص في البنيات العميقة والرمزية للكشف عن المعنى الدفين وراء اختيار المبدع لموضوع دون غيره.
- يعد الناقد الفرنسي جان بول ويبر من أبرز رواد هذا الاتجاه في النقد الفرنسي خلال ستينيات القرن العشرين، وقد تجلت تطبيقاته في دراسته لبنيات الوعي وأعمال كبار الأدباء مثل فيكتور هيغو.
-
عنوان البحث: النقد الموضوعاتي عند جون بيار ريشار
من إعداد:
الطالبة ناجري أحلام
الطالبة خولة بوحداين
ملخص البحث:
النقد الموضوعاتي عند ريشار هو مقاربة نقدية تهدف إلى فهم النص الأدبي من الداخل عبر الكشف عن "الموضوع" (Theme)، الذي يُعرّفه الناقد الفرنسي جان بيار ريشار (Jean-Pierre Richard) بأنه مبدأ تنظيمي أو ديناميكية داخلية تمنح عالم الكاتب وحدته وفرادته.يتميز هذا المنهج بعدة خصائص وإجراءات أساسية:1. مفهوم الموضوع عند ريشارلا يقصد ريشار بالموضوع المفهوم الواقعي أو الاجتماعي المباشر، بل يعتبره بنية خفية أو وعياً يربط بين الأشياء، والزمن، والأحاسيس. وهو يمثل الجوهر الروحي والخيال الذي تتولد منه دلالات النص.2. خصائص النقد الموضوعاتي- الاهتمام بالدلالة: يركز ريشار على المعاني والدلالات العميقة وليس على التقنيات الشكلية البحتة.
- الاستبطان الداخلي: يدعو إلى "الحلول" في النص والقراءة من الداخل لاستيعاب أبعاده، مع ربطه بشخصية الكاتب ورؤيته للعالم.
- الانفتاح المعرفي: لا يبتكر ريشار طرقاً مستقلة، بل يستعير أدواته من علوم أخرى كالفينومينولوجيا، والتحليل النفسي، والنفسية الشكلية (الجشطالت).
3. خطوات الإجراء النقديلتطبيق هذا المنهج، اتبع ريشار مساراً نقدياً يتلخص في:- القراءة المتأنية: استكشاف البنيات الداخلية لعمل أدبي أو مجموعة أعمال لكاتب ما.
- استخراج الثيمات: التنقيب عن الصور، والأفكار، والعلاقات المتكررة في النص.
- التجنيس والتوحيد: تجميع هذه التيمات المبعثرة في نسق كلي متجانس يكشف عن "محركات الخيال" التي تحكم عالم الكاتب.
يُعد ريشار من أبرز رواد "النقد الجديد" في فرنسا، ومن أشهر أعماله التي طبّق فيها هذا المنهج كتاب "العالم التخيلي لمالارميه"، حيث حوّل القصائد إلى شبكة من الرموز والمحركات النفسية والخيالية. للمزيد من التفاصيل حول نظريته، يمكنك الاطلاع على مقال النقد الموضوعاتي أو مطالعة أبحاثه المترجمة في هذا المجال. -
عنوان البحث: النقد الموضوعاتي عند جورج بولي
من إعداد:
الطالبة بن فارس دنيا
الطالبة فيلالي العاليا
الطالبة مغربي ملاك
ملخص البحث:
النقد الموضوعاتي عند الغرب جورج بوليه انموذجا :من المعلوم أن من أهم رواد المنهج الموضوعاتي وأبرزهم في الغرب نجد: جان بيير ريشار (Richard)، وجان روسيه (Rousset)، وجان ستاروبنسكي (Starobinski)، وإميل استيجر، وجوج بوليه (Poulet) ، وباستون باشلار (Bachelard)، و رولان بارت (Barthes) في مرحلته المبكرة، وأسماء أخرى كجان بول سارتر (Sartre) ورومان إنجاردان (Ingarden).وعليه، فباستون باشلار (Bachlard) يمثل الأب الروحي للنقد الموضوعاتي بعد أن كان فيلسوفا وابستمولوجيا، فلقد دخل الأدب بأعمال شاعرية هامة وهي كالتالي:1) التخيل الشاعري.2) لهيب شمعة.3) شاعرية الفضاء.4) شاعرية الحلم .5) العقلانية المطبقة.6) المادية العقلانية.7) الروح العلمية الجديدة.9) جدلية الاستمرار.ولا ننسى اهتمامه الموضوعاتي الكبير بعناصر الكون وصوره الأربعة: الماء و التراب و الهواء و النار. فقد اقتحم النقد الموضوعاتي من نافذته الفلسفية والابستمولوجية والشاعرية. إذ درس مجموعة من الصور الشعرية ذات البعد "التيماتي" بمقاربة فينومينولوجية تربط الذات بالموضوع باحثا عن مظاهر الوعي واللاوعي وترسباته السيكولوجية في الصور الشعرية. ولقد تناول "تيمة" الفضاء خصوصا الحميمي منه بطريقة شعرية إيحائية تستوحي الرؤيا الشعرية والتخييل الأدبي.هذا، وقد بلور باشلار "تيمات" ذات عنونة إيحائية تخييلية فائقة كالحلم والتخيل والزمن والماء والهواء والتراب والنار.ومن الذين تأثروا بباشلار (Bachlard) نستحضر جورج بولي (Poulet) الذي تناول الفضاء والزمن بأسلوب فلسفي ميتافيزيقي وحدسي ولاسيما في كتبه عن:1) دراسة حول الزمان الإنساني (1950)؛2) البعد الداخلي (1952)؛3) تحولات الدائرة (1961)؛4) الفضاء البروستي (1963).يمثل الاتجاه الأول جورج بوليه، وهو من النقاد الموضوعاتيين الذاتيين، ويرى أن هدف النقد هو "الوصول إلى معرفة صميمية بالعمل المنقود، وأنه لا يمكن بلوغ هذه الصميمية إلا داخل الفكر الناقد محل الفكر المنقود" . ويسمى هذا النوع من النقد لدى بوليه بالنقد "التطابقي" الذي يتطابق فيه وعي الناقد مع وعي المنقود.ويقارب بولي في مصنفاته الإبداع من زاوية فلسفية ذات نسق زمكاني ما ورائي بروح شاعرية كما فعل باستون باشلار (Bachelard) في شعرية الفضاء (La poétique de l’espace).هذا، وقد بين بولي (Poulet) في مداخلته في ندوة " الاتجاهات الحالية للنقد سنة 1966 م" ، والتي كتبها تحت عنوان (النقد الكشفي)، بأن مرسيل بورست Marcel Peoust) هو المؤسس الحقيقي للنقد الموضوعاتي، وتوصل إلى ذلك عبر عملية تجميع الصور في عمل بروست وربطها بين بعضها البعض اعتمادا على استدخال الوعي الذاتي في تحديد "التيمة" الكبرى وعملية توزيعها وتشعبها في الأثر الأدبي.ويضيف روسي (Rosset) في كتابه " الشكل والدلالة" الصادر سنة 1962م بأن الكاتب لا يكتب إلا ليعبر عن نفسه لا ليقول شيئا ما. وهذا ما يؤكد مدى الترابط بين الذات والموضوع على المستوى الشعوري والظاهراتي وتداخل السيكولوجيا مع الموضوعاتية.هذا، فإن القارئ الحقيقي حسب جان روسي (Rosset) هو: "الذي يباشر قراءة الإنتاج الأدبي في كل اتجاه: أي الذي يستطيع التعرف على المراحل الشكلية والعقلية، واقتفاء أثرها في شتى الأحوال، إلى أن تتضح لديه النقطة المركزية، أو المحور الأساسي الذي تشع في أعماقه كل البنيات، وسائر المعاني، أو ما يسميه بول كلوديل " بالعامل الدينامي"، حتى إذا فعل ذلك استفاد كثيرا، خصوصا عندما يكتشف في النهاية أن تلك البنيات الشكلية وتلك المعاني، تلتقي في نقطة معينة أساسها أن لكل بنية خيالية بنية شكليةومن رواد النقد الموضوعاتي أيضا نذكر جان ستاروبنسكي (J. Starobinski) في كتبه الثلاثة:1) الشفافية والعائق (1958).2) العين الحية (1961) (L’œil vivant).3) السخرية والسوداوية (1966). -
عنوان البحث: النقد الموضوعاتي عند ستاروبنسكي
من إعداد:
الطالبة شروق معمري
الطالبة فرنين فريال
ملخص البحث:
يُعد "جان ستاروبنسكي" (Jean Starobinski) أحد أبرز رواد النقد الموضوعاتي في فرنسا (ضمن تيار "نقد الوعي")، حيث جمع في مقاربته بين التحليل النفسي (السيكولوجي) والفلسفة الظواهرية. ينطلق مشروعه النقدي من البحث عن "الموضوع المركزي" أو "البنية الخفية" التي تدير العمل الأدبي وتفسر الظاهر منهتتلخص أبرز ملامح النقد الموضوعاتي عند ستاروبنسكي في النقاط التالية:- ناقد الأعماق: لا يقف عند حدود الشكل الخارجي (كما تفعل البنيوية)، بل يغوص في أعماق النص للكشف عن الدوافع الخفية والرغبات العميقة التي يعبر عنها الكاتب بوعي أو بغير وعي.
- دراسة التيمات والنظرة: يركز على استنباط تيمات (موضوعات) مركزية يفسر من خلالها مجموع أعمال الأديب، مثل: تيمة "الشفافية"، "السوداوية"، أو "النظرة".
- إشكالية المسافة النقدية: يرى ستاروبنسكي أن الناقد لا ينبغي أن يذوب كلياً داخل النص، بل يضطر للابتعاد عنه قليلاً ليتمكن من تقييمه وفهمه بمنظور بانورامي شامل.
من أهم دراساته وكتبه النقدية:- الشفافية والعائق (1958): دراسة نقدية تطبيقية لأعمال "جان جاك روسو".
- العين الحية (1961): تتبع فيها دلالات "النظرة" وكثافة الرغبة في نصوص أدبية مختلفة.
- السخرية والسوداوية (1966): أطروحة تعالج تقلبات المشاعر الإنسانية في الأدب.
-
عنوان البحث: النقد الموضوعاتي عند عبد الكريم حسن
من إعداد:
الطالبة بوثلجة لينا
الطالبة مروة عياش
ملخص البحث:
يُعدّ الناقد "عبد الكريم حسن" من أبرز رواد النقد الموضوعاتي (الموضوعاتية) في الساحة العربية. وقد أسّس مشروعه النقدي عبر كتابه الرائد "الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب"، حيث انتقل بالموضوعاتية من مجرد انطباعات وتفسيرات خارجية إلى منهج تحليلي دقيق يربط بين فلسفة النقد ونصوص الإبداع.مفهوم النقد الموضوعاتي عنده- العائلة اللغوية: يُعرّف "حسن" الموضوع بأنه "مجموعة المفردات التي تنتمي إلى عائلة لغوية واحدة" داخل النص.
- البعد الحلولي: يرى أن القراءة الموضوعاتية قراءة "حلولية"، تسعى لاكتشاف السجل الكامل للموضوعات في النص بمعزل عن السيرة الذاتية للكاتب أو السياقات التاريخية والاجتماعية الخارجية.
- التركيز على التيمة: يهدف المنهج إلى استخلاص "التيمات" أو الثيمات الكبرى المهيمنة (مثل: الموت، الثورة، الحب، المرض) وتحليل أبعادها.
مرتكزاته المنهجية- الابتعاد عن الانطباعية: أسس نظريته لتجاوز القراءات المضمونية السطحية التي تفتقد للتصور الفلسفي أو المنهجي.
- التكامل البنيوي: دمج بين الموضوعاتية والمنهج البنيوي، حيث تتتبع موضوعات النص وتدرس علاقاتها وتفاعلاتها الباطنية بعيداً عن المؤثرات الخارجية.
التطبيق العمليبرزت تطبيقاته النقدية بوضوح في تحليله لشعر "بدر شاكر السياب"، حيث أثبت أن موضوعات السياب الكبرى (الموت، المرض، الأمل، البعث) تشكل نسقاً داخلياً متكاملاً تخضع لقانون دلالي ونفسي يحكم البناء الفني لقصائده. -
عنوان البحث: النقد الموضوعاتي عند حميد الحمداني
من إعداد:
الطالبة أوقوشيح بشرى
الطالبة بن هني مروة
ملخص البحث:
يهدف النقد الموضوعاتي إلى استقراء التيمات الأساسية الواعية واللاواعية للنصوص الإبداعية المتميزة ، وتحديد محاورها الدلالية المتكررة والمتواترة ، واستخلاص بنياتها العنوانية المدارية تفكيكا وتشريحا وتحليلا عبر عمليات التجميع المعجمي والإحصاء الدلالي لكل القيم والسمات المعنوية المهيمنة التي تتحكم في البنى المضمونية للنصوص الإبداعية.من النقاد العرب نجد سعيد يقطين واصفا الخطاب الروائي المغربي الجديد على ضوء رؤية تيماتية قائلا : " وفي العالم الروائي الذي بين أيدينا نجد "تيمات" أساسية كثيرة لها دلالاتها البعيدة لمن يريد قراءة الرواية قراءة "تيمية" (thématique)"التيماتية" عند سعيد يقطين عندما يقول: " إن "التيمة" (thème) كما يرى برنار دوبربي (B.Dupriez) هي الفكرة المتواترة في العمل الأدبي، وتستعمل أحيانا بمعنى الحافر الكثير التواتر. غير أن "التيمة" أكثر عمومية وتجريداومن أهم نقاد المقاربة الموضوعاتية لابد من ذكر كل من : الكاتب المغربي عبد الفتاح كليطو في رسالته الجامعية : " موضوعاتية القدر في روايات فرانسوا مورياك" التي قدمت باللغة الفرنسية لتناقش بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1971م، والكاتبة السورية كيتي سالم في رسالتها الجامعية عن " موضوعاتية القلق عند غي دي موباسان " والتي قدمتها بالفرنسية إلى السوربون سنة 1982م، و العراقي عبد الكريم حسن صاحب:" الموضوعية البنيوية ، دراسة في شعر السياب"،وعلي شلق في كتبه:" القبلة في الشعر العربي القديم والحديث"، و"المتنبي شاعر ألفاظه تتوهج فرسانا تأسر الزمان" ، و" ابن الرومي في الصورة والوجود" ، و" أبو العلاء المعري والضبابية المشرقة" ، وسعيد علوش في كتابه: " النقد الموضوعاتي" ، وحميد لحميداني في كتابه: " سحر الموضوع" ، وجوزيف شريم في مقاله:" الاتجاهات النقدية النفسانية"، وسعيد يقطين في كتابه:" القراءة والتجربة" على الرغم من انطلاقه منهجيا من التحليل البنيوي السردي.وثمة كتب أخرى تقترب من النقد الموضوعاتي إن مضمونا وإن شكلا على الرغم من عدم وجود مستندات نظرية ومنهجية توضح طبيعة المقاربة ونوع النقد المنهجي المطبق .ومن هذه الدراسات التي أوردها الدكتور حميد لحميداني في كتابه: " سحر الموضوع" نورد اللائحة التالية:· فؤاد دوارة: في الرواية المصرية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، طبعة 1968م؛· محمد مصايف: الرواية العربية الجزائرية الحديثة بين الواقعية والالتزام، الدار العربية للكتاب، والشركة الوطنية للنشر والتوزيع بالجزائر ، طبعة 1983م؛وعلى الرغم من كثرة الدراسات الموضوعاتية الموجودة في الساحة النقدية العربية، فهي أقرب إلى الدراسات المضمونية التي تفتقد إلى التصور النظري والمنهجي والفلسفي والإبستمولوجي بالمقارنة مع الدراسات الموضوعاتية الغربية. ولكن يبقى عمل عبد الكريم حسن المنصب حول شعر السياب ، ودراسات عبد الفتاح كليطو التأويلية، وأبحاث علي شلق، ودراسة سعيد علوش لقصيدة " الحرب" لياسين طه حافظ من أهم الدراسات الموضاعاتية الحقيقية التي تنطلق من تصورات منهجية ذات خلفية فلسفية ومنهجية دقيقة ومحكمة. -
عنوان البحث: النقد الموضوعاتي عند سعيد عبد اللي
من إعداد:
الطالبة يوستة لويزة
الطالبة تشكاوي وئام
ملخص البحث:
يهدف النقد الموضوعاتي إلى استقراء التيمات الأساسية الواعية واللاواعية للنصوص الإبداعية المتميزة ، وتحديد محاورها الدلالية المتكررة والمتواترة ، واستخلاص بنياتها العنوانية المدارية تفكيكا وتشريحا وتحليلا عبر عمليات التجميع المعجمي والإحصاء الدلالي لكل القيم والسمات المعنوية المهيمنة التي تتحكم في البنى المضمونية للنصوص الإبداعية.من النقاد العرب نجد سعيد يقطين واصفا الخطاب الروائي المغربي الجديد على ضوء رؤية تيماتية قائلا : " وفي العالم الروائي الذي بين أيدينا نجد "تيمات" أساسية كثيرة لها دلالاتها البعيدة لمن يريد قراءة الرواية قراءة "تيمية" (thématique)"التيماتية" عند سعيد يقطين عندما يقول: " إن "التيمة" (thème) كما يرى برنار دوبربي (B.Dupriez) هي الفكرة المتواترة في العمل الأدبي، وتستعمل أحيانا بمعنى الحافر الكثير التواتر. غير أن "التيمة" أكثر عمومية وتجريداومن أهم نقاد المقاربة الموضوعاتية لابد من ذكر كل من : الكاتب المغربي عبد الفتاح كليطو في رسالته الجامعية : " موضوعاتية القدر في روايات فرانسوا مورياك" التي قدمت باللغة الفرنسية لتناقش بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1971م، والكاتبة السورية كيتي سالم في رسالتها الجامعية عن " موضوعاتية القلق عند غي دي موباسان " والتي قدمتها بالفرنسية إلى السوربون سنة 1982م، و العراقي عبد الكريم حسن صاحب:" الموضوعية البنيوية ، دراسة في شعر السياب"،وعلي شلق في كتبه:" القبلة في الشعر العربي القديم والحديث"، و"المتنبي شاعر ألفاظه تتوهج فرسانا تأسر الزمان" ، و" ابن الرومي في الصورة والوجود" ، و" أبو العلاء المعري والضبابية المشرقة" ، وسعيد علوش في كتابه: " النقد الموضوعاتي" ، وحميد لحميداني في كتابه: " سحر الموضوع" ، وجوزيف شريم في مقاله:" الاتجاهات النقدية النفسانية"، وسعيد يقطين في كتابه:" القراءة والتجربة" على الرغم من انطلاقه منهجيا من التحليل البنيوي السردي.وثمة كتب أخرى تقترب من النقد الموضوعاتي إن مضمونا وإن شكلا على الرغم من عدم وجود مستندات نظرية ومنهجية توضح طبيعة المقاربة ونوع النقد المنهجي المطبق .ومن هذه الدراسات التي أوردها الدكتور حميد لحميداني في كتابه: " سحر الموضوع" نورد اللائحة التالية:· فؤاد دوارة: في الرواية المصرية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، طبعة 1968م؛· محمد مصايف: الرواية العربية الجزائرية الحديثة بين الواقعية والالتزام، الدار العربية للكتاب، والشركة الوطنية للنشر والتوزيع بالجزائر ، طبعة 1983م؛وعلى الرغم من كثرة الدراسات الموضوعاتية الموجودة في الساحة النقدية العربية، فهي أقرب إلى الدراسات المضمونية التي تفتقد إلى التصور النظري والمنهجي والفلسفي والإبستمولوجي بالمقارنة مع الدراسات الموضوعاتية الغربية. ولكن يبقى عمل عبد الكريم حسن المنصب حول شعر السياب ، ودراسات عبد الفتاح كليطو التأويلية، وأبحاث علي شلق، ودراسة سعيد علوش لقصيدة " الحرب" لياسين طه حافظ من أهم الدراسات الموضاعاتية الحقيقية التي تنطلق من تصورات منهجية ذات خلفية فلسفية ومنهجية دقيقة ومحكمة. -
عنوان البحث: النقد الموضوعاتي عند سيمر سرحان
من إعداد:
الطالبة بوزيدي عقيلة
الطالب بوعمامة رفيق
ملخص البحث:
الموضوعية: هي أن يعتمد الناقد في الحكم على العمل الأدبي على الأسس والقواعد العلمية. ولا يتبع فيه الناقد بعاطفته وذوقه ولا أي شيء، بل يكون نقده علميا خالصا بحت، يرى الشيء كما هو على حقيقته. ويكون ذالك العمل الأدبي كائنا مستقلا له شخصيته وتعبيره المستقل.
عرفها د سمير سرحان: ”شرح الأعمال الأدبية وتفسيرها من داخلها وبوصفها كائنات عضوية مستقلة عن نفس الشاعر وأهوائه وميوله الشخصية، كما هي مستقلة عن نفس الناقد وأهوائه وميوله الشخصية.“
”النقد الموضوعي الذي يقول بأن الأصل في كل نقد هو تطبيق أصول مرعية، وقواعد عقلية لا تترك مجالا لذوق شخصي أو تحكم فردي.“
النقد عند العرب: ظهر النقد عند العرب منذ قديم الزمان، حيث كان الشعراء يحكمون على أشعار الشعراء مثل امرئ القيس وخنساء وحسان بن ثابت. ومن أشهرهم النابغة الذبياني الذي كانت تضرب له قبة في سوق عكاظ، فكان يحكم على الأشعار حسب ذوقه الشخصي وتأثره الذاتي. ويتطور هذا النقد التأثري مع مرور الزمان، حتى تأثر النقاد العرب بنظريات النقاد الغربين، فأخذوا يستوردون الأسس والمعايير الغربية ويطبقونها على الآداب العربية، ووضعوا أسسا ومعايير للنقد. ومن أشهر الأدباء الذين اهتموا بمجال النقد هم: الجاحظ، والمبرد، وابن سلام الجمحي وغيرهم. ولكن رغم تطور هذه الأسس والمعايير للنقد، كان للذوق الأدبي والتأثر الذاتي من الناقد يمتلك أهمية كبيرة في عملية النقد.
وفي العصر الأدبي الحديث، دخلت مناهج جديدة في النقد. وهي تنقسم إلى المناهج التقليدية، والمناهج الحداثية، والمناهج ما بعد الحداثية.
- المناهج التقليدية تشتمل على المناهج التاريخية، والاجتماعية، والنفسية والانطباعية أو التأثرية.
- المناهج الحداثية تشتمل على المناهج البنيوية (موت المؤلف)، والأسلوبية، والموضوعية.
- المناهج ما بعد الحداثية تشتمل على المناهج التفكيكية، والسيميائية ونظرية المتلقي.
نشأ النقد أول ما نشأ ذاتيا كما نجد في العصر الجاهلي والإسلامي، في حكم النابغة الذبياني على أشعار الخنساء، ونقد أم جندب على أشعار امرئ القيس وعلقمة الفحل، وتفضيل سيدنا عمر النابغة الذبياني على الشعراء، وتفضيل علماء الكوفة الأعشى على من في طبقته، وعلماء البصرة امرئ القيس، وأهل الحجاز زهير.
النقد الموضوعي: في العصر الحديث، أدرك النقاد أن النقد الذاتي أو التأثري يخلق الفوضى، ويخرب المعايير، ويشوه الذوق حيث يتبع النقاد بأهوائهم الشخصية وميولهم الذاتية في الحكم على أي عمل أدبي. فنشأت المحاولات وبذلت الجهود لكي يخضع النقد للأسس العلمية والمعايير الثابتة، فتطور النقد الموضوعي.
-
عنوا البحث: النقد الموضوعاتي عند سعيد علوش
من إعداد:
الطالبة سمصار فريدة
الطالبة فضايلاين آسيا
ملخص البحث:
يهدف النقد الموضوعاتي إلى استقراء التيمات الأساسية الواعية واللاواعية للنصوص الإبداعية المتميزة ، وتحديد محاورها الدلالية المتكررة والمتواترة ، واستخلاص بنياتها العنوانية المدارية تفكيكا وتشريحا وتحليلا عبر عمليات التجميع المعجمي والإحصاء الدلالي لكل القيم والسمات المعنوية المهيمنة التي تتحكم في البنى المضمونية للنصوص الإبداعية.من النقاد العرب نجد سعيد يقطين واصفا الخطاب الروائي المغربي الجديد على ضوء رؤية تيماتية قائلا : " وفي العالم الروائي الذي بين أيدينا نجد "تيمات" أساسية كثيرة لها دلالاتها البعيدة لمن يريد قراءة الرواية قراءة "تيمية" (thématique)"التيماتية" عند سعيد يقطين عندما يقول: " إن "التيمة" (thème) كما يرى برنار دوبربي (B.Dupriez) هي الفكرة المتواترة في العمل الأدبي، وتستعمل أحيانا بمعنى الحافر الكثير التواتر. غير أن "التيمة" أكثر عمومية وتجريداومن أهم نقاد المقاربة الموضوعاتية لابد من ذكر كل من : الكاتب المغربي عبد الفتاح كليطو في رسالته الجامعية : " موضوعاتية القدر في روايات فرانسوا مورياك" التي قدمت باللغة الفرنسية لتناقش بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1971م، والكاتبة السورية كيتي سالم في رسالتها الجامعية عن " موضوعاتية القلق عند غي دي موباسان " والتي قدمتها بالفرنسية إلى السوربون سنة 1982م، و العراقي عبد الكريم حسن صاحب:" الموضوعية البنيوية ، دراسة في شعر السياب"،وعلي شلق في كتبه:" القبلة في الشعر العربي القديم والحديث"، و"المتنبي شاعر ألفاظه تتوهج فرسانا تأسر الزمان"، و" ابن الرومي في الصورة والوجود" و" أبو العلاء المعري والضبابية المشرقة" ، وسعيد علوش في كتابه: " النقد الموضوعاتي" ، وحميد لحميداني في كتابه: " سحر الموضوع" ، وجوزيف شريم في مقاله:" الاتجاهات النقدية النفسانية"، وسعيد يقطين في كتابه:" القراءة والتجربة" على الرغم من انطلاقه منهجيا من التحليل البنيوي السردي.وثمة كتب أخرى تقترب من النقد الموضوعاتي إن مضمونا وإن شكلا على الرغم من عدم وجود مستندات نظرية ومنهجية توضح طبيعة المقاربة ونوع النقد المنهجي المطبق .ومن هذه الدراسات التي أوردها الدكتور حميد لحميداني في كتابه: " سحر الموضوع" نورد اللائحة التالية:· فؤاد دوارة: في الرواية المصرية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، طبعة 1968م؛·












