الخطوط العريضة للقسم

  • جامعة: مرسلي عبد الله ''تيبازة''

       معهد: اللغة والأدب العربي                                                      مقياس: النقد الأدبي الحديث

       أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث                                            السنة الثانية ليسانس: دراسات لغوية

     

     

    المحاضرة الأولى: مدخل إلى النقد العربي الحديث(1)

    كان للتلاقح الفكريّ الفضل في تحرير الأدب من قيود الإسراف والجمود والتنميق والابتذال نحو تجويد المعاني والدقة في التعبير، كما أنّه جعل النقد يشقّ طريقه نحو التّقدّم بعيدا كلّ البعد عن الأحكام الذّاتية الانطباعيّة العفويّة غير المعللة، بالارتكاز على أصول وقواعد في إصدار الأحكام على العمل الإبداعي، ليستعيد بذلك كلّ من النّقد والأدب وجودهما بعد تخلّف وانحطاط وانتكاسة "دامت خمسة قرون تحت نير العصر العثمانيّ".فخرج بذلك العرب من نفوذ حكامه، ودخلوا بعدها دائرة الاستعمار الأوربّي الحديث ليتواصل الظّلم والتعسف والخلافات الدّينيّة، فسعى المصلحون لصدّ مكائد العدوّ بهدف دكّ و تقويض عرش الجور رافعين شعار الحرية والاستقلال، لتحلّ تباشير النّهضة الأدبيّة العربيّة الحديثة الّتي استطاعت أن تخرجهم من الظلم والاستبداد من ناحية، وتخرج الأدب والنقد من ضائقة الضعف والتقهقر من ناحية أخرى. فما مفهوم النّهضة ؟. متى بدأ عصر النّهضة؟. وماهي العوامل الّتي ساعدت على تجسيدها؟.

    1.  النهضة" الماهية، بوادر وبواعث الظهور":

    1.1.              ماهية النّهضة" Renaissance ":

    النهضة هي ثورة تدعو إلى انتقال نوعي من وضع إلى وضع أسمى وأرقى منه، إنّها "مرحلة تاريخيّة تسبق كلّ تطوّر أدبيّ أو علميّ، تتميّز بمحاكاة ومثاقفات"، وتستعمل كأداة للتبادل المعرفيّ بين الأنا والآخر لتكشف عن العلاقة القائمة بين الفنّ والحياة. كما أنّها تعد "عمليّة تطهيريّة للمجتمع بما هو قائم به من عادات وتقاليد وأعراف..، وأنماط عيش، إنّها بداية بناء عقليّة الأمّة بناء حضاريّا". فهي بذلك ترنو وتتطلّع إلى النّهوض بالواقع المتردّي وتحريره من الانغلاقيّة والتقوقع والاستكانة والخنوع، ساعية في ذلك إلى التّقدّم والتطوّر في مختلف المجالات، متجاوزة "الواقع إلى واقع أمثل بالمقارنة مع الواقع ذاته وماضيه"، وهذا التغيير اشتمل مختلف الميادين السياسيّة، الاجتماعيّة الاقتصاديّة والعلميّة..، مرتكزة في ذلك على النهضة العلميّة التي تقوم أساسا على العلم والتّعليم، اللّذان يعتبران السبب في ارتقاء الأمم وفي ظهور سائر النّهضات اللاحقة سياسيّة، عسكريّة، صناعيّة..، دون التخلّي على حضارة وأفكار وجهود المفكرين والعلماء والأدباء والنقاد القدامى، باعتبارها منطلقهم ونبراسهم الّذي يهتدوا به نحو مفاهيم حديثة تقدّميّة تجديديّة، وهذا ما أشار إليه شكيب أرسلان بقوله: "أظنّ أنّ ثقافة العرب المستقبلة ستكون ثقافة عصريّة، آخذة من التّجدّد بأوفى نصيب، لكن مع الاحتفاظ التّام بالطّابع العربيّ، وهذا أشبه بما سبق للثقافة العربيّة في زمن بني العبّاس وفي زمن بني أميّة بالأندلس، حينما نقل العرب حكمة اليونان إلى لغتهم واطّلعوا على علوم فارس والهند، فجعلوا من الثّقافات الثّلاث ومن الثّقافة العربيّة الأصليّة ثقافة جديدة علِيّة كانت أرقى ثقافة في القرون الوسطى..، هكذا ستكون ثقافة اليوم"؛  ثقافة تجمع بين القديم غير منسلخة ولا متخلية عن أصالتها، محتذية بالجديد وبما حملته الثّقافة الغربيّة من ارتقاء في مختلف المستويات.

    ولتحقق النّهضة أهدافها لا بدّ لها من شروط وعلى سبيل الذّكر لا الحصر:

    v   الحرّيّة التي نعدّها شعلة النّهضة والثورة الفكريّة والعلميّة والثقافية التي جعلتها تنعتق وتتحرر من ذلك الجمود، بعد إعلانها معركة فكريّة خاضها نخبة من المثقفين الّذين استطاعوا أن يحرروا العقول من أغلال التقهقر والتخلّف والقسوة والبغي، معبّرة عن آرائها وأفكارها وتطلّعاتها.

    v   الإبداع: وهو يعتبر أساس النّهضة، ومن العوامل الّتي تدفع إلى المطالبة بالتحرر من أغلال التقهقر والضّعف والتخلّف.

    2.1.     عصر النّهضة العربيّة "الظّهور والنّشأة":

     يسمّى أيضا بعصر الانبعاث أو عصر التنوير واليقظة والثورة والتّجديد والإبداع العربي، كانت هذه الأخيرة في أوائل القرن التاسع عشر بعد خروج نابوليون من مصر، وظهور الرّجل السّياسي العسكري محمد علي في المشرق العربي، ونخص بالذكر مصر باعتبارها مهد الحضارة والتّقدم والازدهار.

    هو عصر تمازج الثّقافات العربية بالثّقافة الأجنبية، وهذه الأخيرة شهدت "عصر بزوغ التّيارات الفكريّة والثّقافيّة، وإحياء الفنّ والمعرفة والأدب في أوروبا، تميّز بإعادة إحياء الدّراسات الإنسانيّة..، شمل التّجديد والإبداع في كلّ الفنون والعلوم والآداب والدّين والفلسفة والسّياسة، بعدما ساءت الحركة الفكرية والأدبية والاجتماعية بسبب الفساد الإداري"، متأثّرة بالحضارة العربية وما وصلت إليه من تقدّم في مختلف العلوم التي تجسّدت في أعمال ابن سينا، الفرابي، الرازي..، وقد بدأت هذه الحركة الثّقافيّة في إيطاليا في منتصف القرن الرّابع عشر واستمرّت حتّى القرن السّابع عشر وامتدّت إلى بقيّة أوروبّا.

    والنّهضة العربيّة بطابعها التنويريّ بدورها عرفت التّجديد والإبداع في كلّ الفنون والعلوم والآداب والدّين والفلسفة والسّياسة، حيث أعيد الاعتبار للأدب بعدما شهد الفكر العربيّ وأدبه مثالب ومناقص ومخاز ومعايب؛ " فانطفأت جذوة القرائح ومات الفنّ، وأرمد الوحي والابتكار، ودبّ الفساد في اللّغة الفصحى، بانتشار العناصر الأعجميّة ونشرهم رطانتهم فيها..، وهكذا خيّم الانحطاط بروْقيه- ضرب خيمته- على العربيّة وآدابها، وانزوت الفصحى بنتاجها العبقريّ في بطون الطّوامير-الصحيفة- المهملة، تنتظر أن يقيّض لها الله تعالى يوما تنبعث فيه من أكفانها". إلى أن جلجلت وصدحت مدافع نابوليون سنة 1798، التي كانت سببا في انفتاح الشعوب على الثّقافة الغربية من ناحية، مبدية تمسّكها بحضارتها القديمة الّتي تعدّ من أهمّ المراحل التّاريخيّة الّتي كان لها الدّور في إعادة الأدب إلى سابق عهده، بعدما رزح حاله حين تصلّبت العقول وجفّت القرائح وأصبحت غير قادرة على الابتكار والإبداع والنّظم من ناحية أخرى؛ هو العصر الّذي عاد فيه العرب إلى ماضيهم، وتيقّظوا لواقعهم الّذي سيطر عليه التّخلّف والجهل والتأخّر في مختلف المجلات خاصّة الأدبيّة منها، وهذا الاتصال كان سببا في يقظة العرب وصحوته وفي إعادة إحياء التراث العربيّ الأصيل فجادت القرائح، لتبدأ بذلك بوادر التطوّر تظهر في الوطن العربيّ بعد اتّصالهم بالحضارة الغربيّة الأوربيّة، لتستعيد اللغة العربية فصاحتها ومكانتها بعدما كان يشوبها الضّعف والضّمور، وقد تحقق ذلك بالعودة إلى أدبهم في أزهى عصوره في سابق عهده، ليشكّل بذلك شعرهم صلة بين النّصوص القديمة والمستحدثة، بعدما عرفت الفتور والتدنّي بسبب حرص الحاكم العثمانيّ على نشر اللغة التركيّة بين الشّعوب المملوكة، فلم تعرف تلك الفترة سوى الجمع والشروحات وكثرة التصانيف (المصنفات) والموسوعات وغزاة التآليف، التي كان لها إسهام كبير في حفظ التّراث والفكر العربي، فمن المعاجم: لسان العرب لابن منظور، القاموس المحيط للفيروز أبادي، ومن كتب التّاريخ والجغرافيا والطب: وفيات الأعيان لابن خلكلان، عجائب المخلوقات للقزويني.

     أمّا الكتابات فتنوّعت بين الشّعر والنّثر والرّسائل الدّيوانية والإخوانية والمقامات الّتي طغى عليها إسراف ومغالاة الأدباء في صور البديع، ليطغى بذلك الشكل على حساب المضمون. فكتب الشعراء في التصوف والمديح مستعينين بالألفاظ والمعاني الدينية المقتبسة من القرآن والسّنة النبويّة، كما كتبوا في الغزل الروحي والحنين والشكوى..إلخ.

    3.1.     تباشير النهضة الأدبيّة الحديثة" مقوّماتها وبواعثها ":

    تعددت عوامل النّهضة الأدبيّة وبواعثها، وهذه الأخيرة كان لها أثر ملحوظ في تغيير مجرى الحركة الفكريّة في الشرق العربي بصفة خاصّة، والتّطور الحضاري في الوطن العربيّ بصفة عامّة، من خلال مساهمتها في تطوير الأدب والنّقد معا، فمن العوامل التي ساعدت على تجسيدها:

    1.3.1     مدرسة روما المارونيّة (1884):

     تعدّ ثورة الأمير فخر الدّين المعني الثّاني - أمير لبنان الأكبر- ضدّ الأتراك من أولى تباشير النّهضة في لبنان، وهذا ما عبّر عنه جبران مسعود بقوله: "النّهضة هي كذلك بنت لبنان، نهلت من روحه، وترعرعت بهَدْيِه، واطمأنّت على ساعده، فكان لها نعم الأب، حضنها يوم بسمت لطلعتها دنياه، منذ القرن السّادس عشر، وسهر عليها حتّى استقام عودها، واستمرّ يتعهّد سعيها في أرضه حينا وفي دُنى الاغتراب حينا". لينسب لها فضل السّبق إلى نهضة فكريّة وانتفاضة جامحة نحو حركة التطوّر الفكري والتقدّم والانطلاق الأدبي، كما أنّها كانت من أسباب التّخلّص من مذابح الجور والظلم والاستبداد العثمانيّ الّذي كان عاملا من عوامل التخلّف، بسبب كبته للحرّيات وإهماله للمدارس ولرجال العلم، وانتزاعه لأدوات الحضارة العربيّة، "فأسوأ ما عرف عن بعض السلاطين العثمانيين تحريمهم الطباعة بعد سماعهم خبر وصول الاختراع الجديد إلى الشّرق، من بينهم السّلطان بيازيد الثّاني، الّذي أصدر مرسوما ينهى فيه رعاياه عن اتّخاذ المطبوعات، ليجدد بعده ابنه هذا المرسوم". ويظهر سعي الأمير فخر الدين في بعث الحركة العلميّة، تشجيعه حركة الهجرة إلى الغرب، وحرصه على اكتساب لغة الآخر ونشرها في بلاده، وكان ذلك" بعد ذهابه إلى توسكانا، فتعرّف في فلورانسيا عاصمة الحضارة الغربيّة يومذاك إلى نسق المعيشة وإلى الفنّ وإلى القصور، وحمل إلى بلاده الرّغبة في محاكاة تلك الحضارة العظيمة"، فأنشئت مدارس مكّنتهم من الاطلاع على ثقافة الغرب، كما كان لها الفضل في تخريج أساتذة عملوا على تثقيف أبناء قومهم، وأُسّست المطابع، ونشرت المخطوطات، وأنشئت الصّحافة، وما ساعد على ذلك فتح الأمير "المجال التّجاريّ بين الشّرق والغرب، لتنفتح لبنان على الحضارة الأوروبية عن طريق احتكاك مفكّريها وعلمائها ورجال دينها بالغرب، مشجّعا قيام المدرسة المارونيّة في روما سنة 1884، ممهّدا لحركة مثمرة علميّا وتجاريّا وحضاريّا"؛ إذ كان لهذه الأخيرة ولتلاميذها الأثر الكبير في اللغة والعلوم والترجمة والنهضة الإنسانيّة العامّة في لبنان والغرب، وهذا ما أشار إليه مارون عبود بقوله:" والمدرسة المارونيّة في رومة، كان لها أعظم أثر في تمشرق الغرب وتمغرب الشّرق"، لتتجسّد بذلك النّهضة عن طريق اتصال العرب الوثيق بالحضارة الغربية، وتبادل البعثات العلميّة مع أوربّا لتعلّم اللغات الأجنبيّة، التي ساعدت المبعوثين من الطلبة جمع وتحقيق المخطوطات الشّرقيّة، وترجمة الآثار الأوربيّة إلى اللغة العربية، ونقل الثقافة العربيّة إلى الغرب.

    2.3.1 انتفاضة مصر (حملة نابوليون بونابارث):

     إنّ اتّصال العرب بالحضارة الأوروبّيّة في أوائل القرن التاسع عشر كان وثيقا، فتوهّجت فيه النّهضة الأدبيّة في البلاد العربيّة، وهذه الأخيرة ارتبطت بحملة نابوليون الفرنسيّة-1798م/1213هـ- على مصر والشّام التي دامت ثلاث سنوات، مواجها فيها" ثلاث قوات عسكرية: قوّة المماليك التي استطاع أن يسيطر عليها قوّة الجيش العثماني الّذي بعث به الصدر الأعظم من الآستانة لمحاربة الفرنسيين وقوّة الجيش الإنجليزي، لتتحرر مصر بعد موقعة أبي قير البحرية التي كانت بين الإنجليز والفرنسيين، حيث انتصرت البحرية الإنجليزية على الفرنسية ووقعت بين الطرفين معاهدة تنص على انسحاب الجيشين، أما فرنسا خرجت فعلا، وأما الإنجليز أخذت تتماطل ثم خرجت سنة 1803 تحت إلحاح نابليون"، لتعدّ بذلك حملته الأقوى في الشّرق بعدما رزحت مصر تحت سيطرة الحكم العثماني فالأجنبيّ الّذي اتّخذ من "الإصلاح الاجتماعيّ والتّثقيف الفكريّ سبيلا لكسب ثقة المصريّين والوصول إلى غايته"، مستغلاّ الحالة المزرية التي كانت عليها مصر في تلك الفترة من جهل وتخلّف وركود وسوء حال، ويظهر ذلك فيما نقله الرّحّالة الفرنسي "قولني" الّذي زارها في نهاية القرن الثّامن عشر، عاكسا بذلك صورة مجتمع أهلكه والظلم والجهل والفقر المدقع الّذي طال الحاكم والمحكوم بقوله: "الجهل عام..، وهو يتناول كلّ الطّبقات، ويتجلّى كلّ العوامل الأدبيّة والطّبيعيّة، وفي الفنون الجميلة، حتّى الصّنائع اليدويّة فإنّها في أبسط أحوالها". وقد قامت هذه الحملة على شقين معرفي وعسكري مرتكزة في ذلك على القوة العسكرية والعلميّة، "ما دفع بالمؤرّخين إلى القول أنّ حملة نابوليون على مصر كانت علميّة أكثر منها حربية". فالجانب العلمي والمعرفي تجلّى في اصطحابه لطغمة من العلماء والمتخصصين باللغات والآثار والجغرافيا والهندسة والبناء والكيمياء، والصناعة، والرسم..، وفي إنشائه مدرستين لتعليم الفرنسيين المولودين بمصر، ومجمّعا علميّا مصريّا يتناول أعضاؤه بالدراسة والبحث: الرياضة، الطب، العلوم الاقتصادية، والطبيعية، الفنون والآداب. ومكتبة جامعة تحتوي على نفائس المؤلفات العربية الّتي جلبها الفرنسيون من أوربا، التي حصلوا عليها من المساجد وبيوت المماليك، ومطبعة حروفها عربيّة ولاتينيّة، ويونانيّة سمّيت بالمطبعة الأهليّة، أدارها المستشرق يوحنّا يوسف مرسال، وأصدروا جريدتين فرنسيتين إحداهما العُشارى المصرية التي كانت لسان حال المجمع العلمي (La Décade  Egiptienne)، والأخرى بريد مصر(Le Courrier d’Egipte) وهي تعدّ لسان حال الحملة، وجريدة عربية اسمها التنبيه تولّى إنشاءها أديب عصره إسماعيل الخشاب، لتخلّف بذلك هذه الحملة التي لم تدم طويلا إرثا حضاريا ثقافيا كبيرا، جعل الشرق يلحق بركب الحضارة الغربية، " فالاحتلال الفرنسيّ ترك في مصر أثرا لا يمحى، فقد ظلّ المصريون يعجبون بنابليون بعد خروجه من ديارهم، وظلت الإدارة الفرنسية مهيمنة على حكومة مصر..، وإنّ ما خلّفته الحملة الفرنسية في مصر خلال ثلاثة أعوام لا غير، لمن أضخم ما يتسنّى إنجازه في هذا الأمد الوجيز". أما العسكري فيظهر في هدفه الّذي سعى جاهدا إلى تحقيقه؛ بتوسيع مستعمراته، وسدّ طريق الهند في وجه انجلترّا، وبحجّة القضاء على سلطة المماليك، فهو لم يعتمد على لغة السلاح في حربه بل تسلّح بالمعرفة والعلم حتى يكسب ثقة المصريين. إلا أنّ مصر أعلنت ثورتها وانتفاضتها على ذلك الوضع بسبب شراسة رجال الحملة وانتهاكهم الحرمات، وبسبب ما مورس على أهلها من جور وظلم واستخفاف بأمور تتعلق بالدين والعادات والتقاليد والمعتقدات والأعراف، ساعية إلى إعادة بناء وطن مستقلّ بصدّ مكائد الأوروبيين مطالبة بالتحرر، ليحمل لواءها جيل من المصريين تعلّموا في أوربّا، متّخذين من ثقافتهم المنطلق بعد عودتهم نحو التقدّم وأساسا من أسس الإصلاح.

     فكانت بذلك حملة نابوليون نقمة في شقها السياسي العسكريّ بسبب تدهور الاقتصاد المصري والحصار الّذي ضربه الأسطول الإنجليزي على الموانئ المصرية، ليقيد نشاط الحملة الفرنسية التي أثقلت كاهل الشعب المصري بالضرائب الفادحة كما فعل المماليك من قبل. ونعمة في شقها المعرفي والعلمي، والسياسي وذلك بإيقاظ الوعي القومي الّذي دفعهم للمطالبة بالتحرر من الأمبريالية التي لا تمت لدينهم بالصلة، كما تجسّد في بزوغ فجر الحرية وفي تطلع المصريين لواقع ومستقبل أفضل في جميع الميادين، وكان سببه الاحتكاك بالثقافة الفرنسية التي سبقتهم بأشواط، وما ساعدهم على ذلك النّظام الّذي فرضه نابوليون والسياسة التي اتبعها، منشئا بذلك أول مجلس وزراء (ديوان) ترأسه عبد الله الشرقاوي، وكان ذلك بعد إصدار نابوليون لمرسومه في 25 يونيو1797، ضم تسعة مشايخ وعلماء لتقلد السلطة في البلاد والنيابة عن الأمة، ينظرون في أمور الرعية، ليكونوا بذلك حلقة الوصل بينهما وبين سلطات الحملة، وهذا جعلهم يحسون بالعدالة الاجتماعية.

     

    3.3.1   الطّباعة:

    تعدّ الطّباعة من أقدم الفنون التي عرفها الإنسان، وقد كان لها بالغ الأثر على النّهضة العلميّة بصفة عامّة والأدبيّة بصفة خاصّة، عرفها المصريون على أيدي علماء حملة نابوليون الفرنسيّة الذين أعادوا الآلات عند رحيلهم عنها، لتؤسس بعدها مطبعة الأهلية سنة 1821 على يد محمد علي المعروفة بمطبعة بولاق، التي كان لها الفضل في إثراء المكتبات بمختلف المؤلّفات الحديثة وتكوين المدارس والجامعات، وإعادة بعث المخطوطات وأمهات الكتب من ذلك كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري..، وإحياء التراث، ونقل مختلف العلوم والأخبار، لتنتشر بعدها المطابع في الشرق كلّه من أشهرها: المطبعة البولسية بلبنان، الهلال والمعارف بمصر.

    4.3.1   الصّحافة:

    وهي تعدّ منبرا من منابر الأدب التي استطاع من خلالها الأدباء والشعراء والمصلحون في عصر النّهضة التعبير عن آرائهم وأفكارهم وتطلّعاتهم، " فصارت مجالا للنقد الأدبي والسياسي والإصلاح الاجتماعي". فكان لها الفضل في توسيع معارفهم ونشر لغتهم وتحريرها من قيود الصنعة اللفظية، وإيقاظ وبثّ الوعي الوطنيّ والقومي، الذي كان سببا في تحقيق أهدافهم ونجاح ثوراتهم، التي أخرجتهم من ظلمات الانحصار والاستبداد نحو اليقظة والتقدّم والتحرر.

     وأوّل صحيفة عربيّة عرفتها البلاد العربيّة "جريدة الوقائع المصريّة" التي أسسها محمد علي في مصر سنة 1828؛ "كانت جريدة رسميّة تنشر أخبار الحكومة بالتّركيّة، ثمّ التّركيّة والعربيّة، ثمّ صارت تصدر بالعربيّة فقط، بإدارة رفاعة الطّهطاوي أحد رجال البعثة الأولى إلى باريس"، والتي كان لها إسهام كبير في تطوير اللغة العربيّة والارتقاء بالثّقافة العربيّة، وتخليص أسلوبها من الإسفاف وضعف الإنشاء الذي عرفته في عصر الضعف، كما كان لها الفضل في ظهور لون أدبيّ جديد هو فن المقالة التي ظهرت كاستجابة لعوامل سياسية واجتماعية، معبرين فيها عن واقعهم متخذة في ذلك بعدا سياسيا، اجتماعيا، دينيا، توعويا إصلاحيا.

    5.3.1   التعليم وإنشاء المدارس للارتقاء بالفكر العربي:

     يعدّ العلم والتّعليم من أهمّ الأسس التي قامت عليها النّهضة، ومن أهمّ العوامل الّتي طعّمت الفكر العربيّ وارتقت به وبتراثه،" فلا نهضة للأمم سوى النّهضة العلميّة، فإذا وجدت جاءت سائر النّهضات من سياسيّة وعسكريّة واجتماعيّة واقتصادية..، فإذا قلنا إنّ الشّرق الأدنى نهض نهضة علميّة، كفانا تعداد سائر مظاهر نهوضه، ومعارج رقيّه، لأنّ العلم وحده هو المفتاح و به وحده الدّخول إلى داخل البناء، وكلّ نهضة لا يكون ظهرها العلم فما هي إلا ساعة وتضمحل". فالعلم أساس النهضة والارتقاء في مختلف المجالات، إذ أنّه استطاع أن يفتح للشعوب العربيّة المجال للتعرّف على الثّقافات الأجنبيّة، كما أنه عدّ من الأسباب التي جعلته يتقدّم ويحافظ على هويته، ففي سنة 1826 باشر محمد علي باشا الكبير مؤسس النّهضة الشّرقيّة في إنشاء المدارس أشهرها: مدرسة الألسن التي أنشئت في عصر الترجمة والتّعريب " في أوائل 1835، وكانت تسمّى إذ ذاك مدرسة التّرجمة، كان مقرها بالسراي المعروفة ببيت الدفتر دار بالأزبكيّة ". ويعود الفضل في تأسيسها لعالم من أعلام ورواد الفكر العربيّ الحديث قائد النّهضة العلميّة في مصر ومديرها رفاعة الطّهطاوي عضو بعثة 1826 إلى باريس، وما دفعه لإنشائها حاجته إلى من يقف على علوم الغرب وآدابه وتخريج المترجمين والمدرّسين.

    6.3.1 الترجمة:

    تعدّ الترجمة من أسس النهضة الأدبية الحديثة، ومن أهمّ عوامل نهوض وارتقاء الحضارة العربيّة التي عرفت تطورا وتجديدا في مختلف المجلات خاصة العلميّة منها، كما أنّها ساهمت في تطوير الطباعة والنشر، ففتحت عيون المثقّفين على مصادر أجنبيّة علميّة وفكريّة من ذلك علوم اليونان والفرس التي نقلت إلى اللغة العربيّة في القرنين السادس والسابع، حين كان الأدب في أزهى عصور وأضافوا لتلك العلوم ما أضافوا،  فأصبحت الثّقافة بذلك تتألّف من "عنصر عربيّ خالص في اللّغة العربيّة وما يتّصل بها من أدب وعنصر دينيّ؛ وهو القرآن الكريم والتّفسير والحديث، ثمّ عنصر يونانيّ خاص؛ والمتمثّل في الفلسفة اليونانيّة الّتي أخذت تتدفّق على البلاد". وهذه الأخيرة جعلت من الأدب العربي عامة والشّعر خاصة يسير نحو التجديد، فارتقت بذلك الحياة العقليّة بنشاط حركة التّرجمة والتّأليف والنّقل والتّفسير، كما أنها ساهمت في تطوّر النقد الّذي تطوّر بتطور الأدب بحكم أنهما متواشجان متلازمان تلازم الروح بالجسد، فبرزت أسماء كثيرة وظهرت كتب جليلة أسّست لحركة أدبيّة عظيمة وتيارات نقدية متميّزة، وذلك بنقلها لمذاهب ومدارس أدبية ومناهج غربية، كما أنها عرّفتنا على أجناس أدبية من ذلك القصة المسرحية، المقالة، الشعر المسرحي والقصصي..إلخ.

    فعدت في العصر الحديث مرحلة من مراحل تباشير النهضة والغزو الثقافي الغربي، حيث توجهت الجهود إلى نقل وترجمة الفنون والآداب الأوروبيّة إلى اللغة العربيّة، مستبحرة في ثقافة الآخر؛ إذ أنّها ظهرت بظهور الاستعمار الّذي حاول فرض فكره وثقافته ولغته وحتى معتقداته، إلاّ أنّ القيم التي استمدّها من القرآن والسنة النبويّة الشريفة وقفت حائلا بينه وبين ذلك، بل دفعته للمقاومة والجهاد والدفاع من أجل استرجاع السيادة، وكانت بذلك السبب في نهوضها.

    بدأت الترجمة في الأدب العربيّ الحديث "من نقطة بنّاءة حمل لواؤها رفاعة رافع الطهطاوي، ومدرسة الألسن في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، وكانت هذه النّهضة إيجابيّة الهدف، ارتبطت إلى حدّ كبير بالمدرسة والعلوم والفنون والثّقافة والقانون، لتتحوّل إلى الأدب..، تحت تأثير حركة الغزو الثقافي"، الّذي نقل معه قيما وثقافة جديدة غريبة عن العقائد والأخلاقيات المستمدة من الدين والفكر الإسلامي. كما أظهر اهتمامه بالدستور الفرنسي " وسماه تسميته الفرنسية فدعاه الشرطة La Charte"، فإذا كانت مبادئ الثورة الفرنسيّة قد تسرّبت إلى مصر عن طريق الحملة النابوليونية في سنة 1798، والشبّان المصرييّن الّذين أوفدوا إلى فرنسا ثمّ عادوا إلى مصر، فقد اتّجهت الفكرة إلى "تعريب القوانين الفرنسية الّتي وضعت أيام نابوليون، وعهدت الحكومة إلى جماعة من أفاضل المترجمين المصريين بهذه المهمة، فعرّب القانون الفرنسي ورفاعة بك رافع، وعبد الله بك قلم الترجمة"، حيث تنبّه الطهطاوي والتمس لوطنه أسلوبا في الحكم يسير عليه، ويساير الأمم الناهضة والمتقدّمة حتّى في المجال السياسي ليضمن له حقوقه. 

    7.3.1   البعثات العلميّة:

     أوفد محمد علي العديد من البعثات العلمية التي كانت لها علاقة مباشرة بالجانب العسكريّ لتلقي فنون الحرب مقارنة بالجانب التعليميّ، من ذلك بعثة إيطاليا (1816) لدراسة الفنون العسكريّة والهندسة والطباعة، وأخرى إلى إنجلترا(1818) لدراسة حيل الميكانيك، وبعثة أخرى إلى فرنسا (1826)، وكان رفاعة الطهطاوي والمبعوثين الذين "أنفذهم محمد علي باشا الكبير إلى فرنسا من أعظم المجاري التي تسرّبت خلالها إلى الشرق العربي أثارٌ من مبادئ الثّورة الفرنسية وكبار مفكّريها". من كتبه النّفيسة التي عدّت من آثار الأدب الفكريّ العربيّ ما تضمنه عن رحلته إلى باريس وما تلقّاه فيها من ثقافة، وما شهده وتأثّر به في بعثته والموسوم بـ:  تلخيص الإبريز في تلخيص باريز" أو "الدّيوان النّفيس بإيوان باريس"، ليترجم من خلاله التفاعل القائم بين الشرق والغرب.

    8.3.1   جهود المستشرقين وأثرهم في الأدب العربي:

    عني الغرب بدراسة العربيّة منذ القرن العاشر يوم كانوا في أمسّ الحاجة إلى العلم والأدب، يوم كانت بلاد العرب "تشعّ بأنوار العلوم والآداب، وقواعد الأندلس مناور الغرب بمدارسها وجامعاتها، فكانت قبلة الراغبين في دراسة العربيّة وعلومها، ليستفيد بذلك الاستشراق في طوره الأوّل من الثّقافة والمعارف العربيّة، ومن أشهر المستشرقين الأوروبيين  الّذين استفادوا من العرب في ذلك العهد البابا سلفستروس الثّاني، ليسبق بذلك أدبنا العريق" الآداب الأوروبية بعشرة قرون أو تزيد". وقد أطلق الاستشراق على فئة من علماء الغرب، تخصصوا في دراسة اللغات والآداب والمعارف والعلوم الشرقية، وقد كان لهذه الفئة الدور الكبير في النهضة بما أثاروه من حركة فكريّة ونقدية، إذ يعود لهم الفضل في جمع المخطوطات العربية القديمة المتفرقة في مختلف أنحاء العالم، وفي تحقيقاتهم اللغويّة ونسخهم ونشرهم لها بعد فهرستها، باعتبارها من نفائس التراث العربي التي أثروا به خزانة الأدب والنقد من خلال إحيائهم للتراث العربي القديم (النحو، التاريخ، الجغرافيا، الطب، علم التشريح، الفيزياء، الكيمياء..). كما أنهم استطاعوا أن يوثقوا أواصر الفكر والثقافة بين الشرق والغرب، و للاستشراق في الأدب العربي أثران واضحان:

    ·       توجيه الدارسين العرب والمسلمين في معاهد الغرب إلى اتّخاذ مناهج الأدب الغربي أساسا للبحث، والتماس أسلوب النّقد من نظريات الأدب الأوربي وكذا أسلوب التاريخ الّذي ظهرت نتائجه في أعمال طه حسين، الّذي نجده يعلن تبعيته في أكثر من موقف لآراء المستشرقين.

    ·       أثر المستشرقين أنفسهم ونظرياتهم في الأدب العربي الّتي جاءت نتيجة دراستهم له، أمثال مرجليوت الإنجليزي، إذ نجد طه حسين يعتمد رأيه في قضيّة الشّك في الشّعر الجاهلي- المنحول على حدّ تعبيره- سالكا في ذلك سبيله في الاستنباط والاستنتاج وتعميم الحكم الفردي الخاص واعتباره قاعدة عامة، بالإضافة إلى "جِبْ" الّذي أبدى اهتمامه بالشعر الجاهلي في دراساته، "دي ساس" الذي ترجم كتاب كليلة ودمنة، بروكلمان، بلاشير، جاك بيرك..إلخ. كما أنهم يعدّون "أوّل من بحث في تاريخ نشأة اللغة العربية وتطورها، وقرؤوا النقوش العربية القديمة، وفكوا رموزها، وأبانوا عن صلة العربية باللغات السامية القديمة، وتحدُّرُ هذه اللغات من أصل لغوي واحد". فكان بذلك للمستشرقين الدور في ربط الحضارة العربية بالغربية، وفي تطوير الدراسات الأدبية من خلال إعادة بعثهم لنفائس الكتب، التي نقلوها من اللغة العربية إلى اللغة الأجنبية أو العكس.

    وفي الختام يمكننا أن نعيد عوامل ومؤثرات النّهضة الأدبيّة العربية الحديثة إلى عوامل داخليّة، والمتمثلة في حركة الإصلاح السياسي والإسلامي للنهوض بالبلاد العربية، بعدما جثم الاستعمار على صدرها، مستعينين في ذلك برواد الفكر الّذين خاضوا حربا ضروسا في شتّى الميادين: أخلاقية، سياسية، اجتماعية وثقافية وفكريّة في سبيل استرجاع السيادة بعد نضال وكفاح مرير، استطاعوا من خلاله أن يحققوا الوحدة من جديد، وأن يعيدوا للأدب مكانته ومنزلته بجمعهم بين الثقافتين؛ الثقافة الغربية والثقافة العربيّة الأصيلة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ليعدّ الانفتاح على الفكر الأوروبي من العوامل الخارجيّة، الّتي كان لها بالغ الأثر في صحوة العرب وانتفاضتهم ويقظتهم.