المحاضرة التاسعة التضاد
الخطوط العريضة للقسم
-
أ - تعريفه :
هو : أن يُطلق اللفظ على المعنى وضده .
فهو نوع من المشترك اللفظي ، فكل تضاد مشترك لفظي وليس العكس .
من أمثلته : الحميم : الماء البارد أو الحار ، المولى : العبد أو السيد ، الجون : الأبيض أو الأسود ...
ب - موقف الباحثين منه :
1- كان من الطبيعي أن ينكره ابن دُرُستُويه لإنكاره الاشتراك اللفظي ، فأفرد كتابًا لتأييد رأيه سمّاه : ( إبطال الأضداد ) ولكنه لم يصلنا .
2- وذهب فريق إلى كثرة وروده ، وأورد له شواهد كثيرة ومنهم الخليل وسيبويه وأبو عبيدة والثعالبي والسيوطي ، ومن أنفس الكتب في ذلك كتاب : ( الأضداد ) لابن الأنباري ، الذي أحصى فيه أكثر من أربعمائة شاهد عليه .
3- رأي المؤلف : والحقيقة أنّ كثيرًا من ألفاظ التضاد يمكن تأويله على وجه آخر يُخرجه من هذا الباب . ففي بعض الأمثلة استعمل اللفظ في ضد ما وضع له لمجرد التفاؤل : كالسليم للملدوغ ، والريّان والناهل للعطشان ، أو للتهكم كإطلاق لفظ العاقل على المعتوه أو الأحمق . لكن إن كنّأ نستطيع أن نؤول كثيرًا من الكلمات التي ذكرها ابن الأنباري وغيره ممن بالغوا في إثبات التضاد ؛ فإنه من التعسف تأويلها جميعًا .
ج - أسبابه :
1- دلالة اللفظ في أصل وضعه على معنى عام يشترك فيه الضدّان . وقد يسهو بعضهم عن ذلك المعنى الجامع فيظن الكلمة من قبيل التضاد . فمن ذلك : الصريم : يقال لليل صريم ، والنهار صريم ؛ لأن الليل ينصرم من النهار ، والنهار ينصرم من الليل . وكذلك الصارخ : المغيث ، والصارخ : المستغيث ، سمّيا بذلك لأن المُغيث يصرخ بالإغاثة ، والمستغيث يصرخ بالاستغاثة ...
2- انتقال اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى آخر مجازي ...
3- اتفاق كلمتين في صيغة صرفية واحدة . ومن ذلك كلمة : ( مجتثٌ ) ومعناها الذي يجتث الشيء ، والذي يُجتث . وأصل اسم الفاعل من : ( اجتث ) ( مُجْتَثِث) واسم المفعول ( مُجْتَثَث ) ، وقد نشأ اتحاد اللفظين : اسم الفاعل واسم المفعول من الإدغام . ومن هذا القبيل ) المختار).
4- اختلاف القبائل العربية في استعمال الألفاظ ، كلفظ : ( سجد ) الذي يعني (انتصب ) عند طيء و(انحنى ) عند سائر القبائل .
وتعد قضية التضاد، من أبرز القضايا المعجمية، التي نالت اهتمام الباحثين سواء العرب أو غيرهم. وسنحاول في هذا المقال الإجابة عن بعض الإشكالات التي تتعلق بهذا الموضوع. فما معنى التضاد في اللغة العربية؟ وماهي أسباب ظهوره ؟ وما موقف الباحثين من هذه القضية؟ وكيف عالجها الأنباري في كتابه الأضداد؟
والتضاد “نوع من المشترك، وقال أهل الأصول: “مفهوما اللفظ المشترك إما أن يتباينا، بأن لا يمكن اجتماعهما في الصدق على شيء واحد، كالحيض والطهر، فإنهما مدلولا القراء، ولا يجوز اجتماعهما لواحد في زمن واحد. أو يتواصلا، فإما أن يكون أحدهما جزءا من الآخر كالممكن العام للخاص، أو صفة كالأسود لدى السواد فيمن سمى به.” وهو بعبارة أخرى: “الكلمات التي تؤدي إلى معنيين متضادين بلفظ واحد، ككلمة (الجون) تطلق على الأسود والأبيض، والجلل تطلق على الحقير والعظيم، وهكذا.”
وقد ساهمت مجموعة من الأسباب والعوامل في بروز الكلمات المتضادة، فمن البديهي أن هذه الكلمات لم تصنع لتكون ضد كلمات أخرى، فالأسود لم يكن أصله ضد الأبيض، وهكذا دواليك. وقد ذكر رمضان عبد التواب في كتابه ” فصول في فقه العربية”، جملة من العوامل أدت إلى ظهور قضية “التضاد”، منها : عموم المعنى الأصلي: بمعنى تخصيص المعنى العام، في لهجة من اللهجات، وكذا في اللهجة المضادة.التفاؤل: عبر التعبير عن الكلمات السيئة التي تعبر عن الموت والمصائب، بضدها، أي بكلمات حسنة المعنى.
التهكم: وهذا العامل يؤدي إلى قلب المعنى، وتغيير دلالاتها إلى ضدها، كقولنا للعاقل “الجاهل” .
الخوف من الحسد: فيطلق ضد اللفظ على الشيء الحسن خشية من العين والحسد.
التطور اللغوي: فتكون الكلمات في البداية مختلفتين، لكن التطور الذي يحصل على إحداهما يجعلها مشابهة للأخرى، مما قد يشكلها كلمة واحدة لها معنيان متضادان.احتمال الصيغة الصرفية للمعنيين: عبر استخدام صيغ كثيرة للفاعل والمفعول، ومن هنا ينشأ التضاد.
ومما يمكن أن نلاحظه في هذه الأسباب التي عدها الدكتور رمضان عبد التواب، أنها تنقسم إلى أسباب اجتماعية، تتعلق خاصة بطريقة تفكير العربي، بابتعاده مثلا عن الكلمات سيئة الحظ واستعمال ضدها، والتهكم، أو الخوف من الحسد، فاستخدام اللغة والتلاعب في ألفاظها عبر إيراد الضد وغير ذلك، ذو أهمية بالغة. ثم أسباب لغوية تتعلق بالتطور اللغوي أو الصيغ أو المجاز والاستعارة.
وعلى منوال القضايا المعجمية الأخرى، عرفت قضية التضاد أخذا وردا كبيرا بين منكر لها، ومدافع عنها، وقد تحدث عن هذه الآراء ابن فارس، لكن الكتاب لم يصل إلينا، ونجد فقط بعض الإشارات إليه في كتابه الآخر: “فقه اللغة”.
وممن أنكر هذه الأضداد إنكارا قويا، وحاول إلغاءها جملة وتفصيلا، دُرستويه؛ فألف فيه كتابه “إبطال الأضداد”، فيقول مثلا: ” … وزعم قوم من اللغويين أن النوه السقوط أيضا، وأنه من الأضداد، وقد أوضحنا الحجة عليهم في ذلك في كتابنا في إبطال الأضداد.” ومن بين هؤلاء أيضا القالي في أماليه: “والصريم الليل، لأنه انصرم عن النهار، وليس هو عندنا الضد.”وقد ألف في الأضداد جماعة من أئمة اللغة، منهم قطرب والتوزي، وأبو بكر بن الأنباري، وأبو البركات الأنباري، وابن الدهان، والصفاني.
ولعل أكثر من أثارنا في بحثنا حول هذه القضية المعجمية المتميزة، كتاب الأنباري المعنون “بكتاب الأضداد”، يقول المحقق محمد أبو الفضل إبراهيم ” وأعظم هذه الكتب خطرا ، وأوسعها كلما، وأحفلها بالشواهد، وأشملها للعلل…هو كتاب الأنباري فإنه أتى على جميع ما ألف قبله وأربى عليه، وجاء بالعجيب من أزاجير العرب وشواهد الشعر والحديث والقرآن… وانتصر فيه للعرب فيما ورد على ألسنتهم من ألفاظ الأضداد.” ويقول الأنباري في أول كتابه: “هذا كتاب الحروف التي يوقعها العرب على المعاني المتضادة؛ فيكون الحرف منها مؤديا عن معنيين مختلفين.” كما أنه يرد في كتابه القيم هذا عن من يشك وينكر قضية التضاد في اللغة العربية فيقول: “ويظن أهل البدع والزَّيغ والإزراء بالعرب، أن ذلك كان منهم لنقصان حكمتهم، ونقصان بلاغتهم، وكثرة الالتباس في محاوراتهم…فأجيبوا عن هذا الذي ظنوه… بضروب من الأجوبة: أحدهن أن كلام العرب يصحح بعضه بعضا.
ونشير إلى أن التضاد لا يقصد به الاختلاف، حيث إن القوة ليست ضد الجهل، بل هي مخالفتها، فالثاني أعم وأشمل من الأول. ومن هنا ينبغي أن يراعي قولنا على الشيء ضدا، مجموعة من الشروط، كأن تتحد الكلمة اتحادا تاما، وتكون في اللغة الواحدة، إلى غير ذلك من الشروط.