Résumé de section


  • المطلب الخامس: الحضارة اليهودية

    في الحضارة اليهودية جاءت الشريعة الموسوية بنظام قانوني وأحكام عملية قضائية تتناسب مع الظرف الزماني والمكاني الذي كان عليه بنو إسرائيل. وقد ظهر مبدأ الدفاع عن النفس والحق، ووضعت قواعد ذات صبغة دينية تلزم القاضي والرعية التمسك بالحق والدفاع عنه ولو كان مقرّرًا لمصلحة الغير.
    كما ظهر شيوخ لهم دراية وإلمام واسع بعلوم الدين والدنيا، يلجأ إليهم أقرباؤهم على الخصوص للاجتماع بهم والدفاع عن حقوقهم أمام مجالس القضاء.
    ومع ذلك، فرغم وجود المحاكم ووجود هؤلاء الشيوخ الذين كانوا يساعدون الأطراف ويدافعون عنهم، لم تكن هناك محاماة ولا محامون بالمعنى المتعارف عليه اليوم، لأن الدفاع كان مجانيًا، وكان منكورًا ومرفوضًا لغير اليهود.


    المبحث الثاني: المحاماة في النظم الحديثة

    المطلب الأول: في فرنسا

    بالرغم من أن القانون الروماني هو المصدر التاريخي للقوانين الفرنسية القديمة، فإن أول ذكر للمحاماة فيه لم يظهر إلا حوالي ثمانية قرون بعد الميلاد. ومنذ ذلك العهد بدأت مهنة المحاماة تتطور بسرعة، خصوصًا بعد أن اعترفت بها الكنيسة وصارت تمارس وفق نظام معترف به من قبلها.

    وبعد نجاح الثورة الفرنسية عام 1789 وإعلان مبدأ الحرية، عرفت المحاماة نوعًا من الفوضى وانعدام الاستقرار، قبل أن تُلغى نهائيًا باعتبارها طائفة مهنية احتكارية تتناقض مع حرية العمل.

    ومن خلال ما سبق يتضح أنّ المحاماة في فرنسا قبل الثورة تختلف عمّا بعدها؛ فعندما انتصرت الثورة الفرنسية على النظام القائم آنذاك، الذي كان يتسم في آخر عهده بالأزمات السياسية والاجتماعية والمالية، تم إعلان الحرية القانونية والاقتصادية والسياسية، وإطلاق الحريات العامة، بما فيها حرية العمل.

    هذا الوضع استوجب إلغاء نظام الطوائف المهنية، ومن ضمنها مهنة المحاماة باعتبارها احتكارًا يتناقض مع الحرية والمساواة بين الأفراد. وهكذا فُتح باب المرافعة أمام المحاكم دون قيود أو شروط بالنسبة للمترافعين، وظلّ نظام المحاماة على هذه الحال من الفوضى وانعدام التنظيم.

    وعلى إثر سقوط الإمبراطورية الفرنسية عام 1814 واعتلاء "لويس الثامن عشر" العرش، صدر مرسوم ملكي بتاريخ 27 فيفري 1822 يمنع وكلاء الدعاوى من الترافع أمام المحاكم إلا في حالة وجود نقص في عدد المحامين. ويُرجَّح أن هذا الإجراء جاء تنظيمًا للمهنة وردًّا للجميل لأسرة الدفاع التي كانت موالية للنظام الملكي ومعارضة للإمبراطورية.


    المطلب الثاني: في الدول الأنجلوسكسونية

    أما نظام المحاماة في الدول الأنجلوسكسونية، وخاصة النظام القانوني في بريطانيا، فقد ارتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخها عبر القرون. وتعود أسسه الرئيسية إلى تقاليد سكان المناطق التي يتألف منها ما يسمى الآن بالشعب البريطاني: إنكلترا، ويلز، إيرلندا الشمالية، واسكتلندا.

    وقد انصهرت تقاليد هذه المناطق في إطار الاتحاد خلال القرنين الماضيين، إلا أن الشعب الاسكتلندي ظل محتفظًا بنظامه القانوني المستقل، وكانت سلك المحاماة فيه ذات طابع خاص، إضافة إلى تأثر الدول التي احتلتها إنجلترا كأمريكا بتقاليدها القانونية.

    وفي الولايات المتحدة ظهر نظام "صديق المتهم" الذي يعمل تلقائيًا لتقديم اقتراحات للمحكمة في مسائل الوقائع والقانون، وذلك بسبب عدم وجود محامين في تلك الفترة. ويلاحظ أن دستور ولاية إنديانا سنة 1851 نصّ على أنه:
    "كل فرد يتصف بصفات خلقية طيبة وحائز للحقوق الانتخابية يمكن قبوله أمام القضاء للدفاع عن المتهم."


    المطلب الثالث: في بعض الدول العربية

    الفقرة الأولى: في مصر

    بعد فتح الشام، استعد المسلمون لفتح مصر، وكلف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه "عمرو بن العاص" رضي الله عنه بقيادة الفتح عام 18 هـ / 639م. وبعد تحرير عدة مدن، دخل المسلمون الإسكندرية، عاصمة مصر آنذاك.

    وبعد استقرار الحكم الإسلامي، عرف المصريون الشريعة الإسلامية، كما عرفوا نظام الوكالة بالخصومة الذي يُعد الأصل الشرعي للمحاماة. وظل هذا النظام دون تنظيم إلى عهد محمد علي باشا في العصر العثماني، حين بدأ التفكير في ترتيب مجالس العدالة.

    الفقرة الثانية: في لبنان

    يتسم النظام القضائي اللبناني بأنه طائفي، بحيث لكل طائفة قضاؤها المذهبي الخاص. وهذا التفكك لم يكن قديمًا، بل نشأ بسبب عوامل خارجية وداخلية أدت إلى إضعاف سلطة الخلافة الإسلامية.

    كان القضاء السني هو القضاء العام المسيطر على القضايا المدنية والجزائية والتجارية وفق المذهب الحنفي، وهو مذهب الدولة العثمانية. أما قضايا الأحوال الشخصية للطوائف غير الإسلامية فلم تُفرض عليها الشريعة الإسلامية، فاحتفظت كل طائفة بأحكامها الخاصة، مثل الطائفة المارونية التي تأثر قانونها بالفقه الإسلامي والقانون الروماني والكتاب المقدس.


    خاتمة

    من طبيعة أي مجتمع حيّ أن تحدث فيه الخصومات والنزاعات. ومع وجود النزاع، يوجد حق الدفاع، فهو من لوازم الخصومة، والخصومة من لوازم الحياة الاجتماعية.

    ولما كان الناس متفاوتين في القدرة على الدفاع، كان لابد للأضعف أن يستعين بالأقوى، وهو المحامي، الذي يعبّر بالحجج والأدلة عن حقوق موكله، ويساعد القاضي على إصدار حكم عادل.

    لقد تناولت العديد من الكتابات دور المحاماة الحضاري عبر التاريخ، ويمكن القول إنّ المحاماة مهنة حرة ومستقلة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة، وتأكيد سيادة القانون، وضمان حق الدفاع، وهي جزء من أسرة القضاء.

    والمحاماة في النهاية رسالة اجتماعية قبل أن تكون مهنة، تكرّس الحق وتدفع الباطل، وتساهم في استقرار المجتمع، وتؤكد أن الحق يستند دائمًا إلى مؤيّده الدائم… المحاماة.