ديانات الشرف الأقصى
متطلبات الإكمال
المحاضرة الخامسة: ديانات الشرق الأقصى
أولا: الديانة الهندوسية:
1/ تعريفها: هي ديانة الجمهرة العظمى في الهند، تسمى الهندوسية أو الهندوكية إذ تمثلت فيها تقاليد الهند وعاداتهم وأخلاقهم وصور حياتهم، وأطلق عليها البرهمية ابتداء من القرن الثامن ق.م نسبة إلى براهما، وهو القوة العظيمة السحرية الكامنة التي تتطلب كثيرا من العبادات كقراءة الأدعية وإنشاد الأناشيد وتقديم القرابين، ومن براهما اشتقت الديانة البرهمية لتكون علما على رجال الدين الذين كان يعتقد أنهم يتصلون في طبائعهم بالعنصر الإلهي ولا يجوز الذبائح إلا في حضرتهم وعلى أيديهم.
2- الكتب المقدسة عند الهندوس: تسمى الكتب المقدسة في الهند ( Vedas) الفيدا، ويطلق على الأسفار المقدسة للديانة الهندوسية اسم "الويدا" أو "الفيدا" ومعناها المعرفة والعلم، وهي عبارة عن أوراد تعبدية وأناشيد دينية وتعاويذ سحرية، والفيدا لا تتألف من كتاب واحد بل من مجموعة كتب كل كتاب فيها يطلق عليه اسم الويدات.
ويعود تاريخ الفيدا إلى أكثر من 1500 سنة ق.م. حينما غزت قبائل الآريين الهند واستقرت فيه، وأنشأت مجموعة من التراتيل التي تألفت منها (الفيدا)، وهي ذات أهمية تاريخية خاصة، لأنها تعد من أقدم الكتابات الدينية الحية في العالم، وهذه الكتب لم تدون في أول الأمر، وإنما حُفظت عن ظهر قلب، وبقيت في صدور الحفاظ تتناقل مشافهة جيلا بعد جيل، وبعد انتشار الكتابة كتبت الفيدا باللغة السنسكريتية الكلاسيكية، وسمي المجموع "سمهتا" أي الديوان المجموع ، والويدات عبارة عن أربعة كتب دينية هي :
أ/الريج فيدا: هو أشهر الكتب الأربعة، وتشمل 1017 أنشودة دينية وضعت للتضرع بها أتباعها أمام الآلهة أو يتغنون بها عن آلهة.
ب/ ياجور فيدا: وتشمل العبادات النثرية التي يتلوها الرهبان عند تقديم القرابين.
ج/ ساما فيدا: وتشمل الأغاني التي ينشدها المنشدون أثناء إقامة الصلاة وتلاوة الأدعية.
د/ أترا فيدا: وتشمل مقالات في السحر والرقي.
3/ المعتقدات الهندوسية: لعل من أهم العقائد في الديانة الهندوسية أربعة هي:
أ/ الكارما: قانون الجزاء، أي أن نظام الكون إلهي قائم على العدل المحض، هذا العدل الذي سيقع دون أي شك، إما في الحياة الدنيا أو في الحياة الآخرة، وجزاء حياةٍ يكون في حياة أخرى، والأرض هي دار الابتلاء، كما أنها دار الجزاء والثواب.
ب/ تناسخ الأرواح : عندما يموت الإنسان يفنى منه الجسد، وتنطلق منه الروح متجولة لتتقمص وتحل في جسد مولود جديد ولد لتوه، فإذا كان الإنسان صالحا في حياته انتقلت روحه إلى مولود ولد في طائفة أعلى من طائفته، أما إذا كان فاسداً في حياته فإن روحه تنتقل إلى مولود ولد في طائفة أدنى، ثم إذا ظل فاسدا في حياته التالية يولد عليلاً، ثم إن استمر في الدورة الثالثة فاسداً فإنه سيولد حيواناً، وإن استمر فاسداً فسوف ينحدر في كل مرة إلى مستوى أدنى في مراتب الحيوانات حتى يولد بعوضة أو برغوثاً. أما الذي يستمر في حياة صالحة بعد حياة صالحة، فيرتقى كل مرة إلى طائفة أعلى حتى يصل إلى طبقة(البراهمة ( بعدها إن كان صالحاً بعد أن وصل إلى هذه الطائفة، فإن دورة الحياة تنتهي ولكن روحه تتحد مع الإله الأعظم "براهما"، وهذا ما يسمى ب ) النيرفانا ( وهذه أعظم سعادة يمكن أن تتمناه روح.
ج/ الانطلاق: صالح الأعمال وفاسدها ينتج عنه حياة جديدة متكررة لتثاب فيها الروح أو لتعاقب على حسب ما قدمت في الدورة السابقة، من لم يرغب في شيء ولن يرغب في شيء وتحرر من رق الأهواء، واطمأنت نفسه، فإنه لا يعاد إلى حواسه، بل تنطلق روحه لتتحد بالبراهما.
د/ وحدة الوجود: تعني أن الحياة خلقت من الروح، فالإنسان ليس جسمه وحواسه لأنها تموت وتبلى، بل الإنسان هو الروح وهي أزلية أبدية مستمرة غير مخلوقة. فالتجريد الفلسفي وصل بالهنادكة إلى أن الإنسان يستطيع خلق الأفكار والأنظمة والمؤسسات، كما يستطيع المحافظة عليها أو تدميرها، وبهذا يتحد الإنسان مع الآلهة، وتصير النفس هي عين القوة الخالق . وهم يعتقدون أن:
*- الروح كالآلهة أزلية سرمدية، مستمرة، غير مخلوقة .
*- العلاقة بين الإنسان والآلهة كالعلاقة بين شرارة النار والنار ذاتها، وكالعلاقة بين البذرة وبين الشجرة .
*- هذا الكون كله ليس إلا ظهوراً للوجود الحقيقي، والروح الإنسانية جزء من الروح العليا.
4/ الآلهة الثلاثة: إن الآلهة الثلاثة للهندوس عبارة عن:
أولا/ برهما (Brahma): الإله الأعلى للهندوس، ورب الخلق، وتتحدث الكتب الهندوسية عن بداية الوجود، حيث تبدأ بوجود عملاق في السماء اسمه براهما مدعين أنه الإله الخالق لكل شيء، حيث يقول: «أنا أقوى من السماء و أعظم من الأرض، وأرفع من كل الأجرام الكواكب، أحتوى كل شيء وأكمن من كل شيء، لا تدركني الحواس لأنني حقيقة الحقيقة.. أنا براهما».
ثانيا/ شيفا (Siva): رب الفناء والدمار، وقد انتشر تماثيله ذات الأيدي الأربع في حالة الرقص، ويدل رقص شيفا على دوره الهام في الدمار والفناء.
ثالثا/ فشنو (Vishnu): رب الحفظ. والتجليات العشر لهذا الإله على طوال التاريخ عبارة عن السمك، السلحفاة، الخنزير الوحشي. موجود على هيئة نصف إنسان، ونصف أسد، القزم، راما(Rama) وبيده طبل كريشنا(Krishna)، بوذا(Buddha) ، وكلكي (Kalki) وهذا الأخير هو الموعود به في آخر الزمان لإصلاح العالم، يظهر على فرس أبيض شاهرا سيفه.
وقد تشعبت الهندوسية إلى فرق لا حصر لها، وهي تعيش مع بعضها البعض في صلح وصفاء، وأقبلت كل فرقة على عبادة إله من الثلاثة، ويشكل أتباع شيفا وفشنو نسبة عالية منهم.
5/ آلهة الفيدا: آمن الهندوس بعدد ضخم من الآلهة السماوية والأرضية، وذكروا لها أسماء وصفات عجيبة وغريبة. وأقاموا لكل منها هياكل عظيمة، وترتبط هذه الآلهة في ما بينها بروابط نسبية وسببية. وقد نقلت كتبهم المقدسة الكثير من التفاصيل عن الصفات الجسمية والنفسية لهذا العدد من الآلهة، ويعتبر الاعتقاد بتجلى الآلهة على هيئة الإنسان أو الحيوان في أدوار مختلفة، من المعتقدات التي حازت على اهتمام واسع. وقد صنفت الآلهة وفق الطبقات الاجتماعية السائدة. ومن أشهرها: أغني(Agni) إله النار، فارونا(Varuna) إله السماء، ايشفارا (Isavara) إله القوة والقدرة، رودرا(Rudra) إله الخوف والفزع، راما(Rama) إله العواطف، كريشنا(Krishna) إله الماء الصافي، ياما(Yama) إله الموتى وحاكمهم، أشفين(Asvin) وتعنى الفارس وتطلق على ملكين اثنين من ملائكة الهندوس الذين يعتقدون أنهما يمنحان الصحة والسعادة والغنى، كالى(kali) تعنى أسود وهي قبيحة المنظر ويقدمون إليها هدايا من عمليات السلب والنهب.
6/ تطور الهندوسية: اتصفت الهند بحياة دينية لها عدة معالم من أهمها تقديس إلهة الأم وعبادة إله ذكر ظهرت صورته في شكل اليوجا الهندي المتأخرة، وتحيط به بعض الحيوانات. كما عبدوا بعض الحيوانات مثل البقرة، وقدسوا بعض الأشجار مثل شجرة البيبل، بالإضافة إلى الاهتمام بالطهارة الطقوسية والتأمل اليوجي.
مع الغزو الآري للهند 2000 ق م. وفرض الآريون أنفسهم على البلاد، بدؤوا بفرض ديانتهم كذلك على حساب الديانة المحلية، وخلال عملية فرض السيادة الآرية حدثت تغيرات لديانة الآريين ذاتها، وتداخلت الآلهة الآرية والهندية بسبب تشابه في الأشكال والصفات والوظائف، فظهرت ديانة جديدة على يد الآريين تدعي الديانة البرهمية، واحتلت المكانة الأولى بين ديانات الهند، واعتبرت كل أشكال العبادة الأخرى التأملية والطقوس تابعة لعبادة البراهما. وقد تمخض عن تطور الهندوسية ثلاث موافق دينية سيطرت على الحياة الدينية في الهند هي:
أ/ اعتبار الطقوس والشعائر وتقديم القرابين محور الحياة الدينية، وجوهر الدين، وبخاصة مع سيادة فكرة ربط خلق العالم وإدارته بنتائج تقديم القرابين وتأدية الطقوس.
ب/ أن النفس عليها الاتحاد بالبراهما من خلال التخلص من علائقها المادية، وأن النفس الإنسانية لها واقع ثابت لا تتغير مرتبطة بواقع خارجي لا يتغير أيضا هو البراهما أو روح الكون.
ج/ إنكار السببية الطبيعية والأخلاقية.
7/ الطبقات في المجتمع الهندوسي: منذ أن وصل الآريون إلى الهند شكلوا طبقات ما تزال قائمة إلى الآن، ولا طريق لإزالتها لأنها تقسيمات أبدية من خلق الإله -كما يعتقدون- وردت الطبقات في قوانين "منو" على النحو التالي:
أ/ البراھمة: هم الذين خلقهم الإله براھما من فمه : منهم المعلم والكاهن والقاضي، وهم ملجأ الجميع في حالات الزواج والوفاة، ولا يجوز تقديم القرابين إلا في حضرتهم.
ب/ الكاشتر: هم الذين خلقهم الإله من ذراعه: يتعلمون ويقدمون القرابين، ويحملون السلاح للدفاع.
ج/ الویش: هم الذين خلقهم الإله من فخذه، يزرعون ويتاجرون ويجمعون المال، وينفقون على المعاهد الدينية.
د/ الشودر: هم الذين خلقهم الإله من رجله، وهم من الزنوج الأصليين ويشكلون طبقة المنبوذين، وعملهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاث السابقة الشريفة، ويمتهنون المهن الحقيرة والقذرة.
8/ شعائر وعبادات الهندوس: كان عند الهندوس شعائر كثيرة لعل من أهمها نجد:
أولا/ الطهارة: عند الهندوس نوعان من الطهارة هي:
أ/ طهارة حسية: فيوجبون الغسل على من مس حائضاً أو منبوذاً أو أنزل منياً.
ب/ طهارة معنوية: وهي طهارة القلب والروح، بالعلوم والمعارف والتأمل.
ثانيا/ الصلاة : والصلاة لديهم تشارك طقوس تقديم القرابين والنذور لآلهتهم، وهيئتها وقوفا أو جلوسا ويرتلون الأدعية الدينية، وهي من أهم الشعائر عندهم وتؤدى في وقتين في اليوم . الأولى في الصباح عند طلوع الفجر إلى الإشراق، والثانية في المساء إلى ظهور النجوم. وتصلى فرادى، وتختلف صلاة المرأة عن صلاة الرجل، وتؤدّى في المعابد وفي البيوت والغابات، وعلى ضفاف الأنهار.
ثالثا/ الصوم: الصيام عندهم مطهر لكل شيء، ففرضوا صياما تقشفيا كالصمت والامتناع عن الأكل والشرب، وصيامهم نفلا وليس فرضا، وصيام الكهنة يختلف عن صيام الشعب إذ تميز بكثرة أيامه وقسوته .
رابعا/ اليوجا: وهي من الشعائر التعبدية المهمة لدى الهندوس، وهي طريقة رياضية روحية وجسدية يتبعونها لتسهيل اتحادهم بالإله وفق زعمهم.
خامسا/ الحج : يتمثل في ذهابهم إلى نهر الغانج سنوياً، والاغتسال فيه للتطهر من آثامهم، وكذلك يلقون فيها رماد موتاهم.
9/ الطقوس الجنائزية عند الهندوس: عند وفاة الشخص يعتني بالميت عناية خاصة، حيث يرى الهندوس أنه ما لم تستقر أرواح الموتى في عالم الآباء. تظل عرضة لأن تصُّبَ البلاء على رؤوس نسلها الذين لم يقوموا بإحكامها عن طريق القرابين لضمان انتقالها إلى عالمها المناسب. حيث يتم حمل جثة الميت بعد وفاته بقليل في موكب من الأقارب لتحرق الجثة، حيث يطوف أهل الميت حول المحرقة في اتجاه عكس عقارب الساعة، ثم يعودون إلى المنزل، وفي اليوم الثالث من حرق الجثة، يُأخذ الرماد بعد الحرق إلى النهر المقدس( الغانج) ليُلقى فيه، وهذا جزء مهّم من الطقوس الهندوسية، ثم تقرأ مقاطع من الفيدا المقدسة مع ترانيم روحية، ثم تلقى باقات من الزهور مع الشموع التي توضع قرب النهر المقدس، ولمدة عشر أيام متصلة يقوم أهل الميت بتقديم القرابين للمرحوم.
10 / عبادة البقرة: البقرة هي أكثر الحيوانات قداسة لدى الهندوس، مما ترتب عليه إعطائها الحرية المطلقة في التجوال عبر الطرقات، كيف شاءت ومتى شاءت، وقد جعلوا لها تماثيل في كل معبد ومنزل وميدان، هذا كله لاعتقادهم أنها مصدر قوة ضخمة ترمز إلى القوة الكبرى التي تسيطر على هذا العالم الكبير. كما يؤمنون بأن البقرة ممثل الآلهة، حيث حظيت عند الهندوس بأسمى مكانة، وهي من المعبودات التي لم تضعف قداستها مع مر السنين حتى اليوم، فهي رمز الإيثار. وقد حرم أكل لحمها و ذبحها، واعتبروا فضلاتها مرهما، مطهرا لكل قذارة، وإن ماتت يجب أن تدفن بكل عناية وتقديس، ومن تراتيلهم لها: « أيتها البقرة المقدسة لك كل التمجيد والدعاء في كل مظهر تظهرين فيه، كنت أنثى، أو عجلا صغيرا، أو ثورا».
هذا الدرس غير جاهز لبدئه بعد