الخطوط العريضة للقسم

  •  مقياس تاريخ الأديان والمعتقدات القديمة ماستر 2 آثار


     الأستاذة المحاضرة: بصال مالية

    البريد الالكتروني:bessalmalia@gmail.com

     السداسي الثالث.


    محاور المقياس

    1.    البوادر الأولى للفكر الديني خلال فترة ما قبل التاريخ.

    2.    العبادة الطوطمية.

    3.    عبادة البشر.

    4.    عبادة القوى الطبيعية.

    5.    المعتقدات الشرقية.

    6.    معتقدات بلاد الإغريق.

    7.    معتقدات الرومانية.

    8.    الديانة اليهودية.

    9.    انتشار المسيحية والاضطهاد الديني.


  •        

     مقدمة: الدين في أي وضع من أوضاعه قديم قدم الجنس البشري ذاته، وكل محاولة لفهم نشأة الدين في العالم تقتضي حتما التسليم بأن في قلب الإنسان وروحه وكيانه، نزعة روحيه ومطلبا يتعدى حاجات كيانه الجسماني ومطالبه، كما أن نزعة التدين ظهرت من غريزة التطلع إلى الغيب ومحاولة معرفة الحقيقة الموجودة وراءه، وقد عبر  برغسون(1859-1941) بقوله : "في الماضي أو الحاضر مجتمعات بشرية لا تعرف العلم والفن أو الفلسفة، ولكن ليس ثمة مجتمع بلا دين" فبالتالي الدين مؤسسة اجتماعية لا يستغني عنها أية مجموعة بشرية مهما كانت بدائية. وعليه فإشكالية المحاضرة تنبني حول التساؤلات التالية: ما هو مفهوم الدين؟ وما هي البوادر الأولى للفكر الديني في عصور ما قبل التاريخ؟

    أولا/ تحديد مفاهيم:

            1/ مفهوم الدينيعد الدين من جملة الموضوعات التي يصعب وضع تعريف لها، ويعود ذلك إلى كثرة الأديان وتنوعها في المجتمعات البشرية.

            أ/ لغة: من الفعل دان الذي يعني الاستعباد والطاعة، والدين هو الجزاء والمكافئة والحساب، أي العبادة والورع والتقوى، حيث جاء في القرآن الكريم ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾سورة آل عمران الآية 19.

          ب / اصطلاحا: الدين هو عبارة عن أوامر ونواهي يحظر بعضها أفعالا معينة، ويأمر بعضها الآخر بالقيام بأعمال أخرى. ومن يمعن النظر في هذه الأوامر والنواهي يجد أنها في جملتها إنما جاءت لخير البشر وتحقيق مصالحهم ودفع المفاسد عنهم، ولاسيما الأديان السماوية  الغير محرفة.

       وقيل في تعريف الدين أنه الاعتقاد بأمر مقدس، قيل هو الإيمان بموجودات روحانية،  كما قيل إن الدين عبارة عن الاعتقاد بقوة أو قوى فوق البشرية ينبغي إطاعتها وعبادتها.

    ثانيا- تعريف الأسطورة:

             أ/ لغة: هي الأحاديث المنمقة أو المزخرفة التي لا نظام لها، فهي مشتقة من سطر من الشيء بمعنى الصف من الكتاب والشجر والنحل ونحوها، وسطر: إذا كتب كما. ورد في قوله تعالى: ﴿ ن والقَلمِ وما يَسْطرُونَ﴾سورة القلم آية 1،  وسطرها بمعنى ألفتها، وسطر علينا أي أتانا بالأساطير.

         وقد وردت في القرآن الكريم استعمالات للمصطلح بمعنى ما ليس له من أصل من الأحاديث في قوله تعالى: ﴿ إذَا تُتلَى عَلَيهمْ آَياتُنَا قَالُوا سَمعْنَا لَو نَشَاءُ لقُلنا مثلَ هذَا إنَّ هَذَا إلاَّ أَسَاطيرُ الأَولِينَ﴾سورة الأنفال آية31، وفي قوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَساطِيرُ الأَولينَ أَكْتتبُهَا فَهِي تُملَى عَليهِ بُكرةً وأَصِيلاً) سورة الفرقان آية 5.

          ب/ اصطلاحا: هي نظام فكري متكامل، استوعب قلق الإنسان الوجودي وتوقه الأبدي لكشف الغوامض التي يطرحها محيطه، والأحاجي التي يتحداه بها التنظيم الكوني المحكم الذي يتحرك ضمنه. وهي التفكير في القوى البيئية الفاعلة الغائبة وراء هذا المظهر المتبدي للعالم، وكيفية عملها وتأثيرها وترابطها مع العالم والحياة.

    ثالثا- بوادر الفكر الديني في عصور ما قبل التاريخ:

           لم يكن إنسان ما قبل التاريخ كائنا متوحشا يعيش كبقية السوائم، ذلك أن العديد من الأدوات الحجرية التي تم العثور عليها والتي يرقى تاريخها إلى مئات السنين تتميز بالتناسق والجودة، ونلمس من خلالها تعبيرا واضحا عن إحساس فني.

           تبين الأبحاث أن فن ما قبل التاريخ يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعتقد الديني، فالمكتشفات الأثرية تشير إلى إن إنسان ما قبل التاريخ كانت له معتقدات دينية نلمسها من خلال العديد من الآثار التي سبقت ظهور التدوين بعشرات ألاف السنين. فعصور ما قبل التاريخ تحكي لنا في صمت جذور العقيدة وبداياتها بشكل موثوق.

     1-العصر الحجري القديم: ينقسم العصر الحجري القديم إلى ثلاثة مراحل هي

     أ- العصر الحجري القديم الأسفل(le paléolithique inférieur): لا شك أنه من الصعب رسم صورة مفصلة عن معتقدات وطقوس إنسان ما قبل التاريخ بسبب عدم وضوحها إلا أنه لا يمكن إنكار وجود الفكر الديني في هذه الفترة، بل هناك من يذهب إلى قول أن إنسان الباليولتيك مشبع بالتدين، أو بالأحرى هو العصر الذي عرف فيه الإنسان فجر الوعي، فصناعة الأحجار واكتشاف النار واستعمالهما يعدان من أهم انجازات العصر الحجري القديم على المستويين المادي والروحي، فالنار أول مقدس احتك به الإنسان حيث حركت أولى النوازع الدينية. لأنها كانت أول إشارة للخوف والرهبة والدهشة والجمال والمنفعة.

    ب- العصر الحجري القديم الأوسط(le paléolithique moyen): لقد بدأت في هذه الفترة تظهر عقائد دينية ذات طقوس معينة وهي كالتالي:

         *- الدفن: من الدلائل المادية لظهور الفكر الديني عند الإنسان هو المقابر، ويعتقد أن الإنسان النيندرتالي، أول من دفن موتاه في قبور فردية وجماعية بسيطة محفورة في الأرض، ومع ظهور العصر الحجري القديم المتأخر في بلاد المغرب، نستطيع التحدث عن الحياة الروحية لإنسان ما قبل التاريخ. فقد عثر على الكثير من الهياكل العظمية المحفوظة جيدا في العديد من المواقع. فقد وجدت عظام الإنسان في المواقع العاترية، غير أن الدفن أصبح واضحا في الحضارة الإبرومغربية التي عرفت استخداما واسعا للعظام، ثم تلتها الحضارة القفصية.  

        *- حياة ما بعد الموت: هناك أدلة معينة تجعلنا نقول أن إنسان نياندرتال كان يعتقد بحياة ما بعد الموت، ودليل ذلك المقابر البشرية التي تحتوى على الهياكل العظمية المحاطة بالأدوات. والأسلحة والحلي الحجرية وأحيانا بعض الزهور مما يجعل البعض يعتقد أنه آمن بحياة بعد الموت أو بخلود الروح.

        *- عبادة الحيوان: كان الإنسان النيوندرتالي هو أول من عرف العبادة وفق ما يشير إليه معظم الباحثين، حيث ظهرت دلائل عن وجود عبادة  الحيوان  أي ما عرف بسيد الحيوان في أوربا في فترة الحضارة الموسترية.

           يمكننا أن ندرك أن تقديس الحيوانات كان يسود في تلك الحقبة التاريخية، وقد كان الإنسان ينظر إلى الحيوانات- رغم أنها هدف للصيد – نظرة ملؤها الرهبة بسبب قوتها وضراوتها، فقد وجدت صور للثيران المتوحشة وللأسد وغيرها من الحيوانات .

           وقد لاحظ الإنسان قوة هذه الحيوانات وتنوعها بل ومنافسته له في هذا العالم في الحصول على الغذاء وكل هذه الملاحظات دفعت الإنسان إلى تقديس الحيوان، وقد نجد تفسيرا منطقيا في الديانات الطوطمية التي رأت في الحيوان المقدس مبدأ جمع شمل القبيلة وأن افتراسه في طقوس دينية جماعية كان يعني توزع هذا المقدس على أبناء القبيلة حيث يقوم بجمعها في صلة واحدة قوية" ومن الواضح أن الإنسان الصياد رأى في الحيوان سر بقائه واستمراره كيف لا وهو مصدر غذائه آنذاك.

            وقد عرفت منطقة الشمال الإفريقي هذا النوع من التقديس للحيوان حتى جاء تمثيلهم لألهتهم على هيئة بعض الحيوانات "فالإله أمون- وهو إله كبش- "هو الإله الكبير عند المغاربة ويبدو أنه كان إلها مركبا تكون من كبش قديم يمثل قوة القطعان البربرية وقوة الإله الشمسي الكبير أمون. رع المصري.

     ج- العصر الحجري الأعلى(le paléolithique supérieur)

          *-ظهور الفن: شهد العصر الحجري ظهور نوعين من الفن وهما الفن التشكيلي والذي يتجلى في جداريات الكهوف، وفن النحت الذي تجسد في التماثيل الفينوسية، ويعتقد البعض أن "ظهور الفن في هذا العصر ليس من أجل الفن بل هو استمرار لتشكل الدين، لكن المسألة لم تحسم بعد فقد اكتشف العلماء مجموعة من الرسومات في كهوف بين جنوب فرنسا وشمال إسبانيا( أنظر الصورة رقم 2) واختلف العلماء في تفسيرها فهناك من يؤكد أن هذه الرسوم لأغراض فنية وجمالية فقط، بينما يذهب البعض الآخر إلى اعتبار هذه الرسومات ذات دلالات دينية ويرى جوزيف كامبل" أن هذه الكهوف ما هي إلا معابد أو كنائس الإنسان العصر الحجري وضع على جدرانها بكل تبتل وعناية روحية ما كان يضفي عليه صفة التقديس

         كما انتشرت مجموعة من الدمى العشتارية أو الأنثوية أو الفينوسات كما يسميها الباحثون الأوربيون، وهذه الدمى تجسيد لآلهة أنثوية ويبقى السؤال المطروح هو: كيف ظهرت هذه الدمى وما زال وقت اكتشاف الزراعة بعيدا على اعتبار أن هناك ارتباط بين الآلهة الأنثوية وهذه المرحلة من تطور الإنسان.

    ثانيا- العصر الحجري الوسيط (Le Mésolithique)

         1-السحر والتعاويذ: ظهر العلم الأول ألا وهو السحر مع بداية استقرار الإنسان في قرى لحاجته للسيطرة التدريجية على الطبيعة، حيث كان الإنسان يحمل التمائم من القواقع أو العظام، وبيض النعام وجلود الحيوانات، فقد كان الإنسان يؤمن بفاعليتها في إبعاد القوى الخفية الشريرة التي من المحتمل أن تهدد حياته، فضلا عن أنها تؤثر عما حوله. في هذا الصدد يقول هنري برغسون:" أن الدين البدائي هو وقاية من الخطر  الذي يتعرض له الإنسان إذ يفكر إلا في نفسه، وعلى هذا فهو رد فعل دفاعي تقاوم به الطبيعة العقل"

    ثالثا- العصر الحجري الحديث(Le Néolithique)

           استمرت في هذه الفترة العبادات القديمة ولكن بشكل متطور، فقد استمر تقديس الحيوان، وأصبحت عبادته شائعة في عصر النيولتيك، وقد ظهرت تجلياته من خلال المنحوتات الطينية والفخارية للحيوانات كالماعز، الأبقار، الخرفان والكلب. كما استمرت المدافن في التطور ففي العصر النيولتيكي كان الإنسان يدفن موتاه في خنادق أو حفر محاطة بحجارة على شكل أضرحة، وهو ما نجده في موقع كلومناطة بتيارت ( انظر صورة)، وموقع الروازي بالصخيرات الذي يقع على بعد 30 كلم من الرباط، حيث تم اكتشاف العشرات من الهياكل العظمية، بالإضافة إلى ذلك فقد ظهرت معالم جنائزية ضخمة بحيث تكونت في هذه الفترة مقابر واسعة مثل مقبرة بونوارة ومقبرة الركينة ومقبرة إيشوكان بشرق الجزائر.

      كما تنوعت الفنون النيوليتكية من رسومات ونحت وتشكيل تماثيل من مختلف المواد الطبيعية من حجر وطين، وغدت ذات خصائص ميزت كل منطقة وكل فترة من ذلك العصر، ومثلت صورا حيوانية و إنسانية على إختلاف المواضيع التي تناولتها

      فضلا عن ظهور دلائل مادية دينية أخرى منها:

        أ-طلاء الجثة بالمغرة: ما يميز العصر الحجري الحديث هو بروز الطقوس الجنائزية كطلاء الجثث والتعرية من اللحم واستمرار ووضع الأدوات الجنائزية مع الميت. كانت عادة طلاء الجثث باللون الأحمر المغرة (L’ocre-rouge ) إشارة إلى الدم الذي هو قوة وحياة، وكانوا يصبغون جسد الميت بالمغرة معتقدين اعتقادا راسخا أنهم بعملهم هذا إنما يجددون حياته.

          وقد أكتشف في موقع كلوماطة قرب تيارت عظام مطلية باللون الأحمر، وهي دليل على استخدام إنسان الحضارة القفصية  للمغرة الحمراء.

        ب- عبادة الجماجمهناك ظاهرة غريبة ظهرت خلال العصر النطوفي بفلسطين وهي أنهم كانوا في بعض الأحيان يقومون بفصل رأس المتوفي عن جسده، إما في وقت الدفن أو بعد تحلل جسم الميت، ومن ثم دفن الجمجمة منفردة داخل البيت السكني، باعتبارها مقر للروح أو وعاء للقوة المقدسة، الأمر الذي يدل على المكانة الخاصة للرأس في معتقدات المجتمعات القديمة المتعلقة فيما بعد الموت، وقد عثر في تل الرماد (الألف السابعة – الألف الخامسة ق م) أثار عبادة تقديس الجماجم، إذ وجدت مجموعة من الجماجم بشكل منفصل عن الأجساد مدفونة في حفرة قريبة من المساكن وهي مطلية بالجص وملونة بالأحمر ووضعت لها تماثيل من الطين بطول 25 سم ، مما يشير إلى تقديس الأموات أو عبادة الأجداد كنوع من الإيمان بحياة أخرى.

         خلاصة

         ما يمكن استنتاجه من خلال ما سبق أن الوثائق المتوفرة عن معتقدات إنسان ما قبل التاريخ نادرة ومشتتة ولا تعطي من المعلومات إلا القليل ذلك أننا لا نعلم شيئا عن القوى التي كان الإنسان يقدسها أو أسماء الآلهة التي كان ربما يعبدها. كما أن الحفريات لم تبرز شيئا عن معتقد الإنسان في فترة العصور الحجرية الأولى مما يدفعنا إلى الاستنتاج بأن الجانب العقائدي للإنسان البدائي لم يتبلور إلا في المائة سنة الأخيرة قبل الميلاد




  •        مقدمة: عرف الإنسان البدائي ديانات بسيطة مستوحاة من البيئة المحيطة به، فقد عبد الظواهر الطبيعية، كالشمس والقمر والنجوم، كما اتخذوا أرواح حارسة دعوها بالطوطم، وهذا الأخير الذي ظهر عند الجماعات البدائية، وسمى الباحثون هذه الديانة بالطوطمية. تعتبر مرحلة الطوطمية من إحدى المراحل الدينية التي مر بها الفكر الديني الإنساني. وعليه فإشكالية المحاضرة تنبني حول التساؤلات التالية:  ما لمقصود بالطوطمية؟ وما هو مضمونها وأحكامها؟

          أولا/ مفهوم الطوطمية: هي ديانة بدائية مقيدة بأسس وقواعد كثيرة، يطلق هذا الاسم على العقيدة التي وجدت منتشرة في أغلب الديانات البدائية في العالم المعاصر والعالم القديم،  وهو اسم مأخوذ من لغة الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، والتسمية لم يتفق بعد على ضبطها، ولا تحديد معناها، فهو في المشهور (Totem)  ويكتب أيضا (Totam) أو (Toodaim) وهو يفسر تارة بمعنى موطن العشيرة  ومستقرها وتارة  بمعنى العلامة أو الشعار.

           الطوطمية مشتقة من كلمة طوطم(Totem) وهو شعار لطائفة من الناس يلتفون حوله ويحتمون به، ويعتقدون بأن رابطة قدسية تربطهم به ، وفي دراسات أنثربولوجية  موسعة كشفت أن الطواطم الخمسمائة في أستراليا يرجع أربعمائة وستون منها إلى طواطم حيوانية ونباتية، وأربعون  فقط إلى طواطم غير حية يتمثل معظمها في مظاهر الطبيعية كالسماء والشمس والقمر والكواكب والسحاب والمطر البحار والماء والبخار وحتى الريح والخريف والربيع[4]. وأحيانا يتحول الطوطم إلى رمز ويصبح الرمز مركز العبادة الطوطمية، ويكون الرمز إما رسما للطوطم أو شكلا هندسيا أو مجموعة خطوط أو جلد حيوان  أو ملابس أو دروعا أو وشما أو مجموعة عصي.

          ويذكر خزعل الماجدي أن الطوطمية عبادة سحرية متطورة عن عبادة الحيوان التي سادت في (البالوليت) ويحركها الاعتقاد بأن بعض الحيوانات والنباتات وبعض الأشكال المادية وظواهر الطبيعة . و أن الإنسان منحدر في أصوله منها لتصبح مقدسة ورموزا لديه.  

           لم يظهر مصطلح طوطم (Totem) في الأدبيات الإثنوغرافية إلا في أواخر القرن الثامن عشر، حيث وردت أول مرة في كتاب مترجم لكاتب هندي يدعى (لونج G.Long) ضمن كتابه المنشور في لندن عام 1971.  ثم تحدث جيمس فريرز في كتابه عن الطوطمية كدين، وكنظام اجتماعي، وقد أكتشف بالدوين سبنسر وجيلين خلال أبحاثهما التي قاما بها في وسط أستراليا عدد من القبائل التي تدين بالطوطمية عقيدة وعملا.

       ثم ليأتي دور دوركايم الذي تبنى هذه الجهود وواصل جهوده عليها، وقد اقتصر في أبحاثه على دراسة الدين البدائي للمجتمعات الأسترالية، وهو ما عرف بالطوطمية. والنظام الطوطمي كما يراه دوركايم، نظام عرفته الشعوب القديمة المصرية والأثيوبية والعربية واليونانية والرومانية، كما أنه لا يزال منتشرا في القبائل غير المتحضرة في أمريكا وأستراليا.

       ثانيا/ مبادئ  وأسس وأحكام الديانات الطوطمية:

    1/ الطوطم هو الذي يجمع أفراد القبيلة، وهم يتسمون باسم طوطمهم.

    2/  يحرم على أتباع الطوطم قتله أو أكله، لأن ذلك يؤدي إلى الموت أو العذاب الجسدي القاتل.

    3/ إذا مات الحيوان قضاءا وقدرا تحزن القبيلة كلها، ويقام له شعائر مثله مثل أي فرد من القبيلة.

    4/ عند الاحتفالات أو المناسبات يقوم أفراد القبيلة بلبس جلود طوطمها.

    5/ العشائر تتخذ صور الحيوانات الطوطمية شعارا لها ويزينون أسلحتهم بها

    6/ القبيلة التي تتخذ حيوان مفترس طوطما لها، هو في اعتقادهم لا يؤذيهم. وإذا صادف أن هاجم شخصا من القبيلة فالشخص قام بخطيئة ويصبح منبوذا في القبيلة.

    7/ يعتقد أفراد القبيلة أنهم ينحدرون من طوطمهم، وأنه جدهم الأول، لذلك فهم أقرباء وأنهم من أصل واحد[12].

    8/ الطوطم يحمي العشيرة ويحرسها وإن كان مفترسا فيرحمهم ويشفق عليهم .
    9/ الطوطم ينبئ العشيرة بالمستقبل ويهديها للطريق الصحيح.

    ثالثا/ الأصول الأولى لنشأة الطوطمية

          تنوعت المعتقدات والعبادات البدائية وكانت جميعها مستوحاة من البيئة المحيطة بالإنسان، فقد راقب الإنسان البدائي بيئته بكل ظواهرها، ويبدأ ينسج بخياله صور عدة وكان من بين هذه الصور أنه ظن أن أباه الذي يظهر له في الحلم هو هذه القوة الخفية فعبده وذبح له القرابين، واتخذ من قبره مزارا فنشأت عبادة أرواح الأسلاف  والتي هي عبارة عن عبادة شيء ما مكانه جسد تقمصته روح ولربما كان هذا الشيء شجرة أو قطعة خشب ثم تابعت هذه الاشياء تطورها إلى أن اتخذت شكل تماثيل ثم تطورت هذه العبادة لتصبح عبادة ثابتة، واصبح لكل قبيلة جد قديم تجعل منه إلاها ورمزا لها. ومع تطور المعرفة عند الإنسان البدائي وارتقاؤه أخذ هذا الإنسان يتصور أن روح هذا الجد يمكن أن تحل في هذا حيوان أو شجرة فانتقل إلى عبادة الحيوانات والأشجار و أصبح لكل قبيلة حيوانها الخاص الذي تعبده وتبجله ومن هنا نشأت فكرة الطوطم وهو مرة طائر ومرة ثعلب ومرة بقرة وتارة أخرى شجرة عتيقة هكذا تطور الفكر الإنساني وتعددت القوى وتبدلت بما يوافق مع تعدد حاجات هذا الإنسان ومخاوفه بالإضافة إلى تعدد العوامل الجغرافية والطبيعية التي يعيشها ولكي يتقرب الإنسان البدائي من هذه المعبودات أدى بقرابته منها وبأصله الواحد الذي يجمعهما معا، وهكذا نشأت أولى الأفكار التي كونها الإنسان بطبيعته.

          ويعد الطوطم رفيق ومساعد مع الأرواح الخارقة، وهو وجود مقدس حيث تعتبره الجماعات كهوية لها، يحرم لمسه وتحطيمه، ويرى بعض الباحثين أن الطوطمية ما هي إلا ممارسات تقليدية تخلق نوع من التوازن البيئي، لضمان الاستخدام الرشيد للحيوانات والنباتات، وتعد ايضا من الفلسفة في استخدام الموارد والمحافظة عليها. وقد ضمت الطوطمية اعتقادات منها الإيمان بوجود أرواح تسيطر على الطبيعة بطريقة أو بأخرى ولابد من نيل رضاها[13].

      رابعا/ الفرق بين الطوطمية وعبادة الحيوان:

         تختلف الطوطمية عن عبادة الحيوان والنبات من حيث أن أفراد العشيرة الطوطمية لا يقفون حيال طوطمهم كما يقف عابد الحيوان أو النبات حيال معبوده، فهذا يعد نفسه من طبيعة بشرية  تختلف اختلافا جوهريا عن  طبيعة معبوده ويعتبر نفسه شيئا حقيرا إذا قيس بالآلهة، في حين أن النظام الطوطمي يجعل الإنسان من طبيعة طوطمه، ويضفي عليه قدسية هذا الطوطم، فالعلاقة بين أفراد العشيرة وفصيلة طوطمها ليست علاقة عباد بالآلهة، بل هي علاقة أقرباء تربطهم ببعض وشيجة الدم ولحمة النسب الوثيق .

    خامسا/ الطوطمية في بلاد المغرب القديم:

              لقد وجدت آثار عبادة الطوطمية في بلاد المغرب القديم، فقد عبد المغاربة الكثير من الحيوانات كالكبش والثور والأسد، كما قدس حيوانات أخرى أقل شأنا، مما يوحي بتواجد ملامح العبادة الطوطمية في بلاد المغرب، فديودور الصقلي يخبرنا عن مدن القرود في غرب قرطاجة، حيث تعيش القرود مع العائلات وهي تحترمها بشكل كبير، ويعاقب بشدة من يؤذيها، فقبيلة البسيل(Psylles) في منطقة السرت لها علاقة مع الأفاعي القرناء، فهي عدوة الليبيين بينما لها عهد مع البسيليين الذين كانوا لا يتأثرون بلدغاتها، وحسب قول بعض الليبيين فإن البسيلي إذا شك في مولود زوجته، فإنه كان يملأ صندوقا بالحيات الهائجة ويرمي فيه المولود، وبعدما يلامس الطفل الحيات فإذا هدأت فهو ابنه، واستمر المغاربة في تقديس الأفاعي حتى الفترة البونية والرومانية، ففي مدينة تيبازة شاع  أن القديسة صالصا قد علمت أن ألامها نابعة من وجود أتباع لها يقدسون أفعى من البرونز مرصعة بالذهب، كما أشير إلى تقديس القط الوحشي الذي تظهر بعض صوره على تيجان آلهة مختلفة وفي أماكن منعزلة .

       خلاصة: إن عبادة الطوطمية لم تكن أساسا مبنية على عبادة الشيء أو الحيوان لذاته، لكن أتباعها يرون أن روح سامية تسكن ذلك الطوطم، وغالبا ما يعتبرونها روح ربهم التي تجلت في طير أو كبش أو غيرها من الحيوانات أو الجمادات.



  •       تمهيد: تعتبر عبادة الأسلاف من أهم المعتقدات التي عرفتها البشرية منذ نشأتها الأولى، والتي ما تزال بعض آثارها تمثل صورا حية في عقائد الناس حتى اليوم، ويظهر ذلك من خلال التقديس أو الاحترام المبالغ الذي يلقاه الأجداد والملوك. ويأخذ هذا التقديس شكلا صلبا كلما تقادم الوقت بسبب ازدياد التهويل والمبالغات والأساطير عن هؤلاء. وعليه فاشكالية المحاضرة تنبني حول التساؤلات التالية: ما هي جذور عبادة البشر؟ وماهي أنواع عبادة البشر؟ 

       أولا/ جذور عبادة البشر: تؤكد الأبحاث والدراسات أن الزعماء والملوك الموتى كانوا مادة العبادة، بالنسبة للشعوب القديمة خاصة إذا مر على وفاتهم فترة طويلة من الزمن، حيث يعتبرون السلف الأول لهم، وتكاد تكون هذه العبادة الأهم بين العبادات كونها ارتبطت ارتباطا وثيقا بالعبادة الأسلاف هؤلاء الذين خلقهم الإله الأعظم ومنحهم الحكمة والمعرفة والسبق.

         وقد تضاربت الآراء ووجهات النظر حول الأصول المتعلقة بظهور عبادة البشر، لدرجة جعلت فيها منامات وأحلام الإنسان البدائي وراء هذه العبادة، حيث يعتقد أنه كان يرى في أحلامه أن الموتى قد عادوا فيكلمهم ويتعامل معهم، فكان يخلط بين الحقيقة والأحلام، ويعتبر أرواحهم عادت فعلا لتعيش بينهم وأنها لا تترك دنياها بل تجيء بين الفينة والأخرى لتزور الأحياء وهم نيام.

       يقول بجرسون" أن الأموات سيغدون أشخاصا ينبغي أن نحسب لهم حسابا، فهم يستطيعون أن يلحقوا بنا الأذى ويستطيعون أن يساعدونا فيجلبوا لنا الخير، وهم متصرفون إلى حد ما بما نسميه قوى الطبيعة، فإن شاؤوا كان مطرا، وإن شاؤوا جعلوا الجو صحوا بالمعنى الأصلي والمجازي للكلمة، فينبغي أن نتجنب ما يغضبهم، وأن نسعى إلى مرضاتهم، فنصنع ألوف الوسائل حتى نفوز بهم".

          فالإنسان إذا أحس بالخوف من الأموات يقوم بتقديم ما يظن أنه يرضيه تفاديا لخطره وطمعا في رضاه، وقد وصلوا إلى درجة ضرب الأعناق( التضحية البشرية ) إذا كان ذلك مما يسر الميت.  

         وتذهب المعتقدات القديمة إلى أن أرواح الأجداد ( الأسلاف) لا تبتعد كثيرا عن الأماكن السكنية، فهي لا تغادر القبيلة ولا تحبذ التواجد في الأماكن المنخفضة بل تفضل الأماكن المرتفعة، لتكون على إطلاع بكل ما يجري بوضوح تام، ولأن الجبال والمرتفعات قريبة من السماء فقد كانت مقدسة، كونها قريبة من الخالق الأعظم، وبالتالي تكون على اتصال دائم به.

           لقد استطاعت الأرواحية أن تضع الإنسان على عتبة عبادات جديدة أكثر رقيا إذ استطاع الإنسان أن يميز بين جسد مادي وقوة روحية، وأخذ يقدر بأن العالم ملئ بالأرواح التي تسبب الخير  أو الشر له، وبذلك بدأت فكرة القرابين والذبائح فظهرت الممارسات والطقوس الدينية، ومن خلال اهتمام الناس بأرواح الزعماء والقادة والمتميزين فيهم بدؤوا ينتقلون تدريجيا نحو عبادة الأسلاف، حيث كانوا يقدمون الأضاحي لهذه الأرواح بالذات، وتدريجيا أصبحت أرواح الأسلاف هذه بمثابة الآلهة التي أسبغت عليها صفات خارقة .     

         يكاد يجمع الباحثون على أن المصدر الأول لكل الديانات هو عبادة الأسلاف، مستندين إلى نظرية ابتكرها هوميروس الذي حاول أن يثبت أن آلهة اليونان كلها مثل زيوس وغيره من أترابه الذين عاشوا فوق جبال الألب كانوا في الأصل حكاما ومصلحين ظفروا بولاء رعاياهم، فارتفعوا بعد موتهم إلى مرتبة الآلهة الخالدة في السماء، وكان شأنهم شأن الشمس والقمر والنجوم التي قفزت إلى مرتبة الآلهة.

    ثانيا / أنواع عبادة البشر: هناك صنفين من عبادة البشر ألا وهي عبادة الأسلاف(الأجداد) وعبادة الملوك.

       1/ عبادة الأسلاف: إن الأشكال الأكثر بساطة لعبادة الموتى أو الأسلاف، تتمثل في الهبات والهدايا التي توضع بجانب القبر، وأحيانا تكون هناك موائد خاصة بذلك مثل ما هو موجود بفم لرجام( بواد درعة بالمغرب الأقصى)، حيث توجد طاولات أو مذابح لتقديم القرابين، تم التعرف عليها قرب القبور ذات الفتحات أو الكوات التي تفتح بدورها على غرفة الدفن، والغريب في الأمر أن مواقع الطاولات والمذابح وأرضياتها توجد دائما شرق الصروح والأضرحة، كما أن الكوات الموجودة في القبور كانت مفتوحة دائما نحو الشرق، وهذا التكريم والتقدير للموتى لم يكن اعتباطيا، فالميت المعبود والمؤله لم يكن أداة تخويف أو كائنا شريرا، بل عبارة عن قوة خيرة تستعمل لصالح الجماعة.

      وفيما يخص عبادة الأسلاف في بلاد المغرب فقد اهتم الإنسان المغاربي بأسلافه واحترامهم لهم إلى درجة أن قبيلة "الناسامون" كانت لها طريقة خاصة في الَقسم واستقراء الغيب وتتجلى بتوجههم إلى قبور أسلافهم الذين عرفوا في حياتهم بالعدل والاستقامة، ويضعون أيديهم على القبر ثم يقسمون بصاحبه، وأما طريقتهم في استطلاع المستقبل فكانوا يذهبون إلى قبور أسلافهم ويقدمون الأدعية (الصلاة) ثم ينامون بجانب القبر، وكل ما يتراءى لهم في الحلم يفعلونه. وفي رأيهم أن قوة الموتى ليست محدودة في نظر الأحياء بمعرفة عالم الغيب فقط بل تشتمل الشفاعة وصيانة العهود، بل وأكثر من هذا فإن كان الدفين رجلا ذا مكانة متميزة خلال حياته، فإنه ينشر حمايته على عشيرته ويصبح مكانه مقدسا.

          ويبدو أن هذا الطقس مارسته الكثير من القبائل منها الذين كانوا يرتادون قبور موتاهم ويعتبروها أماكن للتنبؤ بالمستقبل، ويعتبر كامبس بأن قبور المنطقة الصحراوية المنتشرة من موريطانيا إلى فزان والتي تعود إلى فترة فجر التاريخ تدعم رواية هيرودوت، لاحتوائها على معبد صغير فهي قبر ومعبد في نفس الوقت. كما كانت تذهب نساء الطوارق في مناطق عديدة من الصحراء إلى قبور قديمة وينمن عليها لمعرفة أخبار رجالهن الغائبين.

         وكانت عبادة الموتى عند الرومان تشغل مكانا كبيرا في حياتهم الدينية، وترجع أصولها  إلى المفاهيم الرومانية الأولى التي كانت تنص على أنه يبقى من الميت بعد وفاته روح يجب إرضاؤها حتى لا تغضب لأنه بإمكانها أن تسيء أو تحسن إلى الأحياء، لذلك كانت تقدم إليهم الهدايا إلى القبور، وأصبحوا يقيمون أعياد على شرف الأموات لتهدأ أرواحهم.

    ب/ عبادة الملوك:

       لقد حظي بعض الملوك بالتقديس عند القدماء، ويظهر ذلك مختلف المصادر، وقد ذكر القرآن الكريم أن الملوك في الحضارات القديمة قد نالوا قسطا من العبادة والتقديس، فهذا فرعون بما أوتي من قوة وسطوة يدعي الألوهية وينساق بعض الناس لتصديقه مخافة منه في قوله تعالى: ﴿وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم  من إله غيري، فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى رب موسى وإني لأظنه من الكاذبين﴾ سورة القصص آية 38 . وفي موضع آخر يذكر الله سبحانه وتعالى مخاطبا موسى:﴿اذهب إلى فرعون إنه لطغى فقل هل لك أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر ونادى فقال أنا ربكم الأعلى﴾ النازعات آيات 17-24  فمن خلال الآية يتبين أن الفرعون هو من فرض عبادته على شعبه.

           عبادة الملوك عند المغاربة موضوع عرف تباين آراء المؤرخين حوله، وتعود أولى الإشارات حول عبادة الملوك إلى القرن 3 ق م. حيث عثر في دوقة على نقيشة تعرف بنقيشة دوقة الثانية بالقرب من الضريح، والتي كتبت باللغتين البونية والليبية معا ونصه: « شيد سكان دوقة هذا المعبد للملك ماسينيسا بن الملك غايا بن السوفيت بن زلاسن وذلك في السنة العاشرة لحكم الملك مكواسن» وقد استند بعض المؤرخين الغربيين على هذا النقش في تأليه النوميديين للملوك، في حين يشكّك آخرون في ذلك أمثال دوكريه وفنطر في ذلك، ويذكران أن النص لا يؤكد الاعتقاد بتأليه ماسينيسا فهو لا يتضمن إلا لقبه كملك.

         وهذا الجدل لا يمكن حسمه إلا بزيادة توفر الدلائل التاريخية على ذلك، ومن هذه الدلائل تلك التي تفيد أن الملك يوبا الثاني كان يرسم نفسه على العديد من النقود ورأسه مغطى بجلد الأسد نيميا الذي قتله هرقل في أحد بطولاته، وكان يذكر أنه من سلالة هراكليس، كما ورد عند مارتيانوس مينيوس فيليكس أن يوبا كان إلاها عند الموريين، كما عثر في شرشال على تكريس مهدى إلى الملك بطليموس بصفته إلاها، وحسب بعض المؤرخين فإن السكان قاموا بتقديس جني الملك (أي روحه وعبقريته أو ذاته المعنوية) وليس الملك نفسه، وإن كان ذلك لا يمنع من أن نستنتج أن بطليموس كان إلاها لرعيته. كما تم العثور على عدة نقوش إهدائية كتبت باللغة اللاتينية تعود إلى الفترة الرومانية تتضمن تأليه بعض الملوك النوميد مثل غلوسا وهمسال.

         وأما في العهد الروماني فقد فرض الرومان عبادة الإمبراطور استخدامها كوسيلة للسيطرة والرومنة ومحاولة لكسب العناصر المتأثرة بالحضارة الرومانية لمساندة سياستهم، إلا أن محاولة الرومان في ذلك قد فشلت، ولم تحض عبادة الإمبراطور المؤله بإقبال كبير من قبل المغاربة، إذ أن أغلب عباد الأباطرة كانوا إما رومان أو مترومنين لهم نفس المصالح.

         وعلى العموم فعبادة الأسلاف والأبطال وتوارثها عبر الأجيال والذين لازال البعض من الناس حتى اليوم ينظر بعين القداسة لبعض أضرحة الأولياء ويعتقدون بقدرتهما الفائقة على تحقيق أمانيهم.




  •         تمهيد: تعتبر عبادة المظاهر الطبيعية ظاهرة عالمية، حيث انتشرت عند مختلف الشعوب منذ الحضارات البدائية حيث عاشوا كصيادين ثم رعاة ومزارعين. فكان من الطبيعي أن يعبدوا مظاهر الطبيعية المحيطة بهم كالشمس والقمر والحجارة والجبال والأشجار والآبار والعواصف وغيرها، وحيث اعتبر أن هذه المظاهر كانت عندهم منازل للأرواح. لقد شخص المغاربة القدامى المقدس في أماكن كثيرة كانوا يعتقدون أنه يتجلى فيها بأي طريقة.

            أولا-أسباب ودوافع عبادة قوى الطبيعية: كان كل مظهر من مظاهر الطبيعة يولد لدى الإنسان الشعور بالضعف والخوف أمامها، وهي تحيط به وتسيطر عليه وتتحداه، لذلك استحوذت تلك القوى الخارقة على عقل البشر، ففكر فيها وخضع لها، وهذا أمر لا سبيل إلى إنكاره، ولابد أن الإنسان بدأ يُعمل فكرة لمعرفة تلك القوى وبذل جهده ليستخلص منها مفهوما معينا. وهو أن الظواهر الطبيعية إنما هي مجرد صور خارجية لأرواح عظيمة للآلهة ذوات إرادات توجه حركاته المختلفة المعقدة، وهذا يعني أن أصحاب الحضارات القديمة لم يعبدوا هذه الظواهر لذاتها وإنما لأنها ترمز إلى الأرواح الإلاهية التي توجهها. وهي قوى تفوق قوة الإنسان وإداركه. مما جعله ينسج حولها القصص ويتناقلها خلفا عن سلف وجيلا  بعد جيل، وأخذ يتقرب إليها بالصلاة وتقديم القرابين لاسترضائها وتهدئة غضبها، ومن هنا نشأت عبادة مظاهر الكون بما فيه من قوي طبيعية.

       ثانيا/ تقديس المظاهر في بلاد المغرب القديم: لقد قدس المغاربة القدامى كغيرهم من الشعوب القديمة المظاهر الطبيعية الملفتة للانتباه كالجبال والكهوف والينابيع ويعتقدون أنها منازل قوة خارقة في الطبيعة كالجن والأرواح الشريرة، والتي يمكن لها أن تحل في هذه الظواهر، ومن المظاهر الطبيعة التي عبدها المغاربة القدامى  نحد:

         1-الجبال: كانت الجبال والمناطق المرتفعة مصدر خوف تقديس من طرف المغاربة القدماء، حيث نظروا لها على أنها مساكن إلهية، أو بسبب شكلها الذي يجلب إليها الإله، أو أن ارتفاعها قد يذكّر الإنسان بالسماء مقر كل إله قوي. وقد دلت الشواهد المادية على هذه العبادة، حيث عثر على نقيشة لاتنية قرب منطقة سور الغزلان ورد فيها دعاء لعفريت الجبال باستور يانيس(Pastoranis) الذي يحمي السكان من الرياح العنيفة. والجبال فإن لم تكن كآلهة، فعلى الأقل كمأوى لمخلوق إلهي، ويحوز هذه الدرجة، على الأقل في المغرب مثلا جبال الأطلس( عمود السماء) كما سماه أهل البلد زمن هيرودوت، وشكل موضوع فخرهم. ويضيف روني باصي أن الجبال تثير عند الطوارق رهبة دينية لا يستطيعون التخلي عنها ، لكن ليس المظهر الرهيب من الجبل هو ما يوحي لهم بالفزع، وإنما الملكات التي تقيم فيه.

         2- الكهوف والمغاور: لقد اهتم المغاربة بالكهوف والمغاور لحاجتهم لها، فقد اتخذت كمسكن يأويهم من الحر والقر، وكذا مكان لدفن موتاهم، كما كانت محل تقديس من طرف السكان المحليين الذين اتخذوها أمكنة للعبادة، ونظروا إليها بخوف وتقديس، فقد اعتبرها مساكن للآلهة ، وكانوا يرسمون في جدرانها رسوما حيوانية وآدمية مثال على ذلك رسوم على الشكل بشري  في كهف دخلة الزيتون قرب ميلة .

          3-الأحجاروقد شاع بين القبائل البدائية توقير الأحجار من كافة الأحجام وقد تكون مفردة أو مجتمعة في أكداس. فالحجر يمثل القوة والقساوة والدوام، ولم يعبد الحجر من أجل مادته، إنما عبد لما يحمل من معان وأبعاد.حيث يرى روني ديسو(R Dussaid) أن عبادة الأحجار كانت عادية بالنسبة للإنسان القديم، لأنها تدخل في إطار تصور المعبود في شكل حجارة، وفي كثير من الأحيان يتم التقرب من الحجر المقدس بملامسته والمسح عليه إما للرضا أو دفع الضرر أو طلبا للشفاء، إذ أن الاعتقاد بملامسته كان كافيا للاستفادة من بعض طاقته، وقد عبدوا الأحجار ذات الأشكال المميزة كالمدببة أو المربعة أو التي ترمز لوجه الإنسان أو  أعضائه. في الغرب الجزائري ما بين غليزان وتيارت توجد صخرة على سطحها ثقوب واضحة، يظهر أنها كانت مقدسة توضع فوقها القرابين، وتسكب عليها السوائل وتوقد النار أيضا فوقها.

         4- عبادة الكوكب: اهتم الليبيون القدامى بالكواكب، وبالدرجة الأولى الشمس والقمر، تدل المصادر المادية والأدبية أن المغاربة عرفوا عبادة الأجرام السماوية المتمثلة في الشمس والقمر والنجوم وهذا ما تنص عليه عدة وثائق منها نصوص المؤرخ هيرودوت التي تتضمن أخبار تفيد في جملتها أن الليبيون عبدوا الشمس وقدموا لها الأضحيات، وكانوا يعتقدون بوجود أرواح في النجوم وقوس قزح، وأدى بهم ذلك الاعتقاد إلى عبادتها وتقديسها. وقد استمرت هذه الممارسات حتى في الفترة الإسلامية.

         5- توقير النباتات والأشجار: كانت فكرة توقير الأشجار والنباتات ذائعة بين الشعوب القديمة، وبل في الثقافات المتقدمة أيضا، وإنا لنرى بقايا هذه الظاهرة في استخدام شجرة الميلاد، ويقال أن المحطبين في بعض مناطق أوربا الجبلية يهمهمون حتى اليوم بدعاء يلتمسون فيه المغفرة قبل قطع شجرة كبيرة، وتأليه الأشجار والنباتات والحبوب إنما هو تقدير طبيعي لقوى الطبيعة الغامضة التي تمنح النماء والإكثار.

        6- تقديس مصادر المياه: حظيت مصادر المياه خاصة الأنهار والينابيع بتقديس كبير من طرف القدامى حيث يعتبر تقديس المياه أمرا طبيعيا في البلدان التي يسودها الجفاف، نظرا لأهمية المياه بالنسبة للإنسان و الحيوان و النبات، ولما كانت منطقة شمال إفريقيا منطقة تعرف تذبذب التساقط مما جعل سكان المنطقة يقومون بطقوس استدرار المطر إلى إله المطر أنزار.




  •    الديانات الشرقية
    أولا: ديانة بلاد الرافدين.

        1/ ملامح الفكر الديني لبلاد الرافدين:  كان سكان بلاد الرافدين قوم اعتقاديين منذ الأزل، وتعد حضارتهم القديمة من الحضارات الأصيلة الأولى، التي تضمنت ابتكارات وإنجازات حضارية، وأفكار أساسية تميزت بها، وقد تأثرت بها الأمم الأخرى، ظهرت المعتقدات الدينية في هذه الحضارة العريقة بوضوح، وقد لعب الدين أدوارا مهمة في حياة سكان بلاد الرافدين، وأثّر في كل جانب من جوانب حياتهم، وكان الدين منذ بداية العصور التاريخية يتصف بالنضج والتكامل، حيث كان لكل عنصر من عناصر الطبيعة والحياة إله خاص ومتميز. وكل حدث من خير أو مصيبة تحل بالبلاد، كانت تعزى إلى إرادة الآلهة وغضبها، وكان لابد من ترضيتها بتقديم النذور والضحايا والقرابين، لذلك كان المعبد مسكن الآلهة مركز الحياة الثقافية في المدن ومحور الحركة والعمل، ومظهر نشاط المجتمع في مختلف مجالات الحياة.

      2/ آلهة بلاد الرافدين: لعل من الأمور الملفتة للنظر في ديانة  وادي الرافدين كثرة الآلهة،  حيث وجدت نصوص دينية، تتضمن قوائم  بأسماء الآلهة وصل  عددها إلى نحو  2000-3000 إله. ويجدر الإشارة إلى أن معظم هذه الآلهة تحمل أسماء سومرية، فلا بد أن السومريون هم الذين تخيلوها وأوجدوها، وأن هذا العدد من الآلهة كان من الأزمنة الموغلة في القدم، حيث كانت كل مجموعة بشرية ما تزال مستقلة، ولها مجمع آلهة خاص بها

      أ/ آلهة الكون: هي الآلهة الكبرى التي انتشرت عبادتها وتقديسها  في جميع بلاد الرافدين، ولم تقتصر على مدينة معينة، كما أنها استمرت عبر جميع أطوار التاريخ، ويأتي على رأسها الثالوث الإلهي المؤلف من ثلاثة آلهة عظام وهي:

      *  آنو-آن(An- Anu):  إله السماء ورئيس الآلهة السومرية مقره في السماء، يرمز له  بنجمة ذات ثمانية رؤوس في إشارة إلى جهات الكون، كان يحتل مركز الصدارة بين معبودات بلاد الرافدين، وقد وصف بأبي الآلهة وملكهم[1].

      الإله أنليل (Enlil –Elil): يتكون  اسمه من مقطعين "أن" تعني السيد و"ليل" تعني الريح أو الهواء، فيكون معنى اسمه سيد  الريح أو سيد الهواء، وهو ابن الإله "آنو"، مقره في أعالي الجبال الشامخة التي تفصل الأرض عن السماء. يأتي في المرتبة الثانية بعد المعبود "آنو" إله السماء، ولقد لقب بالعديد من الألقاب فلقب بمالك السماء والأرض، ومالك البلدان. إليه يعزى خلق البشر والإنسان من كتلة من الطين نفخ فيها نسمة من الحياة، وإليه يعود شرف إنقاذ البشرية من الطوفان حسب الأسطورة.

       *  أنكي - أيا (En - Ki–Ea): إله الأرض، وسيد المياه الجوفية، اعتبرته النصوص المسمارية إله الحكمة أيضا، وبحوزته القوى الإلهية يأتي في المرتبة الثالثة في مجمع آلهة بلاد الرافدين.

         ب/ آلهة الفلك( آلهة الكواكب): عبارة عن ثالوث كان يضم الكواكب التالية:

      * نانار أو سين(Sin): يقع بعد أنكي في ترتيب المعبودات، رقمه الحسابي ثلاثين ويعنى تمثيل الشهر كاملا، وهو بذلك سيد الشهر، وقد مثل إله القمر بهلال وحده أو بهلال مع صورة إنسان.

     * شمش (Shamsh): إله الشمس عند السومريين، هو ابن الإله "نانار" إله القمر، وإله العدل والحق والشرائع، هو الذي أوحى لـ "حمورابي" الشريعة. كما عرف باسم "أوتو" ومعناه الضوء والنور واليوم، كان يمثل على هيئة قرص له أربعة خطوط تنبعث منها أشعة.

    * عشتار( إنانا):(Ishtar, Innina): هي آلهة سومرية سميت "إنانا"، بمعنى سيدة السماء،  في الأكادية "عشتار"، كانت من أكثر المعبودات انتشارا في العالم القديم، واشتهرت بكونها آلهة الحب والحرب، وكان رمزها  كوكب الزهرة.  يرمز لها بنجم تنبع منه ثمانية خطوط  من الأشعة، أو ستة عشر داخل الدائرة.

        ج/ الآلهة الوطنية: تعتبر أركان بارزة في هيكل معتقدات سكان بلاد الرافدين، إلا أنها ترمز بالدرجة الأولى إلى السلطة السياسية أكثر من رمزيتها إلى السلطة الدينية.  

       *  الإله مردوخ: (Marduk) عبد في بابل في أول الأمر، وحين تولى "حمورابي" الملك رفع من شأنه، وانتشرت عبادته في جميع أنحاء بلاد الرافدين. كان الإله "مردوخ" بالدرجة الأولى رمزا للسلطة السياسية البابلية، وأسندت إليه الكثير من المهام، فقد أشارت النصوص المسمارية إلى أنه إله الحكمة، وإله طرد الأرواح الشريرة، وشافي المرض وسيد القنوات والحقول، والإله الحاكم والمجلب للضياء.

        * آشور: الإله القومي للأشوريين: اقتصرت عبادته في أول الأمر على مدينة آشور، ولكن بعد قويت شوكة الأشوريون وأسسوا إمبراطورية، عظم شأن الإله "آشور"، وأصبح على رأس الآلهة الأشورية، وخصص له دور فعال في شؤون الكون، حيث خلق الأشياء والإنسان، وشيدت له المعابد في أشور وغيرها من المدن الأشورية.

         بالإضافة إلى آلهة أخرى كل واحدة مختصة بمهمة أو مظهر طبيعي مثل "دموزى" (Dumuzi) إله الخصب، "نياسابا" (Nissaba) إلهة الحبوب إلى غير ذلك.

    ثالثا/ المعابد: يعتبر المعبد أحد العناصر المعمارية في حضارة وادي الرافدين، أخذ يتطور حتى أصبح على صورته الكاملة حوالي 3000 ق م. وكان المعبد مسكن الآلهة ومكان عبادتها، وإقامة الطقوس والشعائر الخاصة بها كالاحتفالات الدينية. كانت تقام في وسط المدن، وكانت ذات شكل وحجم مختلفين، فبعضها كانت مجرد مصليات صغيرة، تتكون من صف من الدور، وتشمل على فناء مكشوف يظم محاربا وقاعدة للتمثال المقدس، البعض الآخر كانت تضم عدة أقبية وغرف، وثم أقيمت المعابد الضخمة ذات التركيبات المعقدة مثل الزيقورات وتخص الإله الأعظم، وكانت تضم غرف لإيواء الكهنة والعاملين في المعبد. وكافة المعابد الرئيسية كانت تشترك في خصائص معينة، حيث اشتمل كل منها على فناء كبير تحيط به غرف صغيرة، تستخدم للإقامة أو مكتبات، ومدراس للكهنة وورش ومخازن وإصطبلات.

          مما اختصت به حضارة بلاد الرافدين العمرانية  الصرح المدرج أو البرج أو الزقورة، وهي كثيرة ومتنوعة وقد وبني السومريون معابد عرفت باسم "الزقورات"، وكانت هذه الأخيرة غنية جدا؛ حيث كانت تزين جدرانها العالية برسوم حيوانية وبشرية ملونة تعد أقدم رسوم جدارية في تاريخ الفن[3]، بالإضافة إلى أعمدة وأفاريز من النحاس، ومطعمة بمواد شبيهة بالأحجار الكريمة،  كما تزين أحيانا بتماثيل للآلهة والحيوانات والأبطال من بني الإنسان، مصنوعة من النحاس والفضة.

        4/ حياة ما بعد الموت: دلت آثار العديد من القبور أن سكان بلاد الرافدين اعتقدوا بالحياة الثانية، من خلال ما عثر عليه من أدوات وتجهيزات جنائزية فيها، حيث كانوا يجهزون الموتى أحسن تجهيز، ويلبسون الميت أفخم الثياب ويدفنون معه أحسن أنواع الأواني والأدوات وأجود أنواع الطعام، والاحتياجات الشخصية الأخرى، وقد كشف التنقيب  في مقابر ملوك "أور" أن عدد من أفراد حاشية الملك المتوفى كانوا يُقتلون ويُدفنون مع سيدهم، لخدمته في حياته الثانية.

       تتلخص عقائد ما بعد الموت في حضارة بلاد الرافدين في أن الموت محتوم على البشر، وأن الخلود ميزة استأثرت به الآلهة فقط، ولا يكون للإنسان، وبحسب معتقداتهم فإن حدوث الموت يكون بانفصال الروح عن الجسد لتنزل  إلى العالم السفلي( عالم الأرواح تحت الأرض) في حين يودع  الجسد القبر ليبلى، ولم يكن خلود الروح يعتمد على المحافظة على الجسد  مثلما كان معتقدا في حضارة وادي النيل القديمة، وإنما يقتصر المغزى  من دفن جسد المتوفى على ضمان نزول روحه إلى العالم السفلي وعدم بقائها هائمة غاضبة في عالم الأحياء، فكان المعتقد في بلاد الرافدين القديمة  أن الروح تحرم من النزول إلى العالم السفلي والاستقرار فيه إن حرم جثمان صاحبها من الدفن أو إقامة الشعائر الجنائزية.

     ثانيا- الديانة المصرية

        1/ ملامح الديانة المصرية: لقد احتفظ علم الآثار بأشياء كثيرة خاصة بالجانب الديني أكثر من الأشياء الأخرى التي ترتبط بحياته الدنيوية، فأغلب هذه الآثار مادة جنائزية، وتتجلى ذلك في الأشياء التي عثر عليها في المقابر والأهرامات ومختلف أنواع الممياء، كما شيد المصريون المباني الجنائزية لتجسيد فكرة الخلود، تتمثل في الأهرامات ومن أشهر هذه الأهرامات نجد هرم خوفو وخفرع ومنقرع بالجيزة، وقد ضمت هذه القبور الضخمة جثث النبلاء والأشراف في الدولة، والزائر لهذه الأهرام  يجد بداخلها  وعلى جدرانها نصوصا دينية تسمى بمتون الأهرام.

          وأول ما يلاحظه الدارسين لديانات العالم القديم أن المصريون القدماء أشد الأمم تدينا، حتى قال هيرودوت: " إن المصريين أشد البشر تدينا، ولا يعرف شعب بلغ في التدين درجتهم، فإن صورهم  في مجملها تمثل أناسا يصلون أمام الإله، وكتبهم عبارة عن أسفار عبادة ونسك". وكانت الروح الدينية عندهم عميقة  فكانوا يعتقدون أن كل شيء في العالم ملك للآلهة،  وأنهم منبع كل خير وعلى علم برغباته الدنيوية، وأن في استطاعتهم في كل وقت أن يتدخلوا في أحوال البشر، وهذا ما يجعل الدين يؤثر تأثيرا قويا في مجرى حياتهم.

     3 - الآلهة المصرية: من الأمور العامة التي تميز الديانة المصرية هي تعدد الآلهة وكثرتها، على نحو ما رأينا في بلاد الرافدين. وإن التحليل الدقيق لتاريخ الفراعنة وديانتهم يكشف أن معبوداتهم  فقد بلغت أكثر من ألفين من الآلهة، وقد تمثلت هذه المعبودات في القوى الطبيعية  وأنواع الحيوانات  والطيور والنباتات، حيث أن المصري رأى قوة آلهته مجسمة فيما حوله من المخلوقات كالأشجار والمنابع والصخور والطيور والوحوش، فاعتقد أن هذه الكائنات رموز للقوة العجيبة والسلطة البعيدة عن إدراكه، ثم نظر إلى أرواح هذه المخلوقات نظرة صديق فظنها مدافعة له تدرأ عنه الأذى والضرر، واعتقد أن أرواح البعض أعداء له تعمل لخداعه والكيد له وتوجيه الأمراض له، لذلك سهل عليه تأويل سبب كل ضرر أو مرض يصيبه، ومن أشهر الآلهة المصرية نجد:

      أ- الإله رع: إله الشمس، كان أسمى الإلهة وأعظمها بل كان معبودا قوميا صور يشكل إنسان له رأس صقر متوجا بقرص الشمس ويحيط به ثعبان.

     ب- الإله آمون: سيد الآلهة المصرية وكبيرها، وخالق الكون عند المصري القديم، ويعنى اسمه المستتر، مثل برأس كبش، عبد في بداية الأمر في طيبة ثم أصبح المعبود الرسمي في الدولة الحديثة.

     ج- حورس: ابن الإله ايزيس زوجة الإله أوزوريس، كان في أول الأمر إله السماء، صور على هيئة  إنسان برأس صقر.

    د- أوزير أوزوريس: هو الإله الذي نزل من السماء وهو الذي يرسم للناس سبل المحبة والتعاون والسلام لخير البشرية، و بعد قتله من طرف الإله ست أصبح  إله الموت والعالم السفلي، إله الفيضان ورئيس محكمة الموتى، صور على شكل رجل ملتحي محنط.

    ه- الإلهة إيزيس: هي ربة القمر والأمومة، وقد صورت كامرأة ترضع طفلها حورس، وهي أخت وزوجة أوزيريس، نعاون زوجها في رسالته على الأرض، وقد استعانت  بالسحر لجمع أشلاء زوجها بعد قبله من طرف ست وإعادته للحياة فيما بعد.

     و- الإله أنوبيس: يعد حارس وحاميا للجبانة، يصور على شكل إبن أوى أو على شكل كلب بربض على قاعدة تمثل واجهة المقبرة.

    ز- الإله بتاح: رب الخلق، وإله للكتاب والفنانين والحرفين. عبده أهل ممفيس.

     ح- الإله حاتحور: آلهة السماء وراعية النساء والحب والموسيقى، وزوجة حورس ويعنى اسمها منزل حورس، تمثل على هيئة امرأة تحمل تاج عبارة عن قرنين بينهما قرص الشمس.

     ط - الإله ست: إله الخبث والحقد والشر وعدو البشر جميعا.

     ك- الإله آتون: قرص الشمس ، لم يعبد قبل الدولة الحديثة ارتفع شأنه في عهد اخناتون، حيث جعله الإله الأوحد مثل في كقرص الشمس بأشعة تنتهي بيد آدمية.

       4- الإيمان بحياة ما بعد الموت:  لقد تكررت الإشارات الخاصة بعقائد المصريين بحياة ما بعد الموت والخلود مما طبع الحضارة المصرية القديمة بالطابع الخاص هو اهتمامها المفرط بشؤون ما بعد الموت من قبور وطرق دفن والمحافظة على الأجساد، حيث واعتقد المصريون القدماء على أن الإنسان سيبعث ثانيا بعد موته ليحيا حياة الخلود، إذ تصعد روحه إلى السماء وصورها على شكل طائر، وإن جسم الإنسان إن ظل سليما بعد الدفن عادت إليه الروح من السماء فالموت في نظر المصريين لم يكن هو النهاية، لذلك اهتم المصريون بحفظ الجثث الموتى بعد تحنيطها، ووضعها في قبور حصينة مما دفعهم إلى بناء الأهرامات الضخمة.

          كما مارسوا التحنيط الذي برع فيه المصريون القدماء وكان سرا من أسرارهم الخاصة، به استطاعوا حفظ الجثث السليمة لتحل بها الروح وتعيش ثانية إلى الأبد ، دفن المصريون الجثث موتاهم في رمال الصحراء ذات الشمس القوية حتى تجففها وتحفظها من التلف ووضع المصريون مع الميت كل ما يحتاج إليه من طعام وشراب وأدوات ليستعين بها الميت في الحياة الخلود .

          لقد آمن المصري القديم بالحياة بعد الموت، واعتقد بالخلود لدرجة أن كل ما أنتجه من فكر وعلم وفن كان أثرا من آثار هذا الاعتقاد، لهذا بذلوا عصارة أفكارهم وجهدهم في العناية بأجساد الموتى للمحافظة عليها بعد الموت وذلك بتحنيطها،  فلا يوجد شعب قديم أو حديث بين شعوب العالم احتلت في نفسه فكرة الحياة ما بعد الموت المكانة العظيمة التي احتلتها في نفس الشعب المصري القديم، حيث يقول "جمس هنري برستد"( James Henry Breasted): « لقد كان لرسوخ عقائد ما بعد الموت تأثيرا كبيرا في نفوس المصريين منذ أقدم عصورهم، فتولدت عندهم عناية كبيرة بأمور موتاهم  فالمصري القديم كان يعتقد بالخلود بعد الموت، وبأن الحياة الأخرى هي الحياة الأبدية، وأنه سيحاسب على أعماله ويجرى بحسب سلوكه وأن عليه أن يتطهر من كل الذنوب والخطايا».

     5- كتاب الموتىكان لهذا الكتاب شأن كبير عند المصريين لأنهم يزعمون أن أحد الآلهة قد كتبه بيده ولذا يتعبدون بتلاوته وهم أحياء ويوضع في قبورهم وهم أموات، يشمل الكتاب على جميع الكلمات السحرية التي تستعمل لعلاج الأمراض وعلى الصلوات والأدعية.  كما يحتوي على نصوص جنائزية تحفظ مع الميت في تابوته أو توضع بين أكفانه وتكتب على أدراج متفاوتة الأطوال من البردي والرق بالخط الهيروغليفي والهيراطيقي أو الديموطيقي، والهدف منه هو تمكين المتوفى من الخروج من ظلمة القبر إلى ضوء الشمس وتمكينه من الحركة بعد الموت فضلا عن توفير السعادة له في العالم الآخر.

          ليس من الكتب الدينية المقدسة بل أنه يحتوي نصائح معينة للميت، كما لا تنطبق عليه صفات الكتاب المتكامل الموضوع المحدد الهدف وفصوله متتالية لا يجمع بينهما وحدة فكرية ، ولعل أهمها الفصل 125 والذي يؤكد فيه الميت عدم اقترافه لأية معصية ثم هناك الفصل السادس الذي يكتب على أجسام التماثيل المجاوبة ويطلب من كل تمثال إن يهب في اليوم المحدد له، وينوب عن صاحبه في أعمال الزراعة في عالم الموتى. أما الفصل الثلاثون فيختص بالقلب ما يجب أن يشهد به إمام محكمة الموتى بالصور التوضيحية التي كانت تتخلل النصوص. 




  • 1/ ملامح الديانة الإغريقية:  إن الدارس للديانة الإغريقية القديمة يقف على أنواع كثيرة من المعبودات،  تمثلت في أغلب الأشياء، فقد أنشأ الخيال الديني اليوناني مجموعة من الأساطير تدور حول مجموعة كبيرة من الآلهة، فكان كل شيء وكل قوة في الأرض والسماء، وكل نغمة أو نقمة، وكل صفة ولو كانت رذيلة من صفات الإنسان تمثل إلها في صورة بشرية عادة، وليس ثمة دين يقرب آلهة من الأدميين مثل قرب آلهة اليونان. وكانت الديانة الإغريق ديانة وثنية، عبدوا فيها الآلهة وأنصاف الآلهة،  وهي عبارة عن تشخيص لقوى الطبيعة أو الأبطال الذين قاموا بأعمال مجيدة خلدت ذكرهم، وكان لكل مدينة أو قرية بل لكل أسرة إلهها، وأعياد دينية خاصة. 

         تعتبر الميثولوجيا الإغريقية غنية بالأساطير، التي تعتبر أصدق تعبير عن تصورات الإغريق الدينية القديمة، فقد عظموا الأرباب عبر الجبال والمغاور، والأشجار والأعمدة  والشمس والقمر والأفاعي واليمام والثيران، وكان لكل مظهر أو صفة أو حرفة  إله خاص بها أو حارس، كما رأوا الكون مليئا بالأرواح منها الطيب ومنها الخبيث، بالإضافة إلى اعتقادهم بوجود شياطين ونساء مجنحات  وجن وأشباح بشعة، وحسناوات جميلات في البحار والغابات، كما كان لكل إله أسطورة تفسر سبب وجوده وتفسر طقوس عبادته وتكريمه، ومجموعة هذه الأساطير كونت عقيدة  الإغريق وفلسفته وأدبه.

       2- الآلهـــة الإغريقية: كان للإغريق حشد كبير من الآلهة وتصنف إلى ثلاث أصناف  آلهة كبرى وآلهة صغرى وآلهة المرحلة سرية وهي كما يلي:

        أ/الآلهة الكبرى: أو آلهة الأولمبس وهي أشهر معتقدات اليونان القدماء، وأكثر ذيوعا وانتشارا بينهم، فلقد ورد ذكرها بالتفصيل في القصائد الهوميرية (الإلياذة والأوديسيا)، وكتب عنها الكثير من الأساطير والأشعار، وهي تنتسب إلى جبل الأولمبس وهو أعلى جبل في بلاد الإغريق اعتقادا  منهم أن هذه الآلهة يعيشون على هذا الجبل. والآلهة الأولمبية كما في الإلياذة والأوديسيا يؤلفون حكومة ملكية وعلى رأسها زيوس وعددهم اثنا عشر إلها، وكلهم في صورة بشرية إلا أن  سائلا عجيبا يجري في عروقهم فيكفل لهم الخلود، وهم أقوى من الأبطال وأسرع حركة، ويسكنون قصورا في السماء فخمة يقضون فيها حياة ناعمة في ربيع مقيم. وهذه بيان بهؤلاء الآلهة ووظيفة كل واحد منهم:

       1- زيوس: سيد الآلهة و رب الأرباب  ورأس النظام الإلهي، إله السماء والرعد والصواعق، والعواصف، اقتبس هو وإخوته العالم عن طريق القرعة، فكانت السماء من نصيبه، وكان زيوس محبا للنساء.

    2- هيرا: إله الزواج والمواليد، وزوجة زيوس الشرعية وشقيقته، صعبة المراس، ولكنها مثال ربة العائلة.

    3- بوسيدون: هو إله البحار أخ زيوس.

    4- هيفاستوس: إلهة النار والمعادن، وإله الصناعات، ابن زيوس وهيرا.

    5- أبولو: يعتبر إله النور والتنبؤ والرماية، وكذا إله الموسيقى والفنون والطب والشمس، يعتبر أجمل الآلهة، وهو أبن زيوس.

    6- أرتميس: إله الصيد والطبيعة والبرية. تمثل بقمر لأنها إلهة النور الليلي.

    7- آريس: ربة الشقاق والنزاع، لا تستدعى إلى الحفلات والأعياد خوفا من النزاع هي التي سببت الحرب الطروادية.

    8- هرميس: هو رسول الآلهة مهمته نقل الرسائل بين الآلهة، وهو إله الماشية والتجارة ، والدهاء والكسب.

    9- أثينا: إلهة المعرفة والحكمة والحرب ولدت من رأسه مدججة بالسلاح والذكاء وشفيعة مدينة أثينا، ابنة الملك زيوس.

    10- أفروديت: إلهة الحب والجمال، خلقت من زبد البحر زواجها غير موفق فتصرفت وفق أهوائها.

    11- هستيا: إلهة الموقد ورمز الحياة العائلية، وحامية العائلة.

    12-هاديس: إله الموت والعالم السفلي.

         ب/ الآلهة الصغرى: إلى جانب الآلهة الكبرى كان يوجد عدد كبير من الآلهة الصغرى التي قامت بأدوار متعددة ومختلفة يصعب ذكرها بالتفصيل، ضمت آلهة الأرض، والآلهة الحيوانية، وآلهة ما تحت الأرض، وآلهة الأسلاف والأبطال، وعبادة هذه الآلهة كانت منتشرة بين الفقراء عادة كانت حزينة  عكس الآلهة الكبار، ومن الآلهة الصغار نجد ديكي آلهة العدالة والقانون، أتيروس إله يمثل الأحلام الليلية، بلوتو إله العالم السفلي، فلورا ربة الأزهار والربيع. إيريس رسول الآلهة، نايك  ربة النصر المجنحة، وتميس ربة العدالة. أما الأبطال فقد كانوا في الأصل  بشرا  ألهوا لسبب ما، وأصبحوا وسطا بين البشر الفانين والآلهة الخالدين، على رأسهم هرقل يطل الأبطال و حامي الحضارة الهيلنية في بلاد البرابرة.

          ج/  الآلهة السرية أو الصوفية: وهي آلهة بعث من الموت حسب اعتقادهم.

      3- الطقوس والعبادات: عمد الإغريق على استرضاء آلهتهم عن طريق قيام بطقوس من الصلوات والتضحيات والرموز والاحتفالات، وتقيمها عادة كاهنات من النساء، وأحيانا موظفون من رجال الدولة، وكانت الموسيقى  عنصرا أساسيا لا غنى عنه في الاحتفال الديني، وكانت القرابين تقدم  من تماثيل، وآنية، وأسلحة وأثاث وثياب، وثمار الأشجار، كما كانت تقدم الأضاحي البشرية، وكانت تقدم للإله زيوس حتى القرن الثاني م. كما اعتقد الإغريق بوجود شياطين، ولكي يطردوها عمدوا إلى طقوس خاصة، منها حرق البخور، وتلاوة أناشيد جماعية.

       4- الموت وطقوس الدفن: لقد عظم الإغريق موتاهم تعظيما يفوق تعظيمهم لآلهة، ففي جزيرة "كريت" عني الإنسان عناية خاصة لموتاهم حتى العبادة، ودفن الميت في توابيت من الصلصال، أو جرار ضخمة، كما كان يوضع  معه قليلا  من الطعام وأدوات الزينة ودمى صغيرة في صورة نساء لكي يواسون الميت  إلى أبد الدهر، أما إذا كان الميت ثريا كان يوضع  معه أشياء ثمينة  أو حلي  تكون ملكا للميت، ويظهر من خلال البقايا الأثرية أن الكريتيين والموكينيين كانوا يعتنون بدفن موتاهم ويزودوهم بالأثاث الجنائزي، لكن يبدو أنه لم تكن لديهم فكرة واضحة عن حياة أخرى بعد الموت.

         كما اعتقد الإغريق أن أرواح الموتى قادرة على فعل الخير والشر للناس، ففي البداية لجأت الأسر اليونانية إلى تعظيم الميت، وفيما بعد أصبحوا يرهبونها بطقوس المراسيم بغية إبعادها  واتقاء شرها، وكانت عبادة الأبطال امتدادا لعبادة الموتى والأسلاف.

       5- الأعياد الدينية وأماكن العبادة : اشتهر الإغريق بتنظيم الأعياد الدينية التي تصاحبها ألعاب متنوعة لتكريم آلهتهم، وكان أشهرها الألعاب الأولمبية التي تقام في أولمبس على شرف كبير الآلهة زيوس،  وقد جرت لأول مرة في عام  776 ق م واتخذت نقطة بداية لتقويمهم، كما نظّمت ألعاب واحتفالات لتمجيد آلهة أخرى في تواريخ مختلفة، وبرغم انقسام بلاد الإغريق سياسيا إلى مدن الدول فإن الديانة من خلال هذه الأعياد وما تتضمنه من أنشطة دينية ورياضية كانت عنصر ربط بين المدن، وقوَّت الشعور بالوحدة الهللينية بينهم. وكان السكان يزورون في أوقات معينة بعض الأمكنة المقدسة لاسيما المغارات والجبال، كما خصصوا مواقع معينة في البيوت لتقديم الطقوس لمعبوداتهم التي جسدوها على شكل تماثيل أو رموز دينية.

       6-الكهنة: كان الكهنة في الميثولوجيا الإغريقية خاضعين للدولة، بعكس ما كان كهنة الشرق الذين كانوا يسيطرون على الدولة، ولم يكن الكهنة الإغريق سوى موظفين صغار في الهيكل، كما كانت أملاك الكاهن يدير شؤونها موظفون من قبل الدولة، ولم يكن في اليونان طبقة كهان خاصة كما لم يكن للدولة دين رسمي يستمسك به جميع أفراد الدولة، وكان بوسع أي إنسان أن يؤمن بما يشاء به من العقائد على شرط أن لا يكفر بآلهة المدينة أو يسبها، كان حرم الهيكل حيث يسكن الإله مقدسا يجتمع فيه المتعبدون حول تمثال الإله ويوقد أمامه ضوء لا ينطفئ أبدا، كما كان الإله يؤنب أحيانا إذا أهمل أمر متعبديه.

     7- الأساطير: كانت بلاد الإغريق من أشهر الحضارات ذات الملاحم والأساطير،  حيث كان الإغريق أناس ذوي ذهنية وقادة وبحاثة، اضطروا لقصر باعهم في العلم إلى خلق أساطير لكي تركن  ذهنيتهم الباحثة إلى ساحل الأمان والاستقرار، فنجد أنهم عبدوا أوثانا متنوعة بدلا من عبادة إله واحد، كما اهتموا بالفلسفة أيضا، ورفعوا لوائها في عصرهم في حين عجزت أقوام أخرى عن اللحاق بهم في هذا المضمار.

           ينبغي دراسة الأساطير اليونانية في الإطار الذي وجدت فيه، أي في نفس الظروف الاجتماعية والتاريخية التي نشأت فيها هذه الأساطير ولعلنا في هذا المجال نجد أن هذه الأساطير كانت تختلف عن غيرها من تراث الشعوب الأخرى في تركيزها على الإنسان ومعاناته وحياته، وابتعادها النسبي عن الإغراق في الخيال قياسا على مثيلاتها لدى الشعوب الأخرى.

      8-مميزات الديانة الإغريقية:

     أ/ الديانة اليونانية بقيت ديانة وثنية من نشأتها إلى منتها وإنها تركزت على تعدد الآلهة ، كما عرفوا مبدأ التفريد (الإله الأعظم ) كما عرفوا التوحيد (الإله الواحد) ولكنهم رغم عقيدتهم الجبارة لم يستطيعوا تجريد عقيدتهم من علائق التشبيه والشرك.

    ب/ إن الإغريق في مجال الدين والعقيدة لم يعطوا شيئا وإنما أخذوا كل شيء عن الديانات الشرقية (المصرية ، البابلية، الهندية الفارسية عن طريق الفينيقيين والكريتيين.


  •     1/ ملامح الديانة الرومانية: عبد الرومان أول الأمر شأنهم ككل القبائل الآرية العديد من الآلهة والأرواح والأشباح، وفسروا وقوع الظواهر الطبيعية بأنها من عمل  هذه الأرواح، ثم بعد ذلك نجدهم كلما احتكوا بقوم أخذوا  ديانتهم، فعندما اختلطوا بالإغريق أخذوا آلهتهم وأعطوها أسماء لاتينية، وكذلك عندما استولوا على البلاد الشرقية واختلطوا بأهلها وأخذ منهم الكثير يتدين بالديانات الشرقية فاعتنقوها وتعبدوا بها وأخذوا يقدمون لها الطقوس والقرابين[1]. فالرومان كانوا من أكثر الشعوب القديمة قبولا لديانات الغير، فقد عبدوا آلهة كثيرة في وقت واحد، وكانوا كلما اتصلوا بقوم أخذوا آلهتهم وعبدوها تحت أي صفة، فانتشرت بينهم الديانات اليونانية الأولمبية والسرية. وعندما اتصلوا بالبلاد الشرقية عن طريق الاحتلال راقت ديانات الشرقيين لهم.

       2/ الآلهة الرومانية: دان الرومان بالديانة الوثنية، ومع اتساع الإمبراطورية الرومانية تعدد الآلهة، حيث كان لكل شيء إله يديره، ويسهر على حمايته، حيث يقول أحد الرومان: "وطننا مملوء بالآلهة حتى غدا وجود إله أيسر من وجود رجل".فكان لباب البيت إله خاص به، ويحرسه ويمنع الأشرار من دخوله، وكان لمخزن الحبوب إله يرعاه ويباركه، وللموقد إله يحفظ ناره ويبقيها متقدة وحامية،  وكان هناك آلهة للصحة والشباب والعفاف وأخرى للحظ والذاكرة والنصر وللماء والغابات، ولفصول السنة، ومن هنا يتضح أن للرومان آلهة متعددة، ومن الإله ما هو أصيل ، ومنها ما هو دخيل على البلاد  وجاء من شتى المناطق كاليونان ومصر وبلاد الرافدين وفارس وفينيقية، كما اتخذ الرومان آلهة بعض الأعداء أربابا لاتقاء شرها، وحتى عند الانتصار على الشعوب الأخرى تضم معبوداتهم إلى المعبودات الرومانية . ومن الآلهة الرومانية نجد  

      */ جوبيتر:  والد الآلهة وسيدها، والمعبود القومي للرومان، إله السماء الصافية

     */ جونو(يونو): زوجة جوبتير، إلهة السماوات وحامية النساء عند الولادة وفي الزواج.

     */ مارس إله الحرب وابن جوبتير، وهو باعث النشاط والتجدد في النبات والطبيعة في الربيع.، وكذا إله الرجولة والقوة الخلاقة، الذي يبدو أثره في الحرب، وقد أقيم له معبد خارج روما يفتح في حالة الحرب ويغلق في حالة السلم، وتجتمع في ساحته المجالس المئوية.

         بالإضافة إلى ديانا( ربة القمر)، وفيستا (إلهة النار) وحامية العائلة، مينرفا (إلهة الحكمة)، وباليس وفرنوس (حاميا القطعان)، ديس (إلهة العالم السفلي)، روما( الربة الحامية للمدينة)، لونا (ربة القمر)، فكتوريا(النصر)، صول( الشمس)، ليبيرا( إله الخمر)، مركور(التجارة) فينوس(الحب)، زحل( إله الزرع.).

        ويجدر بنا أن نشير إلى ظاهرة تميز بها الرومان، وهي تسامحهم مع الآلهة الأجنبية والسماح بإقامة المعابد لها في روما كإزيس وأوزريس المصريين.     

        3/ المعتقدات الرومانية: كان الرومان يؤمنون بالتطير أو الفأل، فيذهبون إلى أن الأرباب يعرفون ويرسلون للناس آيات يدركونها فيستنصح الروماني الأرباب قبل أن يشرع في عمل، فإذا أراد الحاكم عملا يجمع لديه مجلسا ينظر إلى الطيور السائرة، فإذا كانت فيها إشارة موافقة يدكون أن الأرباب استحسنت المشروع، وإلا كان معناه أنهم غير راضين عنه، ويزعمون أنه كثيرا ما يرسل الأرباب آياتهم من غير أن يسألوا، ويزعمون أنه قد ظهر نجم ذو ذب يوم موت قيصر فكان إشارة نعيه.

       4/ عبادة الإمبراطور: تعلمت روما نتيجة احتكاكها بالإغريق أن تنسب ألقاب الشرف المقدسة إلى الأفراد، ففي سنة 212 ق.م أقيم احتفال على شرف مارسليوس (Marcellus) في سيراكوزة ، وفي عام 195 ق.م منح فلامينوس(Flamnius ) في مدينة خالكيس الكهنوتية التي بقيت طوال ثلاث قرون، وأنشدت ترنيمة للإمبراطور تيتوس (titus) وزيوس وآلهة روما تنتهي بعبارة "نعماك يا أبللو نعماك يا تيتيوس يا مخلصنا"، وفي مدينة أفيسوس كان هناك هيكل لآلهة روما "ب سرفيلوس أزوريكوس" (isauricup (P Servilius الذي كان قنصلا من46 حتى عام44 ق.م، وكان فيرس verres)) الشهير موضع تبجيل في قبرص، وهناك من الأباطرة من طالبوا بأن يعبدوا في حياتهم أمثال كاريحولا  (caligula) ونيرون ودوميتيان(Domitian)، وأن ينظر إلى كل منهم بوصفه سيدا وإلها أي( Dominus of eus) مالك للعبيد وإله للفانين.

         وظهر تأليه الأباطرة الممتازين بعد وفاتهم، ولقد كان ذلك بالطبع دينا سياسيا، فلم يكن في استطاعته آلهة الأولمبس أن يقيموا إمبراطورية موحدة، وأقصد بذلك إمبراطورية مقدسة، أما في روما فقد أصبح الإمبراطور إلها لأنه إمبراطور وهو مركز العبادة، معنى هذا أن العبادة تحصل على أهمية خاصة من أطراف الإمبراطورية، واستمرت عبادة الإمبراطور في القرن الثالث إلى أن غير أورليان (Aurelien) مبدأ الحكم مضيفا إليه نعمة من الله، مما مهد الطريق أمام الإمبراطورية المسيحية على الرغم من أن  شخصية الإمبراطور قسط  ظلت تتلقى التوقير والتبجيل.

      5/ طقوس العبادات: لا تخرج طقوس العبادة الرومانية عن التقليد المتبع عند سائر الشعوب القديمة، وهي طقوس لكسب رضا الآلهة، كانت الطقوس والاحتفالات تتم في أجواء صاخبة يتخللها دوي  الأغاني الصاخبة مما يثير الأعصاب، ويبعث على الهيجان خاصة لدى الكهنة، وكانت نار الموقد تلقى عناية كبيرة لدى الرومان فهي رمز الآلهة فستا ومادتها، وكان من الواجب أن لا تنطفئ هذه النار،  وأن تغذي  بنصيب من كل وجبة تتناولها الأسرة الرومانية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالعالم الروحي.

        6/ المعابد والكهنة: كانت المعابد الرومانية في بادئ الأمر بسيطة تتكون من غرفة واحدة فيها صورة الإله وأمام الصورة يوجد هيكل ومذبح تمارس أمامه العبادة، ثم أصبح الرومان يعتنون ببناء معابد كبيرة ضخمة استخدمت للعبادة وأغراض المدنية.

          أما الكهنة فلا يؤلفون طبقة خاصة متميزة عن غيرهم من الطبقات الاجتماعية، ولا تتطلب وضيفتهم  أعدادا خاصا أو تمرينا وممارسة، حيث كانت المناصب الدينية تشغل من قبل أشخاص أظهروا تميزا  كرجال دولة أو قادة جيش، وهو دليل قوى على مدى ارتباط الدولة بالدين. ويمكن تميز طبقتين من رجال الدين:

        أ/ رجال الدين يكلفون بالإشراف على ديانة الدولة: وتضم مجموعتين؛ الأولى تتكون  من كبار رجال الدين والعرافين، وتشرف على التقويم السنوي، ويبلغ عددهم خمسة كهنة يرأسهم الكاهن الأعظم الذي يعتبر الزعيم الديني الأعلى للدولة، أما الثانية فتتكون من العرافين  وعملهم يتمثل في معرفة مشيئة الآلهة في أي عمل تريد الدولة القيام به، ووسيلتهم في ذلك الفأل ومراقبة تحركات الطيور أو أصواتها طبقا لقوانين ثابتة ومعروفة لديهم، وهناك طائفة قريبة من العرافين وهم متنبئ "إتروريا" الذين كانوا يفحصون أحشاء القرابين التي تقدم للآلهة وتفسر معنى البرق.

        ب/ كهنة الآلهة: فأهمهم الكهنة الثلاثة الذين يوقدون شعلة جوبيتر ومارس وكوبربتوس وإخوة أرفلليس الإثنا عشر، وكانوا يقدمون الترانيم إلى مارس، وإلى آلهة البذر وقت الزراعة وكهنة مارس وعذارى فستا  اللواتي كان واجبهم العناية بالنار الأزلية المتقدمة في معبد فستا أقدم معابد روما.

        7/ الطقوس: أما طقوس العبادة فكانت تتألف من طقسين متلازمين هي الصلاة والذبيحة، فبعد  أن يرش على الضحية الخمر وتنثر عليها فتات الكعكة المقدسة، يقوم مساعد الكاهن بذبحها ثم تفحص الأحشاء فحصا دقيقا خاصة الكبد، فإذا وجد فيها بشير للخير  وضعت على المذبح، وأكل ما تبقى من الحيوان، ويقوم الكاهن بتلاوة نوع من الصلاة بصوت منخفض وقد غطى رأسه، ويقوم آخر بنفخ المزمار ليطغى صوته على أصوات الشرـ بينما يقف السامعون صامتين، ومن شروط هذه الطقوس ممارستها بدقة وإلا فإن أي خطأ كفيل بإعادة الصلاة من جديد وتقديم ذبيحة جديدة ككفارة.