اللسانيات التطبيقية: المفهوم

المحاضرة الثانية: اللسانيات التطبيقية من توحيد المصطلح إلى تعدد المفهوم .

على الرغم من الاهتمام الأكاديمي والمؤسساتي الواسع الذي لقيته اللّسانيات التطبيقية، إلا أنّ الاتفاق على مفهوم واحد لها لم يكن متاحا؛ حيث تعدّدت التعاريف تعدّد الباحثين ومرجعياتهم. حول كونها علما أم حقلا بحثيا، حول مجالاتها، حول أهدافها، وكل ذلك تعكسه مختلف التعريفات. وقد حاول بعض الباحثين جمع أهم تلك التعاريف، وهو ما سنورده في هذه المحاضرة، كما أنّ هناك تعريفا جاءت به الجمعية الدولية للسانيات التطبيقية، سنعتمده منطلقا ونناقش وفقه مقتضيات المفهوم.

أوّلا: أهم تعاريف اللسانيات التطبيقية:

قد جمع الباحث "الشويرخ"  عدة تعاريف لمختلف الباحثين البارزين المشتغلين بهذا الحقل اللساني، سنتبيّن من خلالها مختلف المنظورات؛ وهي -نقلا عنه-[i]:

 

التعريف

صاحب التعريف

 

 

 

 

هو دراسة تعليم اللغات الثانية وتعلمها، ويستخدم المعلومات المستقاة من علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الإنسان ونظرية المعلومات وعلم اللغة من أجل تطوير نظرياته اللغوية حول اللغة واستخدامها، ومن ثم يستخدم هذه المعلومات والنظريات في مجالات تطبيقية مثل تصميم المقررات وعلاج أمراض الكلام والتخطيط اللغوي والأسلوبية وغير ذلك.

Richards et al. 

 

هو مذهب متعدد العلوم يهدف إلى حل المشكلات المتعلقة باللغة. وهو ليس كما يظن بعض الناس بأنه مجرد اسم رنان لتدريس اللغة الإنجليزية.

Strevens 

 

هو تطبيق المعرفة اللغوية على مشكلات العالم الواقعية... وعندما تستخدم هذه المعرفة اللغوية في حل المشكلات الأساسية المتعلقة باللغة، نستطيع أن نقول إن اللسانيات التطبيقية علم تطبيق وممارسة. والتطبيق هو تقنية تجعل الوصول إلى الأفكار المجردة ونتائج البحوث ممكناً، كما تجعلها ذات صلة بالعالم الحقيقي، فهو علم يتوسط بين النظرية والتطبيق.

Kaplan and Widdowson 

 

هو استخدام نظريات اللسانيات العامة وطرقها ونتائجها في توضيح المشكلات المتعلقة باللغة التي تظهر في مجالات أخرى من الخبرة وتقديم حلول لها. إن حقل اللسانيات التطبيقية واسع جداً، إذ يشمل تعليم اللغات الأجنبية وتعلمها وعلم المعاجم والأسلوب والتحليل البلاغي للكلام ونظرية القراءة.

Crystal 

 

هو تطبيق النظريات والأوصاف والطرق اللغوية في حل المشكلات اللغوية التي تظهر في السياقات الإنسانية والثقافية والاجتماعية.

Carter 

 

هو علم يهتم بزيادة فهم دور اللغة في حياة الإنسان، ومن ثم توفير المعرفة الضرورية لأولئك المسؤولين عن اتخاذ القرارات المتعلقة باللغة سواء في الفصول الدراسية أو في أماكن العمل أو في المحاكم أو في المختبرات.

Wilkins 

 

هو نشاط بحثي وتطوري يستخدم النظريات ويجمع بيانات يمكن استخدامها في التعامل مع مشكلات المؤسسات اللغوية. فهو ليس شكلاً من أشكال العمل الاجتماعي الذي يتصل بالأفراد مع أن نتائجه يمكن أن تكون مفيدة للاستشاريين والمعلمين عند مواجهة مثل هذه المشكلات.

Davies 

 

هو علم متشعب ومتفرع ويشمل عدداً كبيراً من المجالات ومن العلوم الفرعية مثل علم اللغة النفسي وعلم اللغة الاجتماعي واختبارات اللغة وغير ذلك. كما أنه يستخدم ما نعرفه عن اللغة وكيفية تعلمها واستخدامها في حل بعض المشكلات الحقيقية ولتحقيق بعض الأغراض المتعددة والمتنوعة.

Schmitt 

 

Ø   تعقيب موجز على التعريفات في الجدول:

بالنظر إلى مختلف المفاهيم نجد عندها جانبا مركّزا عليه، وزاوية منظور بها، وقد تتفق مجموعة تعاريف في شيء وتفترق في أشياء أخرى؛ فمثلا :

-      من حيث هي تخصص: هناك من يجعلها علما، وهناك من يجعلها تطبيقا لعلم أو عدة علوم، أو نشاطا بحثيا، وهناك من يجعلها ليست مجرّد علم مستقل بل علما متشعبا تنضوي تحته عدّة علوم.

-      من حيث مصادرها المعتمدة، هناك من يحصرها في النظريات اللغوية، وهناك من يوسّعها إلى غيرها من العلوم، مع مركزية النظريات اللسانية وكونها الأصل.

-      من حيث المجالات: هناك من يركّز على تعليم اللغات، وهناك من يركز على المجال العام الأساسي لها وهو حلّ المشكلات المتعلّقة باللغة وهذا الأخير هو الأكثر اشتراكا بين التعاريف. وإن كان تعدّد المجالات مختلفا باختلاف المنظورات والمشاكل التي يصادفها اللسانيون التطبيقيون في مجتمعاتهم، (وهذه قضيّة لها محاضرة سنفردها لها).

ثانيا: مفهوم اللسانيات التطبيقية وفق الجمعية الدولية للسانيات التطبيقية

اختلاف تلك التعريفات لا يعني عدم وجود مساحة مشتركة بينها. وبالبحث عن تعريف يكاد يكون ملما بكثير من جوانب اللسانيات التطبيقية من حيث موضوعها ووظيفتها، نجد تعريف الجمعية الدولية للسانيات التطبيقية  (AILA)  (تأسست في فرنسا عام 1964م). وقد أورده الباحث "محمد خاين" وعلّق عليه[ii]، وهذا التعريف هو:

"إنّ اللسانيات التطبيقيّة حقل معرفي بين تخصصي في البحث والممارسة، يعمل على معالجة مشاكل اللغة والتواصل من خلال تحديدها وتحليلها بوساطة النظريات والطرائق والنتائج التي تتيحها اللسانيات، وكذا عبر وضع أطر نظرية لسانية ومنهجية جديدة. وعلى العموم تختلف اللسانيات بتوجهها الصريح نحو المشاكل العملية اليومية المتعلقة باللغة والاتصال".

Ø   تعقيب على التعريف وتحليل لأهم ما ورد فيه

قد بيّن التعريف ما يلي:

-      أنّ اللسانيات التطبيقية حقل فيه مجمع لعديد من الحقول المعرفية الأخرى، سواء في شقّ البحث أو التطبيق العملي والممارسة، أي هي متعدّدة التخصصات، وهذه هي سمة البينيّة (Interdisciplinarité)التي تعني - حسب قاموس المركز الوطني الفرنسي للموارد النصية والمعجمية - «مقاربة لمشكلة علمية انطلاقاً من وجهة -نظر تخصصين أو أكثر من مجالات المعرفة». وحسب التعريف الذي أقرّته "اليونسكو" للبينية على أنها: «نوع من التعاون بين التخصصات المختلفة أمام المشكلات التي تمنعها التعقيد، والتي لا تُحلّ فقط إلا بتظافر والتوليف الحصيف بين وجهات نظر مختلفة»[1]. وبه نتبيّن في حقل اللسانيات التطبيقية أنّ البينية هي مقاربة لمشكل يتعلّق باللغة  من خلال تضافر عدّة تخصصات، ووجهاتِ نظر متخصصين من مختلف المجالات.

-      كما بيّن وظيفة اللسانيات التطبيقيّة وطابعها الإجرائي، وهذه أهم سمة ركّز عليها هذا التعريف، حيث ذكر الوظيفة التي سبق وأن بيّنا أنّ التعريفات السابقة اشتركت فيها؛ وهي: العمل على معالجة مشاكل اللغة والتواصل،  وهذا ما عقّب به الباحث "محمد خاين"؛ حيث بيّن أن التعريف " اتجه مباشرة إلى المهام المنوطة باللسانيات التطبيقية، إضافة إلى التركيز على طابعها الإجرائي، وذلك بإفصاحه عن والأدوات المنهجية الموظفة في أداء هذه المهمة)التحديد، التحليل، الحل"[2]. حيث تكون الإجراءات أولا بتحديد المشكل، ثم تحليله بعدها تأتي مراحل الحلّ، وفي كلّ هذا تستعين اللسانيات التطبيقية باللسانيات ومجموعة من التخصصات الأخرى حسب طبيعة المشكل وما تقتضيه تلك الإجراءات؛ فمثلا نحتاج إلى علم معيّن في تحديد المشكل ثم بعد تحديده قد نحتاج علما آخر أو عدّة علوم لتحليله، وكذلك لحلّه.

-      وذكر المرجعيات التي تستند إليها فصرّح باللسانيات من خلال نظرياتها وطرائقها ونتائجها،  وأبقى المجال مفتوحا لغيرها من العلوم، وكما يذكر "محمد خاين" " أباح اللّسانيون التطبيقيون لأنفسهم وضع أطر لسانية ومنهجية جديدة تعينهم على التصدي للمشاكل التي تعترضهم، كما هو واضح بصريح العبارة (وضع أطر نظرية لساني ومنهجية جديدة ". وهذه السمة تجعله حقل اللسانيات التطبيقية وقد ركزّ على السمة التي تميّز هذا الحقل المعرفي، وهي اهتمامه بالمشاكل المتعلّقة باللغة.

في ختام المحاضرة، من خلال ما سبق، نتبيّن أنّ اللسانيات التطبيقية وإن لم يكن هناك مشكل في تحديد مصطلحها،  إلا أنّ تحديد تعريف لها، لم يكن محلّ اتفاق وإنّما تعدّد؛ في تحديدها باعتبارها علما، أو ميدانا تطبيقيا، أو نشاطا بحثيا،  كما اختلف في تحديد مصادرها ومجالاتها. ومع ذلك كانت سمة البينية بارزة في تحديدها بالإضافة إلى وظيفتها الأساسية التي تتمثّل في حل المشاكل اللغوية المتعلّقة باللغة والتواصل، وذلك ما أكدّه تعريف الجمعية الدولية للسانيات التطبيقية حين بيّن أنّها حقل معرفي بين تخصصي في البحث والممارسة، يعمل على معالجة مشاكل اللغة والتواصل.



[1] التعريفان نقلا عن: بسمة زحاف، البينية: قراءة في المفهوم والنشأة، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مجلد12، ع2، يونيو 2023، ص56.

[2]  محمد خاين، محاضرات في اللسانيات التطبيقية، محاضرات لفائدة طلبة الدكتوراه مشروع: تعليمية اللغة العربية، الموسم الجامعي 2016-2017، ص4.



[i] الشويرخ، قضايا معاصرة في اللسانيات التطبيقية، ص12-13.

[ii]  محمد خاين، محاضرات في اللسانيات التطبيقية، محاضرات لفائدة طلبة الدكتوراه مشروع: تعليمية اللغة العربية، الموسم الجامعي 2016-2017، ص04.