الخطوط العريضة للقسم

    •  تاريخ الاديان و المعتقدات القديمة

      الاستاذة بصال مالية

       

       

  • المحاضرة الأولى:  مدخل إلى تاريخ الأديان

          تمهيد: الدين في أي وضع من أوضاعه قديم قدم الجنس البشري ذاته، وكل محاولة لفهم نشأة الدين في العالم، تقتضي حتما التسليم بأن في قلب الإنسان وروحه وكيانه، نزعة روحيه ومطلبا يتعدى حاجات كيانه الجسماني ومطالبه، فالإنسان فَكَر وتَصَور وصمم على أن يكمل دائرة تفكيره بالعقيدة، لتساعده على مواصلة الحياة والاستمتاع بها، في ظل قوة الآلهة ورحمتها، متجنبا غضبها حتى لا ينال عقابها في الدنيا وفي حياة ما بعد الموت.

       1/ مفهوم الدينيعد الدين من جملة الموضوعات التي يصعب وضع تعريف لها، ويعود ذلك إلى كثرة الأديان وتنوعها في المجتمعات البشرية.

      أولا/ لغة: من الفعل دان الذي يعني الاستعباد والطاعة، والدين هو الجزاء والمكافئة والحساب، أي العبادة والورع والتقوى، حيث جاء في القرآن الكريم ﴿ إِنَّ الدِّينَّ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ سورة آل عمران، آية 19.

          الدين طاعة، وقد دنته ودنت له أي أطعته، والجمع أديان، يقال دان بكذا ديانة أي تدين بها، فهو دين ومتدين. ودان يدين عز وذل وأطاع وعصى، ودينه تدينا وكله إلى دينه.

        وجاء في لسان العرب: أن الدِّين هو الجزاءُ والمكافأة، ويوم الدينِ : يوم الجزاء، وفي المثل: كما تَدينُ تُدَانُ، أي:   كما تُجَازِي تُجَازَى، أي تُجازى بفعلك، وتحس بما عملتَ، وقيل:  كما تَفعل يُفعل بك، فالدِّين الجزاء، والدِّين الحساب، والدِّين الطاعةُ، والدِّين العادةُ، والدِّين الحالُ، والدٍّينُ: الورعُ، والدين:  القهر والدِّين: المعصيةُ.

          فلفظُ "الدينِ يُطلقُ في لغة العربِ على جميع ما ذكرَ من معانٍ، وهي مع تعددها يمكن جمعها إجمالاً في معنيين:

        الأول: العملُ وفيه يدخل: الانقياد، والذل، والطاعة، والورع، والعادة، والحال، والمعصية.

        الثاني: الجزاء على العملِ، وفيه يدخل: الحساب، والمكافأة، ومن لوازمه: السلطان، والقهر.

     فيتضح بهذا وجه الجمع بين تلكم المعاني التي أوردها أئمة اللغة في كتبهم.

         وقد تعددت معان الدين في اللغة وهي تنحصر في إيجاد علاقة بين طرفين، الطرف الأول يتمتع بالسلطان والقوة والملك، والطرف الأخر يتصف بالخضوع والطاعة والعبادة.

      ثانيا/ اصطلاحا: ليس بين مؤسسات البشرية مؤسسة تضاهي الدين في سيطرته على نفسية الفرد وزجره وكبح جماح شهواته، سواء أكان الفرد بدائيا أو متمدنا، فالدين بني كيانه منذ نشأته على الحلال والحرام، فالحرام مالا يجوز مسه أو التقرب منه،  وحمل الفرد على الاعتقاد بأن من يخالف هذا التحريم يأثم ويستحق العقاب.

        كما أن الدين هو عبارة عن أوامر ونواهي يحظر بعضها أفعالا معينة، ويأمر بعضها الآخر بالقيام بأعمال أخرى. ومن يمعن النظر في هذه الأوامر والنواهي يجد أنها في جملتها إنما جاءت لخير البشر وتحقيق مصالحهم ودفع المفاسد عنهم، ولاسيما الأديان السماوية  الغير محرفة.

       وقيل في تعريف الدين أنه الاعتقاد بأمر مقدس، قيل هو الإيمان بموجودات روحانية،  كما قيل إن الدين عبارة عن الاعتقاد بقوة أو قوى فوق البشرية ينبغي إطاعتها وعبادتها.  وهو كذلك اعتقاد قداسة ذات، ومجموع السلوك الذي يدل على الخضوع لتلك الذات ذلا وحبا ورغبة ورهبة.

    2/ النظريات الفلسفية حول نشأة الدين: الدين ظاهرة يرتبط دائما بالثقافات والحضارات المختلفة عبر التاريخ، ولا يمكن أن نجد حضارة لم يلعب الدين بها  دورا ما، إلا أن فعالية وتأثير الدين تبقى بنسب متفاوتة، وكما أن هناك أديان فهناك أيضا العديد من نظريات نشأة الأديان، وقد تعددت النظريات المفسرة لنشأة الدين بتعدد ال وجهات الثقافية والحضارية، وكذلك بتعدد التأثيرات الدينية التي يخزنها الباحث في داخله تبعا للقناعات الإيديولوجية والفلسفية، وأيضا للأدوات المنهجية والمعرفية المستخدمة من قبل هذا الباحث أو ذاك. وتستند هذه النظريات إلى جملة مقدمات بحثية ودراسات ميدانية تاريخية وحضارية وأثرية، وإلى الملاحظات العلمية ومن أهم هذه النظريات:    

        أ/ النظرية الأنتربولوجية: وقد جاءت هذه النظرية من خلال دراسة الأنتربولوجيون للمجتمعات البدائية، وأقدم نظرية أنتربولوجية تلك التي جاء بها "هربرت سبنسر" (Herbert Spencer)الذي رأى أن البشرية في أولى مراحلها لم تعرف الدين، ثم بدأت بتقديس أرواح زعمائهم الراحلين، ثم تحولت مع مرور الزمن أرواح أسلافهم المبجلين إلى آلهة تمركز الدين حولها وابتدأ بها، ولكن إدوارد تايلور(Edward Tayler) طور هذه النظرية أدخل فيها فكرة الأرواحية، حيث رأى أن الإنسان القديم كان يتأمل في حياته، وكان الحلم هو مصدر اعتقاده بوجود أرواح تحل في كل شيء، فالإنسان البدائي يفسر زيارة الميت له في نومه بأن روح الميت قد زارته في نومه. وعندما يحلم بأنه ذهب إلى مكان بعيد، كان يفسر بأن روحه تحركت أثناء نومه، وذهبت إلى ذلك المكان.

           أما جميس فريزر(James  frazer) فيري أن الإنسان عرف السحر قبل الدين عندما حاول الإنسان السيطرة على الطبيعة عن طريق العلم الأول هو السحر، ولما عجز في ذلك لجأ إلى الدين.

        ب / النظرية الطبيعية: يرى ماكس مولر (Max Muller) أن الدين نشأ من التأمل والنظر للظواهر الطبيعية،  حمله إلى الدهشة، التي دفعت الإنسان إلى التفكير بأنه محاط بقوى مستقلة عن إراداته فعبر عن ذلك باللغة. فظهر عن الطبيعة عالما خياليا من الكائنات الروحية التي أصبحت محرك الطبيعة وجوهر المعتقد الديني. أما جيوفنوس(Jovons) فقد رأى أن الظواهر الطبيعة العادية غير كافية لإيقاظ هذه الفكرة الدينية، لأنها يتكرر عرضها على الحواس فتألفها النفس فلا تحتاج إلى طلب تفسيرها. إنما تثيرها الحوادث الطبيعية المفاجئة والنادرة والتي يضطرب بها النظام العادي كالبرق والرعد والعواصف والصواعق والخسوف والطوفان والزلازل والبراكين.

       ج/ النظرية الاجتماعية: يقف إيميل دوركهايم (Émile Durkheim) على رأس المدرسة الاجتماعية في تفسير نشوء الأديان، ويوجه في بادئ الأمر نقدا للنظريات السابقة لخلق الفكرة الدينية،  والاثنان تهربان بالدين عن حقيقته الاجتماعية، باعتباره جزءا منها، وقد أسهب دوركهايم في دراسة ديانة المجتمعات الاسترالية (الطوطمية)، وكان الدين بالنسبة له تعبيرا مجازيا عن المجتمع نفسه.

         يقول أن الدين هو قوة اجتماعية يحافظ المشاركون فيها على أداء طقوسه اجتماعيا، حيث يري دوركايم أن الإنسان عندما كان يشترك مع مجموعة في عبادة كائن معين، فهو إنما يعني بذلك عبادة المجتمع الذي ينتمي إليه، فالدين في نظرية دوركايم هو المجتمع، فقد قدمت الحياة الاجتماعية مادة أولية أساسية لنشؤ الأديان، ودليله على ذلك أن ليس هناك أديان فردية،  إنما ظهرت الأديان مع ظهور المجتمعات.

       د/ النظرية العاطفية: تتعارض هذه النظرية مع سابقتها، ولا تعزو نشأة الدين إلى الأرواح أو الطبيعة أو المجتمع بل إلى العاطفة، حيث يري أنصار هذه النظرية أن هناك عاطفتين أساسيتين وراء نشوء الدين هما الخوف والطمع، وبما أن أقصى مخاوف الإنسان خوفه من الموت، وأقصى طمعه هو الاستقرار والخلود بعد الممات، فإن هاتين العاطفتين تتعاونان على صياغة معتقد يقسم الإنسان إلى كيانين واحد مادي وآخر روحاني، فإن كان الموت سيدرك كيانه المادي عن طريق الخبرة اليومية فإن الكيان الروحي سوف يجتاز واقعة الموت إلى عالم آخر للوجود يتمتع فيه بالحياة الأبدية، أما ظهور الآلهة فقد كان نوعا من أنواع الخلاص الذي ابتكره الإنسان لكي يشير به إلى فكرة الخلود أثناء الحياة، ويضمن به فكرة البقاء بعد الموت من خلال رضى الآلهة ومساعدتها.

      ه/ النظرية الفلسفية: طرحت الفلسفة  منذ بدايتها تصورات عن  الدين ونشأته، ولكن أوضح نظرية فلسفية حول نشأة الأديان تلك التي قال بها الفيلسوف هيجل، حيث  يرى أن نشأة الدين وتطوره على أساس أن الدين مرحلة ضرورية في التطور الجدلى للروح، فإنه ينتج من ذلك أن وجود الدين ليس محض صدفة، وليس وسيلة خالصة، وإنما هو عمل ضروري من أعمال العقل في العالم وهو تجل ضروري حقيقي وصحيح للمطلق، وهذا ما يؤكده بوجه عام، ويذهب إلى أن الدين عبارة عن تجل للمطلق في إطار الفكر التصوري، وقدم للدين ثلاث مراحل كبرى هي:

        1/ الديانة الطبيعية: ويدرج فيها تلك الديانات التي لم تستطع فيها الروح السيطرة بعد على الطبيعة، مثل الديانة الهندوسية والبوذية والصينية.

        2/الديانة الفردية الروحية: هي ديانة ترى الآلهة ذات أرواح ولم تعد جوهرا. وتضم الديانات التالية اليهودية والإغريقية والرومانية.

        3/الديانة المطلقة : ومضمون هذه الديانة حسب تعبير هيجل هو الحق المطلق الذي اعتبره المسيحية، حيث يكشف الإله عن نفسه.

          ويرى هيجل أن الدين نشأ عندما كان العقل وحده أمام الطبيعة، حيث كان لا يزال أقل من الروح، ولم يكن باستطاعته السيطرة على الطبيعة، ولم يكن هذا العقل  يفصل بين ما هو كلي (الله)، وما هو جزئي (الإنسان)، ولذلك فقد تمثل أولا في صورة السحر التي تقوم على الوحدة المباشرة بين الكلي  و الجزئي، أعني الوحدة التي تظهر تمايز أو تتوسط الجانبين، لأنه يقوم على الوحدة المباشرة، فهو يسمي الدين المباشر.

       ويظهر جدل هيجل واضحا في ثلاثيته هذه، وعلى الرغم من انتماء نظريته في نشوء الدين وتاريخه إلى الفلسفة والتأمل العقلي، إلا أنها احتفظت بالكثير من العناصر العلمية، على الرغم من عيوبها الواضحة في فقر معلوماتها عن الأديان، وفي تحيزها الإديولوجي للدين المسيحي.

       و/ النظرية النفسية: حيث يري سيقموند فرويد(Sigmund Freud) أن الدين ينبع من عجز الإنسان في مواجهة قوى الطبيعة في الخارج والقوى الغريزية داخل نفسه، وينشأ الدين في مرحلة مبكرة من التطور الإنساني عندما لم تكن الإنسان يستطيع أن يستخدم عقله بعد في التصدي لهذه القوي الخارجية والداخلية، فلا يجد مفرا من كبتها أو التحايل عليها، مستعينا بقوى عاطفية  أخرى، وهكذا بدلا من  التعامل مع هذه القوى عن طريق العقل، يتعامل معها بعواطف مضادة، وبقوى وجدانية أخرى تكون وضيفتها لكبت، أو التحكم فيما يعجز عن التعامل معه عقلانيا.

           فالمعتقدات الدينية القائمة اليوم تحمل معها طابع الأزمان الأولى التي أنتجتها عندما كانت الثقة، فالدين في هذه الحالة هو مرحلة في تطور الحضارة ينبغي تجاوزها، تماما كما يتجاوز الفرد أحوال الطفولة العصابية  في طريقه نحو النضج، وبتعبير آخر  فإن الدين ظاهرة عصابية على المستوى العام تعادل الظاهرة العصابية على المستوى الخاص، وأنه نوع من العصاب الاستحواذي الذي يصيب الجماعة. وبناء على هذا يكون الدين في رأي فرويد تكرار لتجربة الطفل، ويتعامل الإنسان مع القوى المهددة له بنفس الطريقة التي تعلم بها وهو طفل، وأن يتعامل مع شعوره بعدم الأمان. كما يرى أن الدين هو عبارة عن ناتج عارضي للاضطرابات السلوكية المؤدية إلى الكآبة والسوداوية، وإن هذه النظرية تسلط  الضوء على الدوافع النفسية التي تقف وراء الحاجة إلى الدين والمعتقدات.


  • المحاضرة الرابعة: ديانات الشرق القديم

    أولا: ديانة بلاد الرافدين.

     1/ ملامح الفكر الديني لبلاد الرافدين:  كان سكان بلاد الرافدين قوم اعتقادين منذ الأزل، وتعد حضارتهم القديمة من الحضارات الأصيلة الأولى، التي تضمنت ابتكارات وإنجازات حضارية، وأفكار أساسية تميزت بها، وقد تأثرت بها الأمم الأخرى، وظهرت المعتقدات الدينية في هذه الحضارة العريقة بوضوح، وقد لعب الدين أدوارا مهمة في حياة سكان بلاد الرافدين، وأثّر في كل جانب من جوانب حياتهم، وكان الدين عندهم منذ بداية العصور التاريخية يتصف بالنضج والتكامل، حيث كان لكل عنصر من عناصر الطبيعة والحياة إله خاص ومتميز. وكل حدث من خير أو مصيبة تحل بالبلاد، كانت تعزى إلى إرادة الآلهة وغضبها، وكان لابد من ترضيتها بتقديم النذور والضحايا والقرابين، لذلك كان المعبد مسكن الآلهة مركز الحياة الثقافية في المدن ومحور الحركة والعمل، ومظهر نشاط المجتمع في مختلف مجالات الحياة.

          والعراقيون القدامى عبدوا آلهة كثيرة، وأعطوها صفات المقدس الإلهي، وهو الشعور العميق بشخصيتها، وأن لها القوة الخارقة والسيطرة الأبدية، إلا أنهم لم يعرفوا التوحيد المطلق للإله، ولكنهم نعتوا كبيرهم برب الأرباب أو الإله الأعظم، وهو ما يعرف بالتفريد.

       2/ آلهة بلاد الرافدين: لعل من الأمور الملفتة للنظر في ديانة  وادي الرافدين كثرة  الآلهة،  حيث وجدت نصوص دينية، تتضمن قوائم  بأسماء الآلهة وعددها الذي وصل إلى نحو  2000-3000 إله لذلك فإن تنظيمها قد يتطلب  كتابا أو معجما ليس بالصغير، مع  صعوبة تحديدها بدقة في فترات زمنية  مختلفة  لهذه الحضارة، نظرا لدخول آلهة جديدة في مجمع الآلهة مع مجيء أقوام جديدة للبلاد، واستمرار الاكتشافات الأثرية. وتجدر الإشارة إلى أن معظم هذه الآلهة تحمل أسماء سومرية، فلا بد أن السومريون هم الذين تخيلوها وأوجدوها، وأن هذا العدد من الآلهة كان من الأزمنة الموغلة في القدم، حيث كانت كل مجموعة بشرية ما تزال مستقلة، ولها مجمع آلهة خاص بها.

      أ/ آلهة الكون: هي الآلهة الكبرى التي انتشرت عبادتها وتقديسها  في جميع بلاد الرافدين، ولم تقتصر على مدينة معينة، كما أنها استمرت عبر جميع أطوار التاريخ، ويأتي على رأسها الثالوث الإلهي المؤلف من ثلاثة آلهة عظام وهي:

      *  آنو-آن(An- Anu):  إله السماء ورئيس الآلهة السومرية مقره في السماء، يرمز له  بنجمة ذات ثمانية رؤوس في إشارة إلى جهات الكون.

      الإله أنليل (Enlil): يتكون  اسمه من مقطعين "أن" تعني السيد و"ليل" تعني الريح أو الهواء، فيكون معنى اسمه سيد  الريح أو سيد الهواء، وهو ابن الإله "آنو"، مقره في أعالي الجبال الشامخة التي تفصل الأرض عن السماء. يأتي في المرتبة الثانية بعد المعبود "آنو" إله السماء، ولقد لقب بالعديد من الألقاب فلقب بمالك السماء والأرض، ومالك البلدان.

       *  أنكي - أيا (En - Ki–Ea): إله الأرض، وسيد المياه الجوفية، اعتبرته النصوص المسمارية إله الحكمة أيضا، وبحوزته القوى الإلهية ولهذا الإله تسمية أخرى ضمن اللغة الأكادية، تختلف عن تسميته السومرية "أنكي" وتلفظ "أيا" (Ea). يأتي في المرتبة الثالثة في مجمع آلهة بلاد الرافدين.

         ب/ آلهة الفلك( آلهة الكواكب): عبارة عن ثالوث كان يضم الكواكب التالية: "أوتو" (الشمس)، "نانار" أو "سين"(القمر) و"عشتار"( ربه النجم) .

       * أوتو أو شمش (Shamsh): إله الشمس عند السومريين، هو ابن الإله "نانار" إله القمر، وإله العدل والحق والشرائع، أعتبر سيد الكهانة  والعرافة. كما عرف باسم "أوتو" ومعناه الضوء والنور واليوم، كان يمثل على هيئة قرص له أربعة خطوط تنبعث منها أشعة، وهذا الإله معروف عند كل الشعوب السامية.

          * نانار أو سين(Sin): يقع بعد أنكي في ترتيب المعبودات، رقمه الحسابي ثلاثين ويعنى تمثيل الشهر كاملا، وهو بذلك سيد الشهر، واسمه الآخر "نانار" بالسومرية، وتعنى رجل السماء، وقد مثل إله القمر بهلال وحده أو بهلال مع صورة إنسان.

       * عشتار( إنانا):(Ishtar, Innina): هي آلهة سومرية سميت "إنانا"، بمعنى سيدة السماء،  في الأكادية "عشتار"، كانت من أكثر المعبودات انتشارا في العالم القديم، واشتهرت بكونها آلهة الحب والحرب، وكان رمزها  كوكب الزهرة.  يرمز لها بنجم تنبع منه ثمانية خطوط  من الأشعة، أو ستة عشر داخل الدائرة، وقد طلب الإله "أن" من الآلهة أن يمنحوها لقب "عشتار النجوم"، باعتبار أنها أكثر إشعاعا بينها، ولهذا هي تقود النجوم.

        ج/ الآلهة الوطنية:  تعتبر أركان بارزة في هيكل معتقدات سكان بلاد الرافدين، إلا أنها ترمز بالدرجة الأولى إلى السلطة السياسية أكثر من رمزيتها إلى السلطة الدينية.  

       *  الإله مردوخ: (Marduk) عبد في بابل في أول الأمر، وحين تولى "حمورابي" الملك رفع من شأنه، وانتشرت عبادته في جميع أنحاء بلاد الرافدين،  واسمه في البابلية "مار-دوكو" بمعنى ابن الإله "دوكو" أي التل المقدس، الذي يعتبر مجلس الآلهة. كان الإله "مردوخ" بالدرجة الأولى رمزا للسلطة السياسية البابلية، وأسندت إليه الكثير من المهام، فقد أشارت النصوص المسمارية إلى أنه إله الحكمة، وإله طرد الأرواح الشريرة، وشافي المرض وسيد القنوات والحقول، والإله الحاكم والمجلب للضياء.

        * آشور(Achour): الإله القومي للأشوريين،  كان في أول الأمر إله غير ذي شأن، واقتصرت عبادته على مدينة آشور، ولكن بعد قويت شوكة الأشوريون وأسسوا إمبراطورية، عظم شأن الإله "آشور"، وأصبح على رأس الآلهة الأشورية، وخصص له دور فعال في شؤون الكون، حيث خلق الأشياء والإنسان، وشيدت له المعابد في أشور وغيرها من المدن الأشورية.

        بالإضافة إلى آلهة أخرى كل واحدة مختصة بمهمة أو مظهر طبيعي مثل "دموزى" (Dumuzi) إله الخصب، "نياسابا" (Nissaba) إلهة الحبوب إلى غير ذلك.

      3/ المعابد: يعتبر المعبد أحد العناصر المعمارية في حضارة وادي الرافدين، أخذ يتطور حتى أصبح على صورته الكاملة حوالي 3000 ق م. وكان المعبد مسكن الآلهة ومكان عبادتها، وإقامة الطقوس والشعائر الخاصة بها كالاحتفالات الدينية. كانت تقام في وسط المدن، وكانت ذات شكل وحجم مختلفين، فبعضها كانت مجرد مصليات صغيرة، تتكون من صف من الدور، وتشمل على فناء مكشوف يضم محاربا وقاعدة للتمثال المقدس، البعض الآخر كانت تضم عدة أقبية وغرف، وثم أقيمت المعابد الضخمة ذات التركيبات المعقدة مثل الزقورات وتخص الإله الأعظم، وكانت تضم غرف لإيواء الكهنة والعاملين في المعبد. وكافة المعابد الرئيسية كانت تشترك في خصائص معينة، حيث اشتمل كل منها على فناء كبير تحيط به غرف صغيرة، تستخدم للإقامة أو مكتبات، ومدراس للكهنة وورش ومخازن وإسطبلات.

          مما اختصت به حضارة بلاد الرافدين العمرانية  الصرح المدرج أو البرج أو الزقورة، وهي كثيرة ومتنوعة وقد وبني السومريون معابد عرفت باسم "الزقورات"، هذا الملمح الرائع من ملامح مجمع أبنية المعبد وجد في معظم مواقع المدن القديمة التي حرى التنقيب عنها في بلاد الرافدين، يختلف شكل الزقورة  بين موقع وآخر، ولكن هيئتها العامة كانت عبارة عن برج مستطيل الشكل، كلما ارتفع  ضاقت أدواره حتى يصل إلى القمة التي يقوم عليها المصلى، الذي كان في الأصل بناءا خشبيا كان يحتفل فيه بطقوس الزواج، وكانوا يبلغون إلى مختلف الأدوار بواسطة سلالم  تلتف حول المبنى  من أدنى إلى أعلى.

          وكانت هذه الأخيرة غنية جدا؛ حيث كانت تزين جدرانها العالية برسوم حيوانية وبشرية ملونة تعد أقدم رسوم جدارية في تاريخ الفن، بالإضافة إلى أعمدة وأفاريز من النحاس، ومطعمة بمواد شبيهة بالأحجار الكريمة،  كما تزين أحيانا بتماثيل للآلهة والحيوانات والأبطال من بني الإنسان، مصنوعة من النحاس والفضة.

           لم تكن الزقورة معبدا بالمعنى الدقيق للكلمة، أي لم تكن مثابة للإله، بل كانت بناءا مقدسا وكان لها القسط الأوفر  في الطقوس البابلية  الكبرى، وفي الرواية العربية أن الغرض من  برج بابل تكمن حقيقة مفاده أن البابليين القدماء كانوا يعدون الزقورة نوعا من الرابطة بين السماء والأرض، كذلك من المحتمل أن يكون للأدوار السبعة مغزى فلكيا.

        4/ حياة ما بعد الموت: دلت آثار العديد من القبور أن سكان بلاد الرافدين اعتقدوا بالحياة الثانية، من خلال ما عثر عليه من أدوات وتجهيزات جنائزية فيها، حيث كانوا يجهزون الموتى أحسن تجهيز، ويلبسون الميت أفخم الثياب ويدفنون معه أحسن أنواع الأواني والأدوات وأجود أنواع الطعام، والاحتياجات الشخصية الأخرى، وقد كشف التنقيب في مقابر ملوك "أور" أن عدد من أفراد حاشية الملك المتوفى كانوا يُقتلون ويُدفنون مع سيدهم، لخدمته في حياته الثانية. وكان الاعتقاد السائد بين سكان بلاد الرافدين أن الآلهة وحدها هي الخالدة، وأن موت الإنسان أمر لا مفر منه.

       5/ الخطيئة والعذاب والحساب ما بعد الموت:  وضع سكان بلاد الرافدين بما لديهم من ولع بالقوانين والنظام قوائم بجميع الظواهر الملاحظة والتي تسمى الخطيئة وتستحق العذاب، ويبدو القصاص الإلهي في صورة مرض أو الاضطراب بل حتى الموت. كما سجلت كذلك نتائج الأفعال الحسنة، وهناك نصوص من التعاويذ التي تصف الآثم بأنه ذلك الذي يأكل ما حرمته الآلهة، ويظلم الضعيف ويفرق بين الصديق وصديقه، ويشهد شهادة زور، ويمكن أن تغفر هذه الخطايا بالصلاة والاستغفار وتلاوة تراتيل والتوبة والبكاء وتقديم القرابين للتكفير عن الذنوب.

          بينما لم يذكر العراقيون أساطير حول الحساب والعقاب بعد الموت، وإنما كانت هناك تضرعات للآلهة لتأمين الصحة والتمتع بالسعادة الدنيوية واكتساب الرحمة والصفح للتخلص من الأرواح الشريرة، وفي مرحلة المتأخرة  وبعد احتكاك بلاد الرافدين بالمصريين فأصبحوا يعتقدون بالحساب ما بعد الموت، حيث أن الأرواح بعد مفارقتها للجسد تنتقل إلى مكان مظلم يسمى(أورالوا) تحت الأرض وهناك تتولى الآلهة (آلات) محاكمة الروح على الخير والشر وعلاقته بالآلهة ودرجة رضاها في حياته من مدى تقديمه القرابين لها.

       6/ الأعياد والاحتفالات: تعد الأعياد أهم ميزة في ديانة بلاد الرافدين، حيث كانت تقام احتفالات خاصة في أيام معينة، مع تقديم  القرابين في الأيام المقدسة عند إله معين، فقد احتفظ التراث الديني لبلاد الرافدين بأعياد مختلفة منها العيد الرئيسي المتمثل في عيد رأس السنة أكيتو (akito) بمناسبة السنة الجديدة، ويتم فيه تلاوة ملاحم الخلق والأساطير، بالإضافة إلى أعياد شهرية منتظمة  كاليوم الأول من الشهر القمري عند ميلاد القمر، واليوم الخامس عشر عندما يصبح القمر بدرا، ويذكر الباحثون أن لكل نشاط  طقوس دينية مثلا تقام طقوس دينية للحصاد وجز الأصواف وترتبط بإقامة المهرجانات والمواكب.

       7/ القرابين والطقوس الدينية: كان تقديم القرابين أشيع الطقوس الدينية وأغلبها في الاستعمال، وكانت القرابين تقدم لأغراض مختلفة كالتكفير عن الذنوب، أو اكتساب رضا الآلهة، وتدشين معبد جديد أو تمثال جديد  وغيرها، هذا عدا القرابين العادية التي كانت تقدم كل يوم في المعابد في أوقات محددة.

           وكانت القرابين في الغالب من الحيوانات والسوائل، وكان الحمل والجدي أكثر الحيوانات استعمالا في هذا الصدد، وكان النبيذ والجعة واللبن والعسل والزيت أكثر السوائل استعمالا. وكان القربان من الأضاحي أو غيرها يوضع على مذبح أمام تمثال الإله أو الآلهة، وغالبا ما كانت الاحتفالات تبدأ بالصلوات ثم تصاحبها بعض عمليات الرش بالماء المقدس، وكانت أجزاء معينة من القرابين مخصصة للإله أو الآلهة، حيث تحرق أو تسكب تكريما له أو لها، وكانت أجزاء أخرى تؤول إلى الكهنة، ويرد الباقي إلى صاحب القربان.

       8/ الكهنة: ضم المعبد أصنافا متعددة من الكهان والكاهنات، للقيام بالطقوس التعبدية والإشراف على شؤون المعبد الإدارية والاقتصادية، وكان الملك على رأس الكهانة باعتباره ممثل الآلهة أو نائبه، لأنه غير قادر على أداء كافة المهام الدينية، لذلك يختار بديلا عنه الكاهن الأعظم الذي يتربع على عرش المعبد، وهي من المناصب الدينية الرفيعة التي انحصرت بالعائلة المالكة والطبقة الارستقراطية العليا يضاف إلى ذلك أن المعبد امتلك عدد كبير من الكهنة العاملين فيه، بعد أن يتلقوا تربية متكاملة في بيت المعرفة أي مدرسة المعبد التي ينتمي إليها.

          وعلى كل فإن الوظائف الكهنوتية وطقوس العبادة المختلفة استهدفت تحقيق غرضين متكاملين، أولهما معرفة إرادة الآلهة لتنفيذ وكسب رضاها ودرء غضبها وانتقامها، وثانيها جعل الفرد يعيش بسلام مع إلهه وذاته ومجتمعة بتولي العرافين انجاز المهمة الأولى، أي معرفة إرادة الآلهة وتفسيرها، ويتولى المنشدون والغرامون والسحرة المهنة الثانية.


    • يهدف هذا المقياس