الديانة الرومانية
المحاضرة السابعة: الديانة الرومانية
1/ ملامح الديانة الرومانية: عبد الرومان أول الأمر العديد من الآلهة والأرواح والأشباح، وفسروا وقوع الظواهر الطبيعية بأنها من عمل هذه الأرواح، ثم بعد ذلك نجدهم كلما احتكوا بقوم أخذوا ديانتهم، فعندما اختلطوا بالإغريق أخذوا آلهتهم وأعطوها أسماء لاتينية، وكذلك عندما احتلوا البلاد الشرقية واختلطوا بأهلها وأخذ منهم الكثير يتدين بالديانات الشرقية فاعتنقوها وتعبدوا بها وأخذوا يقيمون لها الطقوس ويقدمون لها القرابين. فالرومان كانوا من أكثر الشعوب القديمة قبولا لديانات الغير، فقد عبدوا آلهة كثيرة في وقت واحد، وكانوا كلما اتصلوا بقوم أخذوا آلهتهم وعبدوها تحت أي صفة، فانتشرت بينهم الديانات اليونانية الأولمبية والسرية، المصرية والفينيقية والفارسية وغيرها
فالدين الروماني عبارة عن خليط غير متجانس من عقائد دينية محلية ووافدة فلم يكن هناك ما يمنع الرومان من تبني أية عقيدة دينية تخدم دنياهم خدمة معينة وتساعدهم على الاستمرار في العيش، لقد كان الرومان نفعيين وحسيين إلى حد كبير وكانت الآلهة والقوى الميتافيزيقية بالنسبة لهم وسيلة حماية مقابل أجر يدفع لها على شكل تقدمات وأضاح نباتية وحيوانية ومادية لقاء خدماتهم، ولذلك فقد كانوا يعمدون إلى حرمان الآلهة من أجورهم إن كانت خدماتهم غير موفقة .
وكانت آلهتهم أرواحا لا هوية لها ولا معابد ولا كهنة، انحدرت لهم من العصور السحرية والأرواحية والطوطمية وعندما حولوها إلى آلهة تشبه ما يعبده جيرانكم افتقرت إلى التميز والوضوح ولم توضح في مجمع إلهي متسلسل الأنساق والأساطير، فضلا عن اختلاط ألهتهم مع آلهة الأقوام الأخرى الوافدة عليهم أو التي استولوا هم على أرضهم .
2/ الآلهة الرومانية: دان الرومان بالديانة الوثنية، ومع اتساع الإمبراطورية الرومانية تعددت الآلهة، حيث كان لكل شيء إله يديره، ويسهر على حمايته، حيث يقول أحد الرومان: » وطننا مملوء بالآلهة حتى غدا وجود إله أيسر من وجود رجل«، فكان لباب البيت إله خاص به، يحرسه ويمنع الأشرار من دخوله، وكان لمخزن الحبوب إله يرعاه ويباركه، وللموقد إله يحفظ ناره ويبقيها متقدة وحامية، وكان هناك آلهة للصحة والشباب والعفاف وأخرى للحظ والذاكرة والنصر وللماء والغابات، وآلهة لفصول السنة، ومن هنا يتضح أن للرومان آلهة متعددة، ومن الإله ما هو أصيل، ومنها ما هو دخيل على البلاد وجاء من شتى المناطق، كما اتخذ الرومان آلهة بعض الأعداء أربابا لاتقاء شرها، وحتى عند الانتصار على الشعوب الأخرى تضم معبوداتهم إلى المعبودات الرومانية. ولعل من أشهر الآلهة الرومانية نجد:
*/ جوبيتر(Jupiter): والد الآلهة وسيدها، والمعبود القومي للرومان، إله السماء الصافية.
*/ جونو(Juno): زوجة جوبتير، إلهة السماوات وحامية النساء عند الولادة وفي الزواج.
*/ مارس (Mars): هو هاديس عند الإغريق إله الحرب وابن جوبتير، وهو باعث النشاط والتجدد في النبات والطبيعة في الربيع، كان في البداية إلها مختصا بالزراعة، لكنه اختص بعد ذلك بالحرب، كان زوجا لريا سلفيا والدة روميلوس وريموس باني مدينة روما، لذلك يعتبر والد الشعب الروماني. وكذا إله الرجولة والقوة الخلاقة، الذي يبدو أثره في الحرب، وقد أقيم له معبد خارج روما يفتح في حالة الحرب ويغلق في حالة السلم، وتجتمع في ساحته المجالس المئوية.
*/فولكانوس(Vulcanus): يقابله هيفاستوس الإغريقي، هو ابن جوبيتر وجونو، هو إله النار والبراكين، صانع أسلحة الآلهة والأبطال.
*/أبلو (Apollon): هو ابن جوبتير ولاتونا، كان إلها للموسيقى، يعزف على قيطارة، ورامي السهام من قوسه الخفي وإلها للشفاء، علم الناس الطب، إلها للضوء، وكان إلها للحقيقة لا يقول إلا صدقا.
*/ ديانا(Diana): هي من أم الحيوانات المتوحشة والغابات، إلهة القمر، وقد اشتهرت بقوتها وجمالها ومهارتها في الصيد.
*/ نبتون(Neptun): كان إلها مختصا بالماء، لذلك كان إله للبحر، كان يسيطر على العواصف والزلازل، وقد كان ابنا لساتورن وأخا لجوبيتر.
*/ ميركوري(Mercury): إله روماني متأخر نسبيا ظهر عند الرومان في القرن الخامس قبل الميلاد، كان إلها متخصصا بتجارة الجبوب ثم أصبح إله التجارة و نقل البضائع بشكل عام، أنشأ له معبد في روما منذ عام 495 ق م، واسمه مشتق من جذر ميركس(Merx) بمعنى يتاجر وميركاري(Mercari ) بمعنى يقابض، ويجري صفقة، وقد ظهرت الحاجة إليه متأخرة لأن المزارعين في روما لم يكونوا بحاجة إلى إله التجارة.
*/ مينرفا(Minerva) : تقابل أثينا عند الإغريق، هي في الأصل إلهة أتروسكية كانت إلهة للعقل والعلم والحكمة والأدب والفن، ومن المحتمل أن جذورها الأولى تشير إلى أنها كانت إلهة الصواعق ظهرت باسماء مختلفة مثل منرفا، منرلا منروفا.
*/ فينوس(Venus): إلهة الحب والجمال احتلت فينوس موقعا متواضعا بين الآلهة الرومانية، اتحدت بالآلهة اليونانية أفروديت واستعارت صفاتها وأساطيرها، وفي القرن الأول قبل الميلاد أعلى يوليوس قيصر من شأنها لأنه عاد بنسب عائلته إلى البطل أيناس بن أنخيس فينوس، وأصبحت لها مكانتها في احتفالات فلوراليا ما بين أفريل وماي.
بالإضافة إلى فيستا (إلهة النار) وحامية العائلة، وباليس وفرنوس (حاميا القطعان)، ديس (إلهة العالم السفلي)، روما( الربة الحامية للمدينة)، فكتوريا( إلهة النصر)، صول ( إله الشمس)، ليبيرا( إله الخمر)، زحل( إله الزرع).
ونجد أن الآلهة الرومانية في معظمها هي نفسها الآلهة الإغريقية بأسماء مغايرة، تماثلت مع الآلهة الإغريقية، وتبنت نمطها الهيليني، فعرفت باسم الآلهة الرومانية، حتى أن الأساطير المنسوجة حولها مستوحاة من الأساطير الإغريقية مع مزجها بالروح والجو الروماني، ويجدر بنا أن نشير إلى ظاهرة تميز بها الرومان، وهي تسامحهم مع الآلهة الأجنبية والسماح بإقامة المعابد لها في روما كإيزيس وأوزوريس المصريين.
3/ عبادة الإمبراطور: تعلمت روما نتيجة احتكاكها بالإغريق أن تنسب ألقاب الشرف المقدسة إلى الأفراد، وظهر تأليه الأباطرة الممتازين بعد وفاتهم، غير أن هناك من الأباطرة من طالبوا بأن يعبدوا في حياتهم أمثال الإمبراطور كاليجولا (caligula) ونيرون ودوميتيان(Domitian)، وأن ينظر إلى كل منهم بوصفه سيدا وإلها.
لقد كان ذلك بالطبع دينا سياسيا، فلم يكن في استطاعة الآلهة إقامة إمبراطورية موحدة، لذلك عملوا على إيجاد إمبراطورية مقدسة، فأصبح الإمبراطور إلها ومركز العبادة، معنى هذا أن العبادة تحصل على أهمية خاصة من أطراف الإمبراطورية، واستمرت عبادة الإمبراطور إلى غاية القرن الثالث ميلادي إلى أن غير أورليان (Aurelien) مبدأ الحكم مضيفا إليه نعمة من الله، مما مهد الطريق أمام الإمبراطورية المسيحية وعلى الرغم من ذلك إلا أن شخصية الإمبراطور قد ظلت تتلقى قسط من التوقير والتبجيل.
4/ المعتقدات الرومانية: كان الرومان يؤمنون بالتطير والفأل، وفي اعتقادهم أن الأرباب يعرفون ويرسلون للناس آيات يدركونها، فيستنصح الروماني الأرباب قبل أن يشرع في العمل، فإذا أراد الحاكم القيام بعمل يجمع لديه مجلسا ينظر إلى الطيور السائرة، فإذا كانت فيها إشارة موافقة يدركون أن الأرباب استحسنت المشروع، وإلا كان معناه أنهم غير راضين عنه، ويزعمون أنه كثيرا ما يرسل الأرباب آياتهم من غير أن يسألوا، ويزعمون أنه قد ظهر نجم ذو ذب يوم موت الإمبراطور قيصر فكان إشارة نعيه.
5/ طقوس العبادة: لا تخرج طقوس العبادة الرومانية عن التقليد المتبع عند سائر الشعوب القديمة، وهي طقوس لكسب رضا الآلهة، وكانت الطقوس والاحتفالات تتم في أجواء يتخللها دوي الأغاني الصاخبة مما يثير الأعصاب، ويبعث على الهيجان خاصة لدى الكهنة، وكانت نار الموقد تلقى عناية كبيرة لدى الرومان فهي رمز الآلهة فستا ومادتها، وكان من الواجب أن لا تنطفئ هذه النار، وأن تغذي بنصيب من كل وجبة تتناولها الأسرة الرومانية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالعالم الروحي.
أما طقوس العبادة فكانت تتألف من طقسين متلازمين هي الصلاة والذبيحة، فبعد أن يرش على الضحية الخمر وتنثر عليها فتات الكعكة المقدسة، يقوم مساعد الكاهن بذبحها ثم تفحص الأحشاء فحصا دقيقا خاصة الكبد، فإذا وجد فيها بشير للخير وضعت على المذبح، وأكل ما تبقى من الحيوان، ويقوم الكاهن بتلاوة نوع من الصلاة بصوت منخفض وقد غطى رأسه، ويقوم آخر بنفخ المزمار ليطغى صوته على أصوات الشرـ بينما يقف السامعون صامتين، ومن شروط هذه الطقوس ممارستها بدقة وإلا فإن أي خطأ كفيل بإعادة الصلاة من جديد وتقديم ذبيحة جديدة ككفارة.
6/ الطقوس الجنائزية: كانت التقاليد الرومانية القديمة تقضي بأن يكون موكب جنازة المتوفى مهيبا تتخلله أناشيد وصراخات الندب والعويل والرثاء، وقد أفرطت هذه الظاهرة حتى قيدتها قوانين الألواح الإثني عشر، فألزم أهل البيت بوجود اثني عشر من الزمارين وتحضر مظاهر قلع الشعور من الرأس وغيرها.
كانت هناك طريقتان للتعامل مع جثة الميت أولها الحرق، وهي طريقة منحدرة من تقاليد جماعات الهندأوربية إلى أوربا وظلت العائلات المحافظة متمسكة بها، أما الطريقة الثانية فهي الدفن، ويوضع أمام الميت غصن شجرة الصنوبر أو السرو ليحذر الناس من العدوى، ثم يودع الميت ويعود المشيعون إلى بيوتهم، ويقضي ذوو الميت فترة حداد أمدها تسعة أيام يقدم في نهايتها الطعام عند قبر الميت.
7/ المعابد والكهنة: كانت المعابد الرومانية في بادئ الأمر بسيطة تتكون من غرفة واحدة فيها صورة الإله وأمام الصورة يوجد هيكل ومذبح تمارس أمامه العبادة، ثم أصبح الرومان يعتنون ببناء معابد كبيرة ضخمة استخدمت للعبادة وأغراض مدنية.
أما الكهنة فلا يؤلفون طبقة خاصة متميزة عن غيرهم من الطبقات الاجتماعية، ولا تتطلب وظيفتهم أعدادا خاصا أو تمرينا وممارسة، حيث كانت المناصب الدينية تشغل من قبل أشخاص أظهروا كفاءة كرجال دولة أو قادة جيش، وهو دليل قوى على مدى ارتباط الدولة بالدين. ويمكن تميز طبقتين من الكهنة:
أ/ كهنة يكلفون بالإشراف على ديانة الدولة: وتضم مجموعتين؛ الأولى تتكون من كبار رجال الدين والعرافين، وتشرف على التقويم السنوي، ويبلغ عددهم خمسة كهنة يرأسهم الكاهن الأعظم الذي يعتبر الزعيم الديني الأعلى للدولة، أما الثانية فتتكون من العرافين وعملهم يتمثل في معرفة مشيئة الآلهة في أي عمل تريد الدولة القيام به، ووسيلتهم في ذلك الفأل ومراقبة تحركات الطيور أو أصواتها طبقا لقوانين ثابتة ومعروفة لديهم، وهناك طائفة قريبة من العرافين وهم متنبئ "إتروريا" الذين كانوا يفحصون أحشاء القرابين التي تقدم للآلهة وتفسر معنى البرق.
ب/ كهنة الآلهة: فأهمهم الكهنة الثلاثة الذين يوقدون شعلة جوبيتر ومارس وكوبربتوس وإخوة أرفلليس الاثني عشر، وكانوا يقدمون الترانيم إلى الإله مارس، وإلى آلهة البذر وقت الزراعة، وعذارى فستا اللواتي كان واجبهم العناية بالنار الأزلية المتقدمة في معبد فستا أقدم معابد روما.