المحور الأول : مدخل لمنهجية البحث العلمي / الموضوع الثالث : مقومات البحث العلمي
مقوّمات البحث العلمي:
مقوّمات البحث العلمي هي ما يقوم به البحث ، أركانه التي لا استغناء عنها ، منها ما تعلّق بالبحث نفسه و منها ما تعلق بالباحث ، و تتمثّل تلك المتعلقة بالبحث أساسا في تحديد مشكلة البحث و أهدافه ، واتباع المنهجية العلمية ثم الوصول إلى نتائج ؛ فإذا غابت المشكلة التي تتطلب البحث و لم تكن له أهداف ، و لم تتبع فيه الطريقة العلمية الصحيحة ، فلا اعتبار بنتائجه و لا يعدّ بحثا علميّا ، و نفصّلها كالآتي بعد عرض المقومات المتعلقة بالباحث و هي إجمالا ؛
التمتع بالكفاءة و التحكم في منهجية البحث العلمي
مهارات التحليل و الملاحظة و الدقة و النقد و شغف الاستطلاع و المعرفة و سعة الأفق و الخيال العلمي
مهارات استخدام المراجع و التحكم في اللغة و بعض المعارف و العلوم كالإعلام الآلي
الصبر و المثابرة و الأمانة العلمية و النزاهة و التواضع و غيرها مما يزيد من مصداقية البحث و قيمته العلمية .
أوّلا . تحديد المشكلة ( و منه ضبط الإشكالية) :
مشكلة البحث هي النقطة و المسألة الأصلية التي أثارت فضول الباحث للبحث في موضوع معين ، و منه ترتبط ارتباطا وثيقا باختيار الموضوع كما يأتي بيانه لاحقا .
تكون المشكلة في بداية الأمر عبارة عن فكرة عامة ، فيؤدّي تفكير الباحث فيها إلى تحديد معالمها بدقّة و كذا مكوناتها و المسائل التي تثيرها ، مما يسمح له بضبط إشكالية البحث .
الإشكالية في العلوم القانونية :
تعريفها :
الإشكالية نقطة قانونية تثير التساؤل و تدعو للبحث ، فهي ليست سؤالا و لا يمكن الإجابة عليها إلا بعد الدراسة و التحليل باتّباع المنهجية العلمية الصحيحة.
و هي صياغة ثانية لعنوان البحث ، تعبّر عنه و تختزل عناصره ، و هي نتيجة مقدّمة البحث بعد التعريف بموضوعه و بيان أهميته و المرور شرحا عبر مختلف الجوانب التي يمسها و النقاط التي يثيرها .
أنواعها :
قد تكون الإشكالية بسيطة تعالج نقطة جوهرية واحدة، و قد تكون مركّبة تشمل نقطتين فأكثر يكمّل بعضها بعضا تخدم كلها التساؤل الجوهري للبحث ، و ليست تجميعا لعدّة أسئلة فرعية .
تتنوع الإشكالية أيضا إلى إشكالية تصاغ في شكل تساؤل يشمل كل جوانب البحث و غايته، و إلى إشكاليّة تصاغ في أسلوب إنشائي، بعرض أهمّ العناصر و مختلف العناصر التي تمثّل مشكلة البحث.
ضوابط صياغة الإشكاليّة :
التعبير عن موضوع البحث،
الشمولية ، بحيث تشمل كل عناصر الموضوع المثيرة للتساؤل ، و لا تجزّأ إلى تساؤلات فرعية كثيرة أو متعدّدة تفقدها جوهرها ،
عدم احتوائها أو إيحائها بالإجابة، فهو مخالف لطبيعتها و هدفها.
عدم تعلّقها بمسائل يستحيل الإجابة عليها أو تنتفي الفائدة من البحث فيها
سلامة اللغة و الأسلوب، الضبط و الدقة و الإيجاز، الوضوح و الحياد
الفرضيّات :
هي إجابات محتملة تعرض و تصاغ في أسلوب خبري لا استفهامي ، تعرض كإجابات أوّلية غير أكيدة ، هدفها ضبط حدود و مسار البحث ، تنبثق عن إشكاليّته و لا تقدّم أية نتيجة مسبقا ، و هي غير واجبة في البحث ، يجوز ألّا يتضمّنها .
ثانيا . اتباع المنهجية العلمية :
يقتضي اتباع المنهجية العلمية أمرين :
الأول ، اتباع الأسلوب العلمي و الطرق المنهجية المتضمنة في هذا المقرر في جميع مراحل البحث العلمي .
الثاني ، استخدام مناهج البحث العلمي في بلورة الإجابة على الإشكالية خلال جميع مراحل البحث من وصف و تحقيق و تحليل و مناقشة ... الخ ، على أن يتم اختيار المناهج المناسبة للموضوع و إشكاليته و ما يقتضيه البحث فيه .
مفهوم المنهج :
لغة ، هو الطريق الواضح ، أما منهج البحث العلمي فهو مشتق منه ، فهو طريقة أو مجموعة من القواعد التي يتبعها الباحث في إنجاز بحثه من أجل تحقيق أهدافه و الإجابة على إشكاليّته .
أنواع مناهج البحث العلمي :
تتمثل مناهج البحث الأصلية في المنهج الاستدلالي ، التجريبي و التاريخي ، أمّا الفرعية فهي المنهج المقارن ، الوصفي و التحليلي .
المناهج الأصليّة :
المنهج الاستدلالي :
تعريفه : هو طلب الدليل و هو المنهج الذي يعمد إلى الانطلاق من مسائل مسلم ، بها إلى مسائل أخرى تنتج عنها بالضرورة ، دون الحاجة إلى التجربة .
المبادئ :
البديهيات : البديهية مسألة واضحة بذاتها لا تحتاج إلى برهان ، عامّة الكلّ يسلّم بها ، مثلا : أ ≥ ب ، ب ≥ ج ، إذن من البديهي أنّ أ ≥ ج .
المصادرات : هي مسائل غير واضحة بذاتها كالبديهيات ، لكن يسلّم بها العقل اضطرارا ، فهي أقلّ يقينا من البديهيات ، مثال : كل مكتوب يقرأ ، الكتاب مكتوب ، إذن الكتاب يقرأ .
التعريفات : هي القول الدال على ماهية الشيء ، الموصل إلى إدراكه و معرفته .
يستخدم المنهج الاستدلالي في البحوث القانونية باعتباره عقليّا منطقيّا ، في تفسير النصوص القانونية و في عمل القضاء و في إعداد الأبحاث ، و تكييف الوقائع و غيرها .
المنهج التجريبي :
هو منهج دراسة الوقائع و الظواهر دون استدلال ، بل بإخضاعها للتجربة و الاستقراء بالانتقال من الجزئيات الخاصّة الدقيقة إلى الأحكام الكليّة العامّة .
يمر المنهج التجريبي بمراحل تبدأ بالملاحظة فالتحليل فالتركيب ثم الوصول إلى نتيجة ، و يستخدم في العلوم القانونية أكثر شيء في صياغة التشريعات و تطبيق الأنظمة المختلفة ، للوصول إلى النتائج المرغوبة .
المنهج التاريخي:
هو الطريقة العلمية لدراسة الحوادث الماضية ، تحليلها و تفسيرها لفهم الحاضر و التنبؤ العلمي بالمستقبل ، و ينطلق من تحديد مشكلة البحث مرورا عبر حصر و جمع الوثائق و المعلومات و تمحيصها و نقدها ، وصولا إلى مرحلة التركيب و التفسير.
و يستخدم المنهج التاريخي في العلوم القانونية في الرجوع إلى أصل المعلومة و بداية النظم أو الأحكام القانونية ، للوصول إلى تحليل و نقد الأنظمة الحالية و تحسينها ، و الوصول إلى نتائج بشأنها في المستقبل.
المناهج الفرعية :
المنهج المقارن: طريقة في البحث تعتمد على المقارنة و المقاربة بين متغيرات البحث في عنصرين مختلفين أو أكثر ، كالمقارنة بين نظامين قانونيين أو قضائيين ، و هو منهج متكامل يمس كلّ عناصر البحث للوصول إلى نتائج دقيقة نابعة عن تلك المقارنة .
المنهج الوصفي : منهج بحث يستخدم لجمع المعلومات و التعرف على المشكلة أو الظاهرة المدروسة و تحديد معالمها ، لتفسيرها و الاعتماد عليها في بحث مسائل أخرى.
المنهج التحليلي : منهج يعتمد على تحليل الظواهر و تفكيكها للوصول من الكلّ إلى الجزء ، و منه التعمق في دراسة المشكلة محلّ البحث .
ثالثا. نتائج البحث العلمي:
تعريفها : نتائج البحث هي نقاط تلخّص الإجابات التي بلورها الباحث خلال بحثه أو توضّح ما توصّل إليه من أفكار واضحة متعلّقة بالإشكالية المبحوثة ، سواء شكّلت إجابات أم لا .
و تشمل النتائج ملاحظات الباحث و ما اكتشفه و ما عاينه على الآراء الفقهية و التطبيقات القضائيّة، والأوضاع المتعلّقة بموضوع بحثه و كذا توقعاته و خلاصة تحليله و نظرته التي يختم بها عمله ، و آثار دراسته .
ضوابط عرض النتائج:
أن تكون مصاغة و معروضة بتسلسل منطقي يتبع التسلسل المنطقي للأفكار و النقاط القانونية المبحوثة في كامل الدراسة .
أن لا تتضمّن أفكارا جديدة كليّا لم يتمّ البحث فيها و لا دراستها ، فالنتائج مرتبطة بمتن البحث ، والخاتمة ليست محلا للبحث من جديد .
أن تتّسم بالموضوعية فهي نتيجة للدراسة التي قام بها الباحث ، و ليست ارتجالية أو عشوائيّة ، و من الموضوعية و الحياد العلمي ذكر النقاط التي لم يصل فيها الباحث إلى نتائج واضحة ، أو التي لم تكتمل صورتها بعد مع ذكر الأسباب العلمية لذلك ، و الدعوة لاستكمال البحث ( آفاق البحث )
توصيات البحث :
التوصيات من الفعل أوصى ، و هي ما يوصي الباحث ببحثه أو بتفعيله أو إنشائه أو تعديله ، مما ارتبط بمحاور بحثه و النقاط و المسائل التي تطرّق إليها في دراسته ، و تأتي تبعا لما توصّل إليه من نتائج.
مثلا : النتيجة ( عدم تنظيم المشرّع لمسألة ما تنظيما محكما يحلّ الإشكالات المطروحة)
التوصية ( اقتراح مشروع قانون ينظّم المسألة المذكورة )
ملاحظة : يفضّل البعض استخدام مصطلح الاقتراحات في البحث العلمي بدل التوصيات .