Résumé de section

  • أخلاقيات المحاماة**

    تمهيد

    لا شكّ أنّ مهنة المحاماة من أعرق المهن الإنسانية، فقد عرفت عبر تاريخها الطويل محنًا ومعارك كثيرة قبل أن تتبلور معالمها، وتتضح خصائصها، ويُعترف بدورها الكبير في خدمة العدالة.
    فالإنسان قبل ظهور التنظيمات الاجتماعية كان يدافع عن نفسه بوسائل مختلفة تبعًا للظروف المحيطة به والاعتداءات التي يتعرض لها. وكان هذا الدفاع قائمًا في الغالب على القوة، إلى أن ظهرت الأعراف والتقاليد التي تهذّب هذا السلوك فاتخذ الدفاع صورًا أخرى أهمها الدفاع بالكلام والاستعانة بالغير.

    ومع تطور الحياة وتشعّب الحقوق وظهور تنظيمات اجتماعية معقدة، أصبح من الصعب على الفرد أن يدافع عن حقوقه بنفسه، فكانت الحاجة إلى فئة من الناس تملك العلم والخبرة وتستطيع إثبات الحقوق والدفاع عنها. وهكذا ظهر المحامي، وتميّزت مهنة المحاماة باعتراف مختلف الحضارات بأهميتها واستقلاليتها، واعتبارها وسيلة أساسية لتحقيق التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي.

    وقد نالت المهنة احترامًا كبيرًا منذ ظهورها، ودخلت تقاليدها سجلّ التاريخ لما تحمله من رسالة نبيلة ومسؤولية خطيرة.

    يمكن القول إنّ تطور المحاماة في الحضارات القديمة ارتبط بالاعتراف بالفرد وحقوقه وبملكيته الخاصة، ومع ظهور المساواة التدريجية بين الناس. كما ظهرت أعراف وقوانين بدائية منحت الأطراف في الخصومات الحق في إنابة غيرهم للمطالبة بحقوقهم أو الدفاع عنها، فبرز دور المحامي مبكرًا.

    ومع مرور الزمن تعقدت الروابط الاجتماعية ولم تعد القواعد العرفية تكفي، فتدخلت السلطة لتنظيم ما استجدّ من أوضاع ووضع قواعد قانونية جديدة. ومع تطور حقّ الدفاع ظهر المتخصصون فيه، مما تطلّب تنظيم مهنة المحاماة ووضع ضوابط لممارستها، فكان لذلك أثر كبير في تطورها في عدة دول.


    التطور التاريخي لمهنة المحاماة

    المبحث الأول: فكرة المحاماة في المجتمعات القديمة


    المطلب الأول: المحاماة عند اليونان القديمة

    شهدت الحضارة اليونانية ظهور تنظيم قضائي واضح ساعد في نشوء مهنة المحاماة.
    فقد كانت المحاكم جماعية، تتكوّن من ستة آلاف مُحلَّف، ويُختار القضاة بالقرعة في آخر لحظة لتجنّب الرشوة والفساد.
    وقد وضعت القوانين اليونانية أصول المحاماة وآدابها والإجراءات المتعلّقة بها، كما فرضت عقوبات على المحامين المخِلّين بواجباتهم.

    لم يقتصر دور المحامي عند اليونانيين على الدفاع عن المواطن وحقوقه، بل كان يمتد إلى الدفاع عن مصالح الوطن في الظروف الحرجة.

    وتجدر الإشارة إلى أنّ المجتمع اليوناني كان يقسم الناس إلى أحرار وعبيد، وكان القانون يمنع الأرقّاء من ممارسة المحاماة حفاظًا على كرامة المهنة.
    وقد كان المحامون من أرقى فئات المجتمع، وتُسند إليهم الوظائف العليا.
    أما الأتعاب فلم تكن معروفة في البداية حتى بدأ الخطيب "أنتيفون" في تقاضي مقابل لمرافعاته، فتبعته باقي الفئات وصارت المحاماة موردًا ماليًا.


    المطلب الثاني: المحاماة عند الرومان

    تأثر الرومان بالقوانين اليونانية فقننوا القضاء، وظهرت فئة من القانونيين يلجأ إليهم الناس للاستعانة بهم في التقاضي.
    وكانت المحاماة وسيلة للوصول إلى أعلى المناصب، خاصة لمن ينتخبهم مجلس الأعيان.

    مارس الرومان الأوائل المرافعة دون مقابل باعتبارها مهنة شرف، لكن مع تطور الظروف الاقتصادية سمحت القوانين بأخذ أتعاب رمزية حفاظًا على كرامة المهنة.
    كان يُشترط في المحامي حسن الأخلاق وسعة العلم والخبرة القانونية.
    وقد برز من بينهم فقهاء وخطباء كبار مثل "سيسيرون" الذي ظل يمارس المحاماة 37 سنة، وكان مثالًا للفصاحة والبلاغة.


    المطلب الثالث: المحاماة في مصر القديمة

    كان الحاكم السياسي هو القاضي الأعلى، ثم فُوِّضت مهمة القضاء إلى الوزراء أو حكّام المقاطعات.
    سنّ الملك إخناتون قوانين ضمنت حقوق الأفراد، واعتمد المصريون القدماء على الخطابة في المرافعات قبل اختراع الكتابة.
    ومع ظهور الكتابة انتقلت المرافعات إلى نظام اللوائح الخطية بدل الشفوية، ربما خشية التأثير على القضاة بقوة الإلقاء.

    ومع مرور الوقت اكتسب الحكماء الذين يكتبون اللوائح شهرة واسعة، فاستأثروا بحقّ التمثيل أمام القضاء، ويُذكر أنّ مهنة المحاماة ظهرت لأول مرة في مصر القديمة سنة 2778 ق. م.


    المطلب الرابع: المحاماة عند الإغريق

    عرف الإغريق فنّ المرافعة ومارسوه بأنفسهم، وكتب الخطباء المذكرات للأطراف دون أن يوقعوا عليها، إذ لم يكن مسموحًا لهم بذلك، ولم يكن لهم حقّ النيابة عن الأطراف.
    وبذلك كانت المسؤولية كاملة على الخصوم، وهو ما يعني أنّ الإغريق عرفوا المرافعة دون مهنة المحاماة بمعناها الاحترافي.