المحاضرة الثانية: جينالوجيا النقد الثقافي “النشأة والتطور”

إن تحديد نشأة النقد الثقافي يعتبر مسألة إشكالية حيث لا يمكن الوقوف عند تاريخ محدد أو مجال واضح انبثق منه هذا النشاط النقدي، وإن كان يرتبط ظهوره بمابعد الحداثة وما بعد البنوية في ستينات القرن العشرين إلا أن بداياته الأولى وجذوره ضاربة في عمق التخصصات والمجالات التي متح  منها( النظرية النقدية، والدراسات الثقافية، والدراسات الأدبية، العلوم الانسانية والاجتماعية) بل ذهب بعض النقاد إلى أن هذه الممارسة ظهرت منذ القرن 18 بظهور الانثربولوجيا[ - ينظر دليل الناقد الأدبي] وعليه فالحديث عن نشأة وتطورات النقد الثقافي لا يقف عند محطة واحدة بل لا بد من الحديث عن جينالوجيا النقد الثقافي وسنحاول في هذه المحاضرة الوقوف على أهم الدراسات والنظريات التي انبثق منها النقد الثقافي والمرتبطة بمجال تخصصنا:
أولا: ظهور المصطلح:
        إن الظهور الأول للنقد الثقافي كمصطلح جاء في مقالة  للمفكر الألماني " تيودور أدورنو" تعود إلى 1949 م عنوانها » النقد الثقافي والمجتمع « ، وفي هذا المقال قام "أدورنو" بربط النقد الثقافي بالبرجوازية الأوروبية ، ثم جاءت محاولة أخرى قام بها" يورغن هابرماس " " وذلك في كتاب مُميّز موسوم» المحافظون الجدد : النقد الثقافي والحوار التاريخي « غير أن "هابرماس" لم يحاول الخوض في النقد الثقافي أو على الأقل تعريفه واكتفى بما قاله "أدورنو" عن طبيعته، وتعتبر مدرسة فرانكفورت"النظرية النقدية" مرجعية مهمة من مرجعيات النقد الثقافي من خلال نقدها للرأسمالية وأشكال الهيمنة والتبعية التي أفرزتها وتفكيكها للإنسان الذي أضحى ذا بعد واحد على حد تعبير أحد روادها "هيربرت ماركوز" "[ - للتوسع في الموضوع ينظر نصيرة علاك، محاضرات في النقد الثقافي، ص 32،33]
   تعتبر هذه المحاولات بمثابة محاولات فلسفية لا تملك من نشاط النقد الثقافي إلا الاسم؛ والظهور الفعلي للنقد الثقافي لم يتحقق إلا "في النصف الثاني من القرن 20 حيث استفاد هذا النقد من البنيوية اللسانية والأنثروبولوجيا والتفكيكية، ونقد ما بعد البنيوية والحركة النسوية، ونقد الجنوسة وأطروحات ما بعد الحداثة، حيث شهد النقد تحولا كبيرا بفعل انهيار البنيوية:
     إن مصطلح النقد الثقافي لم يتبلور منهجيا إلا مع الناقد الأمريكي " فنست ليتش " الذي أصدر عام 1992 م كتابا بعنوان" النقد الثقافي: نظرية الأدب لما بعد البنيوية "،   وحدد وظيفته في إنعاش النقد المعاصر وتحريره من الاتجاه الشكلاني الذي قيد الممارسات النقدية وحصر نشاطها في نطاق الادب الرسمي والمؤسساتي، فجاء النقد الثقافي ليوسع من دائرة التحليل لتشمل كل الخطابات الثقافية سيما التي همشها الخطاب النقدي الحديث، يعتمد النقد الثقافي عند ليتش على التأويل التفكيكي ... بغية تحصيل الأنساق الثقافية استكشافا واستكناها "  ؛ ف " ليتش " ينظر إلى النقد الثقافي كمرادف لما بعد البنيوية، ويعود له الفضل في التأسيس لمشرع النقد الثقافي.

لقد أكملت 100% من الدرس
100%