المحاضرة الأولى: النقد الثقافي؛ مفاهيم عامة

 يعتبر النقد الثقافي من بين الاستراتيجيات المعاصرة المابعد حداثية؛ وهو وليد سياقات ثقافية واجتماعية وابستيمولوجية وحضارية عدة، كما قد نهل من معين نظريات وفلسفات ومناهج من مختلف التخصصات ما يسمح بتحديده كـاستراتيجية قرائية عبر-تخصصية تعنى بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه، ماهو غير رسمي وغير مؤسساتي وما هو كذلك سواء بسواء، من حيث دور كل منهما في حساب المستهلك الثقافي الجمعي وهو إذا ليس معني بكشف الجمالي، كما هو شأن النقد الأدبي وإنما همه كشف المخبوء من تحت أقنعة البلاغي/ الجمالي[ - ينظر عبد الله الغذامي، النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، الدركز الثقافي العربي )الدار البيضاء(، 2005 ، ص 83، 84]ويعني هذا أن المقاربة الثقافية لا يهمها في النص تلك الأبنية الجمالية والفنية والمضامين المباشرة، بل ما يعنيها هو استكشاف الأنساق الثقافية المضمرة. وطرح أسئلة ثقافية جديدة، كسؤال النسق بدل سؤال النص، وسؤال المضمر بدل سؤال الدال، وسؤال الاستهلاك الجماهيري بدل سؤال النخبة المبدعة، وسؤال التأثير الذي ينصب على ثنائية المركز والهامش، أو ثنائية المؤسسة والمهمل، أو سؤال العمومي والخصوصي، أي رصد حيل الثقافة التي تمرر عبر أنساق النصوص والخطابات الجمالية والفنية والأدبية. ويعني هذا أن الخطاب حامل أنساق ثقافية مضمرة وغير واعية يتم الكشف عنها انطلاقا من بنية الخطاب ذاته، وعليه حدّد "فنسنت ليتش"3 خصائص للنقد الثقافي وهي: 
-يُولي اهتماما بالخطابات غير المؤسساتية، وكذا الخطابات غير الجمالية في المؤسسة، مثل الأدب الشعبي، أدب الهامش.......
-الاهتمام بأنظمة الخطاب وأنظمة الإفصاح النصوصي، ويتلخص ذلك في مقولة دريدا أن لا شيء خارج النص، وهي مقولة يصفها ليتش بأنها بمثابة البروتوكول للنقد الثقافي المابعد البنوي[ - عبد الله الغذّامي: النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية، ص 32]
-يستفيد من مناهج التحليل المعرفية، مثل تأويل النصوص ودراسة الخلفية التاريخية، إضافة إلى إفادته من الموقف الثقافي النقدي والتحليل المؤسساتي .
 
      وعليه لا يقتصر النقد الثقافي على تحليل النص الأدبي فقط؛ بل إنه يمثل انتقالا من النص إلى تحليل الخطابات المعرفية والثقافية والعلمية والسياسية والدينية، فبحسب آرثر آيزابرجر (بمقدور النقد الثقافي أن يشمل نظرية الأدب والجمال والنقد، وأيضا التفكير الفلسفي وتحليل الوسائط والنقد الثقافي الشعبي، وبمقدوره أيضا أن يفسر (نظريات ومجالات علم العلامات، ونظرية التحليل النفسي والنظرية الماركسية والنظرية الاجتماعية والانثربولوجية...إلخ) ودراسات الاتصال، وبحث في وسائل الإعلام، والوسائل الأخرى المتنوعة التي تميز المجتمع والثقافة المعاصرة(وحتى غير المعاصرة))[ - أرتر ايزابرجر: النقد الثقافي تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية، تر: وفاء ابراهيم، رمضان بسطاويس، المجلس الأعلى للثقافة )القاهرة( ، 2003
. ص 31] بغية الكشف عن الأنساق المضمرة المتحكمة في إنتاج الخطاب واستهلاكه وكيفية تأويله، مما وسع من منظومة مصطلحاته بعد أن أفاد كثيرا من الدراسات الثقافية وممارساتها لتحليل السلوك الثقافي بوصفه نشاطا إنسانيا ما سمح بتوصيف النقد الثقافي بأنه عبر تخصصي (بيني) أي عابر للحقول المعرفية وهذا لانفتاحه على مختلف التخصصات العلمية والحقول المعرفية، واستثماره لأهم طروحاتها، ونظرياتها، هذا إلى جانب إفادته من مناهج النقد الأدبي، آلياتها المنهجية والتطبيقية، ولعل أهم الحقول المعرفية والعلوم الإنسانية والاجتماعية التي متح منها النقد الثقافي:  (الحداثة وما بعد الحداثة، البنوية وما بعدها، التفكيكية، النيتشوية، الفرويدية، ميشال فوكو، مدرسة فرانكفورت، نظرية الأدب، الأدب المقارن، الماركسية، الأنثروبولوجيا، التاريخية الجديدة، النقد النسوي.)     لدراسة مواضيع مختلفة متعلقة بعلاقة الثقافة بالسلطة والسياسة، الجندر، الآخرية/ الغيرية، الهيمنة/ المقاومة الثقافية، العرق والهويات المهمشة، والمواضيع المرفوضة، والممنوعة في الأوساط الأكاديمية كما ينكب على الأعراف والنشاطات الثقافية غير المقبولة مؤسساتيا، وبهذا تتحول ثقافة الهامش إلى ثقافة المركز.  ويمكن إجمال قضاياه في (الدراسات الكولونيالية وما بعدها، الذات، الآخر، قضايا الهوية – الهجنة، الاغتراب، الهوية الثقافية، المنفى بأنواعه- ، قضايا المرأة، الزنوجة) 

لقد أكملت 100% من الدرس
100%