Section outline

  • مدخل المصطلحات والمفاهيم: (المنهج، المنهاج، المنهجية، المقاربة)

          إن المتفحص للمعاجم العربية القديمة يلحظ أن هذه المصطلحات الثلاث (المنهج، المنهاج، المنهجية) تعود إلى أصل لغوي واحد: جاء في معجم لسان العرب في مادة "نَهَجَ": والمنهاج: الطريق الواضح. واستنهج الطريق: صار نهجا. وفي حديث العباس: لم يمت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى ترككم على طريق ناهجة أي واضحة بينة. وفلان يستنهج سبيل فلان أي يسلك نهجه. والنهج الطريق المستقيم ([1])، وقد شرح ابن فارس في معجم مقاييس اللغة المنهج: المنهج كلمة مشتقة من المادة "نهج" النون والهاء والجيم أصلان متباينان: النهج الطريق، ونهج لي الأمر: أوضحه. وهو مستقيم المنهاج والمنهج: الطريق أيضا، والجمع "مناهج" وَذُكِرَ "المنهج" بلفظه في القرآن الكريم. يقول تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ([2]).

    المنهج: Méthode

    هو الترجمة العربية للكلمة الإنجليزية"method "، أو الكلمة الفرنسية " Méthode " التي تعود في النهاية إلى الكلمة اليونانية "METHODOS"، التي كان يستعملها أفلاطون بمعنى "البحث"[3].

     والمنهج اصطلاحا هو: " جملة المبادئ والقواعد والإرشادات التي يجب على الباحث اتباعها من بداية البحث إلى نهايته، بغية الكشف عن العلاقات العامة والجوهرية والضرورية التي تخضع لها الظواهر موضوع الدراسة"[4]، هذا مما يعني أن المنهج " مجموعة القواعد التي يستعملها الباحث لتفسير ظاهرة معين بهدف الوصول إلى الحقيقة العلمية، أو أنه الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة"[5]

    واعتمادا على ما سبق فإن المنهج هو الطريقة المعتمدة في معالجة مشكلة بحثية معينة، ويعني الكيفية أو الأسلوب أو الوسيلة المحددة التي تتأسس على مجموعة قواعد عامة يتم وضعها، ويتبعها الباحث في دراسة المشكلة وصولا إلى النتائج والحلول.

    المنهاج: Curriculum

    يستعمل هذا المصطلح بكثرة في مجال التعليم، وهو" خطة عمل تتضمن الغايات والمقاصد والأهداف والمضامين والأنشطة التعليمية، ثم طرائق التعليم وأساليب التقويم" [6]، والمنهاج هو "المقاصد والغايات الكبرى والوحدات المتكاملة في موضوع من المواضيع، ويعول عليه في تصميم السياسة اللغوية في ميدان التربية، باعتباره ينظر إلى الأطر الكبرى التي يدور ضمنها برنامج التدريس فهو محتوى لا كيفية"[7]. كما يعرف على أنه " مجموع الخبرات التربوية والأنشطة التعليمية التي توفرها المدرسة، ليتفاعل معها التلاميذ داخلها وخارجها تحت إشرافها بقصد تغيير سلوك التلاميذ نحو الأفضل في جميع المواقف الحياتية."[8]

    ويتكون المنهاج مما يلي[9]:

    -      الأهداف: وهي الشيء الذي يسعى التعليم إلى تحقيقه.

    -      المحتوى: وهو المضمون الذي يبنى على الأهداف، ويشتمل على المعلومات والمناهج والمبادئ والقيم التي يتعلمها الطلبة.

    -      الطريقة: وهي الكيفية التي تدرس بها المادة من أجل بلوغ الأهداف التربوية.

    -      التقويم: لمعرفة تحقيق الأهداف أو ملائمة الطرق والأساليب التي تنفذ التعلم.

    ويعمل المنهاج على تفاعل هذه العناصر وربطها منطقيا بالأهداف والوضعيات التعلمية التعليمية والمضامين، وكذا قدرات المتعلم وكفاءة المعلم.

    وبذلك يكون البرنامج هو مجموعة المعارف الموجهة لفئة معينة من المتعلمين في مرحلة محددة من مراحل الدراسة، إضافة إلى طرق التدريس المعتمدة، ويحدد الغايات التربوية والنشاطات التعليمية، وأساليب تقويم التعليم والتعلم، ويعتمد بناء المنهاج على ماجدّ في مضمار التعليمية واللسانيات والعلوم المساعدة كعلم التربية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع.

    المنهجية: Méthodologie

    لم يرد ذكر كلمة المنهجية في معجمات اللسان العربي القديمة والمحدثة، لأنها كلمة ابتكرها الفكر العربي الحديث لمفهوم علمي وافد عليه من ثقافات أجنبية، إذ يقابله في اللغة الانجليزية مصطلح Methodology وفي الفرنسية Méthodologie، وهي كلمة مركبة من جزأين هما: منهج  Méthode التي تعني الطريقة الواضحة، واللاحقة: "ية"  logie بمعنى العلم وبذلك يكون معناها: علم المنهج أو علم المناهج، أي العلم الباحث في المناهج، أو العلم الباحث في الطرق المستخدمة في العلوم للوصول إلى الحقيقة.[10] فالمنهجية اصطلاحا هي ذلك "العلم الذي يعتني بالبحث في أيسر الطرق للوصول إلى المعلومة مع توفير الجهد والوقت، وتفيد كذلك معنى ترتيب المادة المعرفية وتبويبها وفق أحكام مضبوطة لا يختلف عليها أهل الذكر"[11]

    ويذهب جواد الطاهر المذهب نفسه في تعريفه للمنهجية على أنها:" مجموعة الإجراءات والآليات المتعارف عليها بين العلماء، والتي يمكن استخدامها للملاحظة والكشف والتحقيق في اكتساب المعرفة والوصول إلى الحقائق، والغرض الأساسي من المنهجية هو محاولة فهم الأمور والعلاقات في المحيط الذي يعيش فيه الإنسان من أجل الوصول إلى النظريات والقوانين العلمية التي تحكم الكون وتسيره"[12]

    ونخلص في النهاية إلى أن المنهجية هي ذلك العلم الذي يعنى بالمناهج، فيعرِفُ بها ويحدد أنواعها، وأهدافها، وخطواتها، وأساليبها وأدواتها وتقنياتها، وكل ما من شأنه أن يعضد الباحث على الاختيار الأمثل للمنهج الذي يناسب بحثه، ويعينه على الوصول لأهدافه البحثية.

    المقاربة: Approche

    أ-لغة: جاء في قاموس المحيط مصطلح من: قَرُب، قرباً، وقرباناً: دنا، فهو قريب ([13])وفي معجم اللغة العربية المعاصر، مصدر غير ثلاثي "قارب" على وزن "مُفاعلة"، فعله "قارب" على وزن "فاعَل"، المضارع منه "يقارب"، ومنه: قاتل يقاتل مقاتلة، وهي تعني في دلالتها اللغوية المعنى: دناه([14])،وقاربه في المعجم الرائد  أي: حادثه بكلام حسن وترك المبالغة وَقَصَدَ الاعتدال والاستقامة(3). فالمقاربة متعلقة بمصطلحات كالمماثلة، والمشابهة، والدنو، والاقتراب. ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الدلالة "الاقتراب والدنو"، قال تعالى:﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ "قَرَّبَا قُرْبَانًا" فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَ قْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ المائدة،27.

    ب-اصطلاحا: المقصود بها الانطلاق في مشروع ما، أو حل مشكلة، أو بلوغ غاية معينة، وفي التعليم تعني القاعدة النظرية التي تتكون من مجموعة من المبادئ التي يقوم عليها إعداد برنامج دراسي، وكذا اختيار استراتيجيات التعليم والتقويم ([15])أو هي تصور وبناء مشروع عمل قابل للإنجاز، على ضوء خطة أو إستراتيجية تأخذ في الحسبان كل العوامل المتداخلة فيتحقق الأداء الفعال، والمردود المناسب من: طريقة ووسائل، ومكان، وزمان، وخصائص المتعلم، والوسط، والنظريات البيداغوجية المختلفة ([16])

       ولقد اُسْتُعْمِلَت في الجانب "التعليمي" كمفهوم تِقْني للدلالة على "التقارب" الذي يقع بين مكونات العملية التعليمية، التي ترتبط فيما بينها عن طريق علاقة منطقية، لتتآزر من أجل تحقيق غاية تعليمية، وفق إستراتيجية تربوية وبيداغوجية واضحة ([17]). نلحظ من خلال التعريفات، أن "المقاربة" تعتمد على الطريقة المتبعة في عمل ما، وفي الجانب التعليمي تعني تقريب التلميذ إلى ميزاته المعرفية والعقلية والجسدية، بطريقة تقنية مدروسة وصحيحة ([18]).

    ·        تقويم تحصيلي: كثيرا ما يتداخل مصلح المنهج مع مصطلح المنهجية فيستعمل الأول بدل الثاني أو العكس.  

    حاول أن تستنتج أهم الفروق بينهما (نظم إجابتك في جدول).

    الإجابة النموذجية:

    يمكن توضيح أهم الفروق بين المنهج والمنهجية في الجدول التالي:

    المنهج

    المنهجية

    ـ الطريق الواضح /الخطة المرسومة.

    ـ مجموعة قواعد كبيرة منظمة بغية الوصول إلى الحقيقة

    ـ المنهج عام وتنظير.

    ـ مجموعة قواعد وطرائق يقينية تدريجية تؤدي إلى تحليل النص إلى أجزائه بغية الفهم.

    ـ إجراءات تفكيكية للمنهج

    ـ تحقيق تلك القواعد ضمن إجراءات جزئية.

     

    ـ المنهجية جزء من المنهج.

    ـ تقسيم عناصر مركبة إلى أجزاء بسيطة ومن ثم تفكيك هذه الأجزاء إلى ما هو أدنى.



    [1] ينظر: ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، مادة "ن ه ج" بيروت، ط3، 1999م،14، ص300.

    [2] المائدة، من 48.

    [3] عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط 3، 1977، ص3.

    [4] فؤاد البهي السيد، علم النفس الاجتماعي رؤية معاصرة، فؤاد البهي السيد، عبد الرحمن سعد، دار الفكر العربي، القاهرة، 1999، ً300.

    [5] عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي، ص19.

    [6] صالح بلعيد، في المناهج اللغوية وإعداد الأبحاث، دار هومة للطباعة والنشر، الجزائر، 2013 م، ص 13.

    [7] المرجع نفسه، ص 14.

    [8] إدريس بوحوت، مفهوم المنهج ومكوناته، مجلة علوم التربية، المعاهد، الرباط، المغرب، ع 65، أفريل، 2016، ص3.  

    [9] سعدون محمود الساموك، هدى علي جواد الشمري، مناهج اللغة العربية وطرق تدريسها، ط 1، دار وائل، عمان، 2005، ص106.

    [10] ينظر: عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي، ص 6 ـ 7.

    [11] محـمد بدوي، المنهجية في البحوث والدراسات، دار الطباعة والنشر، تونس، (د، ت)، ص 9.

    [12] جواد الطاهر، منهج البحث الأدبي، مطبعة العاني، العراق، 1970، ص 21 ـ 22.

    [13] ينظر: الطاهر أحمد الزاوي، ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة، دار المعرفة، بيروت، لبنان، د ط، 1979م،3/579.

    [14] ينظر: أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصر، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 2008م، ص652.

     [15]ينظر: جبران مسعود، المعجم الرائد، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، المجلد 3، 1992م، ص1791.

    [16]ينظر: نادية بوشلالق، النماذج السلوكية وفعالية عملية التعلم والتعليم، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة منتوري قسنطينة، العدد24 2006م، ص139.

    [17] ينظر: حاجي فريد، المقاربة بالكفاءات، المركز الوطني للوثائق التربوية، الجزائر، دط،2005م، ص11.

    [18] ينظر: طيب نايت سليمان وآخرون، بيداغوجيا المقاربة بالكفاءات، دار الأمل، تيزي وزو، الجزائر، ط1، 2004م، ص20.

    •  

      أهمية البحث العلمي:

      تشير مشكلة الدراسة وفروض البحث وأهدافه إلى أهمية البحث بصورة ضمنية، غير أنه يفضل أن تفرد عبارة خاصة في الخطة تشير إلى أهمية الدراسة وأسباب اختيار الموضوع.ويحدد الباحث في هذا الجزء التبريرات والدواعي العلمية والعملية التي تتطلب إجراء البحث، والأثر الذي ينتج عنه سواء في النظرية أو الممارسة العملية، وكيف يسهم في حل المشكلة التي تمثل موضوع البحث، وما الإضافة

      التي يمثلها إلى الإنتاج الفكري في المجال الذي ينتمي إليه الباحث.وكذلك تظهر أهمية الموضوع من خلال البيانات الأولية التي استخدمها الباحث، أو من خلال آلية تحليل البيانات الثانوية أو الأولية.

      وعلى كل حال، لابد من إقناع الجهات المشرفة على الدراسة بأهمية الموضوع، سواء أكان المشرف أو الممول أوالجامعة أو ما شابه.وأهمية الدراسة قد تكون للشخص الباحث نفسه، أو للجامعة، أو للجهة الممولة، أو للمجتمع، أو للدولة، أو للعالم بأسره، بحسب طبيعة البحث وأهدافه وتحديدا ينبغي أن يوفر هذا الجزء الإجابات على الأسئلة التالية:

      ما أهمية البحث الذي يقوم به مقارنة بالموضوعات الأخرى؟

      ما الإضافة التي تمثلها إلى الإنتاج الفكري؟ كأن تسد نقصا، أو تصحح نظرية، أو تتحقق من نتائج بحوث سابقة، أو أن يكون الموضوع جديدا لم يتطرق إليه أحد من قبل، بسبب نقص المعلومات مثلا، وبالتالي يرسي الباحث قاعدة معلوماتية مهمة حول الموضوع.

      كيف يمكن تطبيق نتائج البحث؟

      ما الفائدة التطبيقية للبحث؟

      ما المجالات الجديدة التي يسهم بها البحث سواء بالنسبة للباحث نفسه أو الباحثين الآخرين؟

      ما الجهات التي يمكنها الاستفادة من نتائج البحث؟

      أهداف البحث العلمي:

      يخضع إجراء البحث العلمي لأكثر من هدف، سواء كان من قبل الباحث، أو من طبيعة البحث المراد تنفيذه، أو الجهة المستفيدة من نتائج البحث المراد تنفيذه، أي لظروف خاصة بالباحث أو لظروف خاصة بالبيئة موضوع الدراسة وطبيعتها، بحيث تتمثل هذه الدوافع فيما يلي:

      أ- الرغبة في تطوير المجتمع من خلال دراسة وتقديم الحلول، للمشاكل القائمة أو المحتمل أن تقوم؛

      ب-الرغبة في اكتشاف المجهول، والتعرف على الأسباب المؤدية إلى نتائج محددة ، أي التعرف على ماهو جديد؛

      ج-الرغبة في اكتشاف الحلول للمسائل، باستخدام أساليب وطرق علمية جديدة، وبالتالي مواجهة التحدي في معالجة المشاكل التي تواجه المجتمع، وإيجاد طرق مبتكرة لها؛

      د-الرغبة في رفع المستوى المعرفي أو الأكاديمي لأهداف خاصة بالباحث أو المجتمع أو التنظيم؛

      ن-الرغبة في إيجاد الظروف الملائمة للعمل لإجراء أبحاث علمية، لاكتشاف حلول لمشاكل قائمة، ولدراسة مدى صحة حلول معينة والتحقق منها؛

      ه-التشكيل أو اختيار نتائج بحوث، ودراسة سابقة في عملية طرق الوصول إليها، وفي ظروف تطبيقها؛

      و-المتعة العقلية في إنجاز عمل أو إبداع، أو حل مميز لمشكلة ما، تواجه المجتمع أو شخصا ما.

      تقويم تحصيلي:

      1. اشرح بإيجاز دور البحث العلمي في تطوير المجتمع.

      2. ما الفرق بين أهمية البحث العلمي وأهداف البحث العلمي؟

      3. اذكر ثلاثة أهداف أساسية لأي بحث علمي ناجح.

      4. كيف يسهم البحث العلمي في اتخاذ القرارات داخل المؤسسات؟

    • المحاضرة الثالثة: مناهج البحث اللغوي

      1.   المنهج العلمي ومناهج البحث اللغوي:

      1.1            المنهج العلمي (Scientific method):

             المنهج العلمي عبارة عن مجموعة من التقنيات والطرق المصممة لفحص الظواهر والمعارف المكتشفة حديثاّ، أو لتصحيح وتكميل معلومات أو نظريات قديمة. تستند هذه الطرق أساسا على الاستقراء والتجريب. ومع أن طبيعة وطرق المنهج العلمي تختلف حسب العلم المعني، فإن هناك صفات تميز البحث عن غيره من أساليب البحث[1].

      2.1            مناهج البحث اللغوي:

      هناك مجموعة من المناهج الأساسية في تاريخ الدرس اللغوي، ينبغي على الباحث الإلمام بها، ويجب أن يعرف أيها أصلح لهذه الظاهرة، أو تلك، والحقيقة إن الفصل بين المناهج بالنسبة لأي علم من العلوم يكاد يكون مستحيلا، والالتزام بمنهج واحد في البحث كله ولا سيما في العلوم الإنسانية أمر صعب؛ لأن الباحث يضطر في الكثير من الأحيان وهو يتعامل مع نصوصه مباشرة أن يستخدم الاستقراء والاستنتاج والاستنباط، والوصف، والتحليل، والمقارنة، وهو حين يرتب فصول بحثه قد يرتبها على أساس تاريخي إذا كان الموضوع يتعلق بالتاريخ، وعلى أساس نقدي تحليلي إذا كان الموضوع يكتفي بالعرض والوصف، وعلى أساس الاستنباط واستنطاق النصوص إذا كان حل الإشكالية غامضا أو مبهما، كما يحدث ذلك حين تفتقد الوثائق المؤكدة لمعلومة ما فتضطر إلى المقارنة بين النصوص لاستخراج الحقيقة أو المقارنة بينهما على الأقل، وهكذا، ولعل اعتراف الباحثين بهذه الحقيقة، أي (تداخل المناهج)، هو الذي دفعهم أحيانا إلى استخدام كلمة:(المنهج المتكامل) تعبيرا عن عدم الجمود على منهج معين ما دام الوصول إلى الحقيقة أو الإجابة عن الإشكالية لا يمكن إلا عن طريق استخدام هذه المناهج كلها، والمهم في الأمر أن يكون الباحث على وعي تام، وعلى دراية كافية بمناهجه التي يستخدمها، وهذا هو الأهم[2].

      1 المنهج التاريخي

      ·       مفهوم المنهج التاريخي: يقوم المنهج التاريخي بدراسة اللغة وتتبعها في عصور مختلفة وأماكن متعدد ليرى ما أصابها من التّطور، محاولا الوقوف على سرّ هذا التطوّر وقوانينه المختلفة[3]. ويتمثل المنهج التاريخي في القواعد والإجراءات التي يتبعها الباحث في جمع المادة التاريخية ودراستها ونقدها وتحليلها، ثمّ استخلاص النتائج والتعميمات منها، لذلك فإن المنهج التاريخي في الدّراسات اللغوية خلال فترة زمنية معينة، وكذا دراسة العوامل التي تأثرت بها في الفترات الزّمنية اللّاحقة، وصولا إلى دراستها في الوضع القائم، وصولا إلى دراستها في الوضع القائم، وذلك بهدف تفسيرها في سياقها التاريخي واستخلاص النتائج المترتبة عنها بما يتيح الفهم المتعمق لماضيها والتعرف الموضوعي لاتجاهاتها في المستقبل[4].

      ·       نشأة المنهج التاريخي:

      يتفق علماء اللغة المعاصرون على أنّ اكتشاف اللغة السنسكريتية ـ وهي إحدى اللغات الهندوأوروبية القديمة ـ في نهاية القرن الثامن عشر للميلاد قد أحدث نقطة تحوّل كبيرة في الدراسات اللغوية، وقد بدأ هذا التحول بدراسة اللغة من منظور تاريخي "بالرجوع إلى اللغة السنسكريتية على أنها المرجع الصّحيح للعالِم الذي يبحث في اللّغات الهندوأوروبية، اعتقادا منهم أنّه من العبث البحث في اللّغة من دون معرفة بهذه اللّغة المنقرضة"[5] ، ولذلك ارتبط البحث اللّغوي في تلك الفترة بالبحث في النصوص والنقوش القديمة، أي أنه يبحث في الوثائق على اختلاف أنواعها من أجل الكشف عن الخصائص الأساس للّغات، وذلك بتتبع التغيرات التي تطر أعلى الكلام الإنساني، وقد تزامن ظهور هذا المنهج في الدراسات اللغوية مع بروز نظرية النشوء والارتقاء للجيولوجي البريطاني داروين (ت 1882)، التي ابتدعها في ذلك العصر، وحاول علماء اللغة إخضاع اللغة لتلك النظرية، مثلهم في ذلك مثل غيرهم من العلماء في المجالات الأخرى، فبدأ علماء اللغة يبحثون في التطوّرات التي تحدث على اللغة، وفي تاريخ ألفاظها [6]،

      ·       علاقة المنهج التاريخي بالمنهج الوصفي:

      لا تقوم "الدراسة اللّغوية التاريخية إلا بعد الفراغ من المراحل المختلفة التي مرّ بها تاريخ اللغة دراسة وصفية، ومن النّظر في هذه الدّراسات الوصفية المختلفة للمراحل الزّمنيّة المتعاقبة يأتي تدوين تاريخ هذه اللّغة صوتيا وفونولوجيا ونحويا وقاموسيّا ودلاليا"[7]، وهذا يعني أن كل دراسة تاريخية يجب أن تنطلق من وصف الظاهرة اللغوية وصفا دقيقا في فترة معينة من الزّمان، ثمّ ملاحظة تغيراتها عبر الفترات الزمنية المتعاقبة، ليستخلص القوانين التي حكمت هذا التطور.

      ·       مجالات البحث اللغوي وفق المنهج التاريخي: يمكن تحديد أهم مجالات البحث اللغوي وفق هذا المنهج في البحث في:[8]

      تطور اللغة الواحدة عبر القرون في جميع جوانبها. حركة اللغة وتطوّرها على مرّ الأزمنة وتغير الأمكنة. تطور اللغة وحياتها في المجتمع. ارتباط اللّغة بوظيفتها في الجماعة اللّغوية. مستويات الاستخدام اللّغوي في بنيتها. أهمية اللغة الحضارية ومكانتها بين اللّغات. الأصول التاريخية لكثير من الظواهر اللّغوية. التغيّرات التي تطرأ على أنظمة اللّغة في مستوياتها الأربعة: الصّوتية والصرفية والنحوية والدلالية، مع رصد العوامل المؤثرة في تلك اللّغة.

      ·       سمات المنهج التاريخي في دراسة اللغة:

      يتميز المنهج التاريخي في دراسة اللغة بخصائص وسمات تفرّده عن بقية المناهج اللغوية الأخرى في دراسة اللغة، وهي كالآتي:[9]

      -      الاهتمام باللغة المكتوبة: يعتمد المنهج التاريخي على اللغة المكتوبة لا المنطوقة، لأن المكتوب هو الجزء الثابت من اللغة الذي يمكن أن يخزن عكس المنطوق الذي يزول بمجرد الانتهاء من الحديث.

      -      الزمان: من أهم الأسس التي اعتمد عليها علم اللغة التاريخي في التحليل هو الحركية والتطور أي أن الظاهرة اللغوية في تطور وتغير مستمر، لذا لا بد من تتبع وتفحص تاريخها عبر مراحل زمنية متعاقبة.

      -      المكان: لا يحدد المنهج التاريخي المكان عكس المنهج الوصفي "فالوظيفة الأساسية في هذا المنهج أن يمرّ الباحث بالأزمان المتّعددة، والأماكن التي عاشت فيها اللغة شرط عدم تجاوز المراحل الزّمنية المحدّدة، ولا المكان والمستوى المحدّدين، لكيلا تضطرب النتائج"[10]

      ·       خطوات المنهج التاريخي: تسير الدراسة التاريخية للغة عبر عدة خطوات فيما يأتي:[11]

      -      تحديد المادة المدروسة:

      -      الاستقراء

      -      نقد مصادر المعرفة

      -      الاستدلال واستخراج القوانين المطّردة: من أجل الوقوف على التغيرات التي حدثت.

      2 المنهج المقارن

      الدراسة ـ وفقا لتصور معين، يفترض أن لغات العالم عبارة عن فصائل لغوية، وكل فصيلة انقسمت إلى عدة لغات متفرعة عنها، وعالم اللغة يقارن من خلال هذا المنهج بين لغتين أو أكثر في فصيلة لغوية واحدة، بهدف رصد التشابهات بين هذه اللغات لإعادة بناء اللغة الأم التي تشعبت عنها هذه اللغات، وهذه اللغة لغة افتراضية يحاول الباحثون صنعها من خلال هذا المنهج وإعادة بنائها.

      1.     مفهوم المنهج المقارن: يقوم المنهج المقارن على المقارنة بين لغتين أو أكثر بشرط انتماء هذه اللغات إلى أسرة لغوية واحدة، لمعرفة أوجه التشابه والاختلاف، وتحديد صلات القرابة بين هذه اللغات، ويتكئ تصنيف اللغات في المنهج المقارن على أوجه التشابه في المستويات اللغوية، صوتية وصرفية وتركيبية ودلالية بين اللغات موضع التصنيف، «فبمقارنة الأصوات، والصيغ تتجلى ضروب التجديد الخاصة بكل لغة، في مقابلة البقايا الباقية من حالة قديمة، وقد نجح اللغويون في أن يحددوا ما قبل تاريخ اللغات الهند وأوروبية»"[12]". وتجدر الإشارة إلى أن علم اللغة المقارن نهض في أول أمره على أيدي الأوربيين، حين أدركوا أن لغاتهم القديمة والحديثة تفرعت عن أصل واحدة تمثل في اللغة السنسكريتية، ليتهيأ لهم الإقرار باكتشاف «أن كل لغة من لغاتهم أصبحت متباينة مع الأخرى قد تطورت عبر الزمن، وأحداث التاريخ الآري الطويل للغة واحدة منقرضة، تواضعوا على تسميتها باللغة الهندية الأوربية»"[13]".

      1.   نشأة المنهج المقارن:

       بدأت بوادر هذا التصور المنهجي تتكشف، إثر التحول الذي طرأ في الدراسات اللغوية، بعد أن اكتشف السير وليم جونز العلاقة الوثيقة بين اللغة السنسكريتية واللغات الأوروبية عام 1786  وتوصل إلى أوجه الشبه بينها وبين كثير من اللغات  الأوروبية، مما جعله يحكم بأن السنسكريتية وكثير من اللغات الأوروبية تنتميان إلى أسرة واحدة أسماها بالأسرة (الهندية الأوروبية)، وذلك من خلال الدراسات التي قدمها عن العلاقات القوية بين السنسكريتية، والفارسية القديمة، وبين اللاتينية والجرمانية، والكلتية، والتي تعد بمثابة الريادة للمنهج المقارن، كان قد هيأ لظهور هذا المنهج"[14]".

      2.   أهداف المنهج المقارن: إن هذا المسعى التحليلي يتوخى تحقيق أهداف معينة، يمكن أن نجملها على النحو الآتي"[15]":

      -      إعادة بناء الأصل المشترك بين (اللغة الأم) التي تنتمي إليها اللغتان المدروستان، وهذا الأصل ليس موجود في الواقع إنما هو من اختراع اللغويين وتصورهم.

      -      الوقوف على التغيرات اللغوية التي تحدث لأي من اللغتين المدروستين عبر الزمن.

      -      قد يكون المراد من هذه الدراسة الوقوف على مظاهر الاتفاق والاختلاف بين اللغتين المدروستين في شكلهما الحديث.

      خطوات المنهج المقارن:[16]

      ü   تحديد موضوع المقارنة:

      ü   وضع تغيرات المقارنة:.

      ü   تفسير بيانات موضوع المقارنة:

      3.   الحصول على نتائج المقارنة: علاقة المنهج المقارن بالمنهجين الوصفي والتاريخي:

      يتلاقح البحث التاريخي المقارن بالمنهج الوصفي «حين يأخذ الدارس لغة ما في فترتين زمنيتين معالجا كلا منهما أولا معالجة وصفية، وذلك باستخلاص النماذج الصوتية، والتراكيب النحوية والرصيد اللغوي لكل مرحلة من مراحل اللغة، وأخيرا يقارن الاثنتين ليصل من ذلك إلى التغيرات التي طرأت على الظواهر التي يهتم بدراستها»"[17]".

      3 المنهج الوصفي.

      1.   مفهوم المنهج الوصفي: "يقوم المنهج الوصفي على وصف اللغة أو اللهجة في مستوياتها المختلفة، أي في نواحي أصواتها، ومقاطعها، وأبنيتها، ودلالتها، وتراكيبها، وألفاظها، أو في بعض النواحي، ولا يتعدى مرحلة الوصف"[18]، فهو يعرض الواقع اللغوي للغة ما في مكان محدد وزمان محدّد، ودون اعتبار للخطأ والصواب فيها، فالمنهج الوصفي يصف الحقائق ويناقشها دون فلسفة أو محاكمة لها، أو الفهم المنطقي في تفسير وتأويل الظّواهر اللغوية.[19]

              وبذلك فإن أيّة دراسة صوتية، أو صرفية، أو نحوية، أو دلالية لإحدى اللهجات القديمة أو الوسيطة أو الحديثة تعد دراسة وصفية، بشرط أن تكون في فترة زمنية محددة، وهذا الشرط ضروريّ لتحقيق نتائج علمية دقيقة، لأن عامل الزمن يؤثّر في تغير الظاهرة المدروسة، وهذا التغير يعطي نتائج غير دقيقة في تحديد خصائص تلك الظاهرة، وهكذا يكون المنهج الوصفي قد دفع بعجلة العلم في المجال اللغوي دفعة قوية نحو الدّقة العلمية.[20]

      2.   خطوات المنهج الوصفي: يقوم المنهج الوصفي على خطوات ثلاث، هي الاستقراء والتصنيف والتقعيد، ولكل منها شروطها التي تضبطها:[21]

      1.2       الاستقراء: حيث يقيم الواصف دراسته بالوقوف على الكيفية التي تنفذ بها اللغة على ألسنة المتكلمين، ويشترط في ذلك:

      -      الاعتماد على معطيات لغوية مستعملة فعلا.

      -      الاتصال المباشر بالمتكلمين والسّماع من أفواههم، وتدوين المسموع.

      -      الاعتماد في العمل الميداني على المتكلم الأصلي، وهو الراوي أو مساعد الباحث.

      -      يحسُن أن يكون الراوي أمّيا حتى لا يتأثر بالعوامل الثقافية في تمثيله الصحيح.

      -      أن يكون الراوي ممثّلا صادقا للّغة أو اللهجة المدروسة، بأن يكون ممن نشئوا في ظلّ هذه اللغة قيد الدراسة، ومن الأفضل ألّا يكون قد خرج من المنطقة التي تتكلم بها، لأن كثرة الأسفار والتعرض للاحتكاك باللّهجات الأخرى يجعل المرء عرضة للتغير في نطقه.

      2.2       التصنيف: وهو الأساس الثاني الذي يلي عملية الاستقراء، ويقصد به تقسيم المادّة اللغوية، ويشترط في ذلك:

      -      الملاحظة الدّقيقة للمادة اللغوية المستقرأة.

      -      تحديد أوجه الاتفاق والاختلاف بين جزئيات هذه المادّة.

      -      جمع ما يتوافق منها في الشكل أو في الوظيفة وجعلها قسما بذاته، ثمّ تسميته باسم معين.

      3.2       التقعيد: وهو وضع القواعد المناسبة لما لاحظه الواصفُ بعد الاستقراء والتصنيف، ويشترط فيه:

      -      أن لا تكون القاعدة بمثابة القانون المفروض على المتكلمين باللّغة المدروسة.

      -      صياغة القاعدة بعبارة مختصرة قدر الإمكان.

      -      أن تتّصف القاعدة بالعموم، وليس من الضروري أن تتصف بالشمول، فإذا ظهرت حالة تُخالف القاعدة عُدت ظاهرة فرعية إلى جانب القاعدة، وقد تعضدها دون أن تطعن فيها.

      3.   خصائص المنهج الوصفي: يتميز المنهج الوصفي عن غيره من المناهج بأنه:[22]

      -      يهتم باللغة المنطوقة ويجعلها هدف البحث اللغوي، لأن التغيّرات أكثر ما تظهر على اللغة المنطوقة.

      -      يقتصر على الجانب الشكلي في وصف الظواهر اللغوية، وطرح كل ما هو غير شكلي ولا تحدّه الضوابط التركيبية للوحدات اللغوية.

      -       لا يُعير اهتماما للمنطق الأرسطي لأنه يؤدي إلى الاضطراب والجدل الذهني، ويهتم بمنطق اللغة الذي يؤدي إلى التفكير المنظم في تناول مظاهر اللّغة، وعناصرها، وتقسيم فصائلها، وأنواعها.

      -      تحديد فترة زمنية للظاهرة المدروسة، ويفضل أن تكون قصيرة، لأن طول الفترة الزّمنية لا يخدم الدراسة لتعرض اللغة إلى أشكال مختلفة من التّغير عبر الأزمان الطويلة، ومن ذلك بحث القدماء في الألفاظ الإسلامية مثل: (مؤمن، فاسق، كافر، صلاة، حج....)، والدلالات التي اكتسبتها هذه الألفاظ في ظل الإسلام.

      -      تحديد بيئة معينة، أو مكان محدّد لدراسة الظاهرة حتى لا تختلط اللّغات أو لهجات اللّغة الواحدة بعضها ببعض.

      -      تحديد مستوى لغوي معيّن يدرسونه دون الخلط بينه وبين غيره من المستويات، حتى لا يؤدي إلى نتائج دقيقة.

      -      وصف الظواهر اللغوية كما هي موجودة بالفعل (في ذاتها ولأجل ذاتها)، بغض النظر عن الخطأ فيها والصّواب، لأنهم يصفون، ومن ثم فهم لا يقدّمون معايير تفرض على المتكلّمين.

      -      يستهدف وصف الظاهرة اللغوية دون مقارنتها ودون الوقوف على مراحل تطورها، بل يصفها كما هي من حيث اطّراد وشيوع قواعدها.

      -      أكثر المناهج توظيفا في العلوم الإنسانية وبخاصة في البحوث اللّغوية.

      4.   أدوات المنهج الوصفي: يعتمد المنهج الوصفي على أدوات محدّدة يمكن إجمالها فيما يأتي:[23]

      1.4.   الملاحظة: وهي أهمّ أداة يوظّفها المنهج الوصفي في الأبحاث اللّغوية ولا يمكنه الاستغناء عنها، والمقصود بها هنا الملاحظة العلميّة التي تعني النظر المتأنّي في الظواهر اللغوية بواسطة الحواّس أو الاستعانة بوسائل وأدوات مناسبة لموضوع الملاحظة.

      2.4.   العيّنة: وهي مجموعة تمثل المجتمع المستهدف بالدّراسة والبحث، يوظفها المنهج الوصفي عندما يتعذّر أو يصعب الاتّصال بكل فرد، أو عندما يكون مجتمع الدّراسة كبير يصعُب التحكم فيه.

      3.4.   الاستبانة: وهي استمارة تضم مجموعة أسئلة محضرة تحضيرا يراعى فيه مجموعة من القواعد المنهجية، توزع على المستجوبين للإجابة عليها.

      تقويم تحصيلي:

      ·       لخص علاقة المنهج الوصفي بالمنهج التاريخي والمنهج المقارن:

      ·       لخص الفوارق بين المنهجين التاريخي والوصفي

      معيار التفريق

      المنهج الوصفي

      المنهج التاريخي

      الوظيفة

      لا يتجاوز أطر الوصف وحدود التشخيص دون زيادة أو نقصان أو نقد.

      يعتمد على ملاحظة التطوُّر، ومتابعة التغيير، واستنتاج الأسباب التي أدت إلى ذلك.

      كيفية المعالجة

      هو وسيلة لدراسة الظاهرة بطريقة أُفقيَّة، في مكان وزمان محددين.

      هو وسيلة لدراسة الظاهرة رأسيًّا؛ أي: عبر مراحل تاريخية متعددة.

       

      المنهج التقابلي.

      لقد كان للتطور العلمي والحضاري بالغ الأثر في احتكاك الشعوب بعضها ببعض، وأخذت الأمم تتبادل العلاقات والخبرات والثقافات، مما جعلهم يشعرون بالحاجة الملّحة إلى تعلم لغات أجنبية، فابتكر العلماء منهجا يوافق هذا المسعى وهو المنهج التقابلي الذي ما فتأ يحاول تذليل صعوبات تعلم اللغات سواء اللغة الام أو اللغة الأجنبية.

      1.   مفهوم المنهج التقابلي:

      يهدف المنهج التقابلي إلى تحديد الفروق بين المستوين المتقابلين في جوانبهما الصّوتية والصّرفية والنحوية، "وموضوع البحث في علم اللغة التقابلي ـ أحدث مناهج علم اللغة ـ هو المقابلة بين لغتين اثنتين أو لهجتين اثنتين أو لغة ولهجة، أي بين مستويين لغويين متعاصرين. ويهدف علم اللغة التقابلي إلى إثبات الفروق بين المستويين، ولهذا فهو يعتمد أساسا على المنهج الوصفي، فإذا كان المستويان اللغويان قد وصفا دقيقا بمنهج لغوي واحد أمكن بحثهما بعد ذلك بالمنهج التقابلي، وإثبات الفروق بين الفروق بين المستويين يوضّح جوانب الصعوبة في تعليم اللّغات... هناك فروق فردية تجعل بعض الأفراد قادرين على تعلم اللغات الأجنبية أسرع من غيرهم، ولكن علم اللغة التقابلي لا يهتم بهذه الفروق الفردية بل يهتم بالفروق الموضوعية ولذا فهو يقابل بين مستويين لغويين اثنين بهدف بحث أوجه الاختلاف بينهما والتعرّف على الصعوبات الناجمة عن ذلك" [24]. ونشأ المنهج التقابلي بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة الاقبال على تعلم اللّغات الأجنبية، وما وقر في نفوس الكثير من متعلمي هذه اللّغات ومعلّميها من الصعوبات التي تواجههم يسببها في المقام الأول الاختلافات بين اللغة الأم واللغة الأجنبية المنشود تعلمها [25]. ثمّ إن النتائج التي يتوصل إليها الباحث بتوظيف المنهج التقابلي يتم استثمارها في مجال اللسانيات التطبيقية، لأن المنهج التقابلي غرضه تعليم اللغات الأجنبية أو ترجمتها، " ويفضّل علم اللغة التقابلي، إذ المقصود هنا تحليل لغوي يجري على اللغة التي هي موضع التعليم واللّغة الأولى للمتعلم"[26].

              ولتعليم وتعلم اللغات الأجنبية يجب الوقوف على الاختلافات بين اللغة الأم واللغة المراد تعلّمها، وهذا الاختلاف "يعود إلى ما يوجد في اللغة الأم من أصوات وقواعد لا يوجد في اللغة الثانية، وتقف هذه الفروق عائقا أمام تعلم دقائق اللّغة الثانية، ولهذا ينبغي على متعلم اللغة الأجنبية أن يكون لديه اطلاع على بعض أوجه الشبه والاختلاف لتفادي الأخطاء، فلقد أفاد كثيرا مبدأ المقابلة بين اللغة الأم واللغة المراد تعلمها لتجنيب المتعلم الأخطاء الناتجة عن إسقاط عاداته اللغوية الأصيلة على اللغة الجديدة التي يعتزم تعلمّها، كما يشترط في اللغتين أو اللهجتين أن تكونا قد وصفتا وصفا دقيقا، وبمنهج لغوي واحد، ليسهل على المقابل أن يهتدي إلى الفروق بينهما في مختلف عناصر بنيتهما الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية"[27]. كما تفيد الترجمة من نتائج البحوث التقابلية، ف" الترجمة في المقام الأول هي إيجاد المتعادلات في اللّغتين في كل الظواهر اللّغوية، ولن يستطيع المترجم أن يأتي بهذه المتعادلات ما لم يقف على جهود الباحثين في حقل المنهج التقابلي"[28].

      2.   أسس المنهج التقابلي: تعتمد الدّراسة التقابلية على مجموعة من الأسس يمكن تحديدها كالآتي:[29]

      -      تحديد لغتين مختلفتين تنتميان إلى أسرتين لغوتين مختلفتين كالعربية والفرنسية، أو الإنجليزية واليابانية.

      -      تحديد مستوى معين للدراسة في كلتا اللغتين كمستوى الفصحى أو العامية.

      -      تحديد مواضع الاختلاف بين اللّغتين المدروستين بعد وصف كل منهما على حدة.

      -      الاعتماد على المنهج الوصفي أولا في دراسة الظّاهرة المقصودة في كل أمة على حدة. ثم الاعتماد ثانية على إجراء التقابل بين اللّغتين بتحديد أوجه التشابه والاختلاف بينهما مع التركيز على جوانب الاختلاف.

      3.   أهداف التحليل التقابلي: يسعى التحليل التقابلي إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية، لخصها الراجحي في النقاط التالية [30]:

      -      فحص أوجه الاختلاف والتشابه بين اللّغتين، فالتحليل التقابلي يختص بالبحث في أوجه التشابه والاختلاف بين اللغة الأولى للمتعلم واللغة الأجنبية التي يتعلّمها.

      -      التنبؤ بالمشكلات التي تنشأ عند تعليم اللغة الأجنبية ومحاولة تفسير هذه المشكلات.

      -      الإسهام في تطوير مواد دراسية لتعليم اللغة الأجنبية. إن التحليل التقابلي أثبت نفعا حقيقيا في تطوير المواد الدّراسية في تعليم اللغة الأجنبية، وأن التحليل التقابلي نافع أيضا في تعليم اللغة لأبنائها، إذ ثبت أن التجربة تحديد المتوقع من المشكلات من خلال الوصف، تمكن من تطوير مواد دراسية تقوم بمواجهة هذه المشاكل منذ البداية.

      4.   قضايا المنهج التقابلي: يعالج المنهج التقابلي في دراسته للغة جملة من القضايا يمكن تحديدها كالآتي:

      -      المقارنة بين لغتين أو عدة لغات منتمية إلى فصيلتين لغويتين مختلفتين ،وهذه المقارنات تشمل مختلف مستويات اللغتين أو اللغات المتقابلة ،وليس للعرب دراسات تقابلية بالمعنى العلمي الحديث ،  بل كانت لهم إشارات طفيفة مباشرة هنا وهناك تشير إلى تعلم بعضهم لغات أجنبية على لغتهم الأصلية ،ولعل أول ما يطالعنا من أراء وإشارات تناولت ظاهرة التقابل الساني بين لغتين لا تنتميان إلى أسرة لغوية واحدة هي العربية و الفارسية، فقد درسه سيبويه ِ(180 ه) في كتابه بعده واحدا من علماء العربية ذو أصول فارسية ،فقد أمضى فترة ليست بالقصيرة من حياته في فارس مسقط رأسه ،فكان يتقن ويتكلم العربية إضافة إلى معرفته بلغته الأم -الأم الفارسية العربية-فكانت له إشارات دقيقة إلى الفروق الصوتية بين اللغتين فأفرد لذلك بابا أسماه "باب اطراد الإبدال في الفارسية "[31]

      -      الوقوف على مواضع التشابه والاختلاف بين اللغتين المدروستين مع التركيز على جوانب الاختلاف، بعد وصف كل منهما على حدى، ويكون ذلك منصبا على مختلف مستويات اللغتين، فعلى المستوى الصوتي نجد صوت الباء في العربية صوتا واحدا (فونيم واحد)،على حين نجد له في الإنجليزية صوتين مختلفين "P_B "، ولكل منهما فونيم له خصائصه النطقية، وعلى المستوى التركيبي نجد الفرق بين الصفة والموصوف في كل من العربية و الإنجليزية إذ يأتي في العربية الموصوف أولا ثم تأتي الصفة في حين يحدث العكس بالنسبة للغة الإنجليزية فالتعبير العربي "جميل جدا" بالإنجليزية "very nice " [32]

      -      الوقوف على خصائص اللغات بمستوياتها كلها (صوتية وصرفية وتركيبة ودلالية) وكيفية استعمالها.

      وانطلاقا من هذه القضايا يمكن الإفادة من هذا المنهج في مجال تعليم اللغات الأجنبية وفي مجال الترجمة، وذلك عن طرية مقابلة مفردات لغة بنظيراتها في اللغة الأخرى، ولذلك شغل هذا المنهج خيرا مهما في التعليمية بل و فرعا من فروع علم اللغة التطبيقي وهو يقوم بالمقارنة بين لغتين أو أكثر بهدف تيسير المشكلات العملية التي تنشأ عند التقاء هذه اللغات[33]، فدراسة نقاط الاختلاف والتشابه بين اللغات المدروسة تسمح بالتعرف على النقاط التي قد تكون عقبة في طريق دارسي اللغات الأجنبية، وهذه المعرفة تسهل عليهم تحديد نقاط الصعوبة والتنبؤ بها و معرفة أسبابها و طرق علاجها. 

        ومن أمثلة نتائج الأبحاث التي تهدف إلى معرفة الصّعوبات التي يصادفها الطالب العربي عند تعليمه اللّغة الأجنبية، والتي وظّفت المنهج التقابلي لتحقيق هذا الهدف، ما يأتي[34]:

      -      يدّل الفعل في اللغة العربيّة على الحدث بصيغته، وعلى الزمّن بأدوات مرافقة له. / يدلّ الفعل في اللّغة الإنجليزية بالصيغة على الحدث والزّمن معا.

      -      الملة في اللّغة العربية نوعان: اسمية وفعلية. / الجملة في اللّغة الإنجليزية اسميّة فقط

      -      يؤدّى الاستفهام والنفي والنّهي في اللّغة العربية بأدوات تُضاف إلى الجملة الاسمية أو الفعلية. / تؤدّى هذه الأساليب في اللّغة الإنجليزية بواسطة التراكيب الفعلية.

      -      تكثر الأصوات الحلقية في مفردات اللّغة العربية. / هذه الأصوات قليلة نسبيا في اللغة الإنجليزية.

      5.   الفرق بين المنهج التقابلي والمنهج المقارن:  أوجه الاختلاف بين المنهجين المقارن والتقابلي[35] :

      يعالج المنهج التقابلي في دراسته للغة جملة من القضايا يمكن تحديدها كالآتي:  

      -      مادة المقارنة: يبني المنهج المقارن على أساس المقارنة بين لغتين مختلفتين ينتميان الى فصيلة لغوية واحدة، بينما ينطلق المنهج التقابلي على أساس الى المقارنة بين لغتين مختلفتين لا ينتميان إلى أصل لغوي واحد.                                                                                         

      -      هدف المقارنة: المنهج التقابلي يهدف أساسا إلى غرض تعليمي بحت، وهو تسهيل عملية تسهيل عملية تعلم اللغات الأجنبية، أما المنهج المقارن فلا شأن له بعملية التعليم، فأهدافه تتعلق بالحركة التاريخية لبعض اللغات ذات الأصل الواحد، أي محاولة إعادة بناء اللغة الأم التي انبثقت منها هاتان اللغتان.                                                                                        

      -      تركيز المنهج: تركيز المنهج التقابلي ينصب على أوجه الخلاق بين اللغتين المدروستين، أما المنهج المقارن فإن تركيزه ينصب بصفة أساسية على أوجه الاتفاق بين اللغتين المدروستين.

      -      الاعتماد على المنهج الوصفي: على الرغم ان المنهجين يعتمدان على المنهج الوصفي في تقديم المادة الأساسية اللزمة لعقد المقارنات، إلا ان المنهج المقارن يعتمد إلى جانب ذلك على بعض عناصر الدراسة التاريخية. في حين لا صلة للمنهج التقابلي بأي من عناصر الدراسة التاريخية

      زمن ظهور المنهج: المنهج المقارن منهج قديم من الناحية الزمنية، أما المنهج التقابلي فمنهج حديث وقد نشأ كل من المنهجين في ظروف تاريخية مختلفة تماما.



      [1] نجوى الحسيني ومحمـد قبيسي، الأصول المنهجية لكتابة البحث العلمي، ص75.

      [2] المرجع نفسه، ص 34

      [3] ينظر: نعمان بوقرة محاضرات في اللسانيات المعاصرة، ص 09.

      [4] ينظر: صالح بلعيد، في المناهج اللغوية وإعداد الأبحاث، ص 41.

      [5] صالح بلعيد، في المناهج اللغوية وإنجاز الأبحاث، ص 41.

      [6] ينظر: محمود فهمي حجازي، أسس علم اللغة العربية، ص 30 ـ 34.

      [7] محمود السّعران، علم اللغة، مقدمة للقارئ العربي، ص 198.

      [8] ينظر: صالح بلعيد، في المناهج اللغوية وإعداد البحوث، ص 46.

      [9] ينظر: فرحات جلولي، في جدوى النهج التاريخي "قراءة في الأبجديات والمزالق" اليوم الدراسي حول الناهج، كلية الآداب واللغات، مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، جامعة مولود معمري، تيزي وزوو، الجزائر، ص 158 ـ 161.

      [10] صالح بلعيد، في المناهج اللغوية وإعداد الأبحاث، ص 43 ـ 44.

      [11] ينظر: صالح بلعيد، في المناهج اللغوية وإعداد الأبحاث، 43 ـ 44.

      [12] فندريس، اللغة، ص375.

      [13] عدة باحثين، دراسات لغوية في ظل الماركسية، ترجمة ميشال عاصي، دار ابن خلدون، بيروت، ط1، 1979، ص 73.

      [14] ينظر: ماريو باي، أسس علم اللغة، ص 223.

      [15] ينظر: نادية رمضان النجار: فصول في الدرس اللغوي بين القدماء والمحدثين، دار الوفاء، الإسكندرية، 2006، ص136-142.

      [16] مشتة مهدي، محاضرات في منهجية البحث اللغوي، مطبوع بيداغوجي، قسم الآداب واللغات، جامعة الإخوة منتوري، قسنطينة، 2020 ـ 2021، ص 59.

      [17] ماريو باي: أسس علم اللغة، ص59.

      [18] رمضان عبد التواب، المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، ص 182.

      [19] ينظر: محمد محمد داود، العربية وعلم اللغة الحديث، دار غريب، القاهرة، 2001، ص 95.

      [20] ينظر: رمضان عبد التّواب، المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، ص 181.

      [21] ينظر: صالح بلعيد: في المناهج اللغوية وإعداد الأبحاث، ص58 ـ 59.

      [22] ينظر: صالح بلعيد، في المناهج اللغوية وإعداد الأبحاث، 59.

      [23] صالح بلعيد: في المناهج اللغوية وإعداد الأبحاث، ص 60.

      [24] فهمي حجازي، أسس علم اللغة العربية، ص 40.

      [25] صالح بلعيد، في المناهج اللغوية وإعداد الأبحاث، ص 52.

      [26] عبده الراجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1995 م ص 45.

      [27] صالح بلعيد، في المناهج اللغوية وإعداد الأبحاث، ص 53.

      [28] المرجع نفسه، ص 52.

      [29] ينظر: نادية رمضان النجار، فصول في الدرس اللغوي بين القدماء والمحدثين، دار الوفاء، الإسكندرية، 2006م، ص 143.

      [30] عبده الراجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، ص 45.

      [31] ينظر: مراد حميد العبد اللّه، علم اللّسانيات عند العرب والغرب، تأصيل وتوصيف، Route Educational and Social SCE Journal، العدد5، فيفري 2018، ص 969.

      [32] محمد محمد داود، العربية وعلم اللّغة الحديث، ص 100.

      [33] ينظر: عبده الراجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1995م، ص 45.

      [34] محمد خليفة الأسود، التمهيد في علم اللغة، منشورات جامعة السّابع من أبريل، الزّوية، ليبيا، ط 2، 1425 ه، ص 68 ـ 69.

      [35] ينظر: نور الهدى لوشن، مباحث في علم اللّغة ومناهج البحث اللغوي، ص 293 ـ 294، وينظر أيضا: صالح بلعيد، المناهج اللّغوية وإعداد الأبحاث، ص 53 ـ 54.