Résumé de section

  • معهد الآداب واللغات 

    الاستاذ : امحمد لقدي

    المقياس : المدارس اللسانية

    الحجم الساعي : 1.5 سا في الاسبوع – محاضرة –

    السنة الثانية ليسانس

    تخصص : دراسات نقدية/لغوية..

    المكان مدرج "ب"

    السداسي الثاني

    البريد الالكتروني : lokdai.mhammed@cu-tipaza.dz
    الموسم الجامعي 2022/2023...

  • المحاضرة الأولى:  مدخل مفاهيمي(الحلقة-المدرسة-النظرية)

     

    أولا: حول اللسانيات وأقسام مدارسها:

    1-مفهوم اللسانيات:

    لابد لنا من تعريف اللسانيات نفسها، حتى تتضح الفوارق بينها ةبين غيرها من الدراسات اللغوية بشكل عام. ولقد عرفت اللسانيات بتعاريف مختلفة،  فقد عرفها  أحمد محمد قدّور بأنها: "العلم الذي يدرس اللغة الإنسانية دراسة علمية تقوم على الوصف ومعاينة الوقائع بعيدا عن النزعة التعليمية والأحكام المعيارية". فهي إذا علم، والعلم بحث موضوعه دراسة طائفة معينة من الظواهر لبيان حقيقتها وعناصرها ونشأتها وتطورها ووظائفها والعلاقات التي تربط بعضها ببعض، والتي تربطها بغيرها، وكشف القوانين الخاضعة لها في مختلف نواحيها... [1].

    سنتناول في هذا البحث عن المدارس اللسانية. ونبدأ أولاّ بذكر المدارس اللسانية العربية، ثم بعد ذلك نتحدث عن المدارس اللسانية الغربية.


    2- المدارس اللسانية العربية:

    يعتبر الجاحظ والجرجاني والسكاكي وابن خلدون من أوائل من أسّسوا المدارس اللسانية العربية، كل من زاويته وبالعناصر التي يراها تئيد نظرته ومذهبه. فالجاحظ، مثلا، أسس لما يعرف  بالمدرسة البيانية، ثم تأتي مدرسة النظم مع الجرجاني،  فالمدرسة الشمولية مع السكاكي،  لنصل إلى المدرسة الارتقائية مع ابن خلدون. وهذه بعض سمات تلك المدارس:

    -المدرسة الجاحظية(نسبة للجاحظ):

    وتعرف عند بعضهم بالمدرسة البيانية؛ يقول أحمد حساني: "الأصح أن يقال: المدرسة البيانية -التبيينية-، حتى نلتزم بعبارة الجاحظ في عنوان كتابه المشهور «البيان والتبيين»، لأن الجاحظ أراد أن ينبه إلى حقيقة المفردتين.." [2]، فمفردة" البيان" تعبر عن هذه الظاهرة اللسانية الإنسانية التي تمثل الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض، وهي بالتالي ظاهرة غيبية بالدرجة الأولى. وأما مفردة" التبيين" فهي لما وضعه الجاحظ لوصف العلاقات اللسانية التي تجري في عالم الشهادة وتجمع بين المتكلم والمخاطب وتنقل البيان إلى بلاغة، والكلام إلى رسالة مع ما تتضمنه الرسالة من إلقاء وتلقي ورموز ومعاقد وحال ومقال ومقام كما تشرحه اليوم اللسانيات الحديثة[3].

    وأنواع الدلالات عند الجاحظ خمسة، وهي: اللفظ ثم الإشارة ثم العقد ثم الخط ثم النصبة. وسر هذا التصنيف لا يزال لغزا، لكن يبدو أنه قائم على النظرة الارتقائية التي تتلخص في عبارة «العالم الصغير سليل العالم الكبير» الشهيرة عنده حيث ينحدر اللفظ من الإشارة، والإشارة من العقد، والعقد من الخط، والخط من النصبة.

     -المدرسة الجرجانية(نسبة لعبد القاهر الجرجاني):

    وتعرف بنظرية النظم، والمقصود بالنظم هنا تأليف الحروف والكلمات والجمل تأليفا خاصا يسمح للمتكلم والسامع أن يرتقيا بفضل بديع التركيب إلى مدارك الإعجاز في المعاني علما بأن المعاني تملأ الكون وتعمر الفضاء واختيار تركيب من التراكيب في النص كاختيار مسلك من المسالك في البر والبحر قد يؤدي بالسالك يعني المتكلم إما إلى الوصول إلى الغاية التي يقصدها في بر النجاة أو إلى الضلال والهلاك،[4]

    - المدرسة السّكّاكية(نسبة إلى السّكّاكي):

    كتاب السكاكي المشهور: «مفتاح العلوم في البلاغة»، كان له تأثير كبير على الأجيال التالية، فصارت آراؤه مرجعا للدارسين جعلته أكبر مدرسة لسانية في العربية، ولا يعرف الدارسون مدرسة مماثلة لها من حيث الاتساع والشمول في الثقافات الأخرى.
    والتطور يشمل أولا فرعين: النحو والصرف، ثم يرتقي النحو والصرف إلى درجة البلاغة، فيخلف علم المعاني «النحو» وعلم البيان «الصرف»، ويخلف مقتضى الحال في البلاغة مقتضى الوضع في النحو بإدراج المنطق والاستدلال في العملية عملية التحويل كما يدرج مع مقتضى الحال مقتضى المقام ومقتضى المقال، ويرتقي من البلاغة إلى علوم الأسلوب في مستوى علم البديع، فيخلف البيان المحسنات اللفظية والمعاني المحسنات المعنوية،[5]

      - المدرسة الخلدونبة(نسبة إلى ابن خلدون):

    ويصطلح عليها بعض الباحثين باسم المدرسة (أو النظرية) الارتقائية وفق ما نظر إليها ابن خلدون تسلسليا كالتالي: في الأسفل نجد الدلالات التي لا تتحدد أبعادها إلاّ إذا أدرجت في شبكة نحوية، والشبكة النحوية لا تظهر قيمتها الكلامية إلاّ إذا أدرجت في الطبقة التي فوقها طبقة البلاغة. والبلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال ترتقي إلى طبقة الأسلوب التي تجمع العبارة البلاغية وتضيف إليها البديع أي إبداعات المتكلم، لأن الأسلوب هو العلامات الدالة على شخص المتكلم أو الصانع للعمران.

    وكيفية صنع التراكيب الكلامية ككيفية صنع التراكيب العمرانية تخضع للذكاء والحذق، ولذلك كان تفكير ابن خلدون في الجمع بين التراكيب العمرانية والتراكيب اللسانية في علم واحد للتراكيب أطلق عليه اسم "فقه التراكيب". ففقه التراكيب هو كل شيء في نظرية ابن خلدون. والتراكيب الارتقائية هي وحدها التي تمكن من الارتقاء إلى مدارك الأعجاز في القرآن الكريم بحيث يمكن القول أن التراكيب المعنوية تبدأ عند العناصر العليا المؤلفة لنظم القرآن الذي لا تدركه إلاّ خواص النفوس. [6]

     

    3-المدارس اللسانية الغربية:

    إنَّ نظرة سريعة إلى التراث الفكري الإنساني تهدي إلى أنَّ الحضارات الإنسانية المتعاقبة عرفت مدارس في حقول معرفية مختلفة :الحقل الفلسفي، الحقل الديني، الحقل اللغوي .

    ففي النّصف الأخير من القرن التّاسع عشر وصلت التّقنيات اللّغويّة إلى درجة أكثر تطوّرا، وقد كان أحد اهتمامات الباحثين الرئيسة هو إعادة بناء اللغة الهندو أوروبية الأولية التي استمدت منها جميع اللغات في أوروبا تقريبًا والعديد من اللغات في الشرق الأوسط وشمال الهند.

         بينما ارتبط ظهور البنيوية في بداية القرن العشرين بفيرديناند دو سوسير Ferdinand De Saussure ، الباحث الفرنسي السويسري الذي كان لأفكاره تأثير دائم على الفكر اللغوي للأجيال اللّاحقة. حيث أكد سوسير على تفاعل العناصر في بنية اللغة، وأكد أيضا أنّ هذه العناصر مترابطة في شبكة من العلاقات.

        أمّا التّحوّل التّوليدي فهو أحدث التّحوّلات وأبرزها، حيث اعتبر صاحبها –نُعام تشومسكي-أب اللّسانيات الثّاني، لما أحدثه من ثورة علميّة في مجال البحث اللّساني، فقاد تحوّلا جذريا في اللّسانيات مسّ الأسس الفلسفية والمنهجيّة والفكريّة للبحث اللّساني، فتحوّل من الفلسفة التّجريبيّة التّي أطّرت للّسانيات البنويّة، إلى الفلسفة العقليّة، وتحوّل من الوصف إلى التفسير والتّعليل، ومن البحث في عموم الأنظمة إلى محاولة وضع قواعد كليّة تفسّر الملكة اللّغويّة[7]. وسيأتي الكلام بالتفصيل حول أشهر المدارس الغربية لاحقا.

     

    ثانيا: مفهوم الحلقة-المدرسة-النظرية

    1-مفهوم الحلقة اللسانية:

    الحلقة لغة:

    قال ابن منظور: " والحَلْقَةُ: كلُّ شيءٍ استدار كحَلْقةِ الحديد والفِضّة والذهب، وكذلك هو في الناس، والجمع حِلاقٌ على الغالب، وحِلَقٌ على النادر كهَضْبة
    وهِضَب،  وقد حكى سيبويه في الحَلْقة فتح اللام وأَنكرها ابن السكيت وغيره، ...، وقال اللحياني: حَلْقة الباب وحلَقته، بإِسكان اللام وفتحها، ...، وحكى الأُمَوِيُّ: حِلْقة القوم، بالكسر، قال: وهي لغة بني الحرت بن كعب،
    وجمع الحِلْقةِ حِلَقٌ وحَلَق وحِلاقٌ. وقال الأَصمعي: حَلْقة من الناس ومن حديد، والجمع حِلَقٌ مثل بَدْرةٍ وبِدَر وقَصْعة وقِصَعٍ؛.."[8]

    وقال الرازي: (الْحَلْقَةُ) بِالتَّسْكِينِ الدُّرُوعُ وَكَذَا حَلْقَةُ الْبَابِ وَحَلْقَةُ الْقَوْمِ وَالْجَمْعُ (الْحَلَقُ) بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ.وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْجَمْعُ (حِلَقٌ) كَبَدْرَةٍ وَبِدَرٍ وَقَصْعَةٍ وَقِصَعٍ.وَحَكَى يُونُسُ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ (حَلَقَةٌ) فِي الْوَاحِدِ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْجَمْعُ (حَلَقٌ) وَ (حَلَقَاتٌ). قَالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّهُمْ يُجِيزُهُ عَلَى ضَعْفِهِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ حَلَقَةٌ بِالتَّحْرِيكِ إِلَّا فِي قَوْلِهِمْ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ (حَلَقَةٌ) لِلَّذِينِ يَحْلِقُونَ الشَّعَرَ، جَمْعُ (حَالِق).." [9]

    وأما اصطلاحا:

    فالحلقة اللسانية هي جملة المفاهيم والمصطلحات والآراء التي تتبناها مجموعة من اللغويين ، يعيرون من خلالها عن موقفهم من الظواهر اللغوية مناط البحث والاستكشاف، ويتخدون في ذلك  منهجا واحدا في معالجة تلك الظواهر اللغوية اللسانية.كما يشترط في الحلقة أو المدرسة اللسانيتين أن تبرز منهجها  وأهدافها والمبادئ والأسس التي تقوم عليها حتى تتمكن من معالجة المسائل اللسانية المستهدفة .

    -شروط تكوين الحلقة اللسانية:

    ينبغي أن تتوفر جملة من الشروط لقيام حلقة لسانية، ولعل أهمها:

    1- المكان والزمان: ترتبط  المدرسة في الأصل بمكان معين وبزمان يحدد بدء نشأتها، ويميزها عن غيرها من المدارس الأخرى . . مثلا في تاريخ البحث اللساني العربي ثبت وجود بعض المدارس المعروفة، كالمدرسة البصرية و الكوفية والبغدادية والأندلسية والمصرية والشامية. ولكن هذا لا يعني الذين يتبنون أفكار مدرسة معينة ينتمون بالضرورة إلى المكان والزمان نفسه، فيمكن أن يكون باحث لغوي يعيش في القرن العشرين منتميا إلى مدرسة البصرة في القرن الثاني الهجري ويتبنى أفكارها ونظرياتها وقواعدها.

    ثانيا : العلماء المؤسسون : إن نشأة المدرسة يستلزم بالضرورة وجود أعلام مؤسسين يمثلون المرجعية الفكرية للمدرسة، وتنسب إليهم أفكارها ومبادىها.

    ثالثا : النظريات والاصطلاحات: إذ لكل حلقة تنظيرها الخاص، وقاموسها الاصطلاحي الذي تتميز به عن غيرها من الحلق الأخرى..

    رابعا : المجال التطبيقي : تتميز الحلقة اللسانية بإجراءاتها التطبيقية، وسبل تعاملها مع القضايا التي تدرسها.

    2- مفهوم المدرسة اللسانية:

    المدرسة لغة:

    جاء في لسان العرب:" .. دَرَسَ الشيءُ والرَّسْمُ يَدْرُسُ دُرُوساً عفا ودَرَسَته الريح، يتعدَّى ولا يتعدَّى. ودَرَسه القوم عَفَّوْا أَثره. ...، والدَّرْسُ: الطريق الخفيُّ، ودَرَسَ الثوبُ دَرْساً أَي أَخْلَقَ ...، والدِّرْسُ والدَّرْسُ والدَّريسُ كله الثوب الخَلَقُ والجمع أَدْراسٌ ودِرْسانٌ.

     ...، ودَرَسَ الكتابَ يَدْرُسُه دَرْساً ودِراسَةً ودارَسَه من ذلك كأَنه عانده حتى انقاد لحفظه وقد قرئ بهما وليَقُولوا دَرَسْتَ وليقولوا دارَسْتَ وقيل دَرَسْتَ قرأَتَ كتبَ أَهل الكتاب ودارَسْتَ ذاكَرْتَهُم وقرئ دَرَسَتْ ودَرُسَتْ أَي هذه أَخبار قد عَفَتْ وامَّحَتْ ودَرُسَتْ أَشدّ مبالغة وروي عن ابن العباس في قوله عز وجل وكذلك نُصَرِّفُ الآيات وليقولوا دَرَسْتَ قال معناه وكذلك نبين لهم الآيات من هنا ومن هنا لكي يقولوا إِنك دَرَسْتَ أَي تعلمت أَي هذا الذي جئت به عُلِّمْتَ. وقرأَ ابن عباس ومجاهد دارَسْتَ وفسرها قرأْتَ على اليهود وقرأُوا عليك وقرئ وليقولوا دُرِسَتْ أَي قُرِئَتْ وتُلِيَتْ وقرئَ دَرَسَتْ أَي تقادمت أَي هذا الذي تتلوه علينا شيء قد تطاول ومرَّ بنا ودَرَسْتُ الكتاب أَدْرُسُه دَرْساً أَي ذللته بكثرة القراءة جتى خَفَّ حفظه عليَّ...، ويقال سمي إِدْرِيس عليه السلام لكثرة دِراسَتِه كتابَ اللَّه تعالى ... والمُدارِسُ الذي قرأَ الكتب ودَرَسَها ...، والمِدْراسُ البيت الذي يُدْرَسُ فيه القرآن وكذلك مَدارِسُ اليهود ...، ومِفْعَل ومِفْعالٌ من أَبنية المبالغة ومنه الحديث الآخر حتى أَتى المِدْراسَ هو البيت الذي يَدْرسون فيه قال ومِفْعالٌ غريب في المكان ودارَسْت الكتبَ وتَدارَسْتُها وادَّارَسْتُها أَي دَرَسْتُها وفي الحديث تَدارَسُوا القرآن أَي اقرأُوه وتعهدوه لئلا تَنْسَوْهُ وأَصل الدِّراسَةِ الرياضة والتَّعَهُّدُ للشيء.." [10]

    وقال في القاموس المحيط:"  درس الرسم دروسا: عفا، ودرسته الريح، لازم متعد، والمرأة درسا ودروسا: حاضت، وهي دارس، والكتاب يدرسه ويدرسه درسا ودراسة: قرأه، كأدرسه ودرسه، ...، والدرس: الطريق الخفي، وبالكسر: ذنب البعير، ... والمدرس، كمنبر: الكتاب. والمدراس: الموضع يقرأ فيه القرآن، ومنه مدراس اليهود.." [11]

    وأما اصطلاحا:

    فالمدرسة اللسانية، هي حلقة لسانية كبيرة كبر نظرياتها وأسسها ومبادئها وتشعب أفكارها مع تعدد الأعلام فيها بين مؤسسين وأتباع. وهي، مثل الحلقة، في كونها جملة المفاهيم والمصطلحات والآراء التي تتبناها مجموعة متعددة من اللغويين ، يعيرون من خلالها عن موقفهم من الظواهر اللغوية المبحوث فيها، ويتخدون في ذلك  منهجا واحدا في معالجة تلك الظواهر اللغوية اللسانية.كما يشترط في المدرسة اللسانية أن تبرز منهجها  وتبين أهدافها والمبادئ والأسس التي تقوم عليها حتى تتمكن من معالجة المسائل اللسانية المطروحة للكشف والبحث.

    شروط تكوين المدرسة اللسانية:

    ينبغي أن تتوفر في المدرسة اللسانية جملة من الشروط كتلك التي في الحلقة تقريبا، ولعل أهمها خمسة شروط ذكرها أحمد حساني، وهي[12]:

    أولا :المكان والزمان: من حيث المبدأ فإنَّ المدرسة ترتبط بمكان معين وبزمان يحدد بدء نشأتها، ويميزها عن غيرها من المدارس الأخرى . . مثلا في تاريخ البحث اللساني العربي هناك بعض المدارس المعروفة : المدرسة البصرية و الكوفية و البغدادية والأندلسية و المصرية و الشامية . ولكن هذا لا يعني الذين يتبنون أفكار مدرسة معينة ينتمون بالضرورة إلى المكان والزمان نفسه، بل إن أتباع المدرسة قد يتعاقبون في تتابع أجيال متلاحقة، يمكن أن يكون باحث لغوي عربي يعيش في القرن الحادي والعشرين منتميا إلى مدرسة البصرة في القرن الثاني الهجري ويتبنى أفكارها ومبادئها.

    ثانيا : الأعلام المؤسسون : تقتضي نشأة المدرسة بالضرورة وجود أقطاب مؤسسين يكونون المرجعية الفكرية للمدرسة، وتنسب إليهم أفكارها ومناهجها.

    ثالثا : المرجعية النظرية : المدرسة لا تنشأ من العدم، بل ترتكز عادة على إطار نظري أو فلسفي يعد المرتكز الذي يؤطر المدرسة، ويضفي عليها شرعية الوجود والتميز.

    رابعا : المفاهيم والاصطلاحات لكل مدرسة قاموسها الاصطلاحي الذي تتميز به عن غيرها من المدارس الأخرى؛ لأنَّ المفهوم أو الاصطلاح ينتمي إلى بيئة فكرية متجانسة ينشأ في رحابها، ويتطور، ويرقى برقي المدرسة وتأثيرها في التوجه الفكري والمعرفي العام.

    خامسا : الإجراءات التطبيقية : تتميز المدرسة بإجراءاتها التطبيقية، وطرائق تعاملها مع القضايا التي تعالجها.



    [1] ينظر: أحمد حساني، مباحث في اللّسانيات، منشورات كليّة الدّراسات الإسلاميّة والعربيّة-دبي-الإمارات، ط2، 1434ه-2013م.

    [2] ينظر: أحمد حساني، مباحث في اللّسانيات، ص18

    [3] ينظر: المرجع السابق، ص19.

    [4] ينظر: أحمد حساني، مباحث في اللّسانيات، ص20 ومابعدها.

    [5] ينظر: أحمد حساني، المرجع السابق، ص21.

    [6] ينظر: أحمد حساني، مباحث في اللّسانيات، ص22.

    [7] ينظر: محمد الأوراغي، اكتساب اللّغة في الفكر العربي القديم، منشورات الاختلاف-الجزائر، ط2، 1435ه/ 2014م، ص17.

    [8] ينظر: ابن منظور، لسان العرب، دار المعارف،2016، مادة: ح ل ق.

    [9] ينظر: الرازي(محمد بن أبي بكر بن عبد القادر)، مختار الصحاح، مكتبة لبنان، 2016، مادة: حلق.

    [10] ينظر:  ابن منظور، مرجع سابق، مادة درس.

    [11] ينظر: القاموس المحيط، الفيروزأبادي، دار الحديث، القاهرة،2013، مادة درس،  2/215

    [12] ينظر: أحمد حساني، مرجع سابق، ص25.


  • المحاضرة الثانية: لسانيات دو سوسير (مدرسة جنيف أو المدرسة السوسيرية)

     

    لابد  هنا من الإشارة إلى القيمة المعرفية والمنهجية للأفكار التأسيسية التي جاء بها دوسوسير De Saussure، تلك الأفكار التي أحدثت انقلابًا جوهريًا في المنهج العلمي في التعامل مع الظاهرة اللغوية.

    فبعد انتشار الأفكار والمبادئ التي تضمنها كتاب دي سوسير : دروس في اللسانيات العامة Cours de linguistique générale / Course in General Linguistics سواء أكان هذا الانتشار عن طريق التلمذة المباشرة، أم عن طريق الاطلاع على كتابه بواسطة القراءة المباشرة أو الترجمة، تشكلت مجموعة من الحلقات اللسانية في مناطق مختلفة من العالم، غير أنَّ هذه الحلقات الأولية بدأت بالتدريج تأخذ طابعها المميز مما جعلها ترقى إلى مستوى المدارس المتميزة.

    وباعتبار أنَّ لكل مدرسة لابد من مرجعية نظرية تؤطرها، فقد توافر هذا الشرط في مدرسة جنيف، إذ إنَّها المحطة التأسيسية التي قامت على المبادئ الأولية التي جاء بها دي سوسير في الحقل اللساني أولاً، ثم في حقول معرفية أخرى ثانيا.

    ومن أبرز أعلام هذه المدرسة شارل بالي Charles. Bally[1] الذي جمع محاضرات أستاذه دو سوسير ونشرها بمشاركة سيشهاي  Albert Sechehay [2] وكانت له اهتمامات خاصة بقضايا اللغة الصوتية والتركيبية والدلالية.

     أمّا بقيّة العلماء الآخرين في مدرسة جنيف فهم روبرت جودل (Robert Godel)، الذّي ركز على إصدار المخطوطات السوسيرية وناقش في ضوئها المفاهيم السوسيرية الرئيسية؛ وسيرج كارسفسكي Karcevski، الذّي صدّر أفكار مدرسة جنيف إلى مدرسة موسكو؛ وهنري فراي (Henri Frei)، الذّي عمل على اللّغات الآسيوية وعلى نظرية الأخطاء في الاتصال؛ ولويس برييتو (Luis Prieto)، الذّي ربط، بعد التّحول إلى علم النفس الاجتماعي، علم اللاهوت بالممارسات الاجتماعية؛ وأندريه برجر (Andre´ Burger)، الذي درس اللغات الرومانسية؛ وروني أماكر (René Amacker) الذّي أقام روابط وثيقة مع المدرسة الإيطالية في اللسانيات وقدم مقالة عن اللسانيات السوسيرية.

        وكان لمدرسة جنيف اتجاه آخر نحو  تحليل الخطاب مع إدي روليت (Eddy Roulet) حيث انفكت من ربقة سوسير ولم تعد مرتبطة مباشرة بأعماله وأتباعه. ومع ذلك ، لا يزال البحث في التراث السوسيري مستمرًا في جنيف من خلال منشورات منها مجلة Cahiers Ferdinand de Saussure وسلسلة المجلدات ذات الصلة من دائرة Ferdinand de Saussure.[3]

    1-منهجها:

         سارت مدرسة دو سوسير وفق المنهج الوصفي البنوي، ويعود إليها الفضل في إدخال هذا المنهج إلى الدراسات اللّغويّة الحديثة بشكل خاص، وإلى العلوم الإنسانيّة بشكل عامّ، بعدما كان حكرا على العلوم الطّبيعيّة.

     ويعرف المنهج الوصفي بأنه مجموعة متنوعة من الإجراءات البحثية المتكاملة التي  تصف الظاهرة أو الموضوع اعتمادا على جمع الحقائق و البيانات و تصنيفها و معالجتها و تحليلها تحليلا تاما ودقيقا من أجل الوصول إلى نتائج أو تعميمات عن الظاهرة أو الموضوع أو محل الدراسة[4].

    2- مبادئها:

         لهذه المدرسة مجموعة من  المبادئ، ومن أهمّها:

    -       دراسة اللّغة في ذاتها ولذاتها: ممثلا في أمرين مهمّين هما: الأول: تحديد موضوع الدّراسة، وهو اللّغة ذاتها، بعيدا عن السّياقات الخارجيّة، كالسّياق النّفسي المتمثّل في المتكلّم، والسّياق التّاريخيّ، المتمثّل في نشأة اللّغة وأصلها ومراحل تطوّرها. والثاني: مقصد الدّراسة، وهو توظيف نتائج الدّراسة لفهم اللّغة، لا لغرض خارج عن اللّغة. فتم بهذا حصر الدّراسة اللّسانية وتبيان حدودها وموضوعها وغرضها.

    -       دراسة اللّغة دراسة وصفيّة بنويّة: حصر هذا المبدأ، كذلك، أمرين مهميّن: أوّلهما: منهج الدّراسة، وهو المنهج الوصفي التصنيفي، فاستبعد بذلك كلا من التّفسير والتّعليل، لأنّه رأى في الأوّل إدخال لذاتيّة الباحث في تفسير ما يلاحظه، وهو مناف للموضوعيّة التّي نادى بها العلم[5]، أمّا التّعليل فرأى فيه تبرير ما يلاحظ بما لا يلاحظ، وهذا كذلك مناف للنّزعة البنويّة والتّجريبيّة التّي لا تؤمن في الدّراسة إلاّ بما يمكن ملاحظته ومعاينته. ثانيهما: نزعة الدّراسة، وهي النّزعة البنويّة التّي شكّلت الإطار الفكري للعلوم والفلسفة الحديثة، ومقتضاها توجيه مدار البحث من البحث في علل الموضوع إلى البحث في بنية الموضوع، فألغت بذلك فكرة الأصل وعلّة الوجود، وهو الأمر الذي أقرّه سوسير في الدّراسة اللّغويّة، فقد ألغى البحث في كل ما يشكل أصل اللّغة أو يعلل وجودها.

    -       دراسة اللّغة دراسة علميّة موضوعيّة: فحدّد الجزء الأوّل طبيعة الدّراسة وهي الدّراسة العلميّة، بمعنى الاستعانة بالوسائل العلميّة في وصف وتحليل بينة اللّغة. أمّا الموضوعيّة، في إبعاد ذات الباحث في وصف وتحليل ما يلاحظه.

    -       دراسة اللّغة في أنظمتها لا في مادتها: فصل هذا المبدأ بين طرفي البنية، المادة والنّظام، وتبعا للنزعة البنويّة، فإنّها تعتقد بأسبقيّة النّظام على المادة، كما أنّ النّظام ثابت والمادة متغيّرة، وأنّ المادة تتشكّل بمقتضيات النّظام. لذلك ركّز الدّراسة على نظام اللّغة مستبعدا مادتها[6].

    -       دراسة عموم الأنظمة اللّغويّة: يعتقد سوسير أنّ أنظمة اللّغات عامّة ومشتركة، وأن وصفها وتحليلها هو وصف وتحليل للملكة اللّغوية عند البشر عامّة، ويرى أنّ ما هو متغيّر بين اللّغات هو موادها.

    3- مفاهيمها:

         بنى سوسير مفاهيمه بناء تقابليا، بحيث يحدّد كل مفهوم المفهوم المقابل، ووفقًا لسوسير، فإنّ المقابلة الثنائية هي الوسيلة التي تكون بها وحدات اللغة ذات قيمة أو دلالة. فيتم تعريف كل وحدة في تحديد متبادل مع وحدة أخرى، كما هو الحال في العلامة. إنها ليست علاقة متناقضة ولكنها علاقة بنوية مكملة ، بمعنى آخر ، فإن المقابلة الثنائية هي أزواج من المصطلحات أو المفاهيم ذات الصلة التي تكون معانيها متبادلة.  ينص G. Smith على أنّ " المقابلة الثنائية هي النظام الذي- من خلال اللغة والتفكير – يتم وفقه تعريف اثنين من الأضداد النظرية بدقة وانطلاقا ضد بعضهم البعض" [7].

    أ‌-     اللّغة في مقابل الكلام (Langue vs. parole):

          " بفصل اللّغة عن الكلام، نفصل في نفس الوقت: 1) ما هو اجتماعي عن ما هو فردي؛ 2) ما هو ضروري عن ما هو عرضي. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الكلام هو فعل فرديّ ينبع عن الإرادة والذّكاء، حيث من الضّروري التّمييز بين:

     1) التّركيبات التّي يستخدم بها الشّخص النّاطق شفرة اللّغة للتّعبير عن تفكيره الشّخصي.

     2) والآلية النفسية الجسدية التي تسمح له بإضفاء طابع خارجي على هذه التركيبات"[8]. كذلك بهذا الفصل نميّز بين ما هو ثابت عن ما هو متغيّر، يكون بذلك ما هو اجتماعي وعام وثابت موضوع الدّراسة، وهو اللّغة.

    ب‌-  الآنيّة في مقابل التّزامنيّة (Synchrony vs Diachrony):

         تعتبر هذه الثّنائيّة فصلا بين مرحلتين مهمّتين من مراحل عمر الدّراسة اللّسانيّة، وهي المرحلة التّاريخية القديمة التّي عنيت بتقصّي أصول اللّغات وسلالاتها، وقد مثّل هذه المرحلة كل من فقه اللّغة وعلم اللّغة المقارن على التّوالي. والمرحلة الحديثة وهي المرحلة الآنيّة التّي جاء بها سوسير، وهي دراسة اللّغة في مدّة زمنيّة معيّنة دراسة وصفيّة تنصب على أنظمتها ومستوياتها دون مادتها. فالمرحلتان تشيران إلى " حالة اللّغة ومراحل التّطور على التّوالي.

    ت‌-  الدّال في مقابل المدلول (Signifier vs Signified):

        يعتبر كلّ من الدّال والمدلول طرفي العلامة اللّغويّة، بحيث يشكل الدّال (اسم الفاعل) العنصر المشير منها، بينما يعتبر المدلول (اسم المفعول) الجزء المشار إليه. أمّا عن " الارتباط بينهما فهو تعسفي، وبذلك تكون العلامة اللغوية تعسفية "[9].

        "مبدأ تعسف العلامة اللغوية" هذا،-والذي أسيء فهمه في بعض الأحيان- لا تنص فقط على أنّ العلاقة بين سلسلة معينة من الأصوات (مثل / ك ت ا ب /) من جهة وشيء محدد (مجموعة من الأوراق المطبوعة المرتبطة ببعضها) من جهة أخرى، ليس لها أساس طبيعي، لأنّ هذا يمكن العثور عليه عند العديد من اللغويين قبل سوسير، ويمكن ارجاعه على الأقل إلى أطروحة تفسير أرسطو. بل إنّ مفهوم سوسير جديد وأعمق: فحسب رأيه، فإنّ العلاقة بين الدّال والمدلول ليست، في المقام الأول، علاقة بين اللغة والواقع، لكنها علاقة داخلية مع اللغة نفسها.

    ث‌-      المحور التّركيبي في مقابل الاستبدالي (Syntagmatic vs Associative Relations):

         يرى سوسير أنّ وحدات الجملة تتراكب مع بعضها بعضا وفق محورين رئيسيين، هما المحور التّركيبي، وهو محور حامل للعلاقات التّركيبيّة للوحدات اللّغويّة، أي أنّه عبارة عن علاقات نحويّة، ومن دونها لا تنشأ الجملة بدءا. ومحور استبدالي تقوم على مستواه استبدالات متعاقبة حين تركيب الجملة [10].

     

     

    الجدول التّالي يوضّح العملية:

    أنجز

    الطالب

    واجبه

    أكل  

       العامل   

        التفاحة

    أتقنت

    المرأة

    العمل

    فهم

    التلميذ

    الدرس

    بدأ   

      الأستاذ   

       الشرح

    عرف

    الطفل

    اللعب

    إلخ....

    إلخ....

    إلخ....

     

          مهدت نظرة سوسير للغة الطّريق لما يسمى اليوم باللسانيات البنوية. مع أنّه لم يذكر مصطلح "بنية" أو "بنوي" (ولكن فقط نظام) في جميع أنحاء نصوص سوسير بالمعنى التقني، إلاّ أنّ النهج النظامي للغة وتعريف المفاهيم والفئات اللغوية على أساس لغوي بحت (أي دون الإشارة إلى فئات نفسية ، وما إلى ذلك) أصبحت نقطة البداية للّسانيات البنويّة[11].



    [1] شارل بالي: باحث لساني سويسري من تلامذة دي سوسير المباشرين، ولد بجنيف سنة 1865 ، وتوفي سنة 1947 نشر بالاشتراك مع سيشهاي كتاب أستاذه دي سوسير "دروس في اللسانيات العامة" Cours de linguistique générale سنة 1916. كان شارل بالي مهتما باللغة السنسكريتية واليونانية، ومن مؤلفاته : مصنف الأسلوبية الفرنسية Traité de stylistique française   ، واللسانيات العامة واللسانيات الفرنسية Linguistique générale et linguistique. ينظر : أحمد حساني، مباحث في اللّسانيات، ص18

    [2] ألبير سيشهاي : لساني سويسري، ولد سنة 1870، وتوفي سنة 1946م. يعد من المنظرين للمدرسة اللسانية بجنيف،شارك مع شارل بالي في نشر كتاب دي سوسير. ينظر : أحمد حساني، مباحث في اللّسانيات، ص18

    [3] Amacker R Linguistique saussurienne. Genéve: Droz (1975)..P5-12.

    [4] -ينظر: محمد زيان عمر، البحث العلمي مناهجه و تقنياته- د.م.ج -الجزائر , 1999. ص40.

    [5] Bob de Jonge, and Yishai Tobin, Linguistic Theory and Empirical Evidence, John Benjamins Publishing Company, Amsterdam/ Philadelphia, 2011, p 7.

    [6] ينظر: Zellig S. Harris STRUCTURAL LINGUISTICS, Phoe7iix Books, THE UNIVERSITY OF CHICAGO PRESS, CHICAGO &: LONDON, Copyright 1951, p63.

    [7] Williams, Tennessee. Summer and Smoke. in Modern American Drama. ed. Harold Bloom. Ed. Philadelphia: Chelsea House Publishers, 2005. p409-462.

    [8] Ferdinand de Saussure, Course in General Linguistics, eds. Charles Bally and Albert Sechehaye with Albert Reidlinger, trans. Wade Baskin, New York: Philosophical Library, 1959, p. 14

    [9] ينظر:  Ferdinand de Saussure, Course in General Linguistics, p67.

    [10] ينظر: Ferdinand de Saussure, Course in General Linguistics, p. 1239     

    [11] ينظر: محاضرات في المدارس اللسانية، عبد الناصر بن بناجي، ص35.


  • المحاضرة الثالثة: حلقة موسكو

    تكونت هذه الحلقة سنة 1915 ؛ أي منذ أن وصل كارسفسكي Kartsevski[1] ، تلميذ دو سوسير إلى موسكو ونشر أفكار أستاذه بين الدارسين الشباب الذين كان لديهم استعداد لتقبل هذه المفاهيم الجديدة، والعمل بها في مجال تطوير مناهج الدراسة اللغوية التي كانت تخضع للمناهج التقليدية . من هؤلاء الشباب تروبسكوي وياكبسون .

    حدث التغيير على مستوى:

    - الأهداف ( الدراسة اللغوية).

    - المنهج .

    - المصطلح.

    وقد طبعت الحياة العلمية لجاكبسون ثلاث مراحل أساسية: تتمثل الأولى في تأسيس حلقة موسكو اللسانية وتلقي آراء سوسير، أما الثانية فكانت مع الهجرة إلى تشكوسلوفاكيا سنة 1920 والإسهام في تأسيس حلقة براغ اللغوية مع تروبتسكوي (1890ـ 1938) وهنا بدأ الاجتهاد في تلقي الآراء السوسيرية ونقدها وطرح البدائل، أما المرحلة الثالثة فإيذانها الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد الغزو الألماني لتشكوسلوفاكيا، حيث استقر جاكبسون في معهد ماساشيوست للتكنولوجيا (MIT) وتفرغ لدراسة قضايا اللسانيات العامة وتعليمية اللغات السلافية وآدابها.       

    أ ـ استلهم جاكبسون رفقة تروبتسكوي مبدأ النظام الذي قال به دو سوسير القاضي بأن اللغة كيان مكتف ذاتيا وهي في جوهرها نظام من العناصر التي تعمل من خلال الفروق بين لغة وأخرى دون إعارة اهتمام للأنظمة الصوتية (اللغة شكل لا مادة)، لكنهما انفتحا على دراسة تلك الأنظمة الصوتية، فقد اتجه الأول إلى دراسة التطورات التاريخية للأنظمة الصوتية اللغوية، وتعهد الثاني باعتماد مفهوم النظام المكتفي في تحليل النظم الصوتية في كل الألسن البشرية. غير أن دراستهما بينت هشاشة المبدإ السوسيري؛ نظرا لأن النظام الصوتي ليس من طبيعة واحدة تماما، وإذا كان دوسوسير يرى أن لا شيء يربط المادة الصوتية سوى مبدإ الاختلاف، فإنهما يعتقدان بأن أصوات مثل (t)(d)(f) لا رابط بينها إلا كونها فونيمات متمايزة ما دامت تعمل على التمييز بين المعاني، في وقت أن (t)(d) تربطهما علاقة أكثر مما يرتبطان بالصوت (f)؛ وذلك بالنظر إلى أن أعضاء النطق تأخذ نفس الوضع في نطقهما مع قيمة خلافية جوهرية هي الجهر في (D) دون (T).

    وهنا يطرحان مصطلحات مهمة في ضبط المفاهيم: (الارتباط) عندما تقوم علاقة مفهومة وواضحة بين صوتين أو أكثر و(القطع) عندما تنعدم تلك العلاقة، ولا تكون عندئذ إلا قيمة المفارقة والاختلاف لا غير، (الفونيم الأساسي) ويقصدان به كل الخصائص المشتركة التي توحد بين صوتين أو أكثر بغض النظر عما قد ينفرد به صوت منها من الخصوصيات  المسماة (علامة) كالجهر الحاضر في (d)  الغائب في (t).

    ب ـ البنيوية الهرمية:

        اقترح جاكبسون في إطار هذا التصور سلما هرميا للأصوات في كل اللغات الإنسانية، فصوت مثل (a / ا) صوت غير معلم، وهو يخرج بأقل قدر من الإغلاق للمجرى، إلا أنه كلما أضفنا إليه درجة ما من درجات الإغلاق (اللسان/ اللسان مع الشفتين/ الحنجرة بالنسبة للأصوات الصامتة) كان ذلك تعليما نطقيا مؤثرا على الصوت الأساسي (غير المعلم/ المتحرر/ المطلق). وتتمثل أعلى درجة لتمييز في أولى الكلمات التي يكتسبها الطفل (ماما/ بابا) التي تحمل تضادا بين أدنى السلم وأعلاه (الصائت المتحرر في مقابل الصامت الشفوي الانفجاري).

        كما أن صعوبة اكتساب أصوات معينة أو سهولة أخرى راجع عند جاكبسون إلى العقل ومدى اكتمال بنياته لا إلى اللسان بوصفه عضوا مكتملا، ونظير هذا مهارتي القراءة والكتابة، فالأمر إذن يتعلق بسهولة إدراك العقل لأصوات دون أخرى أو بصعوبته، وقد أشار إلى أن رتبة صوت معين ضمن السلم الكوني للاكتساب الصوتي عند الأطفال يتطابق مع درجة توزيعه بين لغات العالم، فهم يتعلمون الفوارق القوية قبل الضعيفة، وعليه فإن اكتساب الأصوات الاحتكاكية (فوارق ضعيفة) يعني بالضرورة اكتساب القطعية الموقوفة الانفجارية. أما عند الفقدان بسبب مرض الحبسة الكلامية فالأمر يأخذ مسارا عكسيا، فتكون الأصوات غير المعلمة أكثر ثباتا من المعلمة التي يسرع إليها التأثير، والحال نفسها بالنسبة إلى الأكثر والأقل تعليما.

    ج ـ أسباب التغيرات الصوتية:

      إذا كانت قناعة النحاة الجدد من أنصار مدرسة "ليبزغ" الذين أثروا كثيرا في دوسوسير مفادها أن التغيرات التي تحدث في المستوى الصوتي في تاريخ لغة من اللغات لا يمكن تفسيرها إلا بتحكمية القوانين الداخلية التي تحكم اللغة ولا شيء غير ذلك، فإن جاكبسون يعتقد بأن ما يصيب أصوات اللغة في تاريخها الطويل يرجع إلى سبب رئيس يقبع خارج البنية وهو (الوظيفة)، وهو ما يعد امتدادا لرأي سقراط في عمل اللغات، كما عرضه أفلاطون في محاوراته، وبخاصة محاورة كراتيليس.

    وعندما ينص جاكبسون على أن "اللغة في الواقع أداة انتظمت بقصد التعبير عن الأفكار"، يكون بذلك قد فتح الباب لتجاوز تحكمية الوظيفة إلى مجال الأساليب، وخاصة ما يعرف بالأسلوبية التعبيرية التي أرسى دعائمها شارل بالي. لكن الإشكال الذي ينهض أما ما يذهب إليه جاكبسون هو دعوته إلى نسبة التغيرات إلى الوظيفة وإلى نفي أي قصدية تقف وراء ذلك التغير، وهذا يشبه إلى حد بعيد فكرة اليد الخفية التي قال بها آدم سميث في نظريته في الاقتصاد.

       كما تبني جاكبسون في محاولة معرفة أسباب التغيرات اللغوية الصوتية مقاربة تحمل هي الأخرى إشكالا واضحا، وذلك عندما قال بأن العلامة اللغوية تاريخية سكونية في الوقت نفسه، وهو يقصد استصحاب التاريخ في فهم الحالة الراهنة التي ليست سوى سلسلة من التغيرات في التاريخ، حتى استقرت على ما هي عليه.

    د ـ نظرية وظائف اللغة:

      اقتبس جاكبسون مبادئ نظرية الاتصال التي ظهرت سنة 1948 في معالجته اللغة، فرأى أن اللغة تؤدي في مجموع استعمالاتها مجموعة من الوظائف بحسب أطرافها وسياقات استعمالها ما يرتبط بها وأهدافها، وخرج من ذلك بخطاطة سداسية للمكونات وللوظائف:

    ـ المرسل: ويرتبط بالوظيفة التعبيرية أو الانفعالية

    ـ المرسل إليه: ويرتبط بالوظيفة الإفهامية أو التأثيرية

    ـ السياق: ويرتبط بالوظيفة المرجعية

    ـ الرسالة: وترتبط بالوظيفة الإنشائية

    ـ السنن: ويرتبط بالوظيفة ما وراء لغوية.

    ـ القناة/ الصلة: وترتبط بالوظيفة الانتباهية.

    وقد استثمر ذلك في معالجته للأدب وتحليله للأساليب النثرية والشعرية، وقد نبه إلى أن موضوع علم الأدب ليس هو البحث في الأدب، بل في الأدبية، وهو ما يكون به نص ما أدبا. [2]      

    -حلقة موسكو  والتيار الشكلاني في الأدب والفن:

    لقد أجمل الدكتور في تلخيصة للتيار الشكلاني الذي انبثق عن حلقتي موسكو وبراغ، فرتأيت أن أسةق ملخص ماذكره هنا لينتفع به طلبتي.ففي حديثه عن نشأة الشكلانية الروسية، يقول:

    "تعتبر الشكلانية الروسية الممهد الفعلي للدراسات السيميوطيقية في غرب أوربا، سيما في فرنسا، واسمها الحقيقي جماعة أبوياز (Op oiaz). وقد ظهرت هذه الجماعة كرد فعل على انتشار الدراسات الماركسية في روسيا، خاصة في مجال الأدب والفن،..

    وقد نشأت الشكلانية الروسية بسبب تجمعين هما:

    1-حلقة موسكو اللسانية التي تكونت سنة 1915م، ومن أهم عناصرها البارزة رومان جاكبسون الذي أثرى اللسانيات بأبحاثه الصوتية والفونولوجية. كما أغنى الشعرية بكثير من القضايا الإيقاعية والصوتية والتركيبية، سيما نظريته المتعلقة بوظائف اللغة، والتوازي، والقيمة المهيمنة، والقيم الخلافية ....

    2- حلقة أبوياز بليننيكراد، وكان أعضاؤها من طلبة الجامعة. أما عن خطوط التلاقي بين المدرستين، فتتمثل في الاهتمام باللسانيات، والحماسة للشعر المستقبلي الجديد، كما عند فلاديمير ماياكوفسكي، وباسترناك، وأسيڤ، ومانديل شتام،...

    هذا، ولم تظهر الشكلانية إلا بعد الأزمة التي أصابت النقد والأدب الروسيين، بعد انتشار الإيديولوجية الماركسية، واستفحال الشيوعية، وربط الأدب بإطاره السوسيولوجي في شكل مرآوي انعكاسي؛ مما أساء ذلك إلى الفن والأدب معا.

    ولقد ارتكزت الشكلانية على مبدأين أساسيين هما:

    - إن موضوع الأدب هو الأدبية. أي: التركيز على الخصائص الجوهرية لكل جنس أدبي على حدة.

    - دراسة الشكل قصد فهم المضمون. أي: شكلنة المضمون، ورفض ثنائية الشكل والمضمون المبتذلة.

    ولقد قطعت الشكلانية الروسية مراحل عدة في البحث الأدبي واللساني. ففي المرحلة الأولى، كان الاهتمام ينصب على التمييز بين الشعر والنثر. في حين، كانت البحوث، في المرحلة الثانية، تتعلق بوصف تطور الأجناس الأدبية. ومن ثم، فقد نشرت كثير من الدراسات الشكلانية، وترجمت في مجلات غربية هامة، مثل: مجلة الشعرية"poétique"، ومجلة التحوّل"Change"

    ويرى دافيد كارتر (David Karter) بأن الشكلانية الروسية قد عرفت ثلاث مراحل أساسية . وفي هذا، يقول:" إن ثلاث مراحل متميزة في تطور الشكلانية الروسية، والتي يمكن أن تتميز بثلاث استعارات. تنظر المرحلة الأولى إلى الأدب كنوع من "الآلة" له تقنيات مختلفة، وله أجزاء تعمل. وعدت المرحلة الثانية الأدب على أنه " كائن حي"؛ أما المرحلة الثالثة، فقد رأت أن النصوص الأدبية هي عبارة عن أنظمة ." [3]

    ونستحضر من رواد الشكلانية الروسية: رومان جاكبسون (Roman Jakobson)، وميخائيل باختين (Bakhtine)، وفينوكرادوف (Vinogadrov)، وكريكوري فينوكور(Grigoryi Vinokour)،...

    وقد انصبت اهتمامات هؤلاء على التمييز البويطيقي بين الشعر والنثر. في حين، اهتم موكاروفسكي بالوظيفة الجمالية ووصف اللغة الشعرية. أما اللساني رومان جاكبسون، فقد اهتم بقضايا الشعرية واللسانيات العامة، خصوصا ما يتعلق بالتواصل والصوتيات والفونولوجيا. أما السيميائي فلاديمير بروب، فقد أعطى عناية كبيرة للحكاية الروسية العجيبة، فوضع لها مجموعة من القواعد المورفولوجية القائمة على الوظائف والعوامل .

    ومن جهة أخرى، فلقد ركز ميخائيل باختين، في أبحاثه المختلفة، على جمالية الرواية وأسلوبيتها، واهتم، بالخصوص، بالرواية البوليفونية (المتعددة الأصوات)، فأثرى النقد الروائي بكثير من المفاهيم، مثل: فضاء العتبة، والشخصية غير المنجزة، والحوارية، وتعدد الرؤى الإيديولوجية، إلخ...

    وعليه، فقد كانت أبحاث الشكلانيين الروس نظرية وتطبيقية في آن واحد، ومن نتائج هذه الأبحاث: ظهور مدرسة تارتو Tartu التي تعتبر من أهم المدارس السيميولوجية الروسية. ومن أعلامها البارزين: يوري لوتمان صاحب (بنية النص الفني)، وأوسبينسكي، وتزتيفان تودوروف، وليكومتسيف، وأ.م.بينتغريسك. ولقد جمعت أعمال هؤلاء في كتاب جامع تحت اسم (أعمال حول أنظمة العلامات ... تارتو)(1976م).

    وهكذا، فقد اهتمت هذه المدرسة بسيميوطيقا الثقافة، حتى أصبحنا نسمع عن اتجاه سيميوطيقي خاص بالثقافة له فرعان: فرع إيطالي (أمبرطو إيكو، وروسي لاندي...)، وفرع روسي (مدرسة تارتو). وتعنى جماعة تارتو (موسكو) بالثقافة عناية خاصة، باعتبارها " الوعاء الشامل الذي تدخل فيه جميع نواحي السلوك البشري الفردي منه والجماعي. ويتعلق هذا السلوك في نطاق السيميوطيقا بإنتاج العلامات واستخدامها. ويرى هؤلاء العلماء أن العلامة لا تكتسب دلالتها إلا من خلال وضعها في إطار الثقافة. فإذا كانت الدلالة لا توجد إلا من خلال العرف والاصطلاح، فهذان بدورهما هما نتاج التفاعل الاجتماعي. وعلى هذا، فهما يدخلان في إطار آليات الثقافة. ولا ينظر هؤلاء العلماء إلى العلامة المفردة، بل يتكلمون دوما عن أنظمة دالة. أي: عن مجموعات من العلامات، ولا ينظرون إلى الواحد، مستقلا عن الأنظمة الأخرى، بل يبحثون عن العلاقات التي تربط بينها، سواء كان ذلك داخل ثقافة واحدة (علاقة الأدب - مثلا- بالبنيات الثقافية الأخرى، مثل: الدين، والاقتصاد، والبنيات التحتية...إلخ)، أو يحاولون الكشف عن العلاقات التي تربط تجليات الثقافة الواحدة عبر تطورها الزمني، أو بين الثقافات المختلفة للتعرف على عناصر التشابه والاختلاف، أو بين الثقافة واللاثقافة"[4].
    وإذا انتقلنا إلى مرتكزات الشكلانية الروسية لفحص دعائمها النظرية والتطبيقية، فيمكن حصرها في النقط التالية:

     - الاهتمام بخصوصيات الأدب والأنواع الأدبية. أي: البحث عن الأدبية، وما يجعل الأدب أدبا؛

     - التركيز على شكل المضامين الأدبية والفنية، ودراستها في ضوء مقاربة شكلانية؛

     - استقلالية الأدب عن الإفرازات والحيثيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتاريخية(دراسة الأدب باعتباره بنية مستقلة عن المرجع)؛

     - التركيز على التحليل المحايث، قصد استكشاف خصائص العمل الأدبي؛

     - التوفيق بين آراء بيرس وسوسير حول العلامة (أعمال ليكومستيف - مثلا-)؛

     - استعمال مصطلح السيميوطيقا، بدل من توظيف مصطلح السيميولوجيا؛

     - الاهتمام بالسيميوطيقا الإبستمولوجية، والتركيز على الأشكال الثقافية؛

     - التشديد على خاصية الاختلاف والانزياح بين الشعر والنثر؛

     - الإيمان باستهلاك الأنظمة وتجددها وتطورها باستمرار من تلقاء ذاتها؛

     - عدم الاكتفاء بالأعمال القيمة والمشهورة في مجال الأدب أثناء التطبيق النصي والنظري، بل توجهت الشكلانية الروسية إلى جميع الأجناس الأدبية، مهما كانت قيمتها الدنيا، مثل: أدب المذكرات، وأدب المراسلات، والحكايات العجيبة... قصد معرفة مدى مساهمتها في إثراء الأعمال العظيمة، كما فعل ميخائيل باختين مع الأجناس الشعبية الدنيا في كتابه ( شعرية دوستويفسكي) [5] .

    المبادئ النظرية للشكلانية:

    تنبني الشكلانية الروسية على مجموعة من المبادئ النظرية التي يمكن حصرها في العناصر التصورية التالية:

    - التركيز على أدبية النص (Littérarité) .أي : العناية بما يميز النص الأدبي على باقي النصوص الأخرى، أو ما يسمى بالوظيفة الجمالية أو الشعرية عند رومان جاكبسون. فكل جنس أدبي له وظيفته الخاصة، حيث تمتاز القصة بالوظيفة القصصية، والرواية بالوظيفة الروائية، والمسرح بالتمسرح، وهكذا، مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى...

    وترتكز الوظيفة الجمالية على إسقاط المحور الاستبدالي على المحور الأفقي.ونعني بالمحور الاستبدالي المعنى أو الترادف أو الدلالة. في حين، يقصد بالمحور التأليفي علاقات المجاورة أو علاقات التركيب النحوي. ويعني هذا كله أن الوظيفة الجمالية تتضمن الدلالة والنحو معا.

    - العناية بالشكل: لقد تجاوز الشكلانيون الروس ثنائية الشكل والمضمون، وقد اعتبروا الشكل علامة الدلالة، وأس المعنى.فمن خلال الشكل، يبدو المعنى مبنيا، ويتجلى في آثاره الفنية والجمالية واللغوية والنصية.

    - الانفتاح على اللسانيات: أهم ما تمتاز بها الشكلانية الروسية أنها كانت تعنى كثيرا بمكتسبات اللسانيات، خاصة في دراسة الشعر، بتوظيف المستويات الفونولوجية والصوتية والإيقاعية والتنغيمية، ودراسة البنية الصرفية، ورصد مستويات الدلالة والتركيب معا. بالإضافة إلى تطبيقها على السرد، كما فعل فلاديمير بروب في كتابه( مورفولوجيا الخرافة)، حينما درس الخرافة الشعبية العجيبة، في ضوء التركيب السردي القائم على الوظائف والتحولات النحوية[6]

    - المقاربة البنيوية: تستند الشكلانية الروسية إلى المقاربة البنيوية اللسانية التي تعنى بدراسة بنيات السرد والشعر والحكاية، وكذلك تحليل بنيات الشخصيات، بطريقة بنيوية محايثة وثابتة ووصفية وسكونية.

    - تقعيد الأجناس الأدبية: اهتم الشكلانيون الروس بتقنين الأجناس الأدبية تجنيسا وتنويعا وتصنيفا وتنميطا، وفق المقاييس اللسانية والشكلية، مستبعدين المضامين والرسائل الإيديولوجية.

    - الاهتمام بنظرية الأدب: يعد الشكلانيون الروس من أهم العلماء الذين اهتموا بتأسيس نظرية للأدب في ضوء المعطيات اللسانية، والمقاربات الشكلانية، والتصورات البنيوية والسيميائية.وبهذا، يكونون قد مهدوا للدراسات البنيوية اللسانية والدراسات السيميوطيقية الشكلية.

    - إقصاء المرجع الخارجي: لقد أقصى الشكلانيون الروس ما يسمى بالمرجع النفسي والاجتماعي، وتجاوزوا المضامين والمحتويات والخبرات والشعارات الإيديولوجية نحو استجلاء أسرار الشكل بنية ودلالة ووظيفة.

    - الدفاع عن الشعر الجديد: كانت الشكلانية الروسية تدافع عن الشعر الجديد أو ما يسمى أيضا بالشعر المستقبلي كما عند ماكايوفسكي، ويمتاز هذا الشعر بطابع رمزي إيحائي، ويتسم بالغموض على مستوى المجاز، بله عن الانزياح، والاهتمام بالشكل، والتنغيم الإيقاعي، والطابع غير العقلي...

     



    [1] ۔ (Serguei Ossipovitch Kartsevski)1884 - 1955: لساني روسي من مؤسسي مدرسة موسكو وحلقة براغ اللسانية.أقام في جنيف وتتلمذ على يد دي سوسير.عاد إلى روسيا وأسس المدرسة اللسانية الروسية، ثم المدرسة النقدية الروسية (الشكلانية) بالاشتراك من مع جاكبسون وتروبسكوي.

    [2] ۔  نقلا عن الأستاذ سعودي، محاضرة في حلقة موسكو، جامعة سطيف، https://cte.univ-setif2.dz/moodle/mod/page/view.php?id=47898

     

     

    [3] ۔ ينظر: جميل حمداوي، النظرية الشكلانية في الأدب والنقد والفن، ص10.

     

     

    [4] ۔ ينظر: جميل حمداوي، النظرية الشكلانية في الأدب والنقد والفن، ص10.ومابعدها.

     

     

    [5] ۔ ينظر: جميل حمداوي، النظرية الشكلانية في الأدب والنقد والفن، ص11.

     

     

    [6] ۔ ينظر: جميل حمداوي، النظرية الشكلانية في الأدب والنقد والفن، ص11.

     

     


  • المحاضرة الرابعة: مدرسة براغ.

    تعد مدرسة براغ  امتدادا للمدرسة الروسية، وما كان ذلك إلا لأنَّ جل الباحثين في هذه المدرسة النازحين الروس (كارسفسكي وتروبتسكوي وجاكبسون) بالإضافة إلى اللغويين التشيكيين أمثال ماتسيوس Vilém Mathesius وترن B Trka ( 1895-1984) ، وفاشيك Josef Vachek ..

    1-النشأة والتأسيس:

         بدأت الأسس الأولية لهذه المدرسة ابتداء من سنة 1920م، وهي السنة التي وصل فيها النازحون الروس إلى مدينة براغ(عاصمة جمهورية التشيك حاليا)، ثم أخذت طابعها المميز ابتداء من عام 1928م، تاريخ انعقاد أول مؤتمر دولي للسانيات بلاهاي( مدينة تقع في غرب هولندا)، وهو المؤتمر الذي ولدت فيه مايسمى بالفونولوجيا المعاصرة.

      فلقد قدّم أعضاؤها، برنامجهم الذّي صاغه رومان جاكوبسون بالتعاون مع نيكولاي سيرغي تروبيتزكوي وسيرجاي كارسيفسكي. فتمّ إطلاق ثمرة أبحاثهم بعنوان "أعمال الحلقة اللّسانيّة لبراغ" "Travaux du Cercle Linguistique de Prague" وتمّ إعلانها بعد عام في المؤتمر الدولي الأول للسلافيين الذّي عقد في براغ. يحدد الفصل الأول من ، "Travaux du Cercle Linguistique de Prague" ، المعنون بـ Thèses du Cercle Linguistique de Prague "مبادئ اللسانيات البنويّة الجديدة. وقد مثّلها كل من فيليم ماثيسيوس، ورومان جاكوبسون، ونيكولاي سيرغي تروبيتزكوي، وجان موكاروفسكي. غطت انشغالاتهم المجالات المختلفة لعلوم اللّغة. تعامل تروبيتزكوي مع الصوتيات، وتناول ماثيسيوس بناء الجملة، وكان جاكوبسون مهتمًا بالشّعريّة، وكذلك موكاروفسكي[1].

          سنذكر هنا باختصار القليل من إنجازاتهم في مجال اللّسانيات. نشر ماثيسيوس في عام 1939، ورقة مهمة بعنوان "حول منظور الجملة الوظيفيّة ". واستأنف ترافنيك فكرة البحث، مشيرًا إلى تصوّر ماثيسيوس لمنظور الجملة الوظيفيّة دون تغطية جميع جوانب نظرية ماثيسيوس. كانت القضية الأساسيّة التّي لم يتّفقوا عليها هي تعريف الموضوع.

         يعتبر تروبيتزكوي ممثلا بارزا آخر لمدرسة براغ حيث أسس الدراسات الصوتية. إن تصوره الأساسي لدور أنماط الصوت في اللغة هو أنّها تعمل على التّمييز بين الوحدات ذات المعنى من بعضها البعض دون أن يكونوا بالضّرورة حاملين للمعنى.

        تأثّر علماء براغ في مجال اللّسانيات، بشكل كبير بفيرديناند دي سوسير وأفكاره البنويّة، باعتباره أب هذه النّزعة الجديدة، وهو ما يتفق عليه معظم اللّغويين، أنّ البنوية ظهرت في عام 1916، عندما أقام فرديناند دي سوسير "دورة في اللّسانيات العامّة". فقد ترك إرثا أثر بشكل كبير على اللسانيات وكان من بين من تأثّر أعضاء حلقة براغ اللّغوية. تمثّل الخلفية اللغوية والفترة التّي طوروا فيها نشاطهم نسخة احتياطية حقيقية ودعم لهم. إن سعيهما لإنشاء لسانيات بنويّة يتزامن مع تطور اللسانيات بسبب تقدم الفلسفة.

    2-الأسس والمبادئ :

         وضعت أسس وظيفيّة براغ اللّسانيّة من قبل عالم النفس كارل بوهلر. انطلق بوهلر من فكرة أنّ اللغة أداة، فوجد أن الوظائف اللغوية الرئيسية تبدأ من: المرسل إلى المرسل إليه، في عملية الاتصال. قبِل العديد من اللغويين المهمين في مدرسة براغ مفهوم بوهلر، وأصبحت نظريته شائعة بين اللغويين في براغ، ومع ذلك، فقد عدِّل فيها. وكان أوّل من انتقده هو فيليم ماثيسيوس. لأنّه ميّز بين الوظيفتين الرئيسيتين للغة: الوظيفة التواصلية والوظيفة التعبيرية. فلم يعتبر ماثيسيوس أنّه من الضّروري التّمييز بين المظاهر التّواصليّة والتّعبيريّة. كما قام يان موكاروفسكي كذلك بتعديل نظرية بوهلر، معتبرا أنّ نظام بوهلر الوظيفي الثّلاثي لا ينطبق إلا على الاتصالات العادية ولا يشمل المظاهر الشّعرية. لذلك أضاف الوظيفة الرابعة إلى الوظائف الثلاث التّي ذكرها بوهلر، وهي الوظيفة الجماليّة[2].

         اشتهرت مدرسة براغ باهتمامها بتطبيق الوظيفية، وهي دراسة كيف أنّ عناصر اللغة تحقق الإدراك والتّعبير والكوني. هذا المزيج من البنيوية مع الوظيفية هو مساهمة أخرى في اللسانيات الحديثة. أولى علماء براغ في دراسة اللغة أهمية كبيرة للعوامل الخارجية مثل العوامل السياسية والاجتماعية والجغرافية وأكدوا على أهمية الوظائف الاجتماعية للغة. فكان التعريف الأكثر شيوعًا للغة المتفق عليه بين معظم اللغويين هو أنّ اللغة هي وسيلة عالمية للتّواصل. تمّ التعامل مع هذه الظّاهرة المعقدة بشكل مختلف من قبل اللغويين. على سبيل المثال تصور فرديناند دي سوسير اللغة كظاهرة اجتماعية أو نظام من العلامات التي تسيطر عليها القوانين، إلاّ أنّ لطريقة تصور اللغة هذه، أدت إلى تغييب النّظر عن التّغيّرات اللّغويّة كأحداث بنويّة مما أدى إلى تصور التّطور التاريخي للغة من قبله كمجموعة من الانحرافات المعزولة الناشئة التأديّة الكلاميّة. يتعامل اللغويون في براغ مع الخطاب اللغوي، ولا يوافقون على الفصل الذّي أقامه سوسير ويعتبرون هذا الفصل غير ضروري لأنّ الكلام هو حقيقة اللغة.

          يعرّف علماء براغ اللغة بأنّها نظام وظيفي للتواصل وتعني أن اللغة تؤدي وظيفتين: التواصل والوظيفة الشعرية. كما يميزون بين عدة جوانب من اللغة: اللغة العاميّة (تتكون من أساليب وظيفية)، واللغة القياسية (تُخدم كنموذج لمجتمع الكلام الأكبر).

          تناول جان موكاروفسكي في مقالته (حول اللغة الشعرية)، مشكلة اللغة وخاصة مشكلة اللغة الشعرية. بدءاً من تعريف اللغة الشّعرية كمكوّن في نظام اللغة، وصولا إلى تصورها كلغة وظيفيّة. توجد لغة شعرية بجانب اللّغات الوظيفية، أي منها ما يمثل تعديلاً في نظام اللغة لغرض معين يتبعه الخطاب؛ وهو الحصول على تأثير جمالي. فالوظيفة الجمالية تسيطر على اللّغة الشّعرية. ووفقًا لجان موكاروفكي ، فإنّ إحدى خصائص اللّغة الشّعريّة هي ديناميتها، فهي قادرة على الكشف عن البنية الداخلية للعلامة اللغوية وإيجاد طرق جديدة لاستخدامها. تستخدم اللغة الشّعريّة الإشارة اللّغويّة بشكل مستقل. لا يتفق جان موكاروفسكي مع مفهوم اللغة الشعرية كمكون من مكونات اللغة الأدبية، فهو يعتقد أن الأصوليين الذين يريدون التخلص من العناصر الأجنبية من اللغة الأدبية يتصورونها بهذه الطريقة. وهو يعتقد أنّ اللّغة الشّعرية لها علاقة وثيقة باللغة الأدبية، وهو ما ينعكس في تأثيرها على تطور المعيار الأدبي. للغة الشّعرية واللغة الأدبية تطوّرات مستقلة وتحكمها قوانين مستقلة. قضية أخرى يتناولها موكاروفكي في مقالته هي مكانة اللغة في الأدب وهو يوافق على أنّ اللغة هي المادة التّي يستخدمها الأدب للحصول على الأجناس الأدبية. تتصرف اللغة خارج حدود الأدب باعتبارها أهم نظام للعلامات. واللغة هي ظاهرة تتميز بالتغيرات التّي تشهد على امتداد تطورها. يمكن للتّطور السّابق للّغة إحداث تغييرات في العمل الأدبي. عيب اللغة التّي تُصوَّر كمواد فنية هو حقيقة أنّ العمل الأدبي له دور مقيد وأنّه يتوجه إلى مجتمع لغوي مقيد. والتّحول الدّائم في اللّغة الشّعريّة هو نتيجة الوظيفة الجماليّة. تطوّر اللّغة الشّعرية يعني التحول الذي لا نهاية له لطرق استخدام الوسائل اللّغويّة، والتّي توفرها اللغة العاميّة[3].

    1- أطروحاتها:

    جاءت مدرسة براغ بعدة أطروحات، من أهمها:

    الأطروحة الأولى: لا يُظهر التغيير اللغوي طابعًا منهجيًا فحسب ، بل وأي مرحلة لغوية تحتوي أيضًا على بعض الآثار السّابقة.

    الأطروحة الثانية: التمييز بين الصوت الذي يعتبر "حقيقة مادية موضوعية" و "عنصر من عناصر النظام الوظيفي".

    الأطروحة الثالثة: الوظائف المختلفة للغة: يرى اللغويون في براغ أن دراسة اللغة ، على المستويين المتزامن والآني، لا يمكن أن تكون كافية إذا لم يتم استخدام الوظائف اللّغوية المختلفة (التواصلية ، المرجعية ، الشعرية ، إلخ).

    الأطروحة الرّابعة: التّمييز بين الصّوتيات  وبين علم الأصوات: نقوم بتعيين دراسة الصوت المتعلقة بفعل الكلام من خلال المصطلح الصوتيات، ودراسة الصوت المتعلق بنظام اللغة من خلال مصطلح علم الأصوات.

        ومن ثمّ، فإنّ علم الصوتيات يحقق فقط في "الجانب المادي" للأصوات اللّغويّة، أمّا خصائصها الصوتية والتعبيرية، فتتعلق بدلاً من ذلك بعلم الأصوات فقط طالما كانت لها "وظيفة مميّزة" (فهي تميز المعاني). تختلف هذه الوظيفة المميزة بين اللغات: بعض الأصوات المختلفة التي تحدث اختلافًا معانيًا في لغة معينة لا تنتجها في لغة أخرى[4].

    1- مفاهيمها:

    -       مفهوم الفونيم:   

        وكان من أهم منتجات هذا التّفكير التّمييز بين الفونيم كنظام مجرّد، يقابل في خصائصه مفهوم اللّغة عند سوسير، وبين الصّوت كتأديّة للفونيم، ويقابل كذلك في خصائصه مفهوم الكلام عند سوسير.

    -      مفهوم الموضوع والخبر:

    أ‌-     الموضوع: ( Theme ):

    ويُطلق عليه المُسند، ويُسمّى بـ: ( المتقدِّم )، وهو المعلومة المعروفة عند النَّاطق، والسَّامع.

    ب‌-     الخبر: ( Rheme ):

     ويُطلق عليه المُسند إليه، ويُسمّى بـ: ( المتأخِّر )، وهو المعلومة الجديدة التي يَنتظرُ السَّامعُ الناطقَ في الحصولِ عليها([5]).

     ويُمكنُ التَّعبير عن المتأخِّر بأنَّه عنصرٌ إلزاميٌّ لا يمكن تجاهله في المنطوق؛ لأنَّهُ الغاية التي يُرادُ إدراكُها. وبهذا الموضوع يُمكن أنْ يكونَ الاسمُ الذي تُخبر عنه الجملة، و الخبرُ هو ما يُذكرُ حول هذا الاسم([6])؛ لهذا التَّواصل عندهم يكون بوساطة تحميل العناصر اللسانيَّة المكوِّنة شحنةً اعلاميةً ­([7]).

    -       مفهوم الوظيفة:

        لعلّ من أبرز المفاهيم التّي أدخلتها براغ إلى السّاحة اللّسانيّة هو مفهوم الوظيفة، والتّي يقصد بها الدّور الذّي تؤدّيه اللّغة داخل المجتمع، ثمّ عمّم هذا المفهوم ليشمل الدّور الذّي تؤديه العناصر اللّغوية في مستويات بينة اللّغة المختلفة، لتأدية الوظيفة الكبرى وهي التّواصل.  

          ممّا تقدم نخرج بأنّ مدرسة براغ تعدّ امتداد من النّاحية العلمية لأفكار سوسير إلا أنّها تميّزت عنها بمفهوم الوظيفة فهي لم تقتصر كالبنيوية على الوصف بل تعدته إلى تتبع الوظيفة التي تؤديها المستويات المختلفة للغة وعلى رأسها المستوى الفونولوجي الذي أقرّت بأنّه صالح للد ا رسة الزمانية والآنية على حد سواء  كما يمكننا أن نلمح التقارب الكبير بين الوظيفية وعلم الاجتماع اللغوي وذلك من حيث تركيز أصحاب هذه الاتجاهات على الجانب الاجتماعي التواصلي للغة، أي ما تؤديه من وظائف داخل المجتمع.

     



    [1] Elgin Haden, Suzette- What is linguistics? Prentice Hall-Inc., New Jersey, United States of America, 1979, P199.

    [2]  Archibald, A. Hill- Linguistics, United States of America, 1969, P210.

    [3] Josef Vachek; Dictionary of the Prague School of Linguistics, John Benjamins Publishing Company, Amsterdam/Philadelphia , © 2003, P67 .

    [4] ينظر:                    477Giorgio Graffi, "European Linguistics since Saussure", p

    [5] ينظر: الاتجاه الوظيفي،  مجلة عالم الفكر، ع / س /1989، ص75.

    [6] ينظر: عطا محمد موسى، مناهج الدراسات النحوية في العالم العربي، دار الاسراء -عمان -الاردن ط2، 2002،

     [7]ينظر: المدارس والاتجاهات الحديثة في علم اللغة، مجلة البيان . ع / 250 كانون الثاني .. الكويت 1987 ص439.


  • المحاضرة الخامسة : مدرسة كوبنهاجن

    1-نشأتها وتأسيسها:

         تأسّست هذه المدرسة في مطلع القرن العشرين ،1933، في كوبنهاجن بالدنمارك، على يد لويس هيلمسليف (louis hjelmslev) (1899-1965) ([1]) وفيغو بروندال (Vigo Brundall) (1887-1942) متأثرة بالمفاهيم الجديدة التّي جاء بها سويسر، بتوجه بنوي صرف. فكانت واحدة من أهم المدارس البنوية مع مدرسة جنيف ومدرسة براغ. وقد عرفت هذه المدرسة بالغلوسيماتيك (glossématique)؛ فقد وضع هيلمسلف مصطلح الغلوسيماتيك (Glossématique) انطلاقا من الأصل التأثيلي في اللغة اليونانية (Glossa ) الذي يعني اللسان (Langue ) . لجأ يلمسلف إلى هذا المصطلح ليميز نظريته من النظريات اللسانية السابقة ، تلك النظرية التي كانت تعميقا للأسس والمفاهيم التي جاء بها دي سوسير في بداية القرن العشرين ، ومن أهم هذه الأسس الطابع المميز للمنهج اللساني الذي يتعامل مع اللغة من حيث كونها هدفًا في ذاتها وليست وسيلة فحسب.

    والغلوسيماتيك، أيضا، تعني، في القاموس الإغريقي؛ شكل اللّغة، وعليه فقد لخّص هذا المصطلح منهج دراستها،  أي اعتماد المنهج التّحليلي والاستنباطي، ودراسة اللّغة على أنّها صورةforme  وليست مادةsubstance ، معتبرة إيّاها حالة خاصة من النّظام السّيميائي. فمثلت بشكل أوضح فكرة أنّ اللّغة هي شكل وليست مادة.

         تمسّكت هذه مدرسة كوبنهاجن، أكثر من المدارس الأخرى، بتعاليم سوسير، رغم أنّها كانت مرتبطة في كثير من الجوانب بالتّقاليد القديمة. وهكذا، حاولت مرة أخرى الجمع بين المنطق والقواعد. فتولى هيلمسليف التفسير النفسي للعلامة اللغوية وبالتّالي مدّد دراسته للعلامة أبعد من اللّغة على هذا النّحو.

         أمّا بروندال فقد أكد أن الخصائص الرسمية للنظام يجب أن تبقى منفصلة عن جوهرها. ووفقًا لذلك، قدم هيلمسليف، بصفته الشخصية الرئيسية لهذه المدرسة في ثلاثينيات القرن الماضي، أساسًا لغويًا رسميًا، عُرف فيما بعد باسم المبادئ اللّغوية (ازدواجية الإشارة اللغوية). صاغ نظريته اللغوية مع هانز يورغن أولدال كمحاولة لتحليل التعبير (الأصوات والقواعد النحوية) والمحتوى اللغوي على أساس متماسك. لقد افترض أنّ اللّغة لم تكن أداة الاتصال الوحيدة، وكان مهتمًا بنظريّة عامة لعلامات الاتصال أو السّيميائية أو علم السيميولوجيا[2].

         وفقًا لهيلمسليف، فإنّ الهدف من النّظرية اللغوية، هو تحليل نظام التّتابعات الذّي يشكّل بنية لغة معينة، وتسمى هذه التّتابعات "وظائفا" (functions). وكما يتضح، فإنّ هذا المصطلح مطابق للمصطلح الذي استخدمه علماء براغ، لكنّ معناه مختلف تمامًا بالنّسبة للمدرستين: بالنّسبة لبراغ ، فإنّه يعين شيئًا خارجيًا عن بنية اللّغة (على سبيل المثال، الشّعري أو التّواصليّ)؛ أمّا بالنّسبة لهيلمسليف فإنّه يشير إلى التّتابعات الدّاخليّة التّي تشكّل البنية نفسها[3].

    2- مبادئ هـذه المـدرسـة:

    استقت هذه المدرسة مبادئها من سوسير، معتبرة أنّها شكّلت الفهم الصحيح له، عكس مدرسة براغ التّي حرّفت كثيرا من أفكاره. وأهم هذه المبادئ هي:

    -       اللّغة ليست مادّة، وإنّما هي صورة أو شكل.

    -       تشترك اللّغات في المحتوى، باعتبارها تعبّر عن نفس المحتوى.

    -       النّظريّة الكفيلة بوصف جميع اللّغات يجب أن تكون صوريّة رياضيّة.

    -       تقوم على النسقية التّي تنصبّ على البنية الدّاخليّة للغة، فهي تصدر منها وإليها ولا تخرج عن دائرة اللغة المنظور إليها على أنّها حقل مغلق على نفسه وبنية لذاتها.

    -       تبحث في ما هو مشترك بين اللّغات، وما هو ثابت فيها مهما تغيّر الزّمن[4].

    3-منهجها واتّجاهها:

        اعتمدت كوبهاجن المنهج الوصفي التّحليلي الاستنباطيّ، محلّلة اللّغة إلى صورة ومادّة، مركّزة على شكل اللّغة لا مادّتها، معتبرة هذه الأخيرة جانبا عرضيّا منها، بينما الشّكل هو أساسها، لاعتبار ثبوته واشتراكه بين اللّغات.

    4-مفاهيمها:

        من أهمّ ما أفرزته هذه المدرسة من مفاهيم، هو مفهوم الشّكل أو الصّورة ومفهوم المادة، ومفهوم التّعبير ومفهوم المحتوى، وهما ما يكوّن بنية اللّغة، فكل لغة مظهران، مظهر صوتيّ وآخر دلاليّ. تتراكب وتتداخل هذه المفاهيم الأربعة بالشّكل التّالي:

    -       التّعبير: هو مجموع الأصوات المكوّنة للغة معيّنة. 

    -       المحتوى: يضمّ الأفكار التّي تعبّر عنها اللّغة.

    -       المادّة: العنصر المكوّن لكلّ من التّعبير والمحتوى، فمادة التّعبير هي الأصوات ومادة المحتوى هي الدّلالات.

    -       الصّورة أو الشّكل: هو الشّكل الذّي يتّخذه كلّ من التّعبير والمحتوى.

    يبيّن الجدول التّالي هذه الثّنائيّة:

    المحتوى

    التّعبير

    المّادة

    الشّكل

    المادة

    الشّكل

     

          فلكل وحدة لغويّة مستويان، محتوى وتعبير، وتضمّ مادّة لغويّة وشكلا لغويا.

    مثلما هو موضّح في الجدول التّالي[5]:

    التّعبير

    المحتوى

    المادة

    الشّكل

    المادة

    الشّكل

    الأصوات كمادة فيزيائية وفيزيولوجيّة تكوّن هذا الدّليل الصّوتي

     

    ر-ج-ل

    أي الشّكل الخطّي التّي تتّخذه المادة أي الأصوات لتشكيل الدّال

    رجل: الجنس الإنساني المقابل للمرأة.

     

     

    رجل: انسان، ذكر، بالغ، عاقل، ...، الشّكل الّي تتّخذه السّمات لتشكيل المدلول.

     

    ركّزت كوبنهاجن، على شكل المحتوى والتّعبير، واعتبرت المادة شيئا عارضا، مثلما اعتبر سوسير الكلام، " لأنّه من الممكن أن تتغيّر المادة اللّغويّة، من دون أن يكون لهذا التّغيّر بأيّ شكل من الأشكال أثر في النّظام "[6].

    5- الانتقادات الموجّهة إليها:

        من أهمّ الانتقادات التّي وجّهت إلى مدرسة كوبنهاجن هو إيغالها في الصّورنة، وإلغاء الجوانب الوظيفية المهمّة الأخرى للّغة. لذلك لم يكتب لها الانتشار والتّعمير طويلا، مثلما هو الحال بالنّسبة لحلقة براغ.



    [1]  هو لساني دانمركي اقترن اسمه بمدرسة كوبنهاجن اللسانية، تتلمذ على يد بدرسن Holger Pedersen الذي يعد من الباحثين اللسانيين المرموقين في ذلك العهد. درس يلمسلف الفيلولوجيا الهندو- أوروبية المقارنة في جامعة كوبنهاجن ابتداء من سنة 1917 . ثم سافر من أجل الدراسة والبحث إلى عدة بلدان أوروبية منها :

    - ليتوانيا:.أنجز في هذه الفترة بحثًا حول أصوات اللغة الليتوانية سنة 1923

    - باريس (فرنسا) (1926 - 1927) ، وهناك التقى باللسانيين الفرنسيين الشهيرين : أنطوان مييAntoine Meillet ، وجوزيف فندريس Joseph Vendrys ) ، وتابع محاضراتهما في الدراسات اللسانية.- ينظر: أحمد حساني، مرجع سابق، ص25

    [2] Giorgio Graffi, "European Linguistics since Saussure", p33.

    [3] Ipid, p479.

    [4] سعيد شنوقه، مدخل إلى المدارس اللسانية، مكتبة الازهرية القاهرة- ط1 2008، ص79.

    [5] ينظر: شفيقة العلوي، محاضرات في المدارس اللّسانيّة المعاصرة، ط1، 2004م، ص23-24.

    [6] ميشال زكريا، علم اللّغة الحديث، المبادئ والأعلام، المؤسّسة العربية للنّشر-بيروت، ط2، 1983م، ص 189.


  • معهد الآداب واللغات

    الاستاذ :بن قويدر 

    المقياس : المدارس اللسانية

    الحجم الساعي : 1.5 سا في الاسبوع – محاضرة –

    السنة الثانية ليسانس

    تخصص : نقد

    المكان مدرج "ب"

    البريد الالكتروني : khadidjabenkouider2@gmail.com

  • Marqué