المحاضرة7: مواضيع النقد الثقافي
نتعرف من خلال هذه المحاضرة على مختلف مواضيع النقد الثقافي مركزين على أهمها
النظرية ما بعد الكولونيالية
أولا: الدراسات الكولونيالية
تعتبر النظرية ما بعد الكولونيالية أحد تحولات الأدب المقارن فسبق أن تعرفنا على أن منطلق الأدب المقارن وهدفه الأول كان خدمة الثقافة الإنسانية دون خلفيات اثنية أو جغرافية للتقريب بين الشعوب والثقافات، ولكن واقع الدراسات والمقارنات التطبيقية أثبت عكس ذلك فهي لا تعدو أن تكون خطابا معرفيا كولونياليا تختبئ في ثناياه أنساق ثقافية غربية تهمش الآخر وتعلي من ذاتها، ذلك أن الأدب المقارن نشأ بالموازاة مع الحملات الاستعمارية حتى أضحى شكلا من أشكال الاستعمار الثقافي مشحونا بالمركزية الغربية، وكان المستعمر يقيس آداب المستعمرات بأدبه ليحكم بأفضلية ورقي أدبه على سائر الآداب، هذا ما دفع - كما ذكرنا في الدرس السابق باحثين مهاجرين من العالم الثالث كانوا قد تخصصوا في الأدب المقارن في الجامعات الغربية في الخمسينات إلى التحول إلى مجالات أخرى كالنظرية الأدبية والنقد النسوي والدراسات الكولونيالية، وذلك في سبعينيات القرن الماضي، ويشمل التحول من الأدب المقارن إلى الدراسات ما بعد كولونيالية المفهوم والموضوع؛ فأصبح يعني دراسة الآداب والثقافة الأوروبية واستخلاص القيم منها وكشف عقدة المركزية الغربية وكل الأنساق المضمرة فيها، فانفتحت الدراسات على علاقة الأنا بالآخر، دراسات الهوية الهجنة الاغتراب، قضايا التابع والزنوجة، والمرأة، وقد شهدت الدراسات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية انتشارا واسعا في العالم الثالث نظرا للحاجة الملحة لفهم موقع الذات في العالم من حولها، وقد تأسست على مرجعيات متعددة تتفق في إعادة الاعتبار للهامش وتفكيك المراكز والكشف عن أشكال التسلط والهيمنة على غرار التفكيكية، مفهوم الخطاب والسلطة لميشال فوكو، مفهوم الهيمنة الغرامشي، مفهوم السرديات الكبرى لجان فرنسوا ليوتار، نظرية جاك لاكان السيكولسانية، مدرسة فرانكفورت، فرانز قانون، ايمي سيزار ...) وتعتبر الدراسات الكولونيالية معبرا من الأدب المقارن إلى الدراسات ما بعد الكولونيالية.
1- مفهوم الكولونيالية: الكولونيالية تعريب لـ Colonialité أما الاستعمار فهو ترجمة المصطلح (colonialisme) وباختلاف اللاحقة يختلف المفهوم فالاستعمار يعني الحقبة التاريخية التي يتم فيها استدمار الأراضي واستبداد الشعوب لزمن معين والقضاء على المقومات المادية و الروحية للمستعمرات بالسلاح والبطش والتقتيل والتشريد والاستيطان، أما الكولونيالية ( Colonialité) : فهي الحالة الثقافية للمستعمر أثناء بل وقبل ثم بعد الاستعمار أي استعدادات الاستعمار القبلية من خلال تحضير الشعوب عبر وسائل سياسية اقتصادية ثقافية، نفسية للاستعمار وانعكاساته على المستعمر أثناء الاستعمار العسكري وبعده وتفاعل هذا الأخير مع الاستعمار وعليه لا بد من التفريق بين الاستعمار (colonialisme) باعتباره مرحلة تاريخية محددة بزمن معين وال كولونيالية (colonialite) كحالة ثقافية تشمل القبل والحين تحضير وتطور للشعوب. والبعد الاستعماري : فمثلا مسار هيمنة الغرب على الشرق لم يبدأ مباشرة وعلى حين غرة مع الحملات الاستعمارية بل بدأ مع كتابات الرحالة والمبشرين والقناصل والأدباء الأوروبيين في ق 17 و 18 التي تفصح عن الإرادة الكولونيالي المتجذرة في الثقافة الغربية، فهم إما درسوا الشرق لإحكام السيطرة عليه أو نمطوا صورة الشرق وبشروا بالحملات الاستعمارية وجملوا صورتها على اعتبار أنها تحمل رسالة 2 مفهوم الدراسات الكولونيالية: من خلال مفهوم الكولونيالية تستخلص أنها الدراسات التي تعنى بتحليل الخطاب الكولونيالي، وقد جرى تداول هذا المصطلح بعدما وظفه إدوارد سعيد الذي رأى في فكرة ميشال فوكو" عن الخطاب وسيلة قيمة لوصف المنظومة التي نشأ بداخلها ذلك المجال من الممارسات الذي اصطلح عليه اسم "كولونيالي ، أي ممارسات الهيمنة والتسلط وتهميش الآخر والإعلاء من الذات تهدف هذه الدراسات إلى تحليل ما انتجته الثقافة الغربية في مختلف المجالات من خطابات بالمفهوم الفوكوي تعبر عن توجهات استعمارية إزاء مناطق العالم الواقعة خارج نطاق الغرب أي إنها اهتمت في المقام الأول بفحص عمليات وآثار الكولونيالية الأوروبية والاستجابات لها، بداية من القرن السادس عشر وحتى عصرنا الحاضر الذي يشهد أشكالا جديدة من الهيمنة بدأت هذه الدراسات فعليا مع إدوارد سعيد من خلال كتابه الاستشراق" (1978) رغم وجود جهود سابقة تصب في هذا المجال، قد تأثر بها إدوارد سعيد كجهود فرانز فانون، ايمي سيزار"، أنور عبد المالك"، أمين العالم"، وينطلق سعيد من مقولة أن الثقافة تعزز الرؤية الامبريالية وتمهد هذا المجتمع الأوروبي أو ذاك لتقبل وتبني واقع ومتطلبات التوسع الاستعماري، تقوم أيضا على الجانب الآخر وفي مراحل لاحقة على خدمة وتعزيز مشروع التحرر فأحدثت بذلك ثورة في مجال الدراسات الأدبية، حيث بين أنه لا يوجد إنتاج إنساني بريء من الارتباط بالسلطة الكولونيالية، بما في ذلك كل فروع العلوم الطبيعية والإنسانية، ومن خلال كتاب الاستشراق قام بتحليل مجموعة كبيرة من الممارسات والخطابات الثقافية مثل الأعمال الفنية، والأطالس الجغرافية، والسينماء والمنظومات العلمية، والمتاحف، والمؤسسات التعليمية والإعلانات، وممارسات الطب النفسي، وممارسات طبية أخرى، والجيولوجيا، وأنماط اللباس وأفكار الجمال، وعلى رأسها الخطاب الاستشراقي ومرد ذلك إلى تأثر هذه الدراسات بفكر ما بعد الحداثة الذي أزال الحدود والفروق بين النصوص الإبداعية والمعرفية والثقافية. وقد عرف إدوارد سعيد الاستشراق على أنه "نظام أسطورة ذو منطق وخطاب ومؤسسات خاصة به، فهو آلة لإنتاج تصريحات حول الشرق وهو شكل من أشكال الامبريالية الأنثربولوجية" استغل من أجل إقناع الغرب باحتلال الشرق كما عمل على إقناع الشرق بالرسالة الحضارية التي يحملها الغرب، ومن أهم الخطابات التي خضعت لهذا التحليل الكولونيالي نذكر الخطاب الأدبي باعتباره ينطوي على نسق هيمنة وتهميش، والتأكيد على دراسة النص الأدبي باعتباره خطابا كولونياليا هو الذي رسم الحدود الواضحة المجال الدراسات الكولونيالية وما بعد كولونيالية ونتج عن ذلك ما يسمى بالأدب الكولونيالي. لقد كشفت تحليلات ايمى سيزار، والبير ميمي وتفكيك إدوارد سعيد لأعمال كبار الادباء أمثال رينان وفلوبير، والبير كامو وجين أوستن، وجوزيف كونراد وكذا قراءة أنيا لوميا لمسرحيات شيكسبير وغيرهم من النقاد الثقافيين حقيقة الكثير من النصوص الإبداعية المشحونة بالفكر الكولونيالي؛ إذ لا ترى الإنسان من خلال هويته وفرديته بل تنظر إلى الشعوب المستعمرة على أساس الحشود Mass على حد تعبير البير ميمي، وتهمش الآخر وتعلي من شأن الذات.