النقد الأسلوبي
الخطوط العريضة للقسم
-
المستقبل من القبول والذي يقبل هو المكان الفضاء لحضة اتحاد بين المكان والزمن الذات قبل المكان أم قبل الزمن بعد المكان ... هي لحظة فضائية بفضل طاقتها تولد مدارات حولها ومجالات مغناطيسية كي لا تفلت منها الأشياء لتبقى تحت السيطرة
-
تقديم نظري للنقد الأسلوبي:
لا ريب أن الإبداع فيه شيء من الفرادة والأسلوب الخاص، وتتبعه وتفسيره وقراءته تحتاج إلى أدوات واسعة بسعة التجربة الإنسانية، لذلك يجب نقل النقد من توظيفات اللغة ، إلى نقد جمالي يقدم تفسيرا واقعيا لظاهرة الإبداع الأدبي يميز بين فنية الفن وعناصر جماليتها ومظاهر الإبداع الرسالية، في عنى وثراء واضح تقف الألسنية والأسلوبية بصورتها الحالية مدهوشة ومبهورة تجاه عظمته .
ما نستنتجه من التقديم كون الأسلوبية هي شيء من اللغة وشيء من علم الجمال فإذا قلنا اللغة يذهب عقلنا إلى البنيوية باعتبارها شكل من النظام والأسلوبية تحاور هذا النظام بغية الوصول إلى توصيف علمي دقيق يكشف طريقة هذا النظام في تأثيث النص بجماليات خارقة ومن ثمة تدخل العملية النقدية في عالم الأسلوبية حيز النقد الجمالي والبلاغي
لقد أجاب النقد الأدبي حتى في صوره البدائية عن تساؤلات مهمّة تخص الأدب وجمالياته، وكان للبلاغة العربية بعلومها: البديع والبيان والمعاني بناءات شاهقة عملاقة في هذا الشأن، نجد أن الأسلوبية تريد بلوغ تلك المباني. وتستثمر هذا المعمار لكن هناك فارق اشتغال بينهما البلاغة تبحث عن كيفية تشكيل النصوص بشكل عام أما الأسلوبية تبحث عن كيفية هذا التشكل في نص خاص بمبدعه الخاص الذي سيختلف بالضرورة عن نص سواه وعن ذات غيرها
إن النقد الأسلوبي نقد يحقّق وصفا جيدا لجانب مهم من عملية الإبداع، انّه ينظر إليها من زاوية طريقة تحقق العمل الفني كما كانت تشتغل البلاغة القديمة فإذا كانت البلاغة تبحث عن الكليات فالأسلوبية تبحث عن الخصوصيات والتفرد في الأداء والاشتغال في هذا الجانب ولجوانب جمالية كثيرة في لغة الإبداع وأساليبه.
إذا كان علمُ اللغة يدرس ما يقال فإنّ الأسلوبية تدرس كيفيةَ ما يقال مستخدمةً الوصفَ و التحليل، وعلى هذا الأساس يكون توجّهُ الأسلوبية نحو تحليل النص لاستكشاف العنصر التأثيري للأدوات البلاغية التي يوظّفها الكاتبُ في نصّه.
و المهمُّ الإشارةُ إلى أنّ التناول الأسلوبيّ إنّما ينصبّ على اللغة الأدبية لأنها تمثّلُ التنوّعَ الفرديّ المتميّزَ في الأداء بما فيه من وعيٍ و اختيارٍ، و بما فيه من انحرافٍ عن المستوى العاديّ المألوف بخلاف اللغة العادية التي تتميز بالتلقائية والتي يتبادلها الأفراد بشكل دائم و غير متميّز .
تستند الأسلوبية إلى ازدواجية الخطاب حيث نجد مجموعةً من الألفاظ يمكن للمتكلّم أن يأتيَ بواحدٍ منها في كلّ جملة من جمل الكلام، و يمكن أن تقومَ واحدةٌ مكان الأخرى ، فاختيارُ المتكلّم و الكاتب ( المرسل ) هذه المفردةَ دون الأخرى يخضع لخصوصية أسلوبه، فتدرس الأسلوبية هذا الاختيارَ وتبيّن دلالتَه وأثرَه الفنيَّ في المرسَل إليه، فمجالُ الأسلوبية يكون مقتصراً على مكوِّنات النص الداخلية فلا يتعدّاها إلى ما هو خارجيّ من العوامل المؤثرة.
و ينطلق البحثُ الأسلوبيّ في مقاربته النصَّ الأدبيّ من المقولات الآتية:
الاختيار - التركيب - الانزياح
1- الاختيار :
يقصد به انتقاءُ المنشئ لسماتٍ لغويةٍ معيّنة بغرض التعبير عن موقفٍ معيّن، و هذا الانتقاء يجعل من الأسلوب عملاً واعياً لأنّ اختيارَ المبدع هذا اللفظَ أو التركيب دون غيره إنّما لأنّه أقدرُ على حمل مراده إلى حيّز الورق حسبَ تقدير هذا المبدع.
و للاختيار صورٌ متعدِّدةٌ ،فمنها ما يُختار على مستوى اللفظ أو المعجم و منها على مستوى التركيب ( النحو ) فيغدو الأسلوبُ بذلك استثماراً و توظيفاً للطاقات الكامنة في اللغة.
و من صور الاختيار ما ينشأ من التعبيرات المجازية وهذا يتجاوز المفردة لينظر إلى التركيب مجملاً، فمن أمثلته قول الشاعر:
أفرِغ خلودَكَ في الشبابْ
يمكن أن نجدَ على محور الاختيار فيما يتعلّق بالتركيب (أفرِغ خلودَكَ) بدائلَ كثيرةً مثل: أطلق، ارم، اقذف، صب ... إلخ، لكنّ الشاعرَ آثر( أفرغ) ظنّاً منه أنّ الفعلَ (أفرغ) الذي يوحي بالغزارة يمكن أن يؤدّيَ المرادَ أكثرَ ممّا تؤدّيه بقيةُ الأفعال المنتظرة على جدول الاختيار.
2ً- التركيب :
يقوم التركيب بنظم الكلمات المختارة في الخطاب الأدبي متوسّلاً في ذلك بعمليتي الحضور و الغياب، الحضور للكلمات المختارة و الغياب للكلمات الأخرى المصفوفة في جدول الاختيار، و الدخول في علاقة جدلية أو استبدالية، فالكلمات الأخرى تتوّزع غيابياً في شكل تداعيات للكلمات المنتمية لنفس الجدول الدلالي
إنّ صورة الغياب هذه تعطي للأفعال معانٍ* إضافيةً لأنها بالنصّ دائماً حافّةٌ، كما تعطيها أيضاً قيمةَ الشهادة على أسلوبية الجملة
فالتحليل هو دراسة الانسجام الحاصل بين المفردات و الأثر الجمالي و الفني الذي يتركه في ذهن المتلقّي، و على هذا يكون الأسلوبُ عند ( جاكبسون ) تطابقاً لجدول الاختيار على جدول التأليف أو التركيب
إنّ الدّرسَ الأسلوبيّ لا يقف عند توصيف بنية التركيب في الخطاب الأدبي بل يستقصي من خلال ما يتفرّع عنها من أشكالٍ تعبيرية كالتقديم و التأخير والحذف و الذكر و التعريف و التنكير ... إلخ فكلّ شكلٍ من هذه الأشكال هو خاصيةٌ أسلوبية ذاتُ دلالة خاصّة بتركيبها ضمن النّسق اللغوي.
3ً- الانزياح :
ورد مصطلحُ الانزياح كثيراً في الدراسات القديمة والحديثة و اتخذ أكثر من تسمية منها الانحراف والعدول و الإبداع و التغيير و الخروج ... إلخ. وهو يُعدُّ مؤشّراً على أدبيّة النصّ وشهرته لأنّ الخروج عن النسيج اللغوي العادي في أيّ مستوى من مستوياته ( الصّوتي، التركيبي، الأسلوبي، البلاغي ) يمثّل بحدّ ذاته حدثاً أسلوبياً
و الانزياحُ هو الرّكن الذي بني عليه جان كوهن كتابَه ( بنية اللغة الشعرية ) إذ عدّ الانزياح مبدأ الشعرية، و الانزياحُ لا يكون شعريّاً إلا إذا كان محكوماً بقانون يجعله مختلفاً عن غير المعقول، و هذا ما يتجلّى في علاقةٍ مفردةٍ ما مع المفردات الأخرى ضمن السّياق، فكلمة ( السّماء ) لا تشكّل انزياحاً إلا إذا أُسند إليها فعلٌ لم يعتدْ أن يُسندَ إليها مثل ( بكت ) ليتشكّل انزياحٌ يُسمّى في البلاغة استعارةً ،فعلاقة( السّماء) مع (بكت) يمكن دراستُها ضمن مجال الدّرس الأسلوبي، فوظيفتُه أي ( علم الأسلوب ) تبيانُ الوظيفة التأثيرية و الجمالية و الدّلالية لهذا الانزياح.
خاتمة:
من خلال هذه المعايير النقدية والإجرائية التي تعتمدها الأسلوبية في تحليل النصوص الأدبية؛ تبرهن الأسلوبية بأنها وفية لاسمها لكونها اقتصرت على دراسة الأسلوب وطريقة تحققه وكيفية انجازه.
إنها نقلت النقد الأدبي إلى مكانه الصحيح بتخليصه من الأبحاث الخارجية كالنفسية والاجتماعية، إنّ تلك النقلة الواثقة للبحث عن طرائق التأليف الخاصة لكل مبدع مع مزج البحث الأسلوبي ومرتكزات الأسلوب ومبادئه العامة من ظروف وأحوال نفسية وتاريخية واجتماعية؛ بالبحث الجمالي والفني يدخل النقد الأسلوبي إلى مجال أن النص النقدي هو نص موازي لنص المبدع لا يقل إبداعا عليه
لو جئنا إلى تحليل عميق للنقد الأسلوبي نجده وبوضح يهتم بالتوظيف الفني، انّه يرتكز على قواعد ومسائل علم اللغة العام والألسنية والتخاطب، يرى ذلك التوظيف من جهة الأسلوب الخارق للقاعدة، مع توظيف راقي للمعهود والمعروف،
تعتمد الأسلوبية على التوظيف الفني الذي هو احد عوامل الإبهار كما أن المدقق يجد أن الأسلوبية في واقعها تتبع حر لمظاهر الإبداع الأسلوبية...
-
نص: (استقبال القمر)
لإبراهيم ناجي
أَقبِلْ بموكبك الأغَرْ ***** ما أظمأَ الأبصارَ لكْ!
العين بعدك يا قمرْ ***** عمياءٌ! والدنيا حلَكْ
***
تمضي وراءَ سحابةٍ ***** تحنو عليك وتلثمُكْ
وأنا رهين كآبة ***** بخواطري أتوهًّمُكْ!
***
كن حيث شئتَ فما أنا ***** إلاَّ معنَّى بالمحالِ
أغدو لقدسك بالمنى ***** وأزور عرشك بالخيالِ!
***
وأقول صبراً كلَّما ***** عزً الفكاك على الأسيرْ
روحي وروحك ربما ***** طابا عناقاً في الأثيرْ
***
مهما تسامى موضعُكْ ***** وعلا مكانُك في الوجودْ
فأنا خيالك أتبعُك ***** ظمآن أرشف ما تجودْ
***
قمرَ الأماني يا قمرْ ***** إني بهمٍّ مسقمِ
أنت الشفاءُ المدَّخرْ ***** فاسكب ضياءك في دمي
***
أفرِغ خلودَكَ في الشبابْ ***** واخلعْ على قلبي الصفاءْ
أسفاً لعمرٍ كالحبابْ ***** والكأسُ فائضة شقاءْ
***
خذني اليك ونجّني ***** مما أُعاني في الثرى
قدحي ترنَّق فاسقني ***** قدح الشعاع مطهّرا!
***
واهاً لأحلامٍ طوالْ ***** وأنا وأنتَ بمعزلِ
نَعْلو على قمم الجبالْ ***** ونرى العوالم من عَلِتحليل النص أسلوبياً:
يعتمد التحليل الإجرائي على ثلاث مكونات ومستويات: -الاختيار -التركيب -الانزياح ويتم فيه تناول المستويات الثلاث: -الصرفي و-الدلالي و-الصوتي، ويكون التحليل دون تقسيم واضح للمكونات لكن يتضمنها وإنما تقسيمنا الآن هو تقسيم تعليمي يسهل عملية التحليل
مبدأ الاختيار: وهي مختلف الخيارات التي قدمها الكاتب على كل المستويات -الصرفي و-الدلالي و-الصوتي من المؤكد ونحن نبحث عن كيفية تشكيل النص وطرقه تبدأ المسألة من خلال انتقاءات الشاعر التي تعرب عن ما يدور في خوالجه وما تسيطر عليه من هواجس وأحاسيس ستتجلى عبر نصه ويعكسها في إبداعه الذي سيعبر عنها بطريقته الخاصة مما يمليه حسه الفني وذوقه الجمالي ليتجلى الجمال في طاقم من جلال
أ-الخيارات المعجمية والصرفية: يقع خيار الشاعر إبراهيم ناجي على لفظتين في مستهل النص وعلى رأسه ليكتب عنوان باقته (استقبال القمر) يوحي عنوان القصيدة بنوع من التفاؤل ، أو الفرح ، فالاستقبال يكون لضيف عزيز نسعد بقدومه ، أو لشخص عظيم نسعد بلقائه ليباشر الشاعر في حفل استقباله لقمره في جو من المناجاة والترجي والترقب؛ شكّل هذا العنوان مدخلا لها
إنّ مناجاة القمر تستمر مع الشاعر من بداية القصيدة إلى آخرها ، تجسد الأمر في امتداد الحوار بين الشاعر والقمر على طول القصيدة ، و أجد إنه من الأفضل أن نبدأ تحليلنا الأسلوبي لها بملاحظة طريقة خطاب الشاعر للقمر، والسمة البارزة لخطاب القمر هنا كثرة أفعال الأمر التي يراد بها الدعاء ،أو الرجاء ، أو التمني ، فالمقطع الأول يبدأ بفعل أمر ( أقبلْ )، والمقطع الثاني يبدأ بفعل أمر كذلك (كنْ ) ، وبعد ثلاثة مقاطع تأتي بداية مختلفة ، وهي النداء المكرر ( قمر الأماني يا قمر )
ويمكن أن نلاحظ هنا ما في إضافة القمر إلى الأماني من حذف حرف النداء ، كم كرر النداء بــ (يا )في ذات البيت .
و في الفصل الأخير تتوالى ستة أفعال أمر في ثلاثة مقاطع ، وهي ( اسكبْ، أفرغْ ، اخلعْ، خذني، نجني ، اسقني ) ، أمّا المقطع الخامس فيبدو أنه مميز عن المقطع السابق ، إذ بُدئ باسم فعل مضارع، يدل على التعجب ( واهاً) ، وخلا من أي فعل أمر ، ويبدو أن تركز أفعال الأمر الدعائي في المقاطع الثلاثة التي سبقت المقطع الأخير يعبّر عن تصاعد انفعال الشاعر ، في حين أن خلّو المقطع الأخير منها يدل على الوصول إلى نقطة إشباع ، ويؤكد ذلك استعمال اسم الفعل الذي يدل على التعجب ، والعطف بين ضمير المتكلم ، وضمير المخاطب .
ويستوقف نظرنا من بين هذه الأفعال قوله في ابتداء المقطع الثالث : (كن حيث شئت ) ، فهذا الأمر يختلف عن فعل الأمر السابق (أقبل ) ، وعن الأفعال التالية (اسكب ، أفرغْ ، اخلعْ ، خذني ، نجني ، اسقني) التي تدل على التضرع والدعاء .
إن الذي يريد أن يقول: ( كن حيث شئت ) يريد بها نوعاً من التحدي ، وكأنه يقول: لا يهمني من أنت ، ولا ابن من تكون ، وبهذا يشعر خصمه أنه أعدّ له اللقاء المناسب.
ب-الخيارات الصوتية: وقع خيار الشاعر على وزن قصير مرن وهو ( مجزوء الكامل ) يزيد القصيدة إشراقاً وجمالاً،
ويعد البحر الكامل من أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا، قديمًا وحديثًا، وهو بحرٌ أُحاديُّ التّفعيلةِ يرتكزُ بناؤه على تَكرارِ (مُتَفَاعِلُنْ ///0//0). هذه التّفعيلة الّتي يطرأُ عليها زُحافٌ واحدٌ وأربعُ عِلَلٍ)
من المعروف أن وزن بحر الكامل
متفاعلن متفاعلن متفاعلن.... متفاعلن متفاعلن متفاعلنذلك هو التام أي تمت جميع تفعيلاته ..يعني ست تفعيلات : ثلاث في كل شطر
وعندما تحذف تفعيلة واحدة من كل شطر أي يصبح البيت بأربع تفعيلات: تفعيلتان في كل شطر يكون هو مجزوء الكامل
إذن يكون وزن مجزوء الكامل هو:متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلن
وهذا الوزن يختلف مع الزحافات والعلل التي تدخل في التفعيلة كما يحدث في الكامل التام .. وطبعًا هذا الأمر بسبب اختيارات للألفاظ واختيار لقافية القصيدة التي اختارها ابراهيم ناجي
وهذه صور تفعيلات مجزوء الكامل1- الوزن السالم: وهذا يعني أنه لم يدخل على أجزائه أي نوع من التغيير
مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ ** مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ
\\\0\\0 | \\\0\\0 ****** \\\0\\0| \\\0\\0:
مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ ** مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلاتُنْ-2 الوزن المرفل ؛ أي اضيف للبيت حرفان في نهاية العجز . طبعًا بسبب اختيار كلمة القافية وبسببها يزاد حرفان على متفاعلن فتصير متفاعلاتن ..أي زيد على التفعيلة متحرك وساكن
مُتَفَاعِلُنْ | مُتَفَاعِلُنْ ** مُتْفَاعِلُنْ | مُتَفَاعِلاتُنْ\\\0\\0 | \\\0\\0 *** \\\0\\0 | \\\0\\0\0
3- الوزن المذيل: أي أضيف للبيت حرف واحد في نهاية العجز يعني زيد سكون على التفعيلة الأخيرة
مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ ** *** مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلَانْ\\\0\\0 | \\0\\0 ****** \\\0\\0 | \\\0\\00
4- الوزن المقطوع: أي حذف الحرف الأخير الساكن ( الحرف السابع من التفعيلة ) وتم تسكين الحرف السادس من التفعيلة
مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ **** مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلْ
\\\0\\0 | \\\0\\0 ****\\\0\\0 | \\\0\05-زُحاف الإضمار: هو الأخذ في الاعتبار جواز تسكين المتحرك الثاني من كل تفعيلة لتصير متفاعلن إلى مستفعلن
لقد غلبت الأصوات المهموسة " ء، ت، ث، ح، خ، س، ش، ص، ط، ف، ق، ك، هـ". على كل الأصوات المجهورة واتضح بشكل جلي أثرها على النّص من الناحية الدلالية، والتعبيرية من خلال بيان استخدام الشاعر لخطابه الخاص الموحي بالحرمان ، والشوق إلى الانعتاق من هموم الدنيا ومآسي الوجود .. حتى اتصفت الأصوات بالهشاشة واللين هي هشاشة نفسية الشاعر ولين حاله
واللين صفة لصوتى الواو والياء حال سكونـهما، ويكون ما قبلهما مفتوحـًا؛ كما فى: "خَـوْف،
حين أن الـهمس صفة ناتجة عن عدم اهتزاز الأوتار الصوتية عند النطق بالصوت وهي ما غلب على صفات أصوات القصيدة من حيث رجع صدى لحالة الشاعر الوجدانية والوجودية
الخيارات الدلالية: للاختيار صورٌ متعدِّدةٌ ،فمنها ما يُختار على مستوى اللفظ أو المعجم و منها على مستوى التركيب ( النحو ) ومن ثمة تتكون الدلالات المتقدمة في جدول خيارات الكاتب فيغدو الأسلوبُ بذلك استثماراً وتوظيفاً للطاقات الكامنة في اللغة.
إن الحديث على مستوى الخيارات الدلالية التي انتقاها الشاعر هو ما ارتبط بلفظة "قمر" التي تكررت أكثر من مرة هو حديث عن هذا التكرار وما أحدثه من أثر معنوي ودلالي، فاللفظة "قمر" تكررت في القصيدة أربع مرات ، في العنوان ، وفي المقطعين الأول والسادس ، ولا يخفى ما لهذا التكرار الصوتي في النّص من قيمة إيحائية ودلالية . فقد ارتبط القمر في عنوان القصيدة بالمصور ( استقبال ) ، فإضافة القمر للمصدر أوضح أن ثمة لقاء سيأتي ، و أنّ هذا اللقاء ليس إلّا لشخص بعيد عزيز لديه، لكن هل حدث هذا اللقاء أم لم يحدث؟ لا ندري ، فما أن نصل إلى القصيدة حتى تخبرنا بأنّ هذا اللقاء لم يكن إلّا أماني و أوهاماً ، و أحلاماً تجلب الحسرات ، فارتباط القمر في المقطع الأول ( بالعين العمياء ) يدل على استيائه و يأسه من حلول هذا اللقاء بأي شكل من الأشكال ، كما هو الإنسان الأعمى الذي لن يستطيع يوماً أن تلتقي عيناه بالدنيا ، ثم يكشف الستار عن حقيقة مجلجلة في نفسه ، في المقطع السادس بأن هذا اللقاء الذي ينتظره حقّاً ، ما هو إلاّ أحلام وأمانٍ ، وقد تكررت كلمة قمر في هذا المقطع مرتين ، لتدل على قيمة وجدانية ، و أن هذا الشاعر قد بلغ ذروة انفعاله ، فكلمة (قمر ) في سياقها النصي هي الكلمة المحورية و الجوهرية التي سلطت أضواءها على فضاءات النص ،وبلورت جمالياته .
ومن صور الاختيار ما ينشأ من التعبيرات المجازية وهذا يتجاوز المفردة لينظر إلى التركيب مجملاً، وما يقدمه من دلالات وعاني فمن أمثلته قول الشاعر:
أفرِغ خلودَكَ في الشبابْ
يمكن أن نجدَ على محور الاختيار فيما يتعلّق بالتركيب (أفرِغ خلودَكَ) بدائلَ كثيرةً مثل: أطلق، ارم، اقذف، صب ... إلخ، لكنّ الشاعرَ آثر( أفرغ) ظنّاً منه أنّ الفعلَ (أفرغ) الذي يوحي بالغزارة يمكن أن يؤدّيَ المرادَ أكثرَ ممّا تؤدّيه بقيةُ الأفعال المنتظرة على جدول الاختيار. حتى تكونت دلالات البحث عن الاستمرار والتجدد وعدم الفناء والسمو والعلو والضياء الذي يرجى ويأمل أن يكون في الشباب أو الحياة بصفة عامة
2-التركيب:
بعد أن اختار الشاعر مجموعة من الألفاظ والمعاني والدلالات والأصوات يدخل مرحلة أخرى من مراحل التأليف ألا وهي مرحلة التركيب أي تركيب و ائتلاف الكلمات وكل الخيارات
ليس التركيب ضمُّ أو رَصْفُ اسمٍ إلى جانب اسمٍ، أو فعلٍ إلى جانب اسمٍ؛ فقط ليُكوِّن كلامًا مفيدًا يؤدي وظيفته الاتصالية ويَقبله المتلقي؛ بل هو نظم الكلمات والمعاني والدلالات المختارة في الخطاب الأدبي متوسّلاً في ذلك بعمليتي الحضور والغياب، الحضور للكلمات المختارة والغياب للكلمات الأخرى المصفوفة في جدول الاختيار، و الدخول في علاقة جدلية أو استبدالية، فالكلمات الأخرى تتوّزع غيابياً في شكل تداعيات للكلمات المنتمية لنفس الجدول الدلالي
نلاحظ جملة من التراكيب التي عمد إليها الشاعر من رصف للكلمات أسماء وأفعال عبر أشكال وألوان وتراتبات مختلفة عبرت عن موقف الكاتب وذوقه الخاص وطريقته المتميزة عن غيره في شأن الربط والتركيب والتأليف بين الخيارات التي قدمها على كل المستويات
يستهل الشاعر في بداية قصيدته بتركيب اسمي "استقبال القمر" بعدما اختار لفظة استقبال ولفظة قمر ليركب اللفظتين كما سيفعل مع باقي الخيارات الأخرى
أَقبِلْ بموكبك العين بعدك عمياءٌ //تمضي وراءَ سحابةٍ// وأنا رهين كآبة بخواطري أتوهًّمُكْ
هذه جملة من التراكيب على عدة صورمنها ما هو مركب من اسمين وهو الجملة الاسمية، أو من فعلٍ واسم وهو الجملة الفعلية، وقد يطول التركيب، فيتصل به ما تتم به الفائدة؛ كشبه الجملة - من الظرف والجار والمجرور - والمفاعيل بأنواعها، وغيرها من المكملات التي وإن كانت غير أصيلة في الجملة من ناحية الظاهر أو اللفظ، فإنها أصيلة جدًّا من ناحية المعنى والدلالة؛ إذ إنها تُظهر مَن وقَع عليه فعلُ الفاعل، أو تُوضِّح حاله وهيئته، أو غايةَ فِعله.الملاحظ من خلال نمطية التراكيب التي عمد إليها الشاعر أنها تختلف عن نمطية التركيب العادي للكلمات كما هو دارج في اللغة وإنما هو انحراف عن المألوف وكسر للتقليد والهروب من الدارج
الانزياح: وهو تحقق التركيب المنحرف عن مساره فبعدما اختار الشاعر خياراته من الأسماء والأفعال والمعاني .. يركبها وعند التركيب فإنه ينزاح أي يخرج عن التراكيب العادية والمألوفة
فمن خلال النص فإذا نظرنا إلى نوع التراكيب التي نظمها ابراهيم ناجي تتضح الصور البلاغية والأساليب الجمالية والفنية في طريقة نظم الكلمات والمعاني واالدلالات، فمخاطبة الشاعر للقمر ليست مخاطبة عادية، بل كما لو كان إنساناً عاقلاً.. هذا أمر غير مستغرب في لغة الشعر ، فتلك الصور التي رسمها الشاعر تعبّر عن شوقه إلى الانعتاق من هموم الدنيا ، وقد عرف بسخطه على الحياة و الأحياء ، ناعياً سوء حظه ، وضياع عمره . ولكن لابد أن أتوقف عند سلبية الصور التي يرسمها لنفسه ، فهو لا يخوض صراعاً من أي نوع كان ،و إنما هو فريسة الهم ، والسقم ، والشقاء ، ولذلك فإن القمر يجب أن يصنع له كل شيء ، ويجب أن يشفيه من همه المسقم ، و أن يجعله خالداً مثله ، ويأخذه بعيداً عن عالم المعاناة هذا ، وربما خيّل إلينا قوله ( واخلع على قلبي الصفاء ) أنه يعاني نوعاً من الصراع الداخلي ، لكننا لا بدَّ أن نستعبد هذا الفهم ، حيث نجده يقول:
قدحي ترنُّق فاسقني***قدح الشعاع مطهراً
فهو (مستقبل ) فحسب ، الحياة تسقيه كل شيء ، وهو يريد شراباً صافياً ، مع أنه لم يفعل شيئاً يستحق هذه النعمة إلّا الصبر والانتظار .
و نلاحظ أيضاً أن تمثيل الشاعر للنعمة التي يرجوها من القمر قد غلبت عليها صورة (الشراب ) ، ( ما أظمأ الأبصار إليك ) ، (ظمآن أرشف ما تجود ) ، ( اسكب ضياءك في دمي ) ، ( أفرغ خلودك في الشباب ) ، وإن كانت هناك صورة لمسيّة ،وهي صورة العناق ، ( طابا عناقاً في الأثير ) ، وصورة بصرية : ( العين بعدك عمياء ) ، وثالثة مستعارة من اللبس (اخلع على قلبي الصفاء ) ، وغلبة صورة الشراب ، تجعلني أميل إلى الظن بأن في القصيدة حزمة انفعالية ترجع في منشئها إلى المرحلة الفمية في حياة الطفل ، فعلماء التحليل النفسي ، يقولون : ترتكز حياة الطفل النفسية في أشهره الأولى حول فمه ، فالفم هو مصدر المعرفة ، ومصدر الوجدان ، والنزوع جميعاً، فهو يرضع بفمه ، يحبّ بفمه ،يناغي بفمه ، ويميّز الأشياء بفمه ، والدليل على أن هذا الفم هو مصدر الأحاسيس الوجدانية لدى الإنسان في مراحل حياته الأولى ، هو أننا ربما لاحظنا أن الطفل عندما ينتهي من الرضاعة يتصبب عرقاً ، وهذا يدل على الاندماج الكامل بين الأم و الطفل ، وعندما تنزع الأم طفلها قبل إتمام الرضاعة ، فإن أمارات الفزع والغضب تبدو واضحة عليه تماماً . فالشاعر يريد أن يشعر بالاندماج الكامل بينه وبين القمر ،فيخلع عليه صفات الأم من العناق في قوله : ( طابا عناقاً في الأثير ) فهو تعبير دقيق عن عناق الأم لطفلها ، ومن الحنان في قوله :( تحنو عليك وتلثمك ) ، أما في قوله ( العين بعدك عمياء ) فهي تطابق المعروف عن اكتمال الإحساسات البصرية لدى الرضيع ، وأنها أول ما تتركز على أمه ، فالصور تغوص في أعماق العقل الباطني ، وإنْ تشرَّبت كثيراً من التجارب الواعية ، فهو - الشاعر – يعيش وسط أحلام و أماني ، وأوهام ، يحاول أن يصل إلى السعادة المفتقدة ، خلال مناجاته مع القمر ، وكأنه طفل يحاول أن يتعلق بأمه الغالية .فرؤيا الشاعر المفتقدة التي يختم بها قصيدته رؤيا التوحد مع الأم ،في وجود لا مكان فيه لغيرها ، وقد شعر بأنه مع ذلك الكائن العجيب القادر يحلّق فوق الأعالي
ــــــــــــــــ
لقد ترسمت في تحليلي للنّص الاتجاهات الأسلوبية الخمسة التي بدأت الحديث عنها في المقدمة ، الصوتية ، والتعبيرية ، والوظيفية ، و الإحصائية ، والنحوية ، تلك الاتجاهات التي اتضحت جليّة في تحليلي .
فالمستوى الصوتي اتضح في بياني للوزن والقافية ، ومدى أثرهما على النّص ، والتعبيري في بياني استخدام الشاعر لخطابه الخاص الموحي بالحرمان ، والشوق إلى الانعتاق من هموم الدنيا ..
أما على المستوى الوظيفي ، ففي مدى أثر هذا النّص على المتلقي ، والصورة التي بُلورت في نفس المتلقي فتراءت له معان جديدة ، كصورة الأم والطفل ، بالإضافة إلى اعتماده على التحليل النفسي لمراد الشاعر في إيحائه للأم من خلال حديث الشاعر للقمر . أما المستوى الإحصائي ، فتراءى من خلال أفعال الأمر التي استخدمت في القصيدة ، وكيف أثرّت فيها .
وكذلك على المستوى النحوي في عرضي لأثر العطف على الجمل والذي أدى بها إلى التماسك والترابط .
وهناك أمر آخر تهتّم به الأسلوبية ، وهي مسألة الانحراف ، أو العدول . فالقصيدة مليئة بالانحرافات ، في مثل قوله (سحابة تحنو عليك )، (اسكب ضياءك ) ، (أفرغ خلودك ) ، (قدح الشعاع )،فهذه الانحرافات من المصادر الجمالية في النّص الأدبي ، تعطيه مزيداً من التوهج ، والإثارة ، وتمارس سلطة على القارئ من عنصر المفاجأة ، والغرابة ،فهي توسع دلالات اللغة ، وتولد أساليب جديدة لم تكن دارجة ، أو شائعة في الاستعمال .
الخاتمة:
وبعد ، فإن الأسلوبية استطاعت أن تخترق مكونات النص الأدبي و تستظهر ما فيه من خصائص أسلوبية تساهم في بناء مجال دلالي تحرص الأسلوبية على وضعه ضمن اهتماماتها.
وقد توصلت إلى أن لكل نص خصائصه الأسلوبية المستقلة ، فما يكون في هذا النّص قد لا يكون في نص آخر، وعليه فإن اختلاف الخصائص الأسلوبية و توظيفها يؤدي دلالة معينة تكشف الأسلوبية عنها ليجد القارئ فيها معاني أخرى لم يكن يتصورها لولا التعامل مع النص أسلوبياً ، ولعل الشيء الأهم الذي لاحظته في دراسة هذا النص هو أن الخصائص الأسلوبية جميعاً جاءت مرتبطة بالنسيج العام للنّص ، وما توظيفها فيه و الإتيان بها إلا للإحاطة بالموضوع و الأفكار المراد التعبير عنها ،وتقديمها بشكلها الأقرب لما يجول في خاطر الشاعر ،وبذلك يكون المنهج الأسلوبي قادراً أكثر من غيره في التعامل مع نصوص كهذه إذ يكشف عن مكنونات وخفايا قد لا تبلغ إلا بوساطة الأسلوبية.
وهكذا يبدو النص الأدبي بفضل الأسلوبية صورة مشرقة متكاملة، يحدد أهم الملامح التي يبني الشاعر معانيه وفقها.
-
الأستاذة : بولفعة وافية
المستوى : الثالثة ليسانس
التخصص : نقد ومناهج
الأفواج : 1-2-3
-
الأستاذة : بولفعة وافية
المستوى : الثالثة ليسانس نقد ومناهج
الأفواج : 1-2-3
-
الأستاذة : بولفعة وافية
المستوى : الثالثة ليسانس نقد ومناهج
الأفواج: 1-2-3
-
الأستاذة : بولفعة وافية
المستوى : الثالثة ليسانس نقد ومناهج
الأفواج : 1-2-3
-
الأستادة : بولفعة وافية
السنة الثالثة نقد ومناهج
الأفواج 1-2-3