تخطى إلى المحتوى الرئيسي
متطلبات الإكمال

الروافد العلمية للسانيات التطبيقيّة


 
 

الروافد العلمية للسانيات التطبيقية

لقد تبيّن من خلال المحاضرة السابقة أنّ اللسانيات التطبيقية حقل بين تخصصي، وذلك كونه نقطة التقاء مجموعة من العلوم، وفي هذه المحاضرة سيتم تناول أبرز العلوم التي تشكل روافد هذا الحقل، وسيتم التركيز على الحقول التي لها أهمية في جانب تعليم اللغات. وقد بيّن عبده الراجحي أنَّ ثمة اتفاقًا على أن علومًا أربعة تمثل المصادر الأساسية للّسانيات التطبيقية ثم ذكر طبيعة العلاقة التي تربط اللسانيات التطبيقية بتلك العلوم كونها تتوسلها في حل لمشكلة تعليم اللغة، وهذه العلوم، إجمالا ، هي:

1- علم اللغة (اللسانيات).

2- علم اللغة النفسي.

3- علم اللغة الاجتماعي.

4- علم التربية.

وتفصيلا:

1- علم اللغة (اللسانيات):

اللسانيات هي الدراسة العلمية للغة، وبالنسبة إلى علاقته باللسانيات التطبيقية في مجال تعليم اللغة، وذكر الراجحي أنّ هناك نظريتين لسانيتين تشكلان رؤيتين مختلفتين لاكتساب اللغة:

أ- النظرية البنيوية، وهي التي بدأت عند دي سوسير وازدهرت عند بلومفيلد Bloomfield، وهي ترى دراسة «المادة» اللغوية التي أمامنا باعتبارها الشيء الحقيقي «الملموس»، ثم ترى دراستها في إطار «سلوكي» يؤكد أن أي فعل لا يفهم إلَّا في ضوء «المثير»Stimilus و«الاستجابة» Response وقد أفضى ذلك بطبيعة الحال إلى أن يكون المنهج البنائي منهجًا استقرائيًّا Inductive يبدأ أولًا بجمع «المادة» ويصل بعد ذلك إلى القاعدة أو إلى النظرية. وذلك أنّ الطفل يسمع اللغة ثم يصل بعدها إلى تجريد نظام هذه اللغة.

ب/ النظرية التحويلية التوليدية، (تشومسكي) ترى أنّ الوقوف على حقيقة اللغة هو الوصول إلى «طبيعتها» لا عن طريق «مادتها» الملموسة الظاهرة أمامنا، بالنظر إلى «الفطرة» اللغوية Competence وذلك بالبحث عن القدرة الإبداعية المشتركة بين البشر. والذي يهمنا هنا أن هذا كله أفضى بالمنهج إلى عكس ما كان عليه الشأن في النظرية البنوية التي تتبع المنهج الاستقرائي؛ إذ من الطبيعي أن النظرية التحويلية نظرية «عقلية» تبدأ «بنظرية» عن طبيعة اللغة، ثم تحدد نوع المادة، وإجراءات التقعيد، أي إنها ذات منهج استدلالي.

2- علم اللغة النفسي:

مجال هذا العلم هو «السلوك اللغوي»، وله  محوران أساسيان في تناول هذا السلوك، كما له منهجان في فهم هذا السلوك، أما المحوران فهما:

2-1 «الاكتساب» اللغوي Acquisutuon:

الاكتساب اللغوي متعلق بمرحلة الطفولة؛ فالطفل هو الذي «يكتسب» اللغة، وهو يكتسبها في زمن قصير جدًّا، ويتشابه الأطفال في كل اللغات في طريقة اكتسابهم للغة مما يدل على وجود هذه الفطرة الإنسانية المشتركة أو هذا الجهاز اللغوي العام. واكتساب الطفل للغة ليس منظما تنظيما مدرسيا بل بما يتلقاه من محيطه، وإذا كان هناك نوع من التنظيم فإنه تنظيم «داخلي» عند الطفل ذاته. وهناك اتجاهان في محاولة فهم الاكتساب اللغوي:

أ- اتجاه استقرائي: يرى أن الطفل «يجمع» ما يتعرض له من ظواهر اللغة، و«يخزنها»، ثم يصل إلى «تجريدات» عنها عن طريق «تصنيفها» وإجراء «تعميمات»عليها.

ب- اتجاه استدلالي: يرى أن الطفل لديه نظرية فطرية عن اللغة مركوزة فيه، وهي تتكون من مفهومات موروثة؛ أي إنها جاهز مسبقًا، وهي مفهومات عامة عن اللغة الإنسانية، ثم يطبق الطفل هذه المفهومات المسبقة على ما يتعرض له من لغة.

وهناك فرق بين «اكتساب» اللغة، و«تعلُّم» اللغة؛ فالاكتساب يحدث في الطفولة، أما تعلم اللغة فيحدث في مرحلة متأخرة حين يكون الأداء اللغوي قد تكوَّن، وحين تكون «العمليات» العقلية قد نضجت أو قاربت النضج، ومعنى ذلك أن الذي «يتعلم» اللغة هو غير ذلك الطفل الذي كان «يكتسب» اللغة.

2-2 «الأداء» اللغوي Performance:

ومعرفته متوقفة على معرفة الأنظمة المعرفية Cognitive عند الإنسان.وهو يبحث عن كيف يؤدي الإنسان الفرد لغته؟ وما وراء ذلك من عمليات ؟ والأداء اللغوي ضربان:

أ/ أداء إنتاجي Productive: حين يكون الإنسان منتجا للغة؛ متكلمًا أو كاتبًا.

ب/ وأداء استقبالي Receptive: حين يستقبل الإنسان اللغة؛ مستمعًا أو قارئًا.

ويكاد الاهتمام العلمي الآن يتوجه إلى الإنتاج الاستقبالي للغة؛ لأنه كما ذكرنا في الاكتساب يدل على وجود عمليات داخلية كثيرة؛ إذ ماذا يحدث بالضبط حين يستقبل الإنسان لغةً ما؟ أيراجعها على قوائم مخزونة لديه من أصوات ومفردات وجمل، أم أن لديه مخزونًا آخر نظريًّا يمثل قواعد كلية عامة يُجري على أساسه عملياته اللغوية؟

ومن الجوانب التي يهتم علم اللغة النفسي بدراستها في الأداء اللغوي دراسة «الأخطاء» سواء أكانت أخطاء إنتاجية أم أخطاء استقبالية والبحث عن العوامل النفسية وراءها.

2-3 منهجا دراسة السلوك اللغوي:

أ/ منهج سلوكي: يدرسه في إطار المثير والاستجابة، ويركز  على السلوك الظاهر الذي يخضع للملاحظة.

ب/ المنهج العقلي: ينظر إلى السلوك الإنساني أنّه أكثر تعقيدًا السلوك الحيواني، بالإضافة إلى أن السلوك اللغوي خاصية إنسانية لا يشركه فيها غيره من الكائنات، ومن هنا انتقل الاهتمام من «البيئة» و«العوامل الخارجية» إلى الطفل ذاته، أو إلى المتعلم ذاته؛ حيث إن «تعلم» اللغة يجري وفق قدرة فطرية في الإنسان (جهاز الاكتساب اللغوي) الذي يمد الإنسان بافتراضات عن اللغة، ثم «يختبر» الإنسان افتراضاته مما يسمعه، ويعدِّل قواعده إلى أن يصل إلى القواعد المستقرة بين الكبار.

3- علم اللغة الاجتماعي:

علم اللغة الاجتماعي يدرس «الظاهرة» اللغوية حين يكون هناك «تفاعل» لغوي؛ ومن بين أهم المسائل التي يتناولها مما لها صلة وثيقة بتعليم اللغة:

أ- اللغة والثقافة: اللغة هي المعبِّر الأهم عن ثقافة المجتمع، يترتب على ذلك أن تعليم اللغة لأبنائها لا بُدَّ أن يكون نابعًا من «ثقافة» المجتمع، كما أن تعليمها لغير أهلها لابُدَّ أن ينقل المتعلم الأجنبي إلى أن يفهم ثقافة هذا المجتمع.

ب- المجتمع الكلامي: المجتمع الكلامي يعني ذلك المجتمع الذي تسوده لغة تعبر عن ثقافته. وقد تكون هناك مجتمعات تتكلم لغة واحدة، ومع ذلك تعد مجتمعات كلامية مختلفة؛ مثلا الإنجليزية في بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا، لغة واحدة وثقافة مختلفة.

جـ - اللغة والاتصال: إن كل مجتمع يتعارف على «نظام» خاص «للاتصال» بين أبنائه، والثقافة لا تكون ثقافة إلَّا بوسائلها الاتصالية، وأهمَّ وأشمل وسيلة للاتصال هي «اللغة».

د- التنوع اللغوي: يهتم علم اللغة الاجتماعي بدراسة التنوع اللغوي، الذي يبدو على هيئة لهجات «إقليمية» جغرافية، أو لهجات «اجتماعية» أو لهجات «مهنية».

4- علم التربية:

ينطلق تعليم اللغة يتحرك من سؤالين مترابطين: ماذا نعلِّم من اللغة؟ وكيف نعلمه؟ السؤال الأول سؤال عن «المحتوى» وأن الثاني سؤال عن «الطريقة». ويتكفل بالإجابة عن السؤال الأول علم اللغة، وعلم اللغة الاجتماعي، وعلم اللغة النفسي في بعض الجوانب. أما السؤال الثاني فيجيب عنه علم التربية، وفي بعض جوانبه أيضًا علم اللغة النفسي.

ومن الجوانب التي يهتم بها علم التربية:

أ- نظرية التعلم:

يهتم علم النفس التربوي اهتمامًا خاصًّا بنظريات التعلم، ويشركه في بعض ذلك –كما رأينا – علم اللغة النفسي؛ ونجد المنهجين السابقين حاضرين ههنا كذلك؛ السلوكي (استقرائي) والمنهج عقلي(استدلالي) وسيأتي التفصيل فيها في المحاضرة الخاصة بنظريات التعلّم.

ب- خصائص المتعلم:مثل خصائص «العمر» و«استعداد» التلميذ، وقدراته «المعرفية»، ومعلوماته اللغوية السابقة، ثم «شخصيته»، و«الدافعية» التي تحفزه إلى تعلم اللغة.

جـ- الإجراءات التعليمية: أي مقرر تعليمي لا بد له من إجراءات تضعه موضع التنفيذ داخل قاعة الدرس.

د- الوسائل التعليمية: تأتي إلى الوسائل التعليمية لتطوير المهارات التي تحددها الأهداف.

علاقة علم اللغة التطبيقي بهذه المصادر:

وليس معنى ذلك أن علم اللغة التطبيقي يستند إلى هذه العلوم الأربعة فحسب، بل إنه يتوجه إلى أي مصدر يسهم في حل «مشكلة» تعليم اللغة، ومن ثم يتصف هذا العلم بالمرونة وبالقدرة على التطور والتغير بما يعين على تحسين سبل الحل. كما أن العلاقة بين علم اللغة التطبيقي وهذه العلوم ليست علاقة «مباشرة» ؛ أي إنه لا يأخذ منها مادته أخذًا مباشرًا، وإنما هو «يطوّع» ما يحتاجه منها وفقًا لطبيعة تعلم اللغة.

العلاقة بين اللسانيات التطبيقيّة (حقل التعليمية) واللسانيات العامة:

حدود العلاقة بينهما تظهرا أوّلا من خلال الهدف؛ حيث إنّ علم اللغة يهدف إلى وصف اللغة في أكمل طريقة ممكنة، فهو وصف «علمي». وبالتالي لا يمكن أخذ الوصف اللغوي «كما هو» وحعله «مقررًا» في تعليم اللغة؛ لأن طبيعة كل منهما مختلفة، فالمعوّل في التعليم ليس الصلاحية اللغوية فقط Linguistic validity، وإنما نفعها العملي Practical validity.ومثال ذلك النّحو العلمي الذي يسعى إلى الوصف العلمي، والنحو التعليمي الذي يهتم بتعليم القواعد النحوية.

ومن الفوارق أيضا اهتمام مجال تعليم اللغة بالسؤال الخاص بأي النظريات اللغوية نأخذ في تعليم اللغة؛ بالنظرية البنائية السلوكية، أم بالنظرية التحويلية العقلية؟ لقد كان ثمة اتجاه باتباع المنهج البنائي السلوكي، ويظهر ذلك في الأنماط اللغوية، وفي تدريج المادة، وفي التدريبات التي تهدف كلها إلى تكرار النمط اللغوي إلى أن تتكون لدى المتعلم «عادة» لغوية مستقرة. ثم ظهر اتجاه آخر يرفض هذا المنهج ويفرض اتجاهًا عقليًّا استدلاليًّا بالوصول إلى «كفاءة التعلُّم» وليس «كفاءة التعليم». ومهما يكن من أمر فإن الاتجاه الغالب في تعليم اللغة لا يقتصر على الأخذ من نظرية بعينها ولا بمنهج بذاته، وإنما يأخذ ما يراه «نافعًا» في حل المشكلة.

ومعنى ذلك أن علم اللغة التطبيقي ذو طبيعة «انتقائية»، ينتقي من هذه العلوم ومن غيرها ما يراه مناسبًا لقضيته؛ القضية الأساسية وهي «تعليم اللغة»، وهي قضية ليست مركزية في المصادر الأربعة المذكورة، لكنها قضية علم اللغة التطبيقي، وحيث إن «التطبيق» يعني وجود «مشكلة»، وأن المشكلة تتضمن «أسئلة» من نوع خاص، فإن هذه الأسئلة وما يترتب عليها تنبع من علم اللغة التطبيقي ولا توجد ابتداءً في هذه العلوم؛ أي إن علم اللغة التطبيقي هو الذي «يحدِّد» ذاته، وهو الذي «يشكِّل» منهجه.