- Dashboard
- نقد ثقافي2026m2
- دروس الأعمال الموجهة/ ف1, 2 د.بن خاوة
- مواضيع النقد الثقافي: النظرية مابعد الكولونيالية
مواضيع النقد الثقافي: النظرية مابعد الكولونيالية
النظرية مابعد الكولونيالية

2- 3 نموذج تطبيقي: مصادرة رواية موسم الهجرة إلى الشمال رواية قلب الظلام
نموذج تطبيقي: مصادرة رواية موسم الهجرة إلى الشمال رواية قلب الظلام
استراتيجية المصادرة : قراءة خطابات الآخر حول الأنا والرد عليها بكتابات مضادة و«المصادرة تعني الكتابة على منوال نموذج غربي و لكن بهدف آخر مختلف...أي الرد بالطريقة نفسها إذا جاز لنا القول وإنطاق و إسماع صوت المقموعين في النص الروائي الأوروبي» وهي تلك السرديات الصغرى التي كتبها الأفارقة والعرب والهنود ردا على السرديات الكبرى
- موسم الهجرة إلى الشمال للروائي السوداني الطيب صالح.
تصادر هذه الرواية ما بعد الكولونيالية العديد من الروايات الاستعمارية وعلى الخصوص رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد، وهي خطاب مضاد ردت فيه الأطراف على المراكز، والطيب صالح من الأدباء العرب الذين «حاولوا الإطاحة بالتمركز الغربي حول الذات من خلال تفكيك خطابه، ظهرت عدة روايات عربية تتجه مباشرة إلى نقد الأنساق السياسية والثقافية المهيمنة على المجتمعات العربية» . أراد الهامش أن يكون البطل هذه المرة وأن يعبر عن ذاته وعن علاقته مع الآخر وعن الجرم الاستعماري من منظوره هو ويحتفي بهويته مثلما هو في عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم، خماسية الملح لعبد الرحمان المنيف، الربيع والخريف لحنا مينة، قطعة من أوروبا لرضوى عاشور، تيميمون لرشيد بوجدرة، مورسو التحقيق المضاد لكمال داوود...
يروي هذا العمل حياة البطل مصطفى سعيد ولاسيما اصطدامه بالآخر ومغامراته في الشمال، ذلك الطفل الذي نشأ يتيم الأب كان له الحظ في الدراسة فأبهر العالم الغربي بعبقريته، ارتحل من السودان إلى القاهرة إلى لندن، وارتقى من منصب إلى منصب بعقله الثاقب الحاد كالمدية –على حد قوله- حتى أصبح ذا مكانة مرموقة في الغرب؛ كاتب و رسام أستاذ جامعي مختص في الاقتصاد، ذلك الاقتصاد الذي بناه الغرب من خيرات المستعمرات، سحر مصطفى سعيد نساء الغرب فتكالبن عليه، وانتقم من المستعمِر من خلالهن عندما كان يعاشرهن بسادية؛ فمنهن من انتحرت، ومنهن من قام بقتلها؛ فقد قتل زوجته (جين موريس) في غرفته الشرقية بعد أن قامت بتخريب معالم هويته وأصالته في تلك الغرفة فما كان منه إلا أن ينتقم لهويته، وعلى إثر ذلك زُجَّ به في السجن سبع سنوات، ليعود قافلا إلى السودان تاركا وراءه ذلك المجد التليد ليعيش في قرية فلاحية تزوَّج فيها وأنجب ولدين؛ فأصبح من أهلها، يشاركهم الأفراح والأقراح إلى أن مات بعد خمس سنوات في فيضان النيل بعد أن أودع سره عند الراوي المثقف الذي يأسف على حال السودان وتخلفه وانبهاره بالغرب.
الطيب صالح أطلق العنان لمصطفى سعيد كي يغزو الغرب بعقله الحاد كالمدية، بفحولته، وبزنجيته، ورائحة الصندل، بدأت رحلته و غزوه المضاد تحت إبطَي مسز روبنسون الذي احتضنته كوليد لها؛ إذ خرج من السودان غضًا طرِيا بمشاعره الأوديبية ليرتمي في أحضانها فتكون أول نسائه المشتهاة، بعد أن كان الشرق في الأدبيات الكولونيالية امرأة مشتهاة لابد أن يتم إخصابها من قبل الغرب أصبح في هذه الرواية المضادة رجلا فحلا يغوي الغرب بمناخه الاستوائي، بصحرائه، ببخوره، بشفتيه القرمزيتين، وهذا ما جعل مصطفى سعيد يقيم علاقات جنسية مع المرأة البيضاء، إلى جانب أنه اتخذ من عقله وذكائه سلاحا أشهره في وجه الغرب فكان لا ينفك من ترديد عبارة «كان عقلي كأنه مدية حادة» . وبفحولته «كان يقول سأحرر إفريقيا بـ......ي،لقد جئتكم غازيا» . شغل منصب رئيس جمعية الكفاح لتحرير أفريقيا، ألف اقتصاد الاستعمار، الاستعمار والاحتكار،الصليب و البارود، اغتصاب أفريقيا وهذه العناوين تنم عن روحه النضالية والمقاومة التي دفعته إلى الهجرة إلى الشمال غازيا، وهو«جنوب يحن إلى الشمال و الصقيع» .
ظل مصطفى سعيد متمسكا بهويته معتزا بجذوره الاستوائية وبطينته الصحراوية الجافة إدراكا منه أن الغرب ضحية سحر الشرق وأن الغرب مولع بمناخه الحار المشمس، بسواده، بأدبه، بعاداته، بتراثه فكان كل هذا سحرا يوقع الغرب في شباكه، والشائع في الأدبيات الكولونيالية أن الغرب يحتقر الآخر لسواده ودونيته ولطقوسه الجنسية ولهويته فقامت هذه الرواية بالكشف عن حقيقة مغايرة تماما لذلك، ومصطفى سعيد لا يرمز لشيئ واحد إنها شخصية مركبة؛ فهل هو غازٍ أم مغزو؟ هل هو ظالم أم مظلوم؟ هل هو فاعل أم مفعول به؟ هكذا تبقى هذه الشخصية محاطة بتساؤلات عدة، أما الراوي فلم يكن كذلك إذ ارتحل إلى الغرب وعاد دون أن يتوه في متاهات ذلك التمدن المخادع ولم يجد في الغرب تلك السردية الموهومة التي نسجها الغرب حول نفسه، ويظهر ذلك حين تناوله أهل القرية بالسؤال عن الغرب فأراد أن يصرخ مجيبا إنه«مثلنا تماما، يولدون و يموتون وفي الرحلة من المهد إلى اللحد يحملون أحلاما بعضها يصدق وبعضها يخيب يخافون من المجهول، وينشدون الحب، و يبحثون عن الطمأنينة في الزوج والولد ،فيهم أقوياء، وبينهم مستضعفون، بعضهم أعطته الحياة أكثر مما يستحق، وبعضهم حرمته الحياة...» . ومنه نجد الرواية شديدة التعقيد صعبة التأويل والتحليل والأصعب أن نستخلص المحطات التي صادر من خلالها قلب الظلام لأنها رواية لا ترد فقط على كونراد ولا على الخطاب الكولونيالي و لكنها تحلل الأنا قبل الآخر، تنتقد مساوءه قبل مساوئ غيره فما هي العوالم التي طرقها صالح في هذه الرواية؟.
• الجنس و المرأة في رواية موسم الهجرة :
تم حظر رواية موسم الهجرة و منع صدورها في السودان في مرحلة معينة لأنها اخترقت ستار الحياء ودخلت عالم الجنس بتهتك مفضوح، وكأن الرواية قصة جنسية، فيكون الجنس هو العلاقة الوحيدة من علاقات مصطفى سعيد التي يصفها الكاتب، وحتى المسامرات لا تدور إلا حول مغامرات ود الريس و بنت مجذوب الجنسية بوصف فاحش، كان استحضاره أمرا مبالغا فيه لكنه كان رمزا للاستعمار المضاد «فهو المثقف الشرقي الذي يريد الانتقام لعنته الثقافية بفحولته كذكر» . واتخذ من غرفته الشرقية مسرحا للغزو والانتصار والانتقام، حيث كانت غرفة مصطفى سعيد مقبرة على حد قوله وكانت أرض المعركة وكانت صورة صغرى للشرق بأثاثه وطقوسه، فنقل الشرق إلى الغرب كما نقل الغرب إلى الشرق فيما بعد عندما عاد إلى السودان، كانت علاقاته الجنسية عمليات عسكرية انتقامية «يزداد وتر القوس توترا، مرمى السهم،غرفة نومي صارت ساحة حرب، كأنني أمتطي صهوة نشيد عسكري بروسي،أخوض المعركة بالقوس والسيف والرمح و النشاب» . ذلك و«أنا صحراء الظمأ متاهة الرغائب الجنونية» .
الشخصيات النسائية في الرواية:
مسز روبنسون: اعتبرته كولد لها حيث لم تكن تتردّد في أخذه بين أحضانها، كانت أول نسائه المشتهاة ،تكتنفه الرغبة الجنسية وهو ملتصق بصدرها وهو ابن 12 سنة، وتشكل هي وزوجها صورة عن الغرب الإنساني المتواضع العقلاني، فزوجها كان مستشرقا انتهى به الأمر إلى اعتناق الإسلام.
آن همند: ابنة ضابط وأمها من العائلات الثرية تدرس اللغات الشرقية وهي مأخوذة بالشرق وببيئته ومناخه ولغته وعاداته فـ«كانت صيدا سهلا» . عشقته حد الجنون تذوب تتيما عند دخول غرفة نومه، ولم تكن تعلم أنه كان يقول «غرفة نومي مقبرة» . فكانت رمز الغرب المسحور بالشرق وبخيرات الشرق الراكض وراءها؛ وراء عاجها وتمرها ونفطها وشمسها وصحرائها إلى أن يقتل نفسه بين رمالها، كانت آن همند مأخوذة بمصطفى الذي جعلته سيدها أبا نواس وكانت هي جاريته سوسن، وعليه فـ« نسوة الطيب صالح اللائي التقاهن مصطفى سعيد واقعات تحت سطوة الفكر الاستشراقي بل يمثلن نموذجا للإنسان الشرقي أي الرجل/المرأة اللذان صنعتهما المؤسسة الاستشراقية بامتياز، فانظروا إلى المآل الذي قادت إليه هذه النظرة و هو ما يشكل في نظري نقدا لاذعا وجميلا في نفس الوقت للاستشراق الاستعماري، و دعوة لإعادة النظر في مسلماته الفكرية و آليات عمله»
إيزابيلا سيمور: امرأة في الأربعينيات متزوجة تمكن من الاستحواذ عليها وعرّفها على نفسه باسم أمين حسن، أجل كان يتخذ في كل علاقة هوية واسما( حسن،تشارلز، رتشارد...)، أراد أن يؤكد من خلالها على رغبته في الاستحواذ على كل ما يمتلكه الغرب وأنه قادر على أن يغرز سهامه في جميع الأجساد، فهل ميز الاستعمار بين طفلنا وشيخنا، بين نسائنا ورجالنا؟ كذلك الأمر مع شيلاغرينود و هي خادمة في مطعم، أهلها قرويون، وإن كان قد أغرى آن همند بسحر الشرق فقد أغرى هذه بممتلكات وخيرات الشرق ففتنها بالهدايا وبالغزل حتى أبعدها عن خطيبها ومن خلالها تطرق إلى علاقة الشرق بالغرب في الأندلس.
جين موريس: وهي الشخصية الأهم والرمز الأعمق، حيث ترمز هذه الشخصية إلى الغرب المتعجرف المتمنع المتسلط الذي يزدري الشرق ويحتقره ويقرف من سواده وعاداته؛ إنها عكس آن همند لذلك نجده أكثر من مرة يسرد أحداثَ لقائهما في حجرة مصطفى، تقوم جين بالتهجم على آن همند لتخرج منهزمة باكية ويركض سعيد وراء موريس لعله يحظى بها ولكن لا تمنحه إلا الخيبة والهزيمة والدمار، علاقة مصطفى بجين موريس علاقة عنيفة عدوانية، إذ تأبى جين أن تسلم نفسها له وهي رمز للغرب المتعالي الذي دمر هوية الشرق، كانت في كل مرة تشترط عليه أن يعطيها شيئا من ممتلكاته ونفائسه الشرقية المزهرية، السجاد... فتقوم بتخريبها أمام ناظريه، كان الصراع بينهما محتدا، ركض وراءها كثيرا حتى جعلته يتزوجها باستهتار لكي تزيد ألمه وشهوته، كان الشجار محتدما بينهم، كانت مثل الشيطان يثير الغرائز، يخلق الفتن ثم يفر فـ«لم تكن هناك طريقة لامتلاك جين موريس غير اغتيالها، مثلما لا يلتقي الفلك فلكا آخرا إلا ليفجره فجين موريس كانت عالما و مصطفى سعيد كان عالما، و لم يكن بين هذين العالمين من سبب غير الصراع وغير العنف» . وجاء اليوم الذي يئس فيه منها ومل من الركض وراءها، فعاد ليجدها منتظرة إياه بشوق وبلهفة وانتهى اللقاء بقتلها فانتقم للشرق؛ فمثلما أن الغرب لا يستحوذ على مستعمراته إلا بالسلاح والهمجية والعنف والقتل متلذذا بذلك، كذلك فعل مصطفى سعيد ليمتلكها قتلها رغم شغفه بها وبمجرد أن سلمت نفسها له، ولم يندم على جريمته و لم يجزع من محاكمته.
حوكم مصطفى في الأولد بيلي على مقتلها وعلى انتحار همند، غرينود، سيمور والغريب أن الكل أراد تبرئته؛ إذ نفى ذوو المنتحرات علاقة مصطفى بمقتلهن «بمعنى أن هؤلاء الأهل الآخر يرفضون أن يكون ذلك الزنجي سبب موت بناتهم ففي ذلك اعتراف ضمني بقوته و سيطرته» . و مهما يكن من أمر فمصطفى لم يجزع لذلك بل أراد نيل شرف مقتلهن حيث يقول«وخطر لي أن أقف وأقول لهم: (هذا زور و تلفيق، قتلتهما أنا، أنا صحراء الظمأ، أنا لست عطيلا، أنا أكذوبة، لماذا لا تحكمون بشنقي فتقتلون الأكذوبة» . وقد كان قبل خوض غمار هذه المعركة على علم مسبق بمصيره؛ إذ يقول «أنا الغازي الذي جاء من الجنوب و هذا هو ميدان المعركة الجليدي الذي لن أعود من ناجيا» . وبعد انتهاء مدة سجنه عاد إلى السودان ليكون حاله كحال الجنرالات والغزاة يجدون أنفسهم في فراغ ويعيشون أسرى لماضيهم الاستعماري البطولي وفي حنين إلى مستعمراتهم فـ«إذا كان مصطفى سعيد يرد على الاستعمار بغزو مضاد من خلال انتهاك أجساد النساء الانجليزيات و عبر الكتابة عن اقتصاد الاستعمار، فإن حل الإشكالية الاستعمارية يتمثل في لعبة التطهير التي يقوم بها الراوي بإعادته تمثيل الرحلة إلى الشمال رمزيا في الفصل الأخير من الرواية» .
• موسم الهجرة إلى الشمال رواية مضادة لرواية قلب الظلام
لنبدأ من أهم مكونات العمل الروائي و هو الزمن، وُلد مصطفى سعيد في 16 أغسطس 1898، وهي السنة التي صدرت فيها رواية قلب الظلام، وهو العام الذي انهزم فيه جيش الدولة المهدية من قبل القائد الانجليزي كتشنر وتم إعادة احتلال السودان ، ولكن الرواية لم تستسلم وواصلت عملية المقاومة وهذه المرة بإرسال غازٍ إلى الشمال و سيحارب كونراد كما يحارب كتشنر وسيغرس الفأس في رأس الجبل (حين جيء لكتشنر بمحمود ود أحمد وهو يرسف في الأغلال بعد أن هزمه في موقعة انبرا قال له:( لماذا جئت بلدي تخرب و تنهب؟) الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الأرض، و صاحب الأرض طأطأ رأسه و لم يقل شيئا، فليكن أيضا ذلك شأني معهم) . ومثلما أن كونراد المتمثل في مارلو قد اشمأز من السكان الأصليين وقد كتموا على أنفاسه وهو لا يعدو أن يكون غازٍ مستبد أراد صالح أن يكتم على أنفاسهم ويقلق راحتهم ويجعل مصطفى سعيد يصول ويجول في انجلترا وكأنها أرضه التي جاءها مستعمرا. فمثلما نزل الغرب الاستعماري إلى إفريقيا (كارتز ،مارلو....) صعد مصطفى سعيد إلى الشمال غازيا، وبهذا تمثل الرواية(علامة شديدة المعارضة لرواية قلب الظلام و بطريقة شيقة يعكس صالح رحلة كونراد إلى إفريقيا برحلته هو إلى انجلترا، فعملية العكس هذه قائمة في الرواية بطريقة توحي لنا بأنها عملية مقصودة و سردية متصارعة مع سردية سابقة) .
انجلترا انجلترا
↓ ↑
إفريقيا إفريقيا
لقد صعد مصطفى سعيد إلى الشمال غازيا كما نزل كارتز إلى إفريقيا مستعمرا، ومارلو يروي حكاية كارتز على قارب نيللي بعد رجوعه من قلب الظلام، في حين راوي موسم الهجرة يحكي حكايته بعد نزوله إلى الجنوب أين التقى بمصطفى سعيد؛ فشخصية مصطفى سعيد تقابل شخصية كارتز؛ إذ كلاهما يعاني من الظلام الذي دمر روحهما وحطم إنسانيتهما؛ فكل من الراوي ومارلو قد غاص في ذلك الظلام وفي ذاتيهما، الاثنان يعبران عن انعكاس الاستعمار على المستعمر (كارتز/مصطفى مجازا) وعلى المستعمَر (مصطفى)، فمثلما برَّر كونراد قسوة وبطش بطله بسحر العاج وطبيعة الجنوب وعيشه وسط الوحوش؛ جعل صالح من جين موريس رمز أوروبا المركزية وحضارتها السبب في قتل مصطفى لها، كما قد رد على لامبالاة بطل قلب الظلام بجعل سعيد مستهترا في علاقاته لا يهتم بمحاكمته (فعله في الشمال على هذا الصعيد، يوازي فعل كارتز على ضفة نهر الكونغو في الجنوب حيث زرع الاثنان الموت في معركتيهما المتعاكستين) .
يلتقي الساردان في نقاط و يختلفان في أخرى فكلاهما لم يستلطف البطل، وانجلترا لم تغيِّر الراوي وعاد ليفضح حقيقة الغرب ويفكك صورته التي رسختها الكولونيالية في، الشرق مثلما أن مارلو قفل عائدا إلى انجلترا وأبى التورط في الجنوب فرارا من الظلام والرعب، و كلاهما تُرك على عاتقه مسؤولية(خطيبة كارتز بالنسبة لمارلو) و(حسنى والأولاد بالنسبة لراوي الموسم).
هناك أيضا ثنائية المركب والنهر (مركب نيللي ونهر التايمز) في رواية كونراد يمثل الأول وسيلة للاستعمار أما الثاني فهو من روافده ومثل كونراد النهر على أنه مقرف مظلم لنجد الراوي هناك يقف متأملا في القوارب التي تحضر البضائع فيتذكر كم أتتهم بغزاة ومستبدين عبر هذا النهر نهر النيل العذب النقي الجميل على غرار كل أنهار إفريقيا.
نجد كونراد قد استحضر غزو الرومان أجدادهم هذه الأرض الإفريقية التي يستعمرونها هم بدورهم الآن، فاستعمل ضمير الغائب وكأن أجدادهم شيء وهم شيء آخر و أن استعمارهم إنساني على عكس غزو أجدادهم؛ فردَ على ذلك صالح وتكلم عن أجداده المستعمَرين وعن أرضه بضمير المتكلم، فأراد بذلك أن يقول أن الذاكرة الجماعية لا تُنسى ولاتمحى، وأن الأرض شاهد على الرومان وعلى كيتشنر«إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة وقعقعة سنابك خيل اللمبي وهي تطأ أرض القدس البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز وسكك الحديد أنشئت أصلا لنقل الجنود» . بالإضافة إلى أن مصطفى سعيد صعد إلى الشمال غازيا ولم يستعمل مصطلح "الاستعمار"لأنه لايدعي إعماره، ليعبّر بذلك عن نية الاستعمار الحقيقية.
إن عنصرية كونراد الفجة لم تجرِّد صالح من إنسانيته فقد قام بتشخيص متناهي الدقة ووصف عميق لشخصيات الآخر مهما كانت حتى الجد ثانوية منها، وعلى كثرة معشوقات مصطفى الرامزة للآخر العدو قد حدد سماتها ووصفها بالتدقيق فإذا(كان كونراد يشير إلى الآخر في صيغة العموم وبضمير الجمع فلم يشخصه و لم يصفه كفرد إمعانا منه في تجاهله فإن صالح كان أكثر إنسانية في رواية موسم الهجرة التي شخصت الآخر ورسمت ملامحه بكثير من التفاصيل و التلوينات معترفة بوجوده و خصوصيته و حضوره) . فكونراد لا يحدد إلا هوية الأنا وأحيانا حتى الأنا ينظر إليها باستهتار، ولم يقع في هذا صالح إلا بالتساؤل على لسان مصطفى سعيد من هذه الأنثى؟ ويمكن تلخيص هذه المصادرة في التقابلات الآتية:

