العدول الصرفي2: الخرق والعدول
1- العدول الاسمي:
جاء في قوله تعالى: "وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ" (سورة المؤمنون:50) يكمن العدول في كلمة (آية) إذ كان يفترض أن يقال آيتين، ولكن جاءت بالمفرد ليظهر التناسق العددي والموضوعي بين سيدنا عيسى ووالدته العذراء مريم (أي بين الأم وولدها) أنهما حالة واحدة في هذه المعجزة فهما آية واحدة كذلك فاشتركا جميعا في هذه الأمر العجيب الخارق للعادة أنه جعلهما آية بنفس الولادة لأنه ولد من غير ذكر وولادتها من غير زوج... وذلك لأن الولادة فيه وفيها آية واحدة فيهما ، كما عبّر المولى عن المثنى بالمفرد لأن شأن عيسى وأمه واحد.
وفي قوله تعالى: "هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ" (الحج:19) إعجاز صرفي يتمثل في الالتفات والعدول عن المثنى إلى الجمع، وهو يكمن في استخدام صيغة التثنية للمشتركين في الخصومة، مع استخدام صيغة الجمع للفعل.يعود السبب في ذلك إلى أن "خصمان" هنا يشير إلى فريقين وليس شخصين فقط، وأن الفعل "اختصموا" يعود إلى المجموعتين ككل.
التثنية في "هذان خصمان": تشير إلى الفريقين المتخاصمين بشكل عام (مثل المؤمنين والكافرين، أو المسلمين وخصومهم في بدر.
الجمع في "اختصموا": يعود على المجموعات المكونة من كل فريق (كل من في فريق المؤمنين وفريق الكفار).
ومن مظاهر الإعجاز الصرفي كذلك ما جاء في قوله تعالى: " ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" (سورة فصلت: 11)، فقال "طائعين" بدل "طائعتين"، لأن "طائعتين" تخص اللفظ بينما "طائعات" تخص المعنى، فالله وصف السماء والأرض بالطوع والكره فقيل " طائعين" في موضع "طائعات" نحو ساجدين.
وقال تعالى: "وَأَنَّ هذا صِراطي مُستَقيمًا فَاتَّبِعوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبيلِهِ ذلِكُم وَصّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقونَ" (سورة الأنعام: 153) فقد وردت كلمة " سبل" جمعا قم أفردت، لأنه لمّا كانت طرق الضلال كثيرة متعددة غبّر عنها بالجمع، ولكن سبيل الله واحدة فجاءت الدلالة عليها بالمفرد.
ومن صور العدول في العدد جمعا وإفرادا ما نجده في كلمة " رسول" فقد وردت جمعا، والأصل إفرادها، وقد ترد مفردة والأصل جمعها، ومن ذلك قوله تعالى: "وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً" (سورة الفرقان:37) حيث وردت كلمة الرسل جمعا وقوم نوح لم يكذبوا إلا رسولا واحدا، قال الطاهر بن عاشور في بلاغة هذا العدول: " وجعل قوم نوح مكذبين الرسل مع أنهم كذبوا رسولا واحدا...لأنهم أول من كذب رسولهم، فكانوا قدوة للمكذبين من بعدهم".
ومن أنواع العدول الاسمي العدول بين الضمائر ومثاله قوله تعالى: " وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا"(سورة مريم: 88-89) حيث قال (جئتم) بالخطاب بعد أن قال (قالوا)، وهو عدول حصل لفائدة حسنة وهي زيادة التسجيل عليهم بالجراءة على االله تعالى والتعرض لسخطه ، وتنبيها لهم على عظم ما قالوه كأنَّه يخاطب قوما حاضرين بين يديه منكرا عليهم وموبخا لهم ، والمقصودون بالخطاب في الآية هم أولئك الذين نسبوا الولد الله تعالى ؛ وهم النصارى واليهود ومن زعم أن الملائكة بنات االله وهي دعوى عظيمة وبهتان كبير تستحقُّ أن تظاهر فيها الدلالةَ المعجمية لـ :" الأَدّ " الذي هو أعظم الدواهي الدلالةُ الصرفية في الخطاب الذي جاء لِقَصد إبلاغهم التوبيخ على وجه شديد الصراحة لا يلتبس فيه المراد ذلك أن في أسلوب الخطاب من القوة والمواجهة ما ليس في أسلوب الغائب وكلَّما كان المعنى أكثر جدية كان الخطاب فيه أولى من الغيبة؛ يؤيد ذلك أن المعنى في أسلوب الخطاب لا يحمل على لغة الكلام وحدها؛ وإنَّما تعضدها لغة الإشارة والإيماء التي يوفِّرها حضور المتلقي، ورب إشارة أبلغُ من عبارة.
2- العدول الفعلي:
من العدول في زمن الفعل ما نجده في قوله تعالى:" أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ" (سورة البقرة: 87) حيث عدل إلى صيغة المضارع (تقتلون) والمقتضى استعمال الماضي إتباعا للحديث عنهم فيما مضى في قوله (كذبتم)، وجاء في تقتلون بالمضارع عوضا عن الماضي لاستحضار الحالة الفظيعة وهي حل قتلهم رسلهم، مع ما في صيغة تقتلون من مراعاة الفواصل، فاكتمل بذلك بلاغة المعنى.
وقال تعالى: "الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (سورة الرعد28)، ويُفسَّر "العدول عن الماضي إلى المضارع" في كلمة "تطمئن" بأنها تفيد تجدّد الأمر واستمراره، فالفعل "آمنوا" جاء ماضياً وهو يشير إلى الإيمان كحالة حدثت وانتهت، بينما "تطمئن" جاء مضارعاً للدلالة على أن الطمأنينة ليست حدثاً ماضياً، بل هي حالة مستمرة تتجدد بتجدد ذكر الله، لأن الله يريد أن يبيّن أن طمأنينة القلب ليست مجرد حدث مؤقت، بل هي نتيجة دائمة ومستمرة لذكر الله، وأنها تتجدد كلما جدّ ذكر الله في القلب.
ومن صور العدول عن الأمر إلى المضارع ما نجده في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تعلمون" (سورة الصف:10-11).فالخطاب هنا من المولى إلى المؤمنين، وقد عدل عن الفعل الأمر بالمضارع في كل من (تؤمنون، تجاهدون) لكون المضارع هنا يحمل معنى الخبر، فالله يخبرهم بأحسن الأعمال التي تنجيهم من العذاب. فكلمة تؤمنون تدل على إفادة الأمر بالدوام على الإيمان وتجديده في كل آن أما "تجاهدون" فإنها لإرادة تجدد الجهاد إذا استنفروا إليه.