المحاضرة 08
الخطوط العريضة للقسم
-
المحاضرة الثامنة: دورة التخاطب ووظائف اللسان
مقدمة
اللسان ظاهرة اجتماعية مهمة في حياة الفرد والمجتمع، ووظيفته الأساسية – كما سبق – هي الإخبار والتبليغ، إذ ينقل الأخبار والمعلومات في إطار التخاطب والتواصل بين المتخاطبين. ولا يحصل خطاب إلا بين مُرسِل ومُرسَل إليه.
وبناءً على ذلك، تتشكّل في كل عملية تبليغ دورة يسمّيها اللسانيون وعلماء الاتصال دورة التخاطب (circuit de la parole).
أولًا: عناصر دورة التخاطب
تقوم دورة التخاطب على العناصر الآتية:
-
المرسِل (Émetteur):
وهو باعث الخطاب بصفة عامة، وهو المتكلم في حالة التبليغ بواسطة اللغة. -
المرسَل إليه (Récepteur):
وهو مستقبل الخطاب أو متلقيه، ويكون السامع في حالة التواصل اللغوي المباشر. -
جهاز الإرسال (Transmetteur):
وهو عند الإنسان الجهاز الصوتي المُحدث للأصوات، وقد تنوب عنه وسائل أخرى مثل البث التلفزي أو الإذاعي أو الحاسوب. -
جهاز الاستقبال (Récepteur):
وهو الجهاز السمعي عند الإنسان (الأذن)، وقد تنوب عنه أدوات أخرى كالرادارات وأجهزة الالتقاط. -
القناة (Canal):
وهي الواسطة التي ينتقل بها الخطاب مثل الهواء في حالة المشافهة، أو الخيط الهاتفي، أو الورقة المكتوبة. -
الخطاب (Message):
وهو الرسالة أو المضمون الذي يبلغه المرسل إلى المرسل إليه. -
الوضع أو الشفرة (Code):
وهو الاصطلاح المتفق عليه بين مجموعة بشرية، ويجب أن يكون معروفًا لدى الطرفين. -
الاستضباع (Le codage):
وهو العملية الذهنية التي يستحضر فيها المتكلم الوضع المتفق عليه، ويختار الألفاظ المناسبة للتعبير عن قصده. -
التوضيع (Le décodage):
وهو العملية الذهنية التي يفك بها السامع الرموز أو الألفاظ ليصل إلى المعنى، اعتمادًا على الشفرة نفسها.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدورة تتحقق عادة في التواصل المباشر (وجهًا لوجه)، بينما تكون في حالات أخرى عبر الهاتف أو الكتابة أو وسائل الاتصال المختلفة، وهي كلها فروع عن الحالة الأصلية وهي المشافهة المباشرة.
ثانيًا: الخطاب والتشويش
كل ما يعطّل عملية التبليغ يُعدّ تشويشًا (Bruit)، سواء كان ماديًا أو غير مادي.
ولا يكاد يخلو خطاب من التشويش إلا في حالات خاصة (مثل غرف البث الإذاعي).
وقد يصيب التشويش أي عنصر من عناصر دورة التخاطب، مثل:- المتكلم (كالعاهات النطقية)،
- السامع (الغفلة أو عدم الانتباه)،
- القناة (الأصوات الطفيلية)،
- الوضع (عدم إتقانه أو عدم مناسبته)... إلخ.
ثالثًا: وظائف اللسان
الإطار العام للوظائف يقوم على الوظيفة الرئيسة وهي التبليغ، غير أن للسان وظائف أخرى حدّدها اللساني الروسي رومان جاكوبسون من خلال ربط كل وظيفة بأحد عناصر دورة التخاطب.
وقد حدد ست وظائف رئيسية:1. الوظيفة التبليغية (الإخبارية)
وهي نقل المعلومات والأخبار، وتمثّل أساس بقية الوظائف.
مثل: يغلي الماء عند 100 درجة، الجو معتدل اليوم.2. الوظيفة التوصيلية
هدفها شد الانتباه وتأكيد استمرار الاتصال بين المتكلم والسامع.
مثل: ألو، هل تسمعني؟ يا ليت، يا حبذا...
وتتركز على عنصر القناة.3. الوظيفة الخطابية
تهدف إلى إثارة ردود فعل وجدانية عند السامع، كما في الخطب السياسية وخطب الوعظ.
وتركيزها على السامع.4. الوظيفة التعبيرية
وتهدف إلى التعبير عن مشاعر المتكلم باستخدام وسائل صوتية أو تصويرية أو تركيبية.
مثل قول البحتري:
صُنتُ نفسي عما يُدنّس نفسي
أو تقديم المفعول به لغرض تعبيري:
سعيدٌ أنا بنجاحك.
5. الوظيفة التحقيقـيةوهي الكلام عن اللغة نفسها، مثل تعريفات علم اللسان وتحليلات النحو.
وتركيزها على الوضع/الشفرة.6. الوظيفة الجمالية (الشعرية)
وهي إبراز جمال العبارة وبلاغتها، وتُعدّ الشعر أبرز إنجازاتها، مع وجود النثر الفني أيضًا.
ويركز فيها المتكلم على الخطاب نفسه.وقد أشار الحديث النبوي إلى هذا البعد:
«إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة».
---ملاحظات ختامية
أصل هذه الوظائف جميعًا هو الوظيفة التبليغية.
قد تجتمع عدة وظائف في خطاب واحد، ويُحكم على الخطاب بحسب الوظيفة الغالبة.
توجد وظائف أخرى لم يذكرها جاكوبسون، مثل وظيفة تحليل الواقع، والوظيفة التسجيلية التي تحفظ التراث وتنقله عبر الأجيال.
-