موضوع الغيرية ( صورة الآخر( المستعمَر) في رواية الغريب لألبير كامو

للوقوف على تيمة الغيرية(الأنا والآخر ) في الأدب اخترنا تحليل رواية الغريب؛ باعتبارها نموذجا بارزا يعكس تصوير الأنا المستعمِرة للآخر المستعمَر .

    تعتبر رواية الغريب للروائي الفرنسي ألبير كامو تجليا قويا لمفهوم الغيرية، خاصة في سياق "الاستعمارالفرنسي " و تمثيله الثقافي للهوية الجزائرية ، فما طبيعة العلاقة بين الأنا والآخر؟  

السياق التاريخي و الاجتماعي لأحداث الرواية: تدور احداث "الغريب" في الجزائر في فترة الاستعمار الفرنسي، حيث تمثل شخصية مورسو بطل الرواية شخصا غريبا في مجتمع يسوده التفاوت الطبقي والعرقي، يظهر مورسو كغريب عن ذاته وعن محيطه، وهذا الاغتراب يتجلى في علاقته مع الاخرين، سواء في علاقته مع أفراد مجتمعه الفرنسي أو مع السكان المحليين الجزائريين.

صورة الأنا (المستعمِر) والآخر المستعمَر من خلال وصف الشخصيات الروائية:

مورسو: بطل الرواية، يعبر عن حالة اللامبالاة اتجاه المجتمع والنظام الاجتماعي الدي يعيش فيه، هو شخص ينتقل عبر الحياة بدون أن ينخرط في القيم الاجتماعية التي تحددها الثقافة الاستعمارية، مما يجعله يبدو غريبا عن المجتمع الفرنسي و كذلك عن المجتمع الجزائري .

ـ عندما يقوم مورسو بقتل شخص جزائري ( وهو حدث محوري في الرواية ) ، يعزز التصوير الاجتماعي للآخر في النص، رغم  ان مورسو لا يظهر أي عاطفة اتجاه الفعل؛ فإن الاخر الجزائري في الرواية ينظر إليه من خلال عدسة الاستعمار الفرنسي على أنه "الآخر" ، بعيدا عن الانسانية أو الفهم العميق .

     النص يعكس صراعا بين الذات الاستعمارية (الفرنسية) و الاخر (الجزائري)؛ حيث يعتبر الاخير مجرد كائن مادي أو مجرد موضوع يتعامل معه الاستعماريون الفرنسيون بشكل غير انساني، على الرغم من أن مورسو نفسه ليس مستعمرا فرنسيا نموذجيا، إلا أن أنساق الثقافة الكولونيالية الفرنسية قد تغلغلت في الرواية؛ فنظرة المجتمع الفرنسي الى الجزائريين لا تخرج عن سردية "الشرق المليء بالكائنات التي لا تُفهَم وبالتالي لا يُعترف بها بالكامل" .

3ـ  التمثيل الثقافي للآخر (المستعمر):

    الرواية تلعب دورا مهما في كشف كيفية إنشاء الاخرية في سياق الاستعمار؛ حيث يُستخدَم الجزائريون لتمثيل اللامعرفية و العدوانية الثقافية من قبل الاستعمار الفرنسي، و بذلك تقدم رواية "الغريب" دراسة معقدة عن كيفية تمثيل الآخر في سياق الاستعمار، و كيف يتم التعامل مع هذه "الغيرية" باعتبارها شيء غريب أو غير إنساني .

    في الرواية يعتبر الجزائريون مجرد خلفية لاحتياجات الشخصية الرئيسية (مورسو) هذا التهميش يمثل الغيرية الثقافية و العرقية التي كانت سائدة في الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي، المجتمع الفرنسي في الرواية يعامل الجزائريين ك"آخر" لا يتسم بالانسانية أو الفهم  العاطفي ويستخدم هذا التمييز بين الذات الفرنسية و الاخر .

الأنساق المضمرة والموجِهة لتصوير الآخر المستعمَر

    رواية الغريب لألبير كامو تقدم مثالا قويا للغيرية في إطار صورة المستعمَر في لاشعور الكولونيالي للمستعمِر؛ من خلال تمثيل الشخصية مورسو كغريب عن مجتمعه ، و علاقته بالاخر الجزائري الذي ينظر اليه ككائن مختلف او غير ذي قيمة في السياق الاستعماري، بهيمي غير محدد الهوية يوصف بضمائر الجمع وبمنطق "الحشود"، فلم يخرُج بالتالي عن الصورة النمطية التي نسجها الغرب حول الشرق.

    في الرواية نسق مضمر ينسخ النسق المعلن، ومؤلِف مضمر له رؤية وإيديولجية تختلف عن رؤية المؤلف الظاهر المتمثل في شخص الروائي؛ فالنسق الظاهر هو أن العمل رواية فلسفية تعبر عن رؤى الكاتب العبثية والوجودية، دلالتها الضمنية تحيل إلى علاقة الروائي بـ"أمه فرنسا" وتم الترميز لها بموت الأم في الرواية؛ بيد أن اللاشعور الكولونيالي كان له سطوته في تصوير العلاقة بين الأنا المستعمِر والآخر المستعمَر، التي بدت من خلال عدة قرائن (وصف الشخصيات، الضمائر، ..) مشحونة بالغل والاحتقار والتعالي، ولا يخرج هذا عن تصوير الشرق في مخيال الغرب، وعليه تضمر الرواية أنساق كولونيالية مفعمة بالاستعباد والاستبعاد عكست صورة الآخر (الثقافة الغربية) للأنا المستعمَرة. وبذلك جاءت الدلالة النسقية المضمرة ناسخة للدلالة الأدبية الظاهرة.

    من خلال هذا التمثيل، يتضح كيف يتم تشكيل الهوية على حساب الاخر و كيف يمكن للغيرية أن تكون أداة لتبرير الهيمنة والاستعمار.

You have completed 0% of the lesson
0%