Résumé de section

  • المحاضرة الثانية: لسانيات دو سوسير (مدرسة جنيف أو المدرسة السوسيرية)

     

    لابد  هنا من الإشارة إلى القيمة المعرفية والمنهجية للأفكار التأسيسية التي جاء بها دوسوسير De Saussure، تلك الأفكار التي أحدثت انقلابًا جوهريًا في المنهج العلمي في التعامل مع الظاهرة اللغوية.

    فبعد انتشار الأفكار والمبادئ التي تضمنها كتاب دي سوسير : دروس في اللسانيات العامة Cours de linguistique générale / Course in General Linguistics سواء أكان هذا الانتشار عن طريق التلمذة المباشرة، أم عن طريق الاطلاع على كتابه بواسطة القراءة المباشرة أو الترجمة، تشكلت مجموعة من الحلقات اللسانية في مناطق مختلفة من العالم، غير أنَّ هذه الحلقات الأولية بدأت بالتدريج تأخذ طابعها المميز مما جعلها ترقى إلى مستوى المدارس المتميزة.

    وباعتبار أنَّ لكل مدرسة لابد من مرجعية نظرية تؤطرها، فقد توافر هذا الشرط في مدرسة جنيف، إذ إنَّها المحطة التأسيسية التي قامت على المبادئ الأولية التي جاء بها دي سوسير في الحقل اللساني أولاً، ثم في حقول معرفية أخرى ثانيا.

    ومن أبرز أعلام هذه المدرسة شارل بالي Charles. Bally[1] الذي جمع محاضرات أستاذه دو سوسير ونشرها بمشاركة سيشهاي  Albert Sechehay [2] وكانت له اهتمامات خاصة بقضايا اللغة الصوتية والتركيبية والدلالية.

     أمّا بقيّة العلماء الآخرين في مدرسة جنيف فهم روبرت جودل (Robert Godel)، الذّي ركز على إصدار المخطوطات السوسيرية وناقش في ضوئها المفاهيم السوسيرية الرئيسية؛ وسيرج كارسفسكي Karcevski، الذّي صدّر أفكار مدرسة جنيف إلى مدرسة موسكو؛ وهنري فراي (Henri Frei)، الذّي عمل على اللّغات الآسيوية وعلى نظرية الأخطاء في الاتصال؛ ولويس برييتو (Luis Prieto)، الذّي ربط، بعد التّحول إلى علم النفس الاجتماعي، علم اللاهوت بالممارسات الاجتماعية؛ وأندريه برجر (Andre´ Burger)، الذي درس اللغات الرومانسية؛ وروني أماكر (René Amacker) الذّي أقام روابط وثيقة مع المدرسة الإيطالية في اللسانيات وقدم مقالة عن اللسانيات السوسيرية.

        وكان لمدرسة جنيف اتجاه آخر نحو  تحليل الخطاب مع إدي روليت (Eddy Roulet) حيث انفكت من ربقة سوسير ولم تعد مرتبطة مباشرة بأعماله وأتباعه. ومع ذلك ، لا يزال البحث في التراث السوسيري مستمرًا في جنيف من خلال منشورات منها مجلة Cahiers Ferdinand de Saussure وسلسلة المجلدات ذات الصلة من دائرة Ferdinand de Saussure.[3]

    1-منهجها:

         سارت مدرسة دو سوسير وفق المنهج الوصفي البنوي، ويعود إليها الفضل في إدخال هذا المنهج إلى الدراسات اللّغويّة الحديثة بشكل خاص، وإلى العلوم الإنسانيّة بشكل عامّ، بعدما كان حكرا على العلوم الطّبيعيّة.

     ويعرف المنهج الوصفي بأنه مجموعة متنوعة من الإجراءات البحثية المتكاملة التي  تصف الظاهرة أو الموضوع اعتمادا على جمع الحقائق و البيانات و تصنيفها و معالجتها و تحليلها تحليلا تاما ودقيقا من أجل الوصول إلى نتائج أو تعميمات عن الظاهرة أو الموضوع أو محل الدراسة[4].

    2- مبادئها:

         لهذه المدرسة مجموعة من  المبادئ، ومن أهمّها:

    -       دراسة اللّغة في ذاتها ولذاتها: ممثلا في أمرين مهمّين هما: الأول: تحديد موضوع الدّراسة، وهو اللّغة ذاتها، بعيدا عن السّياقات الخارجيّة، كالسّياق النّفسي المتمثّل في المتكلّم، والسّياق التّاريخيّ، المتمثّل في نشأة اللّغة وأصلها ومراحل تطوّرها. والثاني: مقصد الدّراسة، وهو توظيف نتائج الدّراسة لفهم اللّغة، لا لغرض خارج عن اللّغة. فتم بهذا حصر الدّراسة اللّسانية وتبيان حدودها وموضوعها وغرضها.

    -       دراسة اللّغة دراسة وصفيّة بنويّة: حصر هذا المبدأ، كذلك، أمرين مهميّن: أوّلهما: منهج الدّراسة، وهو المنهج الوصفي التصنيفي، فاستبعد بذلك كلا من التّفسير والتّعليل، لأنّه رأى في الأوّل إدخال لذاتيّة الباحث في تفسير ما يلاحظه، وهو مناف للموضوعيّة التّي نادى بها العلم[5]، أمّا التّعليل فرأى فيه تبرير ما يلاحظ بما لا يلاحظ، وهذا كذلك مناف للنّزعة البنويّة والتّجريبيّة التّي لا تؤمن في الدّراسة إلاّ بما يمكن ملاحظته ومعاينته. ثانيهما: نزعة الدّراسة، وهي النّزعة البنويّة التّي شكّلت الإطار الفكري للعلوم والفلسفة الحديثة، ومقتضاها توجيه مدار البحث من البحث في علل الموضوع إلى البحث في بنية الموضوع، فألغت بذلك فكرة الأصل وعلّة الوجود، وهو الأمر الذي أقرّه سوسير في الدّراسة اللّغويّة، فقد ألغى البحث في كل ما يشكل أصل اللّغة أو يعلل وجودها.

    -       دراسة اللّغة دراسة علميّة موضوعيّة: فحدّد الجزء الأوّل طبيعة الدّراسة وهي الدّراسة العلميّة، بمعنى الاستعانة بالوسائل العلميّة في وصف وتحليل بينة اللّغة. أمّا الموضوعيّة، في إبعاد ذات الباحث في وصف وتحليل ما يلاحظه.

    -       دراسة اللّغة في أنظمتها لا في مادتها: فصل هذا المبدأ بين طرفي البنية، المادة والنّظام، وتبعا للنزعة البنويّة، فإنّها تعتقد بأسبقيّة النّظام على المادة، كما أنّ النّظام ثابت والمادة متغيّرة، وأنّ المادة تتشكّل بمقتضيات النّظام. لذلك ركّز الدّراسة على نظام اللّغة مستبعدا مادتها[6].

    -       دراسة عموم الأنظمة اللّغويّة: يعتقد سوسير أنّ أنظمة اللّغات عامّة ومشتركة، وأن وصفها وتحليلها هو وصف وتحليل للملكة اللّغوية عند البشر عامّة، ويرى أنّ ما هو متغيّر بين اللّغات هو موادها.

    3- مفاهيمها:

         بنى سوسير مفاهيمه بناء تقابليا، بحيث يحدّد كل مفهوم المفهوم المقابل، ووفقًا لسوسير، فإنّ المقابلة الثنائية هي الوسيلة التي تكون بها وحدات اللغة ذات قيمة أو دلالة. فيتم تعريف كل وحدة في تحديد متبادل مع وحدة أخرى، كما هو الحال في العلامة. إنها ليست علاقة متناقضة ولكنها علاقة بنوية مكملة ، بمعنى آخر ، فإن المقابلة الثنائية هي أزواج من المصطلحات أو المفاهيم ذات الصلة التي تكون معانيها متبادلة.  ينص G. Smith على أنّ " المقابلة الثنائية هي النظام الذي- من خلال اللغة والتفكير – يتم وفقه تعريف اثنين من الأضداد النظرية بدقة وانطلاقا ضد بعضهم البعض" [7].

    أ‌-     اللّغة في مقابل الكلام (Langue vs. parole):

          " بفصل اللّغة عن الكلام، نفصل في نفس الوقت: 1) ما هو اجتماعي عن ما هو فردي؛ 2) ما هو ضروري عن ما هو عرضي. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الكلام هو فعل فرديّ ينبع عن الإرادة والذّكاء، حيث من الضّروري التّمييز بين:

     1) التّركيبات التّي يستخدم بها الشّخص النّاطق شفرة اللّغة للتّعبير عن تفكيره الشّخصي.

     2) والآلية النفسية الجسدية التي تسمح له بإضفاء طابع خارجي على هذه التركيبات"[8]. كذلك بهذا الفصل نميّز بين ما هو ثابت عن ما هو متغيّر، يكون بذلك ما هو اجتماعي وعام وثابت موضوع الدّراسة، وهو اللّغة.

    ب‌-  الآنيّة في مقابل التّزامنيّة (Synchrony vs Diachrony):

         تعتبر هذه الثّنائيّة فصلا بين مرحلتين مهمّتين من مراحل عمر الدّراسة اللّسانيّة، وهي المرحلة التّاريخية القديمة التّي عنيت بتقصّي أصول اللّغات وسلالاتها، وقد مثّل هذه المرحلة كل من فقه اللّغة وعلم اللّغة المقارن على التّوالي. والمرحلة الحديثة وهي المرحلة الآنيّة التّي جاء بها سوسير، وهي دراسة اللّغة في مدّة زمنيّة معيّنة دراسة وصفيّة تنصب على أنظمتها ومستوياتها دون مادتها. فالمرحلتان تشيران إلى " حالة اللّغة ومراحل التّطور على التّوالي.

    ت‌-  الدّال في مقابل المدلول (Signifier vs Signified):

        يعتبر كلّ من الدّال والمدلول طرفي العلامة اللّغويّة، بحيث يشكل الدّال (اسم الفاعل) العنصر المشير منها، بينما يعتبر المدلول (اسم المفعول) الجزء المشار إليه. أمّا عن " الارتباط بينهما فهو تعسفي، وبذلك تكون العلامة اللغوية تعسفية "[9].

        "مبدأ تعسف العلامة اللغوية" هذا،-والذي أسيء فهمه في بعض الأحيان- لا تنص فقط على أنّ العلاقة بين سلسلة معينة من الأصوات (مثل / ك ت ا ب /) من جهة وشيء محدد (مجموعة من الأوراق المطبوعة المرتبطة ببعضها) من جهة أخرى، ليس لها أساس طبيعي، لأنّ هذا يمكن العثور عليه عند العديد من اللغويين قبل سوسير، ويمكن ارجاعه على الأقل إلى أطروحة تفسير أرسطو. بل إنّ مفهوم سوسير جديد وأعمق: فحسب رأيه، فإنّ العلاقة بين الدّال والمدلول ليست، في المقام الأول، علاقة بين اللغة والواقع، لكنها علاقة داخلية مع اللغة نفسها.

    ث‌-      المحور التّركيبي في مقابل الاستبدالي (Syntagmatic vs Associative Relations):

         يرى سوسير أنّ وحدات الجملة تتراكب مع بعضها بعضا وفق محورين رئيسيين، هما المحور التّركيبي، وهو محور حامل للعلاقات التّركيبيّة للوحدات اللّغويّة، أي أنّه عبارة عن علاقات نحويّة، ومن دونها لا تنشأ الجملة بدءا. ومحور استبدالي تقوم على مستواه استبدالات متعاقبة حين تركيب الجملة [10].

     

     

    الجدول التّالي يوضّح العملية:

    أنجز

    الطالب

    واجبه

    أكل  

       العامل   

        التفاحة

    أتقنت

    المرأة

    العمل

    فهم

    التلميذ

    الدرس

    بدأ   

      الأستاذ   

       الشرح

    عرف

    الطفل

    اللعب

    إلخ....

    إلخ....

    إلخ....

     

          مهدت نظرة سوسير للغة الطّريق لما يسمى اليوم باللسانيات البنوية. مع أنّه لم يذكر مصطلح "بنية" أو "بنوي" (ولكن فقط نظام) في جميع أنحاء نصوص سوسير بالمعنى التقني، إلاّ أنّ النهج النظامي للغة وتعريف المفاهيم والفئات اللغوية على أساس لغوي بحت (أي دون الإشارة إلى فئات نفسية ، وما إلى ذلك) أصبحت نقطة البداية للّسانيات البنويّة[11].



    [1] شارل بالي: باحث لساني سويسري من تلامذة دي سوسير المباشرين، ولد بجنيف سنة 1865 ، وتوفي سنة 1947 نشر بالاشتراك مع سيشهاي كتاب أستاذه دي سوسير "دروس في اللسانيات العامة" Cours de linguistique générale سنة 1916. كان شارل بالي مهتما باللغة السنسكريتية واليونانية، ومن مؤلفاته : مصنف الأسلوبية الفرنسية Traité de stylistique française   ، واللسانيات العامة واللسانيات الفرنسية Linguistique générale et linguistique. ينظر : أحمد حساني، مباحث في اللّسانيات، ص18

    [2] ألبير سيشهاي : لساني سويسري، ولد سنة 1870، وتوفي سنة 1946م. يعد من المنظرين للمدرسة اللسانية بجنيف،شارك مع شارل بالي في نشر كتاب دي سوسير. ينظر : أحمد حساني، مباحث في اللّسانيات، ص18

    [3] Amacker R Linguistique saussurienne. Genéve: Droz (1975)..P5-12.

    [4] -ينظر: محمد زيان عمر، البحث العلمي مناهجه و تقنياته- د.م.ج -الجزائر , 1999. ص40.

    [5] Bob de Jonge, and Yishai Tobin, Linguistic Theory and Empirical Evidence, John Benjamins Publishing Company, Amsterdam/ Philadelphia, 2011, p 7.

    [6] ينظر: Zellig S. Harris STRUCTURAL LINGUISTICS, Phoe7iix Books, THE UNIVERSITY OF CHICAGO PRESS, CHICAGO &: LONDON, Copyright 1951, p63.

    [7] Williams, Tennessee. Summer and Smoke. in Modern American Drama. ed. Harold Bloom. Ed. Philadelphia: Chelsea House Publishers, 2005. p409-462.

    [8] Ferdinand de Saussure, Course in General Linguistics, eds. Charles Bally and Albert Sechehaye with Albert Reidlinger, trans. Wade Baskin, New York: Philosophical Library, 1959, p. 14

    [9] ينظر:  Ferdinand de Saussure, Course in General Linguistics, p67.

    [10] ينظر: Ferdinand de Saussure, Course in General Linguistics, p. 1239     

    [11] ينظر: محاضرات في المدارس اللسانية، عبد الناصر بن بناجي، ص35.