ثانيا: من الأدب المقارن إلى النقد الثقافي

1-أزمة الأدب المقارن

 لقد أعلن الرواد الفرنسيون غايتهم من الدراسات المقارنة والمتمثلة في التقريب بين الشعوب والتعرف على الآخر ونشر القيم الإنسانية «فقد قام مفهوم الأدب المقارن- في صيغته "الطوباوية" بتعبير دانييل هنري باجو- على أساس تصور فلسفي متمثل في فكرة وحدة الروح الإنسانية، واشتراك الإنسان في مجموعة من الثوابت الثقافية والحضارية والإنسانية، وهذا الاشتراك في ما هو أصيل في الظاهرة الإنسانية هو الذي يتيح الحديث عن جوهر أدبي وإنساني متماثل في كل آداب الشعوب، وقد راهن المتحمسون للأدب المقارن على تجاوز الأحكام الجمالية النسبية، والتوجه بدل ذلك نحو بناء مقاربة تحليلية تأويلية للمشترك الأدبي الإنساني، أو ما سماه روني إيتيامبل وبعده أدريان مارينو بـ"الشعرية العالمية" La poétique universelle »[ - سعيد أراق بن محمد، الأدب المقارن في ضوء التحليل النقدي للخطاب، دار أسامة للنشر والتوزيع ، الأردن عمان، نبلاء ناشرون وموزعون، الأردن- عمان،الطبعة الأولى، 2015، ص9.]. لكن مبدأ القومية والنزعة المركزية أخرجا الدراسات المقارنة من إطارها العلمي إلى إطار إيديولوجي وإلى صراع بين الأنا والآخر، مما جعل الأدب المقارن شكلا من أشكال المركزية الغربية توازت مع الحملات الاستعمارية؛ إذ إن الأنساق التي تحكمت في البحوث المقارنة لفان تيجم، جان ماري كاريه، وغيرهم من المقارنين الفرنسيين دفعت بالبحوث إلى وجهة غيرَ التي تغيَّوها وكان المآل مناقضا تماما للمنطلق، إذ انتهى الأمر بهم عوض نشر القيم الإنسانية واحترام خصوصية الآخر والإيمان بالتبادل الثقافي بين الحضارات إلى تهميش أدب الآخر وجعل الأدب الأوروبي –الثقافة الأوروبية بشكل عام- نموذجا تقاس به آداب الشعوب الأخرى، فخلقت هذه الدراسات ثنائية صراعية المركز/ الهامش، ولهذه القضية تأثيرها المنهجي؛ إذ انحصرت البحوث في حيز ضيق؛ مقارنات بين الآداب الأوروبية الراقية، وبحوث إثبات فضل الأدب الأوروبي في إغناء آداب الأطراف ودخولها في مكونات هوية الآخر وبالمقابل تثبت هويتها الصافية.
       بناء عما سبق يمكن أن نحدِّد أزمة الأدب المقارن في وجهين: الوجه الأول يُفصِح عن أزمة منهجية "تحديد المنهج، المفهوم، المصطلح، الخصوصية" وقد وجدت صداها في مؤتمر الجمعية العالمية للأدب المقارن وتم الاجتهاد في حلِّها من خلال الاتجاه النقدي وحتى الاجتماعي وكذا في تطور الأدب المقارن وانفتاحه على قضايا مستحدثة في تحليل الخطاب، والوجه الثاني يفصح عن أزمة إيديولوجية بقيت متجذرة في الأدب المقارن القديم باتجاهاته – وإن شدَّد على خطورتها "روني إيتيامبل" من قلب الاتجاه التاريخي الفرنسي- إلى غاية سبعينات القرن العشرين، إذ إن«فكرة المركز هي الأساس الإيديولوجي الذي  تتأسس عليه الخطابات الغربية؛ ففي المقارنية الفرنسية كان الأدب المقارن محملا بإيديولوجيا المركز، وفي المقارنية الأمريكية لم يكن خطاب تأزيم الأدب المقارن إلا وجها  من أوجه تعزيز فكرة المركز، لكنه المركز النيوليبرالي الأمريكي الذي وعى بمركزيته بعد خروجه ظافرا من الحرب العالمية الثانية، وتسلمه زعامة العالم بعد تراجع الدور الاستراتيجي الأوروبي»[- سعيد أراق بن محمد، الأدب المقارن في ضوء التحليل النقدي للخطاب، دار أسامة للنشر والتوزيع، الأردن عمان، نبلاء ناشرون وموزعون، الأردن- عمان،الطبعة الأولى، 2015، ص264،265.]. 
      للخروج من إشكالية المنهج التاريخي المقارن طرحت الحلول وظهرت وجهات نظر مغايرة؛ ومنه ظهرت اتجاهات أخرى في الأدب المقارن تختلف من حيث مرجعيتها الفلسفية فتم الانتقال من السياق إلى النسق إلى تاريخ الأفكار، وترتب عن ذلك اختلاف في التعريف[- ترتب عن هذا تعدد الإجابات وتضاربها عند طرح سؤال ماهو الأدب المقارن؟ فتعدد مفاهيم مصطلح الأدب المقارن شكل من أشكال أزمته أيضا.] والوظيفة، والآليات الإجرائية، وشروط المقارنة، وطرحت إجابات مختلفة لأسئلة قديمة، ماذا نقارن؟ فمن البحث التاريخي عن سبل التأثير والتأثر في المدرسة الفرنسية إلى دراسة التوازي النقدية مع المدرسة الأمريكية إلى دراسة التشابهات التيبولوجية مع المدرسة السلافية، ولكن بقي المشترك بين اتجاهات الأدب المقارن هو عنصر المقارنة وتجاوز حدود الأدب القومي الواحد، ورغم اتساع رقعة المقارنة وتجاوزها للثنائية وحل مشكلة اللغة باشتراط الاختلاف الجغرافي والانفتاح على مجالات أخرى في الفن والعلوم الإنسانية، وتجاوز الحيثيات للاهتمام بأدبية الأدب ثم تاريخ الأفكار؛ إلا أن خطاب الأزمة «ظل قائما إلى أن بلغ درجته المأساوية القصوى حين أعلنت غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك موت الأدب المقارن، وذلك سنة 2003م . لكن ينبغي التنبيه في هذا الإطار إلى أن خطاب الأزمة هو الذي جعل الأدب المقارن يستأنف البحث عن نفسه من جديد بحثا عن احتلال موقع فاعل في حقل الدراسات الأدبية والتاريخ الأدبي»[- سعيد أراق بن محمد، الأدب المقارن في ضوء التحليل النقدي للخطاب، ص76.]. مما دفع به إلى الانفتاح والاستفادة من الدراسات المستحدثة في مجال تحليل الخطاب. 

Vous avez terminé 100 % de la leçon
100%