Résumé de section

  • المحاضرة الرابعة: آليات المقاربة الموضوعاتية 2:

    بالإضافة إلى ما سبق ذكره من آليات ومفاهيم متعلقة بالمقاربة الموضوعاتية يسوق الباحث محمد السعيد عبدلي بعض الأدوات والمفاهيم الأخرى التي يرتكز عليها المنهج الموضوعاتي ويحصرها في الإجراءات الآتية:

    -1الحلولية:

    يرى ريشار بأنه يجب على الناقد الموضوعاتي أن ينطلق من داخل النص وأن يحل فيه، وهو بذلك يلتقي مع آراء البنيويين في نظرتهم إلى النص، وبالأخص رولان بارت الذي ترجع إليه المقولة الشهيرة "موت المؤلف." فمن هذا المنطلق يؤكد ريشار على أنه ينبغي للناقد أن يجعل النص الأدبي مركز اهتمامه وبؤرة اشتغاله، "منه ينطلق، وفيه يتحرك، وإليه يعود...وأن على نص ما أن يقرأ من الداخل حتى يستوعب." يقول ريشار":إن الكاتب، أو حقيقة الشاعر توجد في أدبه." ويقول أيضا":إن الكاتب يوجد خارج العمل المنقود." وتجدر الإشارة هنا إلى أن فكرة الحلول في النص ليس معناها "قطع الصلة كلية بالظروف الخارجية، من مجتمع ومؤلف، لأن ذلك ليس أمرا ممكنا إلا بقدر معين؛ بل تكون الاستعانة بهذه الظروف في بعض المرات مفيدة لبناء قراءة.

    وهو ما يؤكده قول ريشار":وعلى الرغم من أننا لا ننفي هذه العوامل الخارجية، إننا نضعها على المستوى الذي نضع فيه منهجنا- بين قوسين لأنها لا تنبثق من داخل النص الأدبي."

    -2حرية المدخل:

    لا يقدم النقد الموضوعاتي طريقة منهجية صارمة ومرسومة سلفا تساعد الناقد على التحليل، بقدر ما  توكل مهمة الولوج إلى النص ومقاربته إلى الناقد نفسه، فهو ليس مجبرا أو مقيدا في اختيار الزاوية التي يعالج من خلالها النص الأدبي؛ إذ ينطلق بكل حرية في التوغل إلى أعماقه من أجل اكتشاف أسراره ودفائنه، وبهذا تختلف أوجه النظر ومنطلقات التحليل النقدي للنص الواحد، لأن ما يعد مدخلا صالحا في نظر ناقد ما هو غير ذلك لدى ناقد آخر. يقول ريشار":وفي الخلاصة، فإنه لا وجود في القراءة الموضوعاتية لنقطة بدء ونقطة وصول. فالمدخل إلى حقل

    القراءة الموضوعاتية مدخل حر، مما يضفي عليها شيئا من السحر. وعندما يكتب أحد النقاد الموضوعاتيين في مقدمة دراسته أنه سيبدأ من نقطة ما، فإن هذه البداية ستكون بداية كتابته هو، لا بداية يلزمه بها منطق حقيقي للموضوع المدروس."

    على الرغم من أن مدخل القراءة الحرة إلى النص الأدبي يعدا إثراء له، وتنوعا في الدراسات المعدة حول النص الواحد، إلا أن ذلك قد يقود إلى التشتت في الآراء واختلافها وتعددها، وإلى سوء التقدير في اختيار المداخل الموصلة إلى إدراك الموضوع المهيمن في النصوص الأدبية، فضلا عن تعدد الموضوعات، وكذا السقوط في فخ الانطباعية والآراء الذاتية والشخصية للناقد نفسه، وبهذا تكون القراءة النقدية الحرة من أهم المآخذ التي سجلت على النقد الموضوعاتي.

    -3القراءة المصغرة:

    تشكل القراء المصغرة، أو القراءة المجهرية، إحدى عناوين كتب جون بيار ريشار، وهي تعني "عنده قيام التحليل الأدبي بالتركيز على جزء أو أجزاء صغيرة في النص الأدبي، قد يكون هذا الجزء: ...حرفا، كلمة، فقرة، مشهدا، حدثا، أو غير ذلك، مما يدخل في تكوين عالم النص وبنائه. وهو عمل يدخل  في صميم مفهوم الموضوعاتية، التي هي النواة المركزية التي ينبثق منها النص الأدبي فينمو بفضل التعديلات، حتى يكتمل عالما خياليا."

     -4-التكرار:

    يؤدي التكرار دورا مهما في الكشف عن موضوعاتية النص. يقول جيل دولوز[":نعد] أن وحدة ما قد وقع تكرارها عندما نسجل أثناء القراءة أنها قد تم ذكرها مرة ثانية على الأقل في مسار النص." بينما

    يفضل عبد الكريم حسن أن يستعمل بدل التكرار مصطلح الإحصاء وهو الجهد الذي أقام عليه دراسته لشعر السياب في كتابه )الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب(، وقد وضح الخطوات التي يتبعها في اعتماده هذا الإجراء المنهجي قائلا:

    "نقطة البدء هي تكنيس الأعمال الشعرية الكاملة إحصائيا. فالإحصاء يجب أن يشمل الأغلبية الساحقة للمفردات إن لم يكن كلها. وبعد هذه العملية الإحصائية يتحدد لدينا الموضوع الرئيسي...الموضوع الرئيسي هو الموضوع الذي تتردد مفردات

    عائلته اللغوية بشكل يفوق مفردات العائلات اللغوية الأخرى."

    الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب: وبهذا الفهم يكون عبد الكريم حسن مختلفا عن بيار ريشار في فهمه للموضوع الذي يدرك عن طريق الذات والانطباع الشخصي، ذلك لأن عبد الكريم حسن يبني نتائجه معولا على العمل

    الإحصائي للكلمات التي يفترض مع هذا الطرح أن يكون معناها ثابتا بتعدد أسيقتها ومواقع ورودها في النص، وهو ما جعل غريماس ينتقده بشدة معترضا على منهجيته الإحصائية، ومبينا بأن الطريق التي سلكها هي طريق الموضوعاتية المعجمية، وليس

    طريق الموضوعاتية الأدبية:

    وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أن ريشار لم يثق كثيرا  في النتائج التي يمكن أن يقدمها له التكرارا أو التردد أو التواتر؛ ذلك لأنه يدرك جيدا عدم ثبات دلالات الوحدات النصية المتواترة من سياق إلى آخر في النص. 

    لذلك فهو يرى أن مثل هذه الدراسات القائمة على التكرار والتواتر "على الرغم من أهميتها القارة، فإن هذه الدراسات لن تستطيع، فيما نعتقد، أن تقودنا إلى حقائق نهائية...فتكوين معجم للترداد، هو افتراض لثبات دلالة الكلمات من مثال إلى آخر." ويؤكد جيل دولوز هذا الأمر قائلا":التكرار ليس مشابهة قصوى، إنه لا يكمن في إعادة إنتاج المطابق. فهو ليس هوية للمماثل، ولا معادلة للتشابه."

    هذه تقريبا أهم العناصر المركزية والمقولات الجوهرية التي يختص بها النقد الموضوعاتي ويتميز عن سائر المقاربات المنهجية والنقدية الأخرى، وفي هذا المقام لا ندعي الإحاطة بها جميعا بالنظر إلى شساعة أطراف هذا الميدان وتنوع مصادره وأدواته، وصلات القرابة والوشائج المختلفة التي تربطه بحقول معرفية كثيرة.

    المصادر والمراجع:

    -جميل حمداوي، المقاربة النقدية الموضوعاتية.

    -عبد الكريم حسن، المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق.

    -عبد الكريم حسن، الموضوعية البنيوية: دراسة في شعر السياب. -يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري.

    -محمد السعيد عبدلي، المنهج الموضوعي في النقد الأدبي. -حميد لحمداني، سحر الموضوع.

    -ميشيل كولو، النقد الموضوعاتي، تر، غسان السيد، الآداب الأجنبية، ع93،

    .1997