المحاضرة 6
Section outline
-
ثانيًا: المدرسة الفطرية (البيولوجية)
2- التعريف بها:
هي النظرية التي أسّس دعائمها اللساني الأمريكي Noam Chomsky، كردٍّ على المدرسة السلوكية، متأثرًا بالفلسفة العقلانية عند René Descartes، حيث يرى أن الطفل لا يولد صفحةً بيضاء، بل مزودًا بقدرة فطرية تمكّنه من اكتساب اللغة.وقد عبّر تشومسكي عن ذلك بقوله:
"إن اللغة خاصية إنسانية فريدة، وهي جزء من التكوين البيولوجي للإنسان."كما يقول أيضًا:
"يولد الطفل مزودًا بجهاز لاكتساب اللغة، يمكّنه من فهم القواعد وبنائها."
0- أهم أسسها:
أ- الفطرية اللغوية:
ترى هذه النظرية أن الطفل يولد مزودًا بقدرة فطرية لاكتساب اللغة، وهي ما يُعرف بـ"جهاز اكتساب اللغة" (LAD).
وهذا ما يفسر تشابه مراحل اكتساب اللغة لدى الأطفال في مختلف المجتمعات.وقد أشار تشومسكي إلى ذلك بقوله:
"إن التشابه في اكتساب اللغة بين الأطفال لا يمكن تفسيره بالخبرة وحدها، بل بوجود بنية عقلية مشتركة."
ب- الدور المحدود للبيئة:
تؤكد النظرية أن التركيب البيولوجي الوراثي يحتوي على القدرات اللغوية، وأن دور البيئة يقتصر على تنشيط هذه القدرات وإخراجها إلى حيّز الاستعمال.وفي هذا السياق يقول Steven Pinker:
"اللغة غريزة، وليست مجرد مهارة مكتسبة من البيئة."
ج- التمييز بين الكفاءة والأداء:
تميز النظرية بين:- الكفاءة (Compétence): وهي المعرفة الضمنية المجردة بالقواعد اللغوية.
- الأداء (Performance): وهو الاستعمال الفعلي للغة في الواقع.
وهذا التمييز يكشف عن خاصية الإبداع اللغوي، حيث يستطيع الطفل إنتاج عدد غير محدود من الجمل اعتمادًا على عدد محدود من القواعد.
ويقول تشومسكي في هذا الصدد:
"اللغة نظام إبداعي، يمكن الإنسان من إنتاج وفهم عدد لا نهائي من الجمل."
3- انتقادات هذه النظرية:
أ- غياب الدليل التجريبي المباشر:
لم تثبت هذه النظرية بشكل قاطع وجود جهاز فطري في الدماغ مخصص للغة، مما يجعلها في نظر بعض الباحثين فرضية تحتاج إلى تدعيم علمي.
ب- إهمال البعد الاجتماعي:
تُنتقد هذه النظرية لأنها تقلل من دور البيئة والتفاعل الاجتماعي في اكتساب اللغة، رغم أن الواقع يثبت أن اللغة لا تنمو إلا داخل سياق اجتماعي.وفي هذا الإطار يرى Lev Vygotsky أن:
"التعلم، بما في ذلك اللغة، يحدث من خلال التفاعل الاجتماعي."
الخاتمة:
تُعدّ المدرسة الفطرية نقلة نوعية في دراسة اللغة، إذ أبرزت الدور الجوهري للعقل والبنية البيولوجية في اكتسابها، وبيّنت أن اللغة ليست مجرد سلوك مكتسب، بل قدرة إنسانية فطرية. غير أن هذه النظرية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تفسّر الظاهرة اللغوية تفسيرًا كاملاً بمعزل عن العوامل الاجتماعية والتفاعلية. ومن ثمّ، فإن الفهم الشامل لاكتساب اللغة يقتضي الجمع بين ما هو فطري وما هو مكتسب، في إطار تكاملي يراعي طبيعة الإنسان بوصفه كائنًا بيولوجيًا واجتماعيًا في آن واحد.