المحاضرة الثانية: مصادر المقاربة الموضوعاتية
Résumé de section
-
المحاضرة الثانية: مصادر المقاربة الموضوعاتية
تتعدد مصادر المقاربة الموضوعاتية وروافدها ومرجعياتها، حيث تهيمن الذات وتتمركز في صلب هذه المرجعيات المختلفة التي رفدتها وأمدتها بالأدوات النقدية والإجرائية، ومنها:
1-الرفد الفينومينولوجي:
شكلت الفلسفة الفينومينولوجية أو الظاهراتية phenomenology مصدر إشعاع فكري ومعرفي استمدت منه المقاربة الموضوعاتية أبرز مقولاتها النقدية، وأهم أدواتها الإجرائية والتحليلية؛ ذلك لأن هذه الفلسفة تدعو إلى الربط بين الذات والموضوع؛ أي إنها تتوجه إلى إدراك الموضوع من خلال الذات التي ينحصر اهتمامها ويتجه شعورها وقصديتها إلى موضوع مركزي واحد تدور حوله وفي فلكه، وبذلك تسعى الفينومينولوجيا إلى قراءة الوعي وإدراكه من خلال تأثير الذات وإدراكها وعواطفها وانفعالاتها.
وفي هذا الصدد نستحضر مقولة هوسرل رائد هذه الفلسفة؛ إذ يقول: "إن كل وعي هو وعي بشيء ما. " وبمعنى آخر "أ ن كل وعي أو كل شعور هو وعي بشيء أو موضوع ما." وهو وفق هذا الطرح والتصور يخالف "ديكارت" في مقولته الشهيرة: "أنا أفكر، إذن أنا موجود. " لتنقلب المعادلة وتصير "أنا أفكر في شيء مقصود )موضوع(، إذن أنا موجود." من هذا المنطلق تختص الظاهراتية بالكشف عن "الموضوع كما يُدرك، والموضوع كما يتخيل، والموضوع كما يُراد. " وبمعنى آخر فهي تسعى إلى تقديم تصور عن الموضوع والوجود كما تتمثله وتدركه الخبرة الذاتية، لأن وعي الإنسان بنفسه من منظور الفلسفة الظاهراتية يجب أن يمر أولا بوعيه بالعالم، بخلاف الفلسفة العقلية الديكارتية التي تنطلق في تحديد مسألة الوعي من وعي الإنسان بنفسه، لينتهي بعد ذلك إلى تحقيق وعيه بالعالم. فهي تؤسس تصوراتها وتبني إدراكها لأشياء على العقل وحده، وترفض شهادة الحواس كأداة معرفية؛ لأنها تخدعنا أحيانا، وليست مصدر ثقة في نظر ديكارت؛ ولأنها كثيرا ما تكون عرضة للأوهام والتخيلات الخاطئة والمزيفة.
وفي هذا الصدد يضرب "ديكارت" مثالا عن الحلم الذي الإنسان يعتقد بأنه يعيشه حقيقة؛ لكنه في الحقيقة غير ذلك، وقياسا على هذا يرى "ديكارت" أن ما نحس به ونستشعره قد يكون مجرد حلم كبير. ويضرب مثالا آخر على إثبات وجود الذات وامتدادها وديمومتها في الفكر قبل الجسم والشكل بقطعة الشمع التي يرى أنها عندما تتعرض للحرارة والذوبان يختفي لونها وشكلها وملمسها ويبقى أثرها وامتدادها وماهيتها في الفكر؛ فالفكر وحده من يمتلك القدرة على إدراك ماهية الأشياء ووجودها المادي والمحافظة على ثباتها وديمومتها، التي يستمدها من فكرة الامتداد نفسها، لا من الحواس )اللون والرائحة والملمس والشكل( التي ليس بمقدورها أن تبقي على هوية شيء ثابتة وقارة؛ لذلك لم تعد مصدر ثقة بالنسبة لديكارت، لأنها متغيرة ومتبدلة.
وبهذا يكون العقل وحده أساس إدراك الذات ووجودها وهويتها، وهو معنى أنا أفكر، أنا موجود؛ أي إن الذات توجد لحظة التفكير، ولا ينبغي أن نشكك في وجودها؛ لأن الذي يفكر هو الذات.
أفضى قلب هذه المعادلة الديكارتية )أنا أفكر، إذن أنا موجود( إلى بلورة المعادلة الفينومينولوجية كل وعي هو وعي بشيء ما التي قادت إلى بناء تصور منهجي وعلمي في دراسة النصوص الأدبية والكشف عن مختلف أبعادها الجمالية والمضمونية عرف "بالمنهج الموضوعاتي" الذي يستند إلى هذه الفلسفة الفينومينولوجية وإلى أفكارها وطروحاتها المنبثقة من المعادلة الهوسرلية السابقة، التي وجدت صداها في بعض المعاجم والموسوعات الفلسفية وفي بعض التعريفات النقدية التي يمكن استحضارها في هذا السياق، من أجل توكيد العلاقة الحميمية بين الفلسفة الفينومينولوجية والنقد الموضوعاتي.
يرى عبد الرحمان بدوي في موسوعته الفلسفية أن الفينومينولوجيا تعد منهجا...وهذا المنهج يقوم على رؤية الماهية في الشعور. في سبيل ذلك يستقرئ كل المعاني التي ترتبط بمفهوم ما، ابتغاء أن يستخلص منها هذه الماهية التي يسعى "إلى رؤيتها... والمنهج الواجب اتباعه يشتمل على خطوتين معياريتين...تقوم الأولى في التخلص من الأحكام السابقة...وتقوم الخطة الثانية في الالتجاء إلى العيان المباشر بوصفه الوسيلة الوحيدة القادرة على إدراك الواقع في صفائه المحض. "
بينما يؤكد جيرار دوروزوا Durozoi Gérard بأن "الظاهراتية في مفهومها العام تعني دراسة وصفية لمجموعة من الظواهر. وتعني في الفلسفة المعاصرة، حركة فلسفية دشنها هوسرل، من أجل التأسيس لفلسفة فعالة قادرة بدورها على التأسيس لعلوم خاصة ومحددة. ومن أجل هذا يجب الرجوع دائما إلى الأشياء نفسها بهدف القبض على المعاني ذلك لأن هوسرل لم يريد بناء نظام وإنما أراد فقط وصف ما نستطيع مشاهدته باتباع طريقة معينة
وفي الحقيقة أن التعريفين السابقين، ليسا إلا مجرد إعادة وتكرار لكلام هوسرل عن وظيفة الفينومينولوجيا ودورها الذي يختصره قوله: "أحاول فقط أن أرى وأن أصف ما أرى."
وهذا فضلا عن توكيدها على أسبقية الشيء في الوجود عن معناه، كون أن الإنسان هو الذي يقدم للشيء معنى بعد ظهوره وإدراكه له. وفي هذا النطاق توجب التمييز "بين الشيء كذات مستقلة، وبين ظهور هذا الشيء في وعينا؛ فظهور الشيء في وعينا هو حالة من حالات وعينا بهذا الشيء، لأن ظهوره لنا يتغير بتغير المكان والزمان، بينما الشيء يبقى واحدا غير متعدد؛ ومعنى هذا أن الوعي بالشيء الواحد هو وعي متحرك ومتعدد. وهكذا نجد موضوعاتية نص أدبي ما، هي موضوعاتية واحدة بينما تختلف صور تجليها في وعي الكاتب، ومن ثم أشكال تجسيد هذا الوعي في النص الإبداعي. "
بناء على ذلك يؤسس النقد الموضوعاتي منطلقاته التحليلية على قراءة العوالم الموضوعية لدى الكتاب والمبدعين، ومحاولة الوعي بها، وإدراكها إدراكا حسيا، والسعي إلى تحسس صورها وتخيلاتها ومختلف علاقاتها المعجمية والمعنوية والدلالية. من هذا المنطلق "تبدو استفادة النقاد الموضوعاتيين من الفلسفة الظاهراتية جلية من خلال المبدأ الرئيسي الذي أسسوا عليه منهجهم، والمتمثل في إقرارهم بتأخر الوعي عن موضوعه. وهذا يعني في مجال الإبداع الأدبي أن النص، [بوصفه] وعيا، هو نتيجة توالدت من موضوع محدد ودقيق، وهو ما سبق تلخيصه في فكرة )كل وعي هو دائما وعي بشيء ما(؛ وهذا الشيء في مجال الأدب هو الموضوعاتية. أما الوعي فهو وعي الكاتب بهذه الموضوعاتية وقد جسدها نصا إبداعيا. وبهذا تتضح مهمة النقد الموضوعاتي التي تتمثل في القيام بتحليل النص الأدبي [بوصفه] وعيا فنيا، بهدف استكشاف موضوعاتيته، أي ما سبق التعبير عنه بشيء ما. "
ولعل ذلك ما دفع بعبد الكريم حسن إلى توضيح الطريقة أو الكيفية التي يتجسد بها الواقع في الوعي، من خلال استحضاره لهذا المثال التوضيحي عن اللون الأبيض الذي ليس -في نظره- "وقفا على لون الثلج، ولكنه يتعدى ذلك إلى ما يصعب حصره من المواد، كالسوسن والقطن وأوراق الكتاب. وكل لغة تأتي لتعبر عن هذا اللون بالمفردات الخاصة بها. إن هذه المفردات وتلك المواد ليست إلا مظاهر يتجلى بها جوهر واحد هو الأبيض. وما تبحث عنه الظاهراتية هو الوصول إلى الجواهر عبر المظاهر. "
-2الرافد البنيوي
تعد البنيوية هي الأخرى منطلقا مركزيا في التحليل الموضوعاتي، حيث أمدته بأدواتها الإجرائية والمفاهيمية، ويظهر ذلك بجلاء من خلال استعارته مفاهيم البنية والشكل والنص والمعجم والمحايثة والتراكيب...وغيرها. وفي هذا الصدد يؤكد جان بيير ريشار على مدى الإفادة الكبيرة للنقد الموضوعاتي من البنيوية، إلى درجة أنه يعده "تجوالا في النص. " وهو بهذا يجعلنا نستحضر تلك المقولة الشهيرة عند البنيويين التي تؤكد على "النص ولاشيء خارج النص"، الذي يعد مدار اهتمام البنيويين ويشكل بؤرة اشتغالهم ودراستهم الشكلية المحايثة.
لقد تجلى التأثير البنيوي في حقل المقاربة الموضوعاتية بصورة واضحة وجلية مع الموضوعاتية البنيوية لدى كل من جون بيير ريشار وعبد الكريم حسن في مختلف دراساتهم النقدية والتطبيقية.
يمكننا في هذا الإطار أن نتبين بعض أوجه هذا التأثير من خلال مفهومي الكلية ورؤية العالم البنيويين اللذين يشكلان رؤية موضوعية واحدة تختزل العوالم الإبداعية لدى الأدباء وتلخصها "في موضوع واحد كلي متجذر في أعماق الأديب، ينتظم عالمه المتخيل...وفي الحالة الموضوعاتية.
تتحول رؤية العالم من صيغتها السوسيولوجية الطبقية إلى صيغة ذاتية عن حالة الوعي بشيء من تفسير الكون المتخيل لدة الكاتب وتعبر عن أشيائه.
3-الرافد السيكولوجي:
يشكل التحليل النفسي ركيزة أساسية ينطلق منها النقد الموضوعاتي ويقيم عليها معظم تحليلاته وتحديداته للموضوعات والتيمات المتغلغلة والمضمرة ضمن البنيات النصية والأدبية، ومن هذا المنطلق فقد يم˘كن التحليل النفسي الناقد الموضوعاتي من التعمق داخل البنية النفسية للعمل الأدبي بهدف القبض على تيماته المتواترة والإمساك بموضوعاته المتكررة والمهيمنة. ويمكن فيما يلي أن نرصد بعض النقاط التي تدل على إفادة النقد الموضوعاتي من التحليل النفسي:
-انطلاق النقد الموضوعاتي من ذاتية الكاتب ونفسيته التي يتمحور تركيزها وترددها حول خدمة موضوع محدد وتيمة معينة. ولعل ذلك قد وجد صداه في تلك الصيحات المبكرة التي أشار إليها الناقد النفساني الشهير "شارل مورون" Moron Charles في أطروحته المتميزة )من الاستعارات الملحة إلى الأسطورة الشخصية: مدخل إلى النقد النفساني(، حيث لاحظ تسرب بعض الأفكار التحليلية النفسية إلى ساحة النقد الموضوعاتي وبخاصة ملمح الأنا العميق الذي تركز عليه الموضوعاتية. فضلا عن ملاحظته لأعمال غاستون باشلار بأنها تقوم على تحليل نفسي علمي.
-يتأكد ذلك الإمداد المعرفي، وتلك العلاقة الحميمية بين النقد الموضوعاتي والتحليل النفسي، من خلال القناعات الراسخة لدى أبرز رواد النقد الموضوعاتي الذين يفهمون الموضوع فهما سيكولوجيا، وهو ما أشار إليه ج.ب. ويبر weber paul jean الذي يرى أن "الموضوع يتأصل في الذكريات الأولى للطفولة، فهو ذو بنية معقدة غالبا، كثيرا ما تقتضي إطارا موضوعاتيا، يمتد الحدث الأصلي ضمنه. "
أما ج.ب.ريشار فيرى بأن "الجذر، في مختلف الأحوال يبقى مرادفا للمركب أو العقد في قاموس التحليل الفرويدي. "
كما نجده يصرح بشكل واضح "أن النقد الموضوعي الذي يكشف هنا عن معنى الرغبة، إنما يستجوب علاقته القوية بالتحليل النفسي وعلم الدلالة. "
وعن التعريفين الأول والثاني يرى الباحث يوسف وغليسي بأن كليهما "يستدعي الولوج إلى الأعماق النفسية للمبدع. "
وبالإضافة ويبر وريشار، نجد جون ستاروبنسكي Starobinski Jean أحد أعمدة النقد الموضوعاتي كان طبيبا نفسانيا، مما دعاه إلى المراهنة على حضور التحليل النفسي في ممارساته النقدية الموضوعاتية، وقد بدا ذلك جليا في كتابه
)العلاقة النقدية( critique relation La الذي يتضمن فصلا تحت عنوان: (التحليل النفسي والأدب.(
-4-الرافد الرومنسي:
قادت مراهنة الرومنسية على مبدأ الذات أو الذات الحساسة في إنتاج العمل الفني جل المهتمين بالنقد الموضوعاتي إلى اعتماد هذه المبدأ في اشتغالاتهم الموضوعاتية؛ ذلك لأن الرومنسية "نظرت إلى العمل الفني بحد ذاته على أنه ثمرة إبداعية أصيلة بفعل الوعي الوجداني الشخصي. "
ومن ثمة يغدو الاهتمام الموضوعاتي مزيجا مركبا بين تجربة المبدع الوجدانية وبين بنية شكلية تؤول دائما إلى وعي هو وعي الذات؛ لذلك فقد رأى ستاروبنسكي أن العمل الأدبي هو "تزامن لبنية ما ولفكر ما مزيج من شكل وتجربة يتضامن تكونها." أما دانيال برجز Berger Daniels فينتهي إلى القول "بأن النقد الموضوعاتي هو إيديولوجيا ابن الرومنسية."
المصادر والمراجع:
1-يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري)بحث في ثوابت المنهج وتحولاته العربية ومحاولات لتطبيقه(
2- يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري )كلام المنهج..فعل الكلام.(
3-محمد السعيد عبدلي، المنهج الموضوعي في النقد الأدبي: أسسه وإجراءاته. –
4-عبد الكريم حسن، المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق.
5-حميد لحمداني، سحر الموضوع.
6 -سعيد علوش، النقد الموضوعاتي.
7-محمد عزام، المنهج الموضوعي في النقد الأدبي.
8-مجلة دارسات سيمائية أدبية لسانية، العدد04
9-مجلة الموقف الأدبي، ع403، منشو ارت اتحدا الكتاب العرب.