الأسس النظرية للطرائق التعليمية وتطورها؛ المقاربة بالكفاءات

يعد الانتقال نحو المقاربة بالكفاءات تحولاً جوهرياً في النظم التعليمية المعاصرة؛ إذ لم يعد الهدف تراكم المعارف، بل قدرة المتعلم على تجنيد الموارد لمواجهة وضعيات معقدة. سنركز في هذه المحاضرة على كيفية تفعيل هذه المقاربة من خلال الوضعية المشكلة والمقاربة النصية كأدوات إجرائية داخل القسم.

تعريف المقاربة بالكفاءات: هي تصور تعليمي يركز على قدرة المتعلم على إدماج مجموعة من المعارف، المهارات، والمواقف، وتوظيفها بشكل فعال لحل مشكلات واقعية (الدريج، 2004). هي ليست مجرد طريقة تدريس، بل فلسفة تربوية تجعل من المتعلم "فاعلاً" وليس "مستقبلاً".

الأسس النظرية للمقاربة بالكفاءات: تستند هذه المقاربة إلى مرجعيات سيكولوجية وتربوية متداخلة

النظرية البنائية (Piaget): التعلم فعل نشط يبنيه المتعلم بنفسه من خلال التفاعل مع المحيط.

النظرية السوسيو-بنائية (Vygotsky): التركيز على دور التفاعل الاجتماعي و"منطقة النمو الوشيك" في بناء الكفاءة.

علم النفس المعرفي: الاهتمام بكيفية معالجة المعلومات وتخزينها في الذاكرة لتسهيل استرجاعها عند الحاجة.

أسباب الانتقال إلى المقاربة بالكفاءات

الفشل الوظيفي للمعرفة: عدم قدرة الخريجين على تطبيق ما تعلموه في الحياة العملية

الانفجار المعرفي: صعوبة الإحاطة بكل المعارف، مما جعل "تعلم كيف تتعلم" ضرورة

مواكبة العولمة: تلبية متطلبات سوق العمل التي تبحث عن مهارات حل المشكلات والتكيف

آليات تفعيل المقاربة بالكفاءات: دور الوضعيات التعليمية والمقاربة النصية":

إن الربط بين المقاربة بالكفاءات والتعليم بالوضعيات ليس مجرد اختيار إجرائي، بل هو ضرورة تمليها طبيعة الكفاءة ذاتها؛ فإذا كانت الكفاءة تُعرف بأنها "قدرة الفرد على تجنيد مجموعة من الموارد المعرفية والمهارية لمواجهة فئة من المشكلات"، فإن هذه القدرة لا يمكن أن تنمو أو تُقاس في فراغ نظري، بل تحتاج إلى حيز عملي تتجسد فيه. من هنا يبرز التعليم بالوضعيات كإطار تطبيقي ومختبر بيداغوجي، حيث تتحول فيه المعارف من معلومات مجردة إلى "أدوات حل" تستدعيها الوضعية المشكلة. وتكتمل هذه الحلقة في سياق تعليم اللغات عبر المقاربة النصية، التي تجعل من "النص" هو تلك الوضعية الانطلاقية الحاملة للمعنى؛ فالمتعلم لا يدرس القواعد لذاتها، بل يكتشفها ويستعملها داخل نسيج نصي متكامل يحاكي تواصله الواقعي. فالعلاقة بين الثلاثة هي علاقة "الجوهر بالبيئة بالأداة"؛ فالمقاربة بالكفاءات هي الغاية، والتعليم بالوضعيات هو المحيط المحفز، والمقاربة النصية هي الوسيلة اللغوية الكفيلة بتحويل المكتسبات إلى أداء تواصلي ناجع.

التعليم بالوضعيات:

يعتبر التعليم بالوضعيات (La Pédagogie de Situation) المكون الإجرائي والميداني للمقاربة بالكفاءات، حيث يقوم على وضع المتعلم في سياق يواجه فيه مشكلة مركبة تستدعي حشد كل موارده المعرفية والوجدانية لحلها؛ وهو ما يسمى بـ "الوضعية المشكلة" (Situation-Problème) التي تمتاز بكونها مستمدة من واقع المتعلم، وتحتوي على عوائق معرفية تحفزه على البحث والاستكشاف بدل التلقي السلبي (روجيرز، 2005). وتتكون هذه الوضعية من سند (مجموعة معطيات، نصوص، وصور) ومهمة (مجموعة تعليمات محددة) تهدف إلى بلوغ نتيجة ملموسة، مما يجعل التعلم ذا معنى ووظيفة (قاسي، 2012). وفي إطار المقاربة النصية، تتحول هذه الوضعية إلى "نص جامع" يمثل وحدة لغوية وتواصلية، يتفاعل معه المتعلم ليس لفك شفراته النحوية فحسب، بل لاستخدامه كأداة لبناء المعنى ومواجهة الوضعية التواصلية المقترحة، وبذلك يتحول القسم من فضاء للإلقاء إلى مختبر حي لبناء الكفاءات اللغوية والفكرية.

المقاربة النصية: تُمثّل المقاربة النصية (L'approche textuelle) الامتداد الطبيعي والعملي للتعليم بالوضعيات في حصص اللغة؛ فهي ترفض التعامل مع اللغة كشظايا معزولة (قواعد منفصلة، مفردات مجردة)، وتعتبر "النص" هو الوحدة الصغرى للتعامل التربوي باعتباره بنية دالة وسياقاً تواصلياً متكاملاً (حمداوي، 2015). في ظل هذه المقاربة، يصبح النص هو "الوضعية الانطلاقية" التي تُبنى حولها الكفاءات اللغوية؛ فالقواعد النحوية والصرفية لا تُدرس لذاتها، بل تُستنبط من النص لفهم آليات اشتغاله وتوظيفها في إنتاج نصوص مشابهة. وتتأسس هذه المقاربة على عدة مرتكزات إجرائية:

وحدة المنطلق: الانطلاق من نص جامع (نثري، شعري، وظيفي) يضم الظواهر اللغوية المستهدفة.

تكامل المهارات: الربط العضوي بين القراءة، الفهم، القواعد، والتعبير الكتابي حول محور موضوعاتي واحد.

الانتقال من التفكيك إلى التركيب: يبدأ المتعلم بتحليل النص وفك شفراته (تفكيك)، لينتهي بالقدرة على محاكاته أو إنتاج نص جديد يحل وضعية تواصلية محددة (تركيب).

وبذلك، تحقق المقاربة النصية الغاية الأسمى للمقاربة بالكفاءات، وهي تحويل المعرفة اللغوية من "معرفة واصفة" (معرفة القاعدة) إلى "معرفة فاعلة" (القدرة على التواصل وإنتاج المعنى).

على الرغم من الوجاهة النظرية التي تحملها هذه المفاهيم، إلا أن إخضاعها للنقد يكشف عن تحديات إجرائية ملموسة؛ فالمقاربة بالكفاءات، برغم طموحها في جعل المتعلم فاعلاً، قد تغرق في نزعة نفعية تختزل التعلم في مهارات أدائية على حساب البناء المعرفي الرصين، كما أن التعليم بالوضعيات يواجه صعوبة في صياغة "وضعية مشكلة" حقيقية تجمع بين الواقعية والدقة العلمية دون السقوط في التعقيد الذي قد يربك المتعلم أو البساطة التي تفرغ المحتوى من قيمته. وبالمثل، فإن المقاربة النصية، رغم تجاوزها لآلية التلقين التجزيئي، قد تتحول أحياناً إلى "قيد" يحصر الظواهر اللغوية في نصوص مصطنعة تُكتب خصيصاً لخدمة القاعدة النحوية، مما يفقد النص روحه الإبداعية وجماليته الأدبية، ويجعل الانتقال من فهم النص إلى إنتاجه قفزة بيداغوجية تتطلب مهارات عالية لدى المعلم قبل المتعلم.

المراجع 

الدريج، محمد. (2004). الكفايات في التعليم. منشورات سلسلة المعرفة التربوية.

لزهراني، سعيد. (2011). نظريات التعلم وتطبيقاتها التربوية. دار الفكر العربي.

فارسي، ليلى. (2017). المقاربة بالكفاءات في المنظومة التربوية: دراسة تحليلية. مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية.