دروب الانفتاح والتطور والتحول للخروج من الأزمة

  إن أزمة الأدب المقارن دفعت به إلى الانفتاح على دراسات ومناهج واستراتيجيات جديدة في القرن العشرين؛ فقد «انفتح الأدب المقارن على أسئلة جديدة تدخل تحت مظلة النقد الثقافي، والدراسات الثقافية، والدراسات ما بعد الكولونيالية، وتحليل الخطاب، مما أدى إلى إشراع باب المقارنية على باقي التخصصات الحيوية التي تستند إليها حاليا كل الأبحاث المرتبطة بمجال مقاربة الظاهرة الأدبية من حيث هي خطاب ذو عمق ثقافي وتاريخي، وذو دلالة إنسانية وفلسفية ورمزية موازية، بل هناك اليوم توجه نحو ما سمي "الأدب المقارن الجديد" The New Comparative Literature. وهذه التسمية هي التي عنون بها الموضوع الذي  تمحورت حوله أعمال المؤتمر الذي نظمته جامعة كاليفورنيا مابين 22و25 ماي 2000م . و"الأدب المقارن الجديد " المقصود هو النقد الثقافي المقارن الذي يتغذى من المرجعية التفكيكية، والنقد الثقافي، والدراسات ما بعد الثقافية»[- سعيد أراق بن محمد، الأدب المقارن في ضوء التحليل النقدي للخطاب، دار أسامة للنشر والتوزيع، الأردن عمان، نبلاء ناشرون وموزعون، الأردن- عمان، الطبعة الأولى، 2015، ص10-11.] وكان هذا الانفتاح في حقيقة الأمر نحو اتجاهين: 
1-تحليل الخطاب
      تم الاستفادة من مناهج تحليل الخطاب وإخراجها من حيِّز التطبيق على الأدب القومي الواحد إلى الاستفادة منها للمقارنة بين أدبين؛ ومن ذلك الانفتاح على نظرية التلقي واستثمار ما جاءت به مدرسة كونستونس الألمانية في دراسة تلقي النصوص في غير ثقافتها «فمن المهم أن يعرِف المرء كيف يُستقبل العمل الأدبي نقديا خارج مجتمعه وثقافته الأصليين. وعند دراسة هذه المسألة فإنه يُفاجأ بالفرق الكبير بين تلقي العمل الأدبي نقديا، أي شرحه وتفسيره، داخل ثقافته الأصلية، وبين تلقيه نقديا، أي فهمه، خارج تلك الثقافة. تقدم نظرية التلقي تفسيرا مقنعا لهذه الظاهرة...، إن دراسات التلقي النقدي هي ميدان خصب من ميادين الأدب المقارن، ونوع من الدراسات المقارنة التي ظهرت وتطورت نتيجة التفاعل المنتج الذي تم بين الأدب المقارن وبين نظرية التلقي الأدبي، وعموما فإن ذلك التفاعل كان مثمرا جدا، فقد أغنى الأدب المقارن وفتح له آفاقا ومجالات جديدة وزوده بأدوات ونظرية معاصرة، وخلصه من ثغرات نظرية كبيرة، وحرره من عبء مفاهيم بالية»[- عبده عبود، الأدب المقارن؛ مشكلات وآفاق، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص52،53.]. والدعوة ما تزال متواصلة منذ ستينيات القرن الماضي إلى مطلع القرن الواحد والعشرين للانفتاح على نظرية التلقي ونجد التشديد عليها عربيا عند عبده عبود وأحمد عبد العزيز.
     وقد انفتح الأدب المقارن أيضا على استراتيجية التناص؛ فالنصوص تتفاعل مع نصوص من خارج ثقافتها فيمكن الاستفادة من هذه الاستراتيجية للوقوف على التفاعل الحاصل بين نصوص من ثقافات مختلفة، بالإضافة إلى التقارب الحاصل بين الأدب المقارن والأسلوبية، والسيميائية والشعرية والتفكيكية، وهذا التقارب بين الأدب المقارن وتحليل الخطاب «يُبَيّن أن هناك قواسم مشتركة بينهما على مستوى الوظيفة والغاية والتصور، ويمكن التأكد من هذا التقارب من خلال مؤشر هام هو: المؤتمر الذي نظمته جامعة لوزان في سويسرا ما بين 6 و 8 ماي 2004م ، بإشراف جان ميشيل آدم، وكلود كالام (مدير أبحاث في المدرسة العليا للدراسات في مجال العلوم الاجتماعية)، وأوط هايدمان ( أستاذة الأدب المقارن في لوزان بسويسرا، وصاحبة أطروحة المقارنة الخلافية)، وذلك حول موضوع: "التحليل النصي والمقارَن للخطابات". .. كما أن التقارب بين تحليل الخطاب والأدب المقارن يظهر من خلال الأعمال المشتركة بين جان ميشيل آدم وأوط هايدمان، ومن ذلك كتابهما المشترك: "النصية والتناص في الحكايات»[- سعيد أراق بن محمد، الأدب المقارن في ضوء التحليل النقدي للخطاب، دار أسامة للنشر والتوزيع، الأردن عمان، نبلاء ناشرون وموزعون، الأردن- عمان، الطبعة الأولى، 2015، ص89.]. وهي جهود تُؤسّس لاتجاه يرفض بشدة موت الأدب المقارن أو تحوُّله إلى النقد الثقافي ويحافظ على خصوصيته- فهذا التحول يشكل عند بعض الدارسين أزمة جديدة، محاولين بذلك الحفاظ على مفهوم المقارنة والاعتماد على تحليل الخطاب للقيام بدراسة نقدية بعيدة عن الصراعات الإيديولوجية، منطلقها الأدب  وغايتها أدبية الأدب، ومن جهة أخرى ترى "سوزان باسنيت" أن حل الأزمة يكمن في الانفتاح على دراسات الترجمة؛ إذ «ينبغي علينا من الآن فصاعدا أن ننظر إلى دراسات الترجمة بوصفها الدراسة الأكاديمية الرئيسية وإلى الأدب المقارن بوصفه فرعا قيما من مجالات الدراسة بها»[- سوزان باسنيت ، الأدب المقارن مقدمة نقدية، ترجمة: أميرة حسن نويرة ، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 1999، ص181.]. فإن كانت البحوث المقارنة قد تراجعت فالعكس تماما مع الترجمة، إذ انتقلت من اعتبارها فنا إلى كونها علما له أسسه، ولكن الشعارات الداعية لضرورة الانفتاح والتطوير من الدرس المقارن غير كافية للخروج من الأزمة، فالأزمة أساسها إجرائي والرهان قائم على مقدرة الأدب المقارن على الاستفادة من هذه المناهج والاستراتيجيات القرائية تطبيقا على مستوى أدبين أو أكثر، والحق أن بحوث الأدب المقارن في إطار " دراسة الصورة" Imagologie والاستفادة فيها من التأويل ودراسة الفضاء والسيميائية ... لاقت إقبالا كبيرا ونتج عنها كما هائلا من الدراسات والبحوث التطبيقية  بعد دراسات التأثير والتأثر.
ب-     النقد الثقافي
      إن انغلقت الدراسات المقارنة في الغرب ووصلت إلى نهايتها،  فبحسب سوزان باسنيت «أن ما يسمى الأزمة لا ينطبق على علماء المقارنة من أفريقيا أو الهند أو الصين أو أمريكا اللاتينية لأنهم شيدوا دراسات الأدب المقارن فوق قاعدة إيديولوجية(عقائدية) مختلفة متخذين نقطة بدايتهم فكرة مجردة عن قيم جمالية عالمية تتعدى حدود الثقافات بل الاحتياجات المباشرة لثقافتهم ذاتها، ومن أهم هذه الاحتياجات التي يعبرون عنها جميعا هي الحاجة لإثراء لغتهم(أو لغاتهم) القومية وتطويرها»[- سوزان باسنيت ، الأدب المقارن مقدمة نقدية، ترجمة: أميرة حسن نويرة، المجلس الأعلى للثقافة،مصر، 1999، ص180.]. فالأدب المقارن في العالم الثالث يبدأ من الهامش إلى المركز يحتفي بالاختلاف ولا يمجد التشابه وأصبح الغرب هو المدروس في نظرته للآخر والأنساق التي تشتغل في مروياته، والعالم الثالث هو الدارس وهذا في سبعينيات القرن العشرين حيث شهد الأدب المقارن تحولا جذريا في موضوع الدراسة، والدارس، والمنطلق وذلك مع جيل من الباحثين في الجامعة الأمريكية ينحدرون من العالم الثالث كإدوارد سعيد وهومي بابا و جياتري سبيفاك، ففي دراستهم في الجامعة الأمريكية ومن خلال وضعهم البيني انتبهوا إلى النزعة المركزية في البحوث المقارنة؛ فـ«تحولوا ناحية النظرية الأدبية ودراسات المرأة وعلم الإشارات والسينما والدراسات الإعلامية بوصفها دراسات  تمثل تحديا للدراسات التقليدية، وترك هذا الجيل الأدب المقارن في أيدي من أصبحوا يعتبرون أكثر فأكثر كممثلين لنوع من الديناصورات ينتمي إلى عصر ليبرالي وإنساني من عصور ما قبل التاريخ...وبسبب ذلك التفضيل للأدب القومي والذي أثارت منهجيته استياء النقاد الإنجليز والأمريكيين فإن جذور الأدب المقارن قد تأصلت في أمم العالم الثالث وخاصة في الهند»[ -سوزان باسنيت ، الأدب المقارن مقدمة نقدية، ترجمة: أميرة حسن نويرة، المجلس الأعلى للثقافة،مصر، 1999، ص9.]. لرد الاعتبار لثقافاتهم المهمشة والاحتفاء بخصوصيتهم الثقافية ومصادرة البحوث المقارنة المشبعة بالكولونيالية فانطلقوا من نقد الآخر ثم تأسيس خطاب مقاوم وهذا ما يعرف بالدراسات الكولونيالية ومابعد الكولونيالية وهو أهم تحول شهده الأدب المقارن في القرن العشرين.
         إن كان الأدب المقارن قد مات في مفهومه التقليدي فقد ظهر في مفهوم النقد الثقافي، و«إذا كانت الدراسات ما بعد الكولونيالية قد ولدت في الولايات المتحدة الأمريكية، وراهنت على إخضاع الظاهرة الاستعمارية نفسها للمساءلة والتحليل، ورصد آثارها وتجلياتها، وردود أفعال آداب المستعمرين فإن فرنسا لم تتحمس كثيرا للدراسات ما بعد الكولونيالية، بل الأكثر من ذلك أن هناك مقاومة كبيرة لهذا الفرع المعرفي في الأوساط الجامعية الفرنسية، وربما لأن الدراسات ما بعد الكولونيالية تزعج الضمير الفرنسي، وتسائل جانبا كبيرا من تاريخه الكولونيالي الطويل، لذلك نلاحظ أن الأدب المقارن أضحى مجالا لتصفية حسابات بين تصورين متعارضين؛ تصور فرنسي يدعي أنه الأب الشرعي للدرس المقارن، ويريد الإبقاء على الأدب المقارن ضمن التصور التقليدي الذي يحوم حول قضايا التأثيرات، والتوازيات، ومظاهر التشابه بين الآداب، وتصور أنغلوفوني( أمريكي على وجه التحديد) يتحدث عن أزمة الأدب المقارن( روني ويلك في مؤتمر شابل هيل سنة 1958)،وموت الأدب المقارن  Death of a Discpline (غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك سنة 2003م)»[- سعيد أراق بن محمد، الأدب المقارن في ضوء التحليل النقدي للخطاب، دار أسامة للنشر والتوزيع ، الأردن عمان، نبلاء ناشرون وموزعون، الأردن- عمان، الطبعة الأولى، 2015، ص82، 83.]. وعليه رغم الانفتاح والتطور والتحول لم يتحرر الأدب المقارن من إيديولوجيته الصراعية، مما جعل الحديث متواصلا عن الأزمة مطلع القرن الواحد والعشرين؛ فنتج عن هذا خطاب يرفض الدراسات الثقافية التي أخرجت الأدب المقارن من مجاله وخصوصيته، ويؤسس لأدب مقارن جديد منفتح على قضايا تحليل الخطاب.  إن أزمة الأدب المقارن دفعت به إلى الانفتاح على دراسات ومناهج واستراتيجيات جديدة في القرن العشرين؛ فقد «انفتح الأدب المقارن على أسئلة جديدة تدخل تحت مظلة النقد الثقافي، والدراسات الثقافية، والدراسات ما بعد الكولونيالية، وتحليل الخطاب، مما أدى إلى إشراع باب المقارنية على باقي التخصصات الحيوية التي تستند إليها حاليا كل الأبحاث المرتبطة بمجال مقاربة الظاهرة الأدبية من حيث هي خطاب ذو عمق ثقافي وتاريخي، وذو دلالة إنسانية وفلسفية ورمزية موازية، بل هناك اليوم توجه نحو ما سمي "الأدب المقارن الجديد" The New Comparative Literature. وهذه التسمية هي التي عنون بها الموضوع الذي  تمحورت حوله أعمال المؤتمر الذي نظمته جامعة كاليفورنيا مابين 22و25 ماي 2000م . و"الأدب المقارن الجديد " المقصود هو النقد الثقافي المقارن الذي يتغذى من المرجعية التفكيكية، والنقد الثقافي، والدراسات ما بعد الثقافية»[- سعيد أراق بن محمد، الأدب المقارن في ضوء التحليل النقدي للخطاب، دار أسامة للنشر والتوزيع، الأردن عمان، نبلاء ناشرون وموزعون، الأردن- عمان، الطبعة الأولى، 2015، ص10-11.] وكان هذا الانفتاح في حقيقة الأمر نحو اتجاهين: 
1-تحليل الخطاب
      تم الاستفادة من مناهج تحليل الخطاب وإخراجها من حيِّز التطبيق على الأدب القومي الواحد إلى الاستفادة منها للمقارنة بين أدبين؛ ومن ذلك الانفتاح على نظرية التلقي واستثمار ما جاءت به مدرسة كونستونس الألمانية في دراسة تلقي النصوص في غير ثقافتها «فمن المهم أن يعرِف المرء كيف يُستقبل العمل الأدبي نقديا خارج مجتمعه وثقافته الأصليين. وعند دراسة هذه المسألة فإنه يُفاجأ بالفرق الكبير بين تلقي العمل الأدبي نقديا، أي شرحه وتفسيره، داخل ثقافته الأصلية، وبين تلقيه نقديا، أي فهمه، خارج تلك الثقافة. تقدم نظرية التلقي تفسيرا مقنعا لهذه الظاهرة...، إن دراسات التلقي النقدي هي ميدان خصب من ميادين الأدب المقارن، ونوع من الدراسات المقارنة التي ظهرت وتطورت نتيجة التفاعل المنتج الذي تم بين الأدب المقارن وبين نظرية التلقي الأدبي، وعموما فإن ذلك التفاعل كان مثمرا جدا، فقد أغنى الأدب المقارن وفتح له آفاقا ومجالات جديدة وزوده بأدوات ونظرية معاصرة، وخلصه من ثغرات نظرية كبيرة، وحرره من عبء مفاهيم بالية»[- عبده عبود، الأدب المقارن؛ مشكلات وآفاق، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص52،53.]. والدعوة ما تزال متواصلة منذ ستينيات القرن الماضي إلى مطلع القرن الواحد والعشرين للانفتاح على نظرية التلقي ونجد التشديد عليها عربيا عند عبده عبود وأحمد عبد العزيز.
     وقد انفتح الأدب المقارن أيضا على استراتيجية التناص؛ فالنصوص تتفاعل مع نصوص من خارج ثقافتها فيمكن الاستفادة من هذه الاستراتيجية للوقوف على التفاعل الحاصل بين نصوص من ثقافات مختلفة، بالإضافة إلى التقارب الحاصل بين الأدب المقارن والأسلوبية، والسيميائية والشعرية والتفكيكية، وهذا التقارب بين الأدب المقارن وتحليل الخطاب «يُبَيّن أن هناك قواسم مشتركة بينهما على مستوى الوظيفة والغاية والتصور، ويمكن التأكد من هذا التقارب من خلال مؤشر هام هو: المؤتمر الذي نظمته جامعة لوزان في سويسرا ما بين 6 و 8 ماي 2004م ، بإشراف جان ميشيل آدم، وكلود كالام (مدير أبحاث في المدرسة العليا للدراسات في مجال العلوم الاجتماعية)، وأوط هايدمان ( أستاذة الأدب المقارن في لوزان بسويسرا، وصاحبة أطروحة المقارنة الخلافية)، وذلك حول موضوع: "التحليل النصي والمقارَن للخطابات". .. كما أن التقارب بين تحليل الخطاب والأدب المقارن يظهر من خلال الأعمال المشتركة بين جان ميشيل آدم وأوط هايدمان، ومن ذلك كتابهما المشترك: "النصية والتناص في الحكايات»[- سعيد أراق بن محمد، الأدب المقارن في ضوء التحليل النقدي للخطاب، دار أسامة للنشر والتوزيع، الأردن عمان، نبلاء ناشرون وموزعون، الأردن- عمان، الطبعة الأولى، 2015، ص89.]. وهي جهود تُؤسّس لاتجاه يرفض بشدة موت الأدب المقارن أو تحوُّله إلى النقد الثقافي ويحافظ على خصوصيته- فهذا التحول يشكل عند بعض الدارسين أزمة جديدة، محاولين بذلك الحفاظ على مفهوم المقارنة والاعتماد على تحليل الخطاب للقيام بدراسة نقدية بعيدة عن الصراعات الإيديولوجية، منطلقها الأدب  وغايتها أدبية الأدب، ومن جهة أخرى ترى "سوزان باسنيت" أن حل الأزمة يكمن في الانفتاح على دراسات الترجمة؛ إذ «ينبغي علينا من الآن فصاعدا أن ننظر إلى دراسات الترجمة بوصفها الدراسة الأكاديمية الرئيسية وإلى الأدب المقارن بوصفه فرعا قيما من مجالات الدراسة بها»[- سوزان باسنيت ، الأدب المقارن مقدمة نقدية، ترجمة: أميرة حسن نويرة ، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 1999، ص181.]. فإن كانت البحوث المقارنة قد تراجعت فالعكس تماما مع الترجمة، إذ انتقلت من اعتبارها فنا إلى كونها علما له أسسه، ولكن الشعارات الداعية لضرورة الانفتاح والتطوير من الدرس المقارن غير كافية للخروج من الأزمة، فالأزمة أساسها إجرائي والرهان قائم على مقدرة الأدب المقارن على الاستفادة من هذه المناهج والاستراتيجيات القرائية تطبيقا على مستوى أدبين أو أكثر، والحق أن بحوث الأدب المقارن في إطار " دراسة الصورة" Imagologie والاستفادة فيها من التأويل ودراسة الفضاء والسيميائية ... لاقت إقبالا كبيرا ونتج عنها كما هائلا من الدراسات والبحوث التطبيقية  بعد دراسات التأثير والتأثر.
ب-     النقد الثقافي
      إن انغلقت الدراسات المقارنة في الغرب ووصلت إلى نهايتها،  فبحسب سوزان باسنيت «أن ما يسمى الأزمة لا ينطبق على علماء المقارنة من أفريقيا أو الهند أو الصين أو أمريكا اللاتينية لأنهم شيدوا دراسات الأدب المقارن فوق قاعدة إيديولوجية(عقائدية) مختلفة متخذين نقطة بدايتهم فكرة مجردة عن قيم جمالية عالمية تتعدى حدود الثقافات بل الاحتياجات المباشرة لثقافتهم ذاتها، ومن أهم هذه الاحتياجات التي يعبرون عنها جميعا هي الحاجة لإثراء لغتهم(أو لغاتهم) القومية وتطويرها»[- سوزان باسنيت ، الأدب المقارن مقدمة نقدية، ترجمة: أميرة حسن نويرة، المجلس الأعلى للثقافة،مصر، 1999، ص180.]. فالأدب المقارن في العالم الثالث يبدأ من الهامش إلى المركز يحتفي بالاختلاف ولا يمجد التشابه وأصبح الغرب هو المدروس في نظرته للآخر والأنساق التي تشتغل في مروياته، والعالم الثالث هو الدارس وهذا في سبعينيات القرن العشرين حيث شهد الأدب المقارن تحولا جذريا في موضوع الدراسة، والدارس، والمنطلق وذلك مع جيل من الباحثين في الجامعة الأمريكية ينحدرون من العالم الثالث كإدوارد سعيد وهومي بابا و جياتري سبيفاك، ففي دراستهم في الجامعة الأمريكية ومن خلال وضعهم البيني انتبهوا إلى النزعة المركزية في البحوث المقارنة؛ فـ«تحولوا ناحية النظرية الأدبية ودراسات المرأة وعلم الإشارات والسينما والدراسات الإعلامية بوصفها دراسات  تمثل تحديا للدراسات التقليدية، وترك هذا الجيل الأدب المقارن في أيدي من أصبحوا يعتبرون أكثر فأكثر كممثلين لنوع من الديناصورات ينتمي إلى عصر ليبرالي وإنساني من عصور ما قبل التاريخ...وبسبب ذلك التفضيل للأدب القومي والذي أثارت منهجيته استياء النقاد الإنجليز والأمريكيين فإن جذور الأدب المقارن قد تأصلت في أمم العالم الثالث وخاصة في الهند»[ -سوزان باسنيت ، الأدب المقارن مقدمة نقدية، ترجمة: أميرة حسن نويرة، المجلس الأعلى للثقافة،مصر، 1999، ص9.]. لرد الاعتبار لثقافاتهم المهمشة والاحتفاء بخصوصيتهم الثقافية ومصادرة البحوث المقارنة المشبعة بالكولونيالية فانطلقوا من نقد الآخر ثم تأسيس خطاب مقاوم وهذا ما يعرف بالدراسات الكولونيالية ومابعد الكولونيالية وهو أهم تحول شهده الأدب المقارن في القرن العشرين.
         إن كان الأدب المقارن قد مات في مفهومه التقليدي فقد ظهر في مفهوم النقد الثقافي، و«إذا كانت الدراسات ما بعد الكولونيالية قد ولدت في الولايات المتحدة الأمريكية، وراهنت على إخضاع الظاهرة الاستعمارية نفسها للمساءلة والتحليل، ورصد آثارها وتجلياتها، وردود أفعال آداب المستعمرين فإن فرنسا لم تتحمس كثيرا للدراسات ما بعد الكولونيالية، بل الأكثر من ذلك أن هناك مقاومة كبيرة لهذا الفرع المعرفي في الأوساط الجامعية الفرنسية، وربما لأن الدراسات ما بعد الكولونيالية تزعج الضمير الفرنسي، وتسائل جانبا كبيرا من تاريخه الكولونيالي الطويل، لذلك نلاحظ أن الأدب المقارن أضحى مجالا لتصفية حسابات بين تصورين متعارضين؛ تصور فرنسي يدعي أنه الأب الشرعي للدرس المقارن، ويريد الإبقاء على الأدب المقارن ضمن التصور التقليدي الذي يحوم حول قضايا التأثيرات، والتوازيات، ومظاهر التشابه بين الآداب، وتصور أنغلوفوني( أمريكي على وجه التحديد) يتحدث عن أزمة الأدب المقارن( روني ويلك في مؤتمر شابل هيل سنة 1958)،وموت الأدب المقارن  Death of a Discpline (غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك سنة 2003م)»[- سعيد أراق بن محمد، الأدب المقارن في ضوء التحليل النقدي للخطاب، دار أسامة للنشر والتوزيع ، الأردن عمان، نبلاء ناشرون وموزعون، الأردن- عمان، الطبعة الأولى، 2015، ص82، 83.]. وعليه رغم الانفتاح والتطور والتحول لم يتحرر الأدب المقارن من إيديولوجيته الصراعية، مما جعل الحديث متواصلا عن الأزمة مطلع القرن الواحد والعشرين؛ فنتج عن هذا خطاب يرفض الدراسات الثقافية التي أخرجت الأدب المقارن من مجاله وخصوصيته، ويؤسس لأدب مقارن جديد منفتح على قضايا تحليل الخطاب.

You have completed 100% of the lesson
100%