المحاضرة الأولى : الإطار المفاهيمي للاستثمار ( الحصة الأولى تعريف الاستثمار)
المحاضرة الأولى : الإطار المفاهيمي للاستثمار ( الحصة الأولى تعريف الاستثمار)
لقد اكتسب موضوع الاستثمار أهمية كبيرة مع مطلع القرن العشرين، حيث يعتبر العنصر الرئيس الذي ترتكز عليه الخطط الاقتصادية العامة في معظم الدول، وخصوصا الدول النامية، التي تسعى إلى التقدم و النمو الاقتصادي،
المبحث الأول : ماهية الاستثمار
المطلب الأول: مفهوم الاستثمار
يعتبر مصطلح الاستثمار من المصطلحات الشائعة في مجالي علم الاقتصاد والقانون، إلا أنه لكل لفط معنا لغويا وآخر اصطلاحيا، لذلك سوف نتحدث هنا عن المفهوم اللغوي للاستثمار(الفرع الأول)، ثم يليه المفهوم الاقتصادي للاستثمار(الفرع الثاني)، و كذلك المفهوم القانوني للاستثمار(الفرع الثالث)، ثم أبحث في أشكال الاستثمار (الفرع الرابع).
الفرع الأول: تعريف الاستثمار لغة واصطلاحا
الاستثمار لغة كلمة مشتقة من الثمر، والثمر حمل الشجر والثمر بمعنى المال ومن ذلك قوله تعالى: {{وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا}} ( سورة الكهف الآية 34)، ويطلق الثمر كذلك على أنواع المال كالذهب والفضة، كما يقال لكل ما يصدر من نفع عن شيء ثمرة كالقول ثمرة العمل الصالح الجنة، ومن ثمة يقال لما لا نفع فيه ليس له ثمر، فالمفهوم اللغوي للاستثمار هو استخدام المال وتشغيله بقصد تحقيق ثمرة هذا الاستخدام، فيكثر المال وينمو على مدى الزمن.
وقد عرف مجمع اللغة العربية الاستثمار بأنه: "استخدام الأموال في الإنتاج، إمّا مباشرة بشراء الالات والمواد الأولية، وإمّا بطريق غير مباشر كشراء الأسهم والسندات".
الفرع الثاني: تعريف الاستثمار الاجنبي من الناحية الاقتصادية (في الاصطلاح الاقتصادي)
فقد عرف بعض الفقه مصطلح الاستثمار الأجنبي بأنه: "انتقال أحد عوامل الإنتاج عبر الحدود الدولية للمساهمة في الاستغلال الاقتصادي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وبقصد تحقيق ربح نقدي متميز".
وعرّفه البعض بأنه: "انتقال رؤوس الأموال من الخارج إلى الدولة المضيفة، بغية تحقيق ربح للمستثمر الأجنبي، وبما يكفل زيادة الانتاج والتنمية في الدولة المضيفة".
وما يلاحظ على هذا التعريف أنه يرتكز على أهداف وخطط للتنمية في الدولة المضيفة، حيث يعتد بالأموال المحولة من دولة أجنبية.
كما عرفه بعض الفقه كذلك أنه: "رأسمال نقدي أو عيني مادي أو معنوي، كالمعرفة الفنية والتكنولوجيا والتصاميم الصناعية، وافد من الخارج مملوك لأفراد أو مؤسسات عربية أو أجنبية للمساهمة في النشاط التجاري والاقتصادي في بلد ما بقصد الحصول على عوائد مجزية إذا ثبت لصاحبه الحق في إعادة تصديره مع عوائده إلى الخارج".
حيث إن هذه التعريفات تناولت الصفة القانونية للأموال محل الاستثمار بأنها أموال أجنبية كما تطرقت للهدف الاقتصادي المتوخى من هذه الاستثمارات في توجيه النشاط الاقتصادي للدولة المضيفة.
حيث جاءت فيها معظم الدراسات مركزة على عنصر رأس المال و مدى ارتباطه بعناصر الانتاج ومن بين هذه التعاريف أيضا، أن الاستثمار هو: "مجموع الإضافات الصافية من المنتجات الرأسمالية إلى الثروة الوطنية"، و يلاحظ على هذا التعريف أنه يرتكز على دور الاستثمار في زيادة الثروة و تطوير قدرات الإنتاج.
و يعرف الاستثمار أيضا أنه: "كل تضحية بالموارد الحالية بهدف الحصول منها في المستقبل على مداخيل خلال فترة زمنية ممتدة يكون مبلغها الإجمالي أكبر من الإنفاق الأولي"، ويلاحظ على هذا التعريف أنه يهتم بالعوائد المحصل عليها من خلال عملية الاستثمار والتي يعتبرها غير مؤكدة في المستقبل.
وبذلك نلاحظ أن التعاريف السابقة اهتمت خاصة بالناتج المتوخى من عملية الاستثمار دون الإشارة إلى آليات تنظيم هذه العملية.
باعتباره عملية مركبة تجمع بين عناصر اقتصادية وأخرى قانونية، فإنه يجب على رجال القانون التطرق لهذا المصطلح وتحديد مفهومه من الناحية القانونية.
الفرع الثالث: المفهوم القانوني للاستثمار
أولا- تعريف الاستثمار في الفقه القانوني
تعددت التعاريف وتباينت الآراء حول مفهوم مصطلح الاستثمار الأجنبي، فعرفه بعض فقهاء القانون بأنه:
- " كل استخدام يجري في الخارج لموارد مالية يملكها بلد من البلدان".
- أو أنه:" توجيه جانب من أموال المشروع أو خبرته التكنولوجية إلى العمل في مناطق جغرافية خارج حدود دولته الأصلية".
- أو أنه:" كل مال أجنبي يساهم في بناء و تطوير قدرات التنمية في البلد المضيف مقابل ربح محتمل يتحقق بعد فترة زمنية معينة سواء اتخذ شكل استثمار مباشر أو غير مباشر".
و هي النظرة التي يتبناها معظم رجال القانون في تعريفهم للاستثمار الأجنبي، من خلال اهتمامهم بالجوانب الإجرائية و التنظيمية للعلاقة القانونية القائمة بين المستثمر الأجنبي من جهة، و الدولة المضيفة للاستثمار من جهة أخرى.
ثانيا- تعريف الاستثمار في التشريعات الدولية والوطنية
1-تعريف الاستثمار في الاتفاقيات والمواثيق الدولية
فقد تباينت التعاريف و المواقف التي جاءت بها المعاهدات و الاتفاقيات الدولية لهذا المصطلح الذي فرض نفسه ضمن بنود هذه الاخيرة، و نذكر من بين هذه التعاريف على سبيل المثال ما يلي:
تعريف صندوق النقد الدولي للاستثمار الأجنبي بأنه: "كل مساهمة أجنبية بغض النظر عن الشكل الذي قد تتخذه، كالمساهمة في رأس المال الاجتماعي، و في الأرباح المعاد استثمارها و كل أنواع القروض"، و بهذا فإن صندوق النقد ىالدولي اعتمد المفهوم الموسع للاستثمار الأجنبي من حيث الشكل الذي يأخذه رأس المال، شريطة أن يكون ذا مصدر أجنبي.
و في نفس السياق، نجد اتفاقية إنشاء المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار لم تتعرض لتعريف مصطلح "الاستثمار" رغبة منها في تشجيع انتقال رؤوس الأموال عبر الدول، لتجسيد المشاريع الاستثمارية، و توسيع اختصاص المركز إلى كثير منها.
كما عمدت اتفاقية إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار إلى تعريف هذا المصطلح بأنه: "يشمل حقوق الملكية والقروض المتوسطة أو الطويلة الأجل التي يقدمها أو يضمنها المشاركون في ملكية المشروع المعني إضافة إلى صور الاستثمار المباشر المختلفة"، و يلاحظ على التعريفين السابقين أن مفهوم الاستثمار يرتكز على العناصر التي ترد عليها عملية الاستثمار على سبيل الحصر، وبذلك اعتمدت المفهوم الضيق للاستثمار الأجنبي.
أما في إطار الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها الجزائر بهدف التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات بين الطرفين، فنجد مثلا الاتفاقية الجزائرية التونسية عرفت الاستثمار في المادة الأولى منها بأنه:" جميع أصناف الأصول التي تستثمر من قبل مستثمر أحد الطرفين المتعاقدين في إقليم الطرف المتعاقد الىخر، طبقا لقوانينه وتشمل على سبيل الخصوص لا الحصر :
-الأملاك المنقولة والعقارية وكذلك الحقوق العينية الأخرى كالرهم والامتيازات والرهون الحيازية، وحق الانتفاع والحقوق المماثلة الأخرى.
-الأسهم وحصص الشركاء واشكال أخرى من المساهمة في الأمور الذاتية للشركات .
- السندات والديون والحقوق المتعلقة بخدمات لها قيمة اقتصادية.
- الامتيازات الممنوحة بموجب قانون أو عقدن ومخاصة الامتيازات المتعلقة بالتنقيب عن المواد الطبيعية واستخراجها واستغلالها".
يمكن القول بأن الاتفاقيات التي صادقت عليها الجزائر في مجال الاستثمار سواء كانت ثنائية أو متعددة الأطراف، لم تضع تعريفا دقيقا للاستثمار، بحيث تركت نوعا من الليونة في استيعاب الأشكال الجديدة للاستثمارات .
وبهذا نخلص إلى القول إن تعريف الاستثمار الاجنبي يتوقف على الهدف المتوخى من عملية الاستثمار،
2-تعريف الاستثمار في قوانين الاستثمار
لم يكن مفهوم الاستثمار واضحا في القانون الجزائري إلا بعد صدور القانون رقم 01-03 المتعلق بتطوير الاستثمار، حيث لم يتطرق القانون رقم 63-77 لتعريف الاستثمار بل اكتفى بتحديد مجالات تطبيقه مركزا على الاستثمارات المباشرة،، وكذلك نفس الشيء بالنسبة للقانون رقم 66-28 المتضمن قانون الاستثمار، والذي لم يعرف الاستثمار بل حدد نطاق تدخل الرأس المال الخاص في التنمية الاقتصادية، ونفس الأمر بالنسبة للقانون رقم 88-25 المتعلق بتوجيه الاستثمارات الاقتصادية الخاصة الوطنية، ثم بعده القانون رقم 90-10 المتعلق بالنقد والقرض اللذان لم يعطيا تعريفا للاستثمار.
بصدور المرسوم التشريعي رقم 93-12 المتعلق بترقية الاستثمار، يتبين ان المشرع الجزائري لم يقم بتعريف الاستثمار بل اكتفى في المادتين الأولى والثانية منه بتحديد مجالات وأشكال الاستثمار والمتمثلة في الأنشطة الاقتصادية الخاصة بإنتاج السلع أو الخدمات غير المخصصة صراحة للدولة أو لاحد فروعها بنص تشريعي، الاستثمارات المنشئة والمنمية للقدرات ، الاستثمارات في إطار إعادة التأهيل او الهيكلة، المشاركة في رأس مال مؤسسة اقتصادية من خلال حصص عينية أو نقدية ،أما الأمر رقم 01-03 المتعلق بتطوير الاستثمار في المادة الثانية منه، بقي المشرع على نفس الطريقة السابقة في تعريفه للاستثمار مع التوسيع في مجالات الاستثمار من خلال إضافة الخوصصة كأسلوب جديد للاستثمار، وبصدور القانون رقم 16-09 المتعلق بترقية الاستثمار ، أخذ المشرع الجزائري نفس الإتجاه مع حذفه لعملية الخوصصة كشكل من أشكال الاستثمار.