المحاضرة7: مواضيع النقد الثقافي
نتعرف من خلال هذه المحاضرة على مختلف مواضيع النقد الثقافي مركزين على أهمها
الدراسات مابعد الكولونيالية
الدراسات ما بعد الكولونيالية
1- مفهوم "ما بعد الكولونيالية":
مصطلح "ما بعد الكولونيالية" عموما في سياقه السياسي يدل على الفترة التي أعقبت الهيمنة الاستعمارية والاحتلال العسكري الغاشم، وقد استعمل هذا المصطلح لأول مرة مع نهاية الامبراطوريات الاستعمارية في سبعينيات القرن الماضي، ثم انتشر هذا المصطلح في الأوساط الثقافية الأوروبية والأمريكية حيث استعمله باحثون من المستعمرات القديمة كـ "جاياتري سبيفاك، هومي بابا، إدوارد سعيد" وتبعهم في ذلك مثقفون من الهند والعرب والأفارقة المغتربين في الولايات المتحدة الأمريكية الذين أكدوا على أنهم مثقفو الشتات "intellectuels diasporique"، فتجاوز مع هؤلاء مفهومه السياسي وسياقه الزمني ليعني كل أشكال المقاومة والرد على الهيمنة وتفكيك المركزية الغربية والخطابات الغربية التي تبلورت في ظل علاقات القوة والهيمنة ونقد ثقافة الاستعمار وقضايا التحرر، وتوسعت في سنوات الثمانينيات إلى الكتابات النسوية، وعليه لم يعد مصطلح ما بعد الكولونيالية يدل على مرحلة ما بعد الاستعمار، فهو كسابقه (الكولونيالية) يهدف إلى مقاومة كل أشكال الهيمنة سواء كانت قبل الاستعمار ( كالاستشراق) أو أثنائه أو بعده.
إن مصطلح "ما بعد الكولونيالية" «يتضمن دراسة وتحليل الغزوات الأوروبية على الأرض، والمؤسسات المتنوعة للكولونياليات (colonialisms) الأوروبية، والعمليات الخطابية للامبراطورية، والتفاصيل الدقيقة لصياغة الذات في الخطاب الكولونيالي، ومقاومة هذه الذوات، وربما الأهم على الإطلاق، الاستجابات المختلفة لمثل هذه الغارات وإرثها الكولونيالي المعاصرة في شعوب ومجتمعات ما قبل الاستقلال وما بعده. وبينما نزع استخدامها إلى التركيز على الإنتاج الثقافي لمثل هذه المجتمعات، فإن استخدام المصطلح انتشر على نطاق واسع في التحليلات التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية حيث لا زالت تلك الحقول المعرفية منشغلة بأثر الامبريالية الأوروبية على مجتمعات العالم»[- بيل أشكروفت وآخرون، دراسات ما بعد الكولونيالية؛ المفاهيم الرئيسية، ترجمة: أحمد الروابي وآخرون، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010، ص284.]، وتكون هذه المقاومة أو الرد سواء من خلال نظريات معرفية وخطابات تحتفي بالهوامش، أومن خلال الفن والأدب، فقد أخذ أدباء من العالم الثالث على عاتقهم الرد على الأدباء الكولونياليين الذين شوهوا صورة المستعمَر وطمسوا هويته وقمعوا صوته.
2- الدراسات ما بعد الكولونيالية مفهومها، أقطابها
والدراسات ما بعد الكولونيالية تشمل الدراسات الكولونيالية حيث تنطلق عملية الرد والمقاومة أولا من كشف أشكال التسلط والهيمنة والأنساق الثقافية الموجودة في الخطاب الكولونيالي وتفكيك المركزية الغربية والسرديات الكبرى ثم إنتاج الخطاب المضاد لها ومقاومتها وإنطاق الأصوات المقموعة وإعادة الاعتبار للهوامش(التابع، المرأة، المستعمَر) وعليه «تنشد نظرية نزعة ما بعد الاستعمار بوضع وتأسيس صوت للصامتين حتى اليوم داخل التاريخ والمجتمع»[- بامبرا جيرمندرك، إعادة التفكير في الحداثة؛ نزعة ما بعد الاستعمار والخيال السوسيولوجي، ترجمة: إبتسام سيد علام، حنان محمد حافظ، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2016، ص32.]. فالدراسات ما بعد الكولونيالية قد اتصلت وعبرت عن وعي وطموح الجماعات المقهورة والمنبوذة والمهمشة وعملت على إعادة الاعتبار لقيمها وهويتها وثقافيتها بل وإنسانيتها من خلال إعادة حقها في التعبير عن ذاتها، ومن المواضيع التي تشتمل عليها هذه الدراسات مسألة الهوية (تأثير الاستعمار على هويات الشعوب، وإعادة تشكيل الهوية عقب الاستعمار)، الانتماء الوطني، المنفى، الأدب النسوي، وأصبحت هذه الدراسات تقوم بتحليل خطاب الهامش بالموازاة مع تفكيك خطاب المركز.
الدراسات ما بعد الكولونيالية = الدراسات الكولونيالية+ الرد والمقاومة وإعادة الاعتبار للهامش والثقافات المهمشة.
تحليل الخطاب الكولونيالي للكشف عن أشكال التهميش
والتسلط والهيمنة والمركزية الغربية
قبل وأثناء وبعد الاستعمار العسكري.
تدارك إدوارد سعيد من خلال كتابه"الثقافة والامبريالية" 1993 المآخذ التي انتقد عليها في كتاب الاستشراق إذ اقتصر فيه على تحليل الخطاب الكولونيالي، وعليه مارس في مؤلفه هذا قراءة طباقية للخطاب الكولونيالي جنبا إلى جنب مع الخطاب ما بعد الكولونيالي، «في كتابه الثقافة والامبريالية يدعو إدوارد سعيد إلى نقد "كونترابنتالي" يعيد النظر في الأرشيف الثقافي بنصوصه الإبداعية، ويضع في الاعتبار العناصر المتقابلة التي شكلت هذه النصوص، وينطلق من الوعي المتزامن بتاريخ المستعمر (بالكسر) وتاريخ المستعمر(بالفتح) فيقدر على قراءة العلاقة بين الحضور الطاغي للثقافة السائدة، والحضور الصامت أو المغيب للثقافة المهمشة. استعار إدوارد سعيد المجاز الذي استخدمه من التأليف الموسيقي حيث يصاحب اللحن لحن مضاد يقابله، وحيث تتعدد الأصوات وتتراكب متآلفة ومتقاطعة ومتعاكسة تتصدر حينا ثم تتراجع ليتصدر سواها»[- رضوى عاشور، صيادو الذاكرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- المغرب، الطبعة الأولى، 2001، ص128.]. ويعني ذلك تفكيك الروايات الكولونيالية في علاقتها بالروايات التي قامت بمصادرتها والرد عليها فقرأ رواية "قلب الظلام" في علاقتها مع روايات ما بعد كولونيالية مضادة لها وهي "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح وكذا "أشياء تتداعى" لتشينوا آتشيبي و"نهر المابين لنغوغي واثينغو.
كما «يعتبر كل من هومي بابا وجاياتري سبيفاك الأكثر تأثيرا في وضع نظريات تكوين الذات ما بعد الكولونيالية، فقد رسم الاثنان، ومعهما إدوارد سعيد، الحدود الرئيسية لهذا المجال المتعدد الجوانب الذي يشمل، من بين ما يشمل، تحليل الخطاب والتفكيك والتحليل النفسي»[- فردوس عظيم، ما بعد الكولونيالية، ترجمة شعبان مكاوي، موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي9 القرن العشرون المداخل التاريخية والفلسفية والنفسية، تحرير ك. نلووف، ك. نوريس، ج. أوزيورن، مراجعة وإشراف: رضوى عاشور، الإشراف العام: جابر عصفور، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2005، ص346.]. وذلك بعد أن تأثروا واستلهموا أفكار سابقيهم من مختلف التخصصات في النظرية الثقافية والمقاومة الثقافية والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والنظرية الأدبية والسياسة... على غرار أنطونيو غرامشي، فرانز فانون، إيمي سيزار، جاك دريدا، فرانسوا ليوتار وأسسوا بذلك نظرياتهم ما بعد الكولونيالية حول التابع، النسوية، الهوية الثقافية، المقاومة الثقافية...