نقد أدبي حديث
Résumé de section
-

جامعة مرسلي عبد الله "تيبازة"
د. منصورية بن عبد الله ثالث
الرتبة: أستاذ محاضر"أ"
البريد الإلكتروني: douae.ghofran@hotmail.fr
مقياس: النقد الأدبي الحديث
المستوى/ التخصص: سنة ثانية دراسات لغوية
محاضرة/ أعمال موجهة
الحجم الساعي: المحاضرة: 2ســــا
الحجم الساعي: الأعمال الموجهة: 1ســـــا و30د
الأفواج المسندة: الفوج 1-2-3
طريقة التقييم: متواصل
المعامل: 2
الرصيد:4
-
يهدف المقياس إلى:
- التعرف على المراحل الانتقالية التي مرّ بها الأدب والموضوعات المتعلّقة بالنقد الأدبيّ الحديث.
- التعريف بإرهاصات وبدايات النقد الأدبي الحديث في الأدب العربي، وبيان ظروف نشأته ومرجعياته الفكرية والثقافية.
- تمكين الطالب من استيعاب تطوّر النقد الأدبي والانتقال به من المرحلة التقليدية إلى المرحلة الحديثة.
- التعرّف على أبرز المدارس الأدبية الحديثة (الكلاسيكية، الرومانسية، الواقعية، الرمزية…) وفهم أسسها الجمالية والفكرية.
- اكتساب معرفة بالمناهج النقدية السياقية (الاجتماعي، النفسي، التاريخي…) وكيفية توظيفها في تحليل النصوص الأدبية.
- فهم القضايا النقدية الكبرى في النقد الحديث، مثل:
-
الصدق الفني
-
الخيال
-
الجنس الأدبي
-
- تنمية القدرة على التحليل النقدي للنصوص الأدبية وفق مناهج حديثة.
- تدريب الطالب على المقارنة بين مفاهيم النقد القديم والنقد الحديث.
- تطوير الحسّ النقدي والذوق الأدبي لدى الطالب.
-

يشترط في الطالب قبل دراسة هذا المقياس أن يكون قد اكتسب:
- معرفة أساسية بالأدب العربي القديم والحديث من حيث العصور والاتجاهات الكبرى.
- إلمامًا أوليًا بمفاهيم النقد الأدبي القديم كـ:
-
الطبع والتكلّف
-
المعاني والألفاظ
-
السرقات الشعرية
-
- قدرة على الفهم القرائي للنصوص الأدبية وتحليلها تحليلًا بسيطًا.
- معرفة أولية بعناصر النص الأدبي:
-
الفكرة
-
العاطفة
-
الأسلوب
-
الصورة
-
الخيال
-
- إلمامًا بالقواعد الأساسية للغة العربية (نحو، صرف، بلاغة).
- قدرة على التعبير الكتابي المنهجي وصياغة الأفكار بوضوح.
- استعداد ذهني لتقبّل الرؤى النقدية المختلفة ومناقشتها بموضوعية.
-
عنــــوان المحاضـــرة
- مقدمة
المحاضرة 01: مدخل إلى النقد العربي الحديث(1).
المحاضرة 02: مدخل إلى النقد العربي الحديث(2).
المحاضرة 03: النقد الإحيائي.
المحاضرة 04: إرهاصات التجديد في النقد الحديث.
المحاضرة 05: جماعة الديوان.
المحاضرة 06: جماعة أبولو.
المحاضرة 07: جماعة الرابطة القلمية.
المحاضرة 08: النقد التاريخي
المحاضرة 09: النقد الاجتماعي.
المحاضرة 10: النقد النفسي.
المحاضرة 11: النقد الواقعي
المحاضرة 12: النقد الجديد.
المحاضرة 13+14: القضايا النقدية(1) و (2).
-
جامعة: مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي مقياس: النقد الأدبي الحديث
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث السنة الثانية ليسانس: دراسات لغوية
المحاضرة الأولى: مدخل إلى النقد العربي الحديث(1)
كان للتلاقح الفكريّ الفضل في تحرير الأدب من قيود الإسراف والجمود والتنميق والابتذال نحو تجويد المعاني والدقة في التعبير، كما أنّه جعل النقد يشقّ طريقه نحو التّقدّم بعيدا كلّ البعد عن الأحكام الذّاتية الانطباعيّة العفويّة غير المعللة، بالارتكاز على أصول وقواعد في إصدار الأحكام على العمل الإبداعي، ليستعيد بذلك كلّ من النّقد والأدب وجودهما بعد تخلّف وانحطاط وانتكاسة "دامت خمسة قرون تحت نير العصر العثمانيّ".فخرج بذلك العرب من نفوذ حكامه، ودخلوا بعدها دائرة الاستعمار الأوربّي الحديث ليتواصل الظّلم والتعسف والخلافات الدّينيّة، فسعى المصلحون لصدّ مكائد العدوّ بهدف دكّ و تقويض عرش الجور رافعين شعار الحرية والاستقلال، لتحلّ تباشير النّهضة الأدبيّة العربيّة الحديثة الّتي استطاعت أن تخرجهم من الظلم والاستبداد من ناحية، وتخرج الأدب والنقد من ضائقة الضعف والتقهقر من ناحية أخرى. فما مفهوم النّهضة ؟. متى بدأ عصر النّهضة؟. وماهي العوامل الّتي ساعدت على تجسيدها؟.
1. النهضة" الماهية، بوادر وبواعث الظهور":
1.1. ماهية النّهضة" Renaissance ":
النهضة هي ثورة تدعو إلى انتقال نوعي من وضع إلى وضع أسمى وأرقى منه، إنّها "مرحلة تاريخيّة تسبق كلّ تطوّر أدبيّ أو علميّ، تتميّز بمحاكاة ومثاقفات"، وتستعمل كأداة للتبادل المعرفيّ بين الأنا والآخر لتكشف عن العلاقة القائمة بين الفنّ والحياة. كما أنّها تعد "عمليّة تطهيريّة للمجتمع بما هو قائم به من عادات وتقاليد وأعراف..، وأنماط عيش، إنّها بداية بناء عقليّة الأمّة بناء حضاريّا". فهي بذلك ترنو وتتطلّع إلى النّهوض بالواقع المتردّي وتحريره من الانغلاقيّة والتقوقع والاستكانة والخنوع، ساعية في ذلك إلى التّقدّم والتطوّر في مختلف المجالات، متجاوزة "الواقع إلى واقع أمثل بالمقارنة مع الواقع ذاته وماضيه"، وهذا التغيير اشتمل مختلف الميادين السياسيّة، الاجتماعيّة الاقتصاديّة والعلميّة..، مرتكزة في ذلك على النهضة العلميّة التي تقوم أساسا على العلم والتّعليم، اللّذان يعتبران السبب في ارتقاء الأمم وفي ظهور سائر النّهضات اللاحقة سياسيّة، عسكريّة، صناعيّة..، دون التخلّي على حضارة وأفكار وجهود المفكرين والعلماء والأدباء والنقاد القدامى، باعتبارها منطلقهم ونبراسهم الّذي يهتدوا به نحو مفاهيم حديثة تقدّميّة تجديديّة، وهذا ما أشار إليه شكيب أرسلان بقوله: "أظنّ أنّ ثقافة العرب المستقبلة ستكون ثقافة عصريّة، آخذة من التّجدّد بأوفى نصيب، لكن مع الاحتفاظ التّام بالطّابع العربيّ، وهذا أشبه بما سبق للثقافة العربيّة في زمن بني العبّاس وفي زمن بني أميّة بالأندلس، حينما نقل العرب حكمة اليونان إلى لغتهم واطّلعوا على علوم فارس والهند، فجعلوا من الثّقافات الثّلاث ومن الثّقافة العربيّة الأصليّة ثقافة جديدة علِيّة كانت أرقى ثقافة في القرون الوسطى..، هكذا ستكون ثقافة اليوم"؛ ثقافة تجمع بين القديم غير منسلخة ولا متخلية عن أصالتها، محتذية بالجديد وبما حملته الثّقافة الغربيّة من ارتقاء في مختلف المستويات.
ولتحقق النّهضة أهدافها لا بدّ لها من شروط وعلى سبيل الذّكر لا الحصر:
v الحرّيّة التي نعدّها شعلة النّهضة والثورة الفكريّة والعلميّة والثقافية التي جعلتها تنعتق وتتحرر من ذلك الجمود، بعد إعلانها معركة فكريّة خاضها نخبة من المثقفين الّذين استطاعوا أن يحرروا العقول من أغلال التقهقر والتخلّف والقسوة والبغي، معبّرة عن آرائها وأفكارها وتطلّعاتها.
v الإبداع: وهو يعتبر أساس النّهضة، ومن العوامل الّتي تدفع إلى المطالبة بالتحرر من أغلال التقهقر والضّعف والتخلّف.
2.1. عصر النّهضة العربيّة "الظّهور والنّشأة":
يسمّى أيضا بعصر الانبعاث أو عصر التنوير واليقظة والثورة والتّجديد والإبداع العربي، كانت هذه الأخيرة في أوائل القرن التاسع عشر بعد خروج نابوليون من مصر، وظهور الرّجل السّياسي العسكري محمد علي في المشرق العربي، ونخص بالذكر مصر باعتبارها مهد الحضارة والتّقدم والازدهار.
هو عصر تمازج الثّقافات العربية بالثّقافة الأجنبية، وهذه الأخيرة شهدت "عصر بزوغ التّيارات الفكريّة والثّقافيّة، وإحياء الفنّ والمعرفة والأدب في أوروبا، تميّز بإعادة إحياء الدّراسات الإنسانيّة..، شمل التّجديد والإبداع في كلّ الفنون والعلوم والآداب والدّين والفلسفة والسّياسة، بعدما ساءت الحركة الفكرية والأدبية والاجتماعية بسبب الفساد الإداري"، متأثّرة بالحضارة العربية وما وصلت إليه من تقدّم في مختلف العلوم التي تجسّدت في أعمال ابن سينا، الفرابي، الرازي..، وقد بدأت هذه الحركة الثّقافيّة في إيطاليا في منتصف القرن الرّابع عشر واستمرّت حتّى القرن السّابع عشر وامتدّت إلى بقيّة أوروبّا.
والنّهضة العربيّة بطابعها التنويريّ بدورها عرفت التّجديد والإبداع في كلّ الفنون والعلوم والآداب والدّين والفلسفة والسّياسة، حيث أعيد الاعتبار للأدب بعدما شهد الفكر العربيّ وأدبه مثالب ومناقص ومخاز ومعايب؛ " فانطفأت جذوة القرائح ومات الفنّ، وأرمد الوحي والابتكار، ودبّ الفساد في اللّغة الفصحى، بانتشار العناصر الأعجميّة ونشرهم رطانتهم فيها..، وهكذا خيّم الانحطاط بروْقيه- ضرب خيمته- على العربيّة وآدابها، وانزوت الفصحى بنتاجها العبقريّ في بطون الطّوامير-الصحيفة- المهملة، تنتظر أن يقيّض لها الله تعالى يوما تنبعث فيه من أكفانها". إلى أن جلجلت وصدحت مدافع نابوليون سنة 1798، التي كانت سببا في انفتاح الشعوب على الثّقافة الغربية من ناحية، مبدية تمسّكها بحضارتها القديمة الّتي تعدّ من أهمّ المراحل التّاريخيّة الّتي كان لها الدّور في إعادة الأدب إلى سابق عهده، بعدما رزح حاله حين تصلّبت العقول وجفّت القرائح وأصبحت غير قادرة على الابتكار والإبداع والنّظم من ناحية أخرى؛ هو العصر الّذي عاد فيه العرب إلى ماضيهم، وتيقّظوا لواقعهم الّذي سيطر عليه التّخلّف والجهل والتأخّر في مختلف المجلات خاصّة الأدبيّة منها، وهذا الاتصال كان سببا في يقظة العرب وصحوته وفي إعادة إحياء التراث العربيّ الأصيل فجادت القرائح، لتبدأ بذلك بوادر التطوّر تظهر في الوطن العربيّ بعد اتّصالهم بالحضارة الغربيّة الأوربيّة، لتستعيد اللغة العربية فصاحتها ومكانتها بعدما كان يشوبها الضّعف والضّمور، وقد تحقق ذلك بالعودة إلى أدبهم في أزهى عصوره في سابق عهده، ليشكّل بذلك شعرهم صلة بين النّصوص القديمة والمستحدثة، بعدما عرفت الفتور والتدنّي بسبب حرص الحاكم العثمانيّ على نشر اللغة التركيّة بين الشّعوب المملوكة، فلم تعرف تلك الفترة سوى الجمع والشروحات وكثرة التصانيف (المصنفات) والموسوعات وغزاة التآليف، التي كان لها إسهام كبير في حفظ التّراث والفكر العربي، فمن المعاجم: لسان العرب لابن منظور، القاموس المحيط للفيروز أبادي، ومن كتب التّاريخ والجغرافيا والطب: وفيات الأعيان لابن خلكلان، عجائب المخلوقات للقزويني.
أمّا الكتابات فتنوّعت بين الشّعر والنّثر والرّسائل الدّيوانية والإخوانية والمقامات الّتي طغى عليها إسراف ومغالاة الأدباء في صور البديع، ليطغى بذلك الشكل على حساب المضمون. فكتب الشعراء في التصوف والمديح مستعينين بالألفاظ والمعاني الدينية المقتبسة من القرآن والسّنة النبويّة، كما كتبوا في الغزل الروحي والحنين والشكوى..إلخ.
3.1. تباشير النهضة الأدبيّة الحديثة" مقوّماتها وبواعثها ":
تعددت عوامل النّهضة الأدبيّة وبواعثها، وهذه الأخيرة كان لها أثر ملحوظ في تغيير مجرى الحركة الفكريّة في الشرق العربي بصفة خاصّة، والتّطور الحضاري في الوطن العربيّ بصفة عامّة، من خلال مساهمتها في تطوير الأدب والنّقد معا، فمن العوامل التي ساعدت على تجسيدها:
1.3.1 مدرسة روما المارونيّة (1884):
تعدّ ثورة الأمير فخر الدّين المعني الثّاني - أمير لبنان الأكبر- ضدّ الأتراك من أولى تباشير النّهضة في لبنان، وهذا ما عبّر عنه جبران مسعود بقوله: "النّهضة هي كذلك بنت لبنان، نهلت من روحه، وترعرعت بهَدْيِه، واطمأنّت على ساعده، فكان لها نعم الأب، حضنها يوم بسمت لطلعتها دنياه، منذ القرن السّادس عشر، وسهر عليها حتّى استقام عودها، واستمرّ يتعهّد سعيها في أرضه حينا وفي دُنى الاغتراب حينا". لينسب لها فضل السّبق إلى نهضة فكريّة وانتفاضة جامحة نحو حركة التطوّر الفكري والتقدّم والانطلاق الأدبي، كما أنّها كانت من أسباب التّخلّص من مذابح الجور والظلم والاستبداد العثمانيّ الّذي كان عاملا من عوامل التخلّف، بسبب كبته للحرّيات وإهماله للمدارس ولرجال العلم، وانتزاعه لأدوات الحضارة العربيّة، "فأسوأ ما عرف عن بعض السلاطين العثمانيين تحريمهم الطباعة بعد سماعهم خبر وصول الاختراع الجديد إلى الشّرق، من بينهم السّلطان بيازيد الثّاني، الّذي أصدر مرسوما ينهى فيه رعاياه عن اتّخاذ المطبوعات، ليجدد بعده ابنه هذا المرسوم". ويظهر سعي الأمير فخر الدين في بعث الحركة العلميّة، تشجيعه حركة الهجرة إلى الغرب، وحرصه على اكتساب لغة الآخر ونشرها في بلاده، وكان ذلك" بعد ذهابه إلى توسكانا، فتعرّف في فلورانسيا عاصمة الحضارة الغربيّة يومذاك إلى نسق المعيشة وإلى الفنّ وإلى القصور، وحمل إلى بلاده الرّغبة في محاكاة تلك الحضارة العظيمة"، فأنشئت مدارس مكّنتهم من الاطلاع على ثقافة الغرب، كما كان لها الفضل في تخريج أساتذة عملوا على تثقيف أبناء قومهم، وأُسّست المطابع، ونشرت المخطوطات، وأنشئت الصّحافة، وما ساعد على ذلك فتح الأمير "المجال التّجاريّ بين الشّرق والغرب، لتنفتح لبنان على الحضارة الأوروبية عن طريق احتكاك مفكّريها وعلمائها ورجال دينها بالغرب، مشجّعا قيام المدرسة المارونيّة في روما سنة 1884، ممهّدا لحركة مثمرة علميّا وتجاريّا وحضاريّا"؛ إذ كان لهذه الأخيرة ولتلاميذها الأثر الكبير في اللغة والعلوم والترجمة والنهضة الإنسانيّة العامّة في لبنان والغرب، وهذا ما أشار إليه مارون عبود بقوله:" والمدرسة المارونيّة في رومة، كان لها أعظم أثر في تمشرق الغرب وتمغرب الشّرق"، لتتجسّد بذلك النّهضة عن طريق اتصال العرب الوثيق بالحضارة الغربية، وتبادل البعثات العلميّة مع أوربّا لتعلّم اللغات الأجنبيّة، التي ساعدت المبعوثين من الطلبة جمع وتحقيق المخطوطات الشّرقيّة، وترجمة الآثار الأوربيّة إلى اللغة العربية، ونقل الثقافة العربيّة إلى الغرب.
2.3.1 انتفاضة مصر (حملة نابوليون بونابارث):
إنّ اتّصال العرب بالحضارة الأوروبّيّة في أوائل القرن التاسع عشر كان وثيقا، فتوهّجت فيه النّهضة الأدبيّة في البلاد العربيّة، وهذه الأخيرة ارتبطت بحملة نابوليون الفرنسيّة-1798م/1213هـ- على مصر والشّام التي دامت ثلاث سنوات، مواجها فيها" ثلاث قوات عسكرية: قوّة المماليك التي استطاع أن يسيطر عليها قوّة الجيش العثماني الّذي بعث به الصدر الأعظم من الآستانة لمحاربة الفرنسيين وقوّة الجيش الإنجليزي، لتتحرر مصر بعد موقعة أبي قير البحرية التي كانت بين الإنجليز والفرنسيين، حيث انتصرت البحرية الإنجليزية على الفرنسية ووقعت بين الطرفين معاهدة تنص على انسحاب الجيشين، أما فرنسا خرجت فعلا، وأما الإنجليز أخذت تتماطل ثم خرجت سنة 1803 تحت إلحاح نابليون"، لتعدّ بذلك حملته الأقوى في الشّرق بعدما رزحت مصر تحت سيطرة الحكم العثماني فالأجنبيّ الّذي اتّخذ من "الإصلاح الاجتماعيّ والتّثقيف الفكريّ سبيلا لكسب ثقة المصريّين والوصول إلى غايته"، مستغلاّ الحالة المزرية التي كانت عليها مصر في تلك الفترة من جهل وتخلّف وركود وسوء حال، ويظهر ذلك فيما نقله الرّحّالة الفرنسي "قولني" الّذي زارها في نهاية القرن الثّامن عشر، عاكسا بذلك صورة مجتمع أهلكه والظلم والجهل والفقر المدقع الّذي طال الحاكم والمحكوم بقوله: "الجهل عام..، وهو يتناول كلّ الطّبقات، ويتجلّى كلّ العوامل الأدبيّة والطّبيعيّة، وفي الفنون الجميلة، حتّى الصّنائع اليدويّة فإنّها في أبسط أحوالها". وقد قامت هذه الحملة على شقين معرفي وعسكري مرتكزة في ذلك على القوة العسكرية والعلميّة، "ما دفع بالمؤرّخين إلى القول أنّ حملة نابوليون على مصر كانت علميّة أكثر منها حربية". فالجانب العلمي والمعرفي تجلّى في اصطحابه لطغمة من العلماء والمتخصصين باللغات والآثار والجغرافيا والهندسة والبناء والكيمياء، والصناعة، والرسم..، وفي إنشائه مدرستين لتعليم الفرنسيين المولودين بمصر، ومجمّعا علميّا مصريّا يتناول أعضاؤه بالدراسة والبحث: الرياضة، الطب، العلوم الاقتصادية، والطبيعية، الفنون والآداب. ومكتبة جامعة تحتوي على نفائس المؤلفات العربية الّتي جلبها الفرنسيون من أوربا، التي حصلوا عليها من المساجد وبيوت المماليك، ومطبعة حروفها عربيّة ولاتينيّة، ويونانيّة سمّيت بالمطبعة الأهليّة، أدارها المستشرق يوحنّا يوسف مرسال، وأصدروا جريدتين فرنسيتين إحداهما العُشارى المصرية التي كانت لسان حال المجمع العلمي (La Décade Egiptienne)، والأخرى بريد مصر(Le Courrier d’Egipte) وهي تعدّ لسان حال الحملة، وجريدة عربية اسمها التنبيه تولّى إنشاءها أديب عصره إسماعيل الخشاب، لتخلّف بذلك هذه الحملة التي لم تدم طويلا إرثا حضاريا ثقافيا كبيرا، جعل الشرق يلحق بركب الحضارة الغربية، " فالاحتلال الفرنسيّ ترك في مصر أثرا لا يمحى، فقد ظلّ المصريون يعجبون بنابليون بعد خروجه من ديارهم، وظلت الإدارة الفرنسية مهيمنة على حكومة مصر..، وإنّ ما خلّفته الحملة الفرنسية في مصر خلال ثلاثة أعوام لا غير، لمن أضخم ما يتسنّى إنجازه في هذا الأمد الوجيز". أما العسكري فيظهر في هدفه الّذي سعى جاهدا إلى تحقيقه؛ بتوسيع مستعمراته، وسدّ طريق الهند في وجه انجلترّا، وبحجّة القضاء على سلطة المماليك، فهو لم يعتمد على لغة السلاح في حربه بل تسلّح بالمعرفة والعلم حتى يكسب ثقة المصريين. إلا أنّ مصر أعلنت ثورتها وانتفاضتها على ذلك الوضع بسبب شراسة رجال الحملة وانتهاكهم الحرمات، وبسبب ما مورس على أهلها من جور وظلم واستخفاف بأمور تتعلق بالدين والعادات والتقاليد والمعتقدات والأعراف، ساعية إلى إعادة بناء وطن مستقلّ بصدّ مكائد الأوروبيين مطالبة بالتحرر، ليحمل لواءها جيل من المصريين تعلّموا في أوربّا، متّخذين من ثقافتهم المنطلق بعد عودتهم نحو التقدّم وأساسا من أسس الإصلاح.
فكانت بذلك حملة نابوليون نقمة في شقها السياسي العسكريّ بسبب تدهور الاقتصاد المصري والحصار الّذي ضربه الأسطول الإنجليزي على الموانئ المصرية، ليقيد نشاط الحملة الفرنسية التي أثقلت كاهل الشعب المصري بالضرائب الفادحة كما فعل المماليك من قبل. ونعمة في شقها المعرفي والعلمي، والسياسي وذلك بإيقاظ الوعي القومي الّذي دفعهم للمطالبة بالتحرر من الأمبريالية التي لا تمت لدينهم بالصلة، كما تجسّد في بزوغ فجر الحرية وفي تطلع المصريين لواقع ومستقبل أفضل في جميع الميادين، وكان سببه الاحتكاك بالثقافة الفرنسية التي سبقتهم بأشواط، وما ساعدهم على ذلك النّظام الّذي فرضه نابوليون والسياسة التي اتبعها، منشئا بذلك أول مجلس وزراء (ديوان) ترأسه عبد الله الشرقاوي، وكان ذلك بعد إصدار نابوليون لمرسومه في 25 يونيو1797، ضم تسعة مشايخ وعلماء لتقلد السلطة في البلاد والنيابة عن الأمة، ينظرون في أمور الرعية، ليكونوا بذلك حلقة الوصل بينهما وبين سلطات الحملة، وهذا جعلهم يحسون بالعدالة الاجتماعية.
3.3.1 الطّباعة:
تعدّ الطّباعة من أقدم الفنون التي عرفها الإنسان، وقد كان لها بالغ الأثر على النّهضة العلميّة بصفة عامّة والأدبيّة بصفة خاصّة، عرفها المصريون على أيدي علماء حملة نابوليون الفرنسيّة الذين أعادوا الآلات عند رحيلهم عنها، لتؤسس بعدها مطبعة الأهلية سنة 1821 على يد محمد علي المعروفة بمطبعة بولاق، التي كان لها الفضل في إثراء المكتبات بمختلف المؤلّفات الحديثة وتكوين المدارس والجامعات، وإعادة بعث المخطوطات وأمهات الكتب من ذلك كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري..، وإحياء التراث، ونقل مختلف العلوم والأخبار، لتنتشر بعدها المطابع في الشرق كلّه من أشهرها: المطبعة البولسية بلبنان، الهلال والمعارف بمصر.
4.3.1 الصّحافة:
وهي تعدّ منبرا من منابر الأدب التي استطاع من خلالها الأدباء والشعراء والمصلحون في عصر النّهضة التعبير عن آرائهم وأفكارهم وتطلّعاتهم، " فصارت مجالا للنقد الأدبي والسياسي والإصلاح الاجتماعي". فكان لها الفضل في توسيع معارفهم ونشر لغتهم وتحريرها من قيود الصنعة اللفظية، وإيقاظ وبثّ الوعي الوطنيّ والقومي، الذي كان سببا في تحقيق أهدافهم ونجاح ثوراتهم، التي أخرجتهم من ظلمات الانحصار والاستبداد نحو اليقظة والتقدّم والتحرر.
وأوّل صحيفة عربيّة عرفتها البلاد العربيّة "جريدة الوقائع المصريّة" التي أسسها محمد علي في مصر سنة 1828؛ "كانت جريدة رسميّة تنشر أخبار الحكومة بالتّركيّة، ثمّ التّركيّة والعربيّة، ثمّ صارت تصدر بالعربيّة فقط، بإدارة رفاعة الطّهطاوي أحد رجال البعثة الأولى إلى باريس"، والتي كان لها إسهام كبير في تطوير اللغة العربيّة والارتقاء بالثّقافة العربيّة، وتخليص أسلوبها من الإسفاف وضعف الإنشاء الذي عرفته في عصر الضعف، كما كان لها الفضل في ظهور لون أدبيّ جديد هو فن المقالة التي ظهرت كاستجابة لعوامل سياسية واجتماعية، معبرين فيها عن واقعهم متخذة في ذلك بعدا سياسيا، اجتماعيا، دينيا، توعويا إصلاحيا.
5.3.1 التعليم وإنشاء المدارس للارتقاء بالفكر العربي:
يعدّ العلم والتّعليم من أهمّ الأسس التي قامت عليها النّهضة، ومن أهمّ العوامل الّتي طعّمت الفكر العربيّ وارتقت به وبتراثه،" فلا نهضة للأمم سوى النّهضة العلميّة، فإذا وجدت جاءت سائر النّهضات من سياسيّة وعسكريّة واجتماعيّة واقتصادية..، فإذا قلنا إنّ الشّرق الأدنى نهض نهضة علميّة، كفانا تعداد سائر مظاهر نهوضه، ومعارج رقيّه، لأنّ العلم وحده هو المفتاح و به وحده الدّخول إلى داخل البناء، وكلّ نهضة لا يكون ظهرها العلم فما هي إلا ساعة وتضمحل". فالعلم أساس النهضة والارتقاء في مختلف المجالات، إذ أنّه استطاع أن يفتح للشعوب العربيّة المجال للتعرّف على الثّقافات الأجنبيّة، كما أنه عدّ من الأسباب التي جعلته يتقدّم ويحافظ على هويته، ففي سنة 1826 باشر محمد علي باشا الكبير مؤسس النّهضة الشّرقيّة في إنشاء المدارس أشهرها: مدرسة الألسن التي أنشئت في عصر الترجمة والتّعريب " في أوائل 1835، وكانت تسمّى إذ ذاك مدرسة التّرجمة، كان مقرها بالسراي المعروفة ببيت الدفتر دار بالأزبكيّة ". ويعود الفضل في تأسيسها لعالم من أعلام ورواد الفكر العربيّ الحديث قائد النّهضة العلميّة في مصر ومديرها رفاعة الطّهطاوي عضو بعثة 1826 إلى باريس، وما دفعه لإنشائها حاجته إلى من يقف على علوم الغرب وآدابه وتخريج المترجمين والمدرّسين.
6.3.1 الترجمة:
تعدّ الترجمة من أسس النهضة الأدبية الحديثة، ومن أهمّ عوامل نهوض وارتقاء الحضارة العربيّة التي عرفت تطورا وتجديدا في مختلف المجلات خاصة العلميّة منها، كما أنّها ساهمت في تطوير الطباعة والنشر، ففتحت عيون المثقّفين على مصادر أجنبيّة علميّة وفكريّة من ذلك علوم اليونان والفرس التي نقلت إلى اللغة العربيّة في القرنين السادس والسابع، حين كان الأدب في أزهى عصور وأضافوا لتلك العلوم ما أضافوا، فأصبحت الثّقافة بذلك تتألّف من "عنصر عربيّ خالص في اللّغة العربيّة وما يتّصل بها من أدب وعنصر دينيّ؛ وهو القرآن الكريم والتّفسير والحديث، ثمّ عنصر يونانيّ خاص؛ والمتمثّل في الفلسفة اليونانيّة الّتي أخذت تتدفّق على البلاد". وهذه الأخيرة جعلت من الأدب العربي عامة والشّعر خاصة يسير نحو التجديد، فارتقت بذلك الحياة العقليّة بنشاط حركة التّرجمة والتّأليف والنّقل والتّفسير، كما أنها ساهمت في تطوّر النقد الّذي تطوّر بتطور الأدب بحكم أنهما متواشجان متلازمان تلازم الروح بالجسد، فبرزت أسماء كثيرة وظهرت كتب جليلة أسّست لحركة أدبيّة عظيمة وتيارات نقدية متميّزة، وذلك بنقلها لمذاهب ومدارس أدبية ومناهج غربية، كما أنها عرّفتنا على أجناس أدبية من ذلك القصة المسرحية، المقالة، الشعر المسرحي والقصصي..إلخ.
فعدت في العصر الحديث مرحلة من مراحل تباشير النهضة والغزو الثقافي الغربي، حيث توجهت الجهود إلى نقل وترجمة الفنون والآداب الأوروبيّة إلى اللغة العربيّة، مستبحرة في ثقافة الآخر؛ إذ أنّها ظهرت بظهور الاستعمار الّذي حاول فرض فكره وثقافته ولغته وحتى معتقداته، إلاّ أنّ القيم التي استمدّها من القرآن والسنة النبويّة الشريفة وقفت حائلا بينه وبين ذلك، بل دفعته للمقاومة والجهاد والدفاع من أجل استرجاع السيادة، وكانت بذلك السبب في نهوضها.
بدأت الترجمة في الأدب العربيّ الحديث "من نقطة بنّاءة حمل لواؤها رفاعة رافع الطهطاوي، ومدرسة الألسن في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، وكانت هذه النّهضة إيجابيّة الهدف، ارتبطت إلى حدّ كبير بالمدرسة والعلوم والفنون والثّقافة والقانون، لتتحوّل إلى الأدب..، تحت تأثير حركة الغزو الثقافي"، الّذي نقل معه قيما وثقافة جديدة غريبة عن العقائد والأخلاقيات المستمدة من الدين والفكر الإسلامي. كما أظهر اهتمامه بالدستور الفرنسي " وسماه تسميته الفرنسية فدعاه الشرطة La Charte"، فإذا كانت مبادئ الثورة الفرنسيّة قد تسرّبت إلى مصر عن طريق الحملة النابوليونية في سنة 1798، والشبّان المصرييّن الّذين أوفدوا إلى فرنسا ثمّ عادوا إلى مصر، فقد اتّجهت الفكرة إلى "تعريب القوانين الفرنسية الّتي وضعت أيام نابوليون، وعهدت الحكومة إلى جماعة من أفاضل المترجمين المصريين بهذه المهمة، فعرّب القانون الفرنسي ورفاعة بك رافع، وعبد الله بك قلم الترجمة"، حيث تنبّه الطهطاوي والتمس لوطنه أسلوبا في الحكم يسير عليه، ويساير الأمم الناهضة والمتقدّمة حتّى في المجال السياسي ليضمن له حقوقه.
7.3.1 البعثات العلميّة:
أوفد محمد علي العديد من البعثات العلمية التي كانت لها علاقة مباشرة بالجانب العسكريّ لتلقي فنون الحرب مقارنة بالجانب التعليميّ، من ذلك بعثة إيطاليا (1816) لدراسة الفنون العسكريّة والهندسة والطباعة، وأخرى إلى إنجلترا(1818) لدراسة حيل الميكانيك، وبعثة أخرى إلى فرنسا (1826)، وكان رفاعة الطهطاوي والمبعوثين الذين "أنفذهم محمد علي باشا الكبير إلى فرنسا من أعظم المجاري التي تسرّبت خلالها إلى الشرق العربي أثارٌ من مبادئ الثّورة الفرنسية وكبار مفكّريها". من كتبه النّفيسة التي عدّت من آثار الأدب الفكريّ العربيّ ما تضمنه عن رحلته إلى باريس وما تلقّاه فيها من ثقافة، وما شهده وتأثّر به في بعثته والموسوم بـ: تلخيص الإبريز في تلخيص باريز" أو "الدّيوان النّفيس بإيوان باريس"، ليترجم من خلاله التفاعل القائم بين الشرق والغرب.
8.3.1 جهود المستشرقين وأثرهم في الأدب العربي:
عني الغرب بدراسة العربيّة منذ القرن العاشر يوم كانوا في أمسّ الحاجة إلى العلم والأدب، يوم كانت بلاد العرب "تشعّ بأنوار العلوم والآداب، وقواعد الأندلس مناور الغرب بمدارسها وجامعاتها، فكانت قبلة الراغبين في دراسة العربيّة وعلومها، ليستفيد بذلك الاستشراق في طوره الأوّل من الثّقافة والمعارف العربيّة، ومن أشهر المستشرقين الأوروبيين الّذين استفادوا من العرب في ذلك العهد البابا سلفستروس الثّاني، ليسبق بذلك أدبنا العريق" الآداب الأوروبية بعشرة قرون أو تزيد". وقد أطلق الاستشراق على فئة من علماء الغرب، تخصصوا في دراسة اللغات والآداب والمعارف والعلوم الشرقية، وقد كان لهذه الفئة الدور الكبير في النهضة بما أثاروه من حركة فكريّة ونقدية، إذ يعود لهم الفضل في جمع المخطوطات العربية القديمة المتفرقة في مختلف أنحاء العالم، وفي تحقيقاتهم اللغويّة ونسخهم ونشرهم لها بعد فهرستها، باعتبارها من نفائس التراث العربي التي أثروا به خزانة الأدب والنقد من خلال إحيائهم للتراث العربي القديم (النحو، التاريخ، الجغرافيا، الطب، علم التشريح، الفيزياء، الكيمياء..). كما أنهم استطاعوا أن يوثقوا أواصر الفكر والثقافة بين الشرق والغرب، و للاستشراق في الأدب العربي أثران واضحان:
· توجيه الدارسين العرب والمسلمين في معاهد الغرب إلى اتّخاذ مناهج الأدب الغربي أساسا للبحث، والتماس أسلوب النّقد من نظريات الأدب الأوربي وكذا أسلوب التاريخ الّذي ظهرت نتائجه في أعمال طه حسين، الّذي نجده يعلن تبعيته في أكثر من موقف لآراء المستشرقين.
· أثر المستشرقين أنفسهم ونظرياتهم في الأدب العربي الّتي جاءت نتيجة دراستهم له، أمثال مرجليوت الإنجليزي، إذ نجد طه حسين يعتمد رأيه في قضيّة الشّك في الشّعر الجاهلي- المنحول على حدّ تعبيره- سالكا في ذلك سبيله في الاستنباط والاستنتاج وتعميم الحكم الفردي الخاص واعتباره قاعدة عامة، بالإضافة إلى "جِبْ" الّذي أبدى اهتمامه بالشعر الجاهلي في دراساته، "دي ساس" الذي ترجم كتاب كليلة ودمنة، بروكلمان، بلاشير، جاك بيرك..إلخ. كما أنهم يعدّون "أوّل من بحث في تاريخ نشأة اللغة العربية وتطورها، وقرؤوا النقوش العربية القديمة، وفكوا رموزها، وأبانوا عن صلة العربية باللغات السامية القديمة، وتحدُّرُ هذه اللغات من أصل لغوي واحد". فكان بذلك للمستشرقين الدور في ربط الحضارة العربية بالغربية، وفي تطوير الدراسات الأدبية من خلال إعادة بعثهم لنفائس الكتب، التي نقلوها من اللغة العربية إلى اللغة الأجنبية أو العكس.
وفي الختام يمكننا أن نعيد عوامل ومؤثرات النّهضة الأدبيّة العربية الحديثة إلى عوامل داخليّة، والمتمثلة في حركة الإصلاح السياسي والإسلامي للنهوض بالبلاد العربية، بعدما جثم الاستعمار على صدرها، مستعينين في ذلك برواد الفكر الّذين خاضوا حربا ضروسا في شتّى الميادين: أخلاقية، سياسية، اجتماعية وثقافية وفكريّة في سبيل استرجاع السيادة بعد نضال وكفاح مرير، استطاعوا من خلاله أن يحققوا الوحدة من جديد، وأن يعيدوا للأدب مكانته ومنزلته بجمعهم بين الثقافتين؛ الثقافة الغربية والثقافة العربيّة الأصيلة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ليعدّ الانفتاح على الفكر الأوروبي من العوامل الخارجيّة، الّتي كان لها بالغ الأثر في صحوة العرب وانتفاضتهم ويقظتهم.
-
الفئة المستهدفة: السنة الثانية/ تخصص: دراسات لغوية مقياس: النقد الأدبي الحديث
الأستاذة: د. بن عبد الله ثالث
مدخل إلى النقد العربي الحديث (2)
1. العصر الحديث للأدب والكتابات النقدية:
أجمع معظم الدارسين أنّ تاريخ الأدب الحديث وكتاباته النقدية في مصر يمثّل السنوات الّتي شهدت خروج البلاد من ظلمات العصر التركي، لتفتح عيونها على نور الحضارة الحديثة بعد الصدمة التي أحدثتها حملة نابوليون " لتأخذ طريقها في موكب المدنية المتقدمة..، متخذة من العلم سلاحا من أسلحتها، ومن العلماء جندا في عداد جندها، ومن تلك الحملة رأى المصريون علما غير ما يعرفون، فتطلعوا إلى نور الحضارة الحديثة وبدؤوا التأهب للسير في موكب المدنية المتقدمة". هو عصر الحركة التنويريّة واليقظة العربية التي سادت سوريا وعواصم عربية أخرى كبغداد وفاس ومراكش، أما الجزيرة العربية والعراق فبقيت مع الدولة العثمانية حتى الحرب العالمية الأولى، فلم يفتحا صدرهما للحضارة الغربية ولم يتقبلاها إلا بعد إعلان الدستور العثماني سنة 1907. فماهي أهمّ شخصيات النّهضة الأدبيّة؟. وهل كان لها دور في تغيير الوعي الفكري والأدبيّ؟.
2. أعلام النهضة العربيّة الحديثة ودورهم في تغيير الوعي الفكري:
تعدّدت العوامل التي أسهمت في دفع عجلة الحركة الفكريّة العربيّة، من بين هذه العوامل جهود أعلام النهضة الّذين استطاعوا أن ينتقلوا بالأدب والنقد من الإسفاف إلى الإبداع فالابتداع، من بين هذه الشخصيات:
1.2 محمد علي باشا( 1805- 1849): هو جنديّ ألبانيّ كان في الحملة البحرية التي بعثها العثمانيون لمحاربة الفرنسيين من قبل العثمانيين وإجلائهم عن مصر سنة 1801، بحنكته وحذقة ودهائه وطموحه السياسيّ استطاع أن يكسب ثقة المصريين ليبايع بالولاية سنة 1805، إلا أنّ طمعه بالحكم جعله يفكّر في الاستقلال بالبلاد بعد قضائه على دولة المماليك وتأسيس إمبراطورية شرقية قويّة، مستعينا في ذلك بخبرته وبما أحدثته حملة نابوليون.
ومن إسهاماته النّهضويّة:
- سعيه إلى تطهير وإصلاح الجيش والإدارة المصريّة من الفساد، فأوفد البعثات العلميّة إلى أوروبا وجاء بأساتذة متخصصين، وآخرين مكونين تعلموا مختلف العلوم يديرون مدارس الجيش والطّبّ والصناعة والهندسة والطباعة..، لتصبح بذلك مصر على اتصال وثيق بالغرب مستفيدة في ذلك من مختلف العلوم والفنون.
- إحداثه مدرسة مصريّة في باريس تعدّ الطّلاّب للتعليم العالي، نظرا لحاجة مصر لأساتذة أكفاء يرتقوا بالفكر العربيّ، وافتقارها لكتب علمية حديثة في اللغة العربية.
- إنشاء مدرسة حربية ومدرسة للطب والصيدلة والطب البيطري وأخرى للهندسة، ونحو خمسين مدرسة بين ابتدائية وتجهيزيّة تعنى معظمها بالفنون الطبية والحربيّة والصّناعيّة أكثر ممّا تعنى بالآداب والعلوم.
- إنشاء المطبعة الأهليّة " مطبعة بولاق" سنة 1821-1237هـ.
- إنشاء جريدة الوقائع المصريّة "1828م- 1244هـ باللغة التركيّة ثمّ بالتركيّة والعربيّة، تنشر أوامر الحكومة والحوادث التي ينبغي أن يطلع عليها الجمهور.
- حرصه على تعليم الطلاب اللغة الفرنسية لنقل مختلف العلوم، وهذا يعكس تشجيعه حركة الترجمة والتأليف، مستعينا في ذلك بمترجمين سوريين ومغاربة، نظرا لعدم معرفة الأساتذة الأجانب لغة البلاد وعدم معرفة الطلبة لغتهم.
- البعثات العلميّة الّتي كان يهدف من خلالها أن يشع نور العلم في ربوع مصر من ذلك بعثه لعدد من المصريين إلى باريس (1826)، وهي تعدّ من أهمّ البعثات التي تولى إدارتها المستشرق الفرنسي جومار ضمّت واحدا وأربعين طالبا، وعلى رأسهم إمامها رفاعة الطهطاوي الذي كان أشدّ إقبالا على دراسة العلوم -عسكرية، هندسية، طبيعية، الفلسفة، علوم الاجتماع والسياسة والكيمياء- مقارنة بمن رافقه من طلاب، ليعلموا ويؤلفوا ويترجموا ويديروا الدواوين.
- إنشاء مدرسة الألسن التي اقترحها رفاعة الطهطاوي وعهد إليه بإدارتها، وكانت هذه الأخيرة تعنى باللغة اللاتينية، والإيطالية والتركية والفارسية، وآداب اللغة العربية والتاريخ..إلخ.
فأهداف محمد كانت أهدافا عسكرية حربية أكثر من كونها علمية معرفيّة، نظرا لحاجته الكبيرة لجيش يمكنه من تأسيس دولة مستقلة يتولى إدارة شؤونها، وما يؤكّد ذلك عدم عنايته باللغة العربيّة كعنايته باللغة التركيّة، التي سعى إلى جعلها لغة للتعليم والدّواوين، إلا أنّ رسوخ اللغة العربيّة في مصر كانت حائلا بينه وبين تحقيق مسعاه.
وخلال هذه الفترة ظهرت حركات انتفاضيّة إصلاحية قام بها رجال الفكر الديني ضدّ الغزاة الفرنسيين، ساهمت بشكل كبير في يقظة الأمة الإسلامية ونهضتها نظرا لاستهدافهم لغتهم ودينهم، وخشية ذوبان الهوية العربية في الثقافة الغربية نذكر منهم: جمال الدين الأفغاني1897، وهو يعدّ من أبرز علماء الدين والإصلاح الاجتماعيّ، اتخذا من الصحافة منبرا للتعبير عن آرائه، فاستطاع بمقالاته أن يوقظ الشرق من سباته من خلال تحريره للعقول وبثه للوعي ومحاولته تغيير الواقع، مواجها طغيان وظلم واستبداد العدو داعيا إلى الثورة من أجل التحرر منه.
وثورة جمال الدّين الأفغاني لم تكن ثورة ذات بعد سياسيّ فحسب، بل حملت بعدا آخر يتعلّق بالأدب وما وصل إليه من ضعف وركود بسبب الزخرفة اللفظية المبالغ فيها، حاملا دعوة الارتقاء به" بإرشاده تلاميذه إلى التحرر من القيود الثقيلة التي كانت ترسف فيها الكتابة الإنشائيّة، مما أفسد المعنى وستر الأفكار عن الموضوع والجلاء، كما أرشدهم إلى تجنب المقدمات الطويلة التي ترهق الكاتب والقارئ". وهذا ما ذهب إليه تلميذه محمد عبده الّذي اتبع نهجه في إحياء العقول واستنهاضها من خلال إسهاماته في مجال الأدب ونقده بمقالاته التي نشرها بجريدة الوقائع نذكر منها: مشكلات الكتابة التي قال فيها أنّ " أنّ لغة الكتابة الدّيوانية صارت رموزا وأحاجي مغلقة الألفاظ، غامضة المعاني، مختلفة التراكيب، لا يقتدر المطالع على حلّ رموزها ولا يتمكّن من فكّ طلسماتها إلا بعد أن يجهد نفسه"، منتقدا بذلك أدباء عصره، حاملا دعوة التحرر من الصناعة اللفظية التي من شأنها أن تكسب القصيدة الغموض والتعمية، لتتحوّل إلى رموز وطلاسم يصعب فكّها إلا بعد تفكير طويل، لتتسبب في فساد المعاني وعدم وضوح الأفكار، و قد عرف هذا النوع من النّظم في عصر الضعف والانحطاط، ليمتدّ إلى بدايات عصر الانبعاث -بداية القرن التاسع عشر- بحكم أنّ الأدباء لم يتخلصوا منه مباشرة نظارا لاستحكامه في الأنفس.
2.2 إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي: بعد وفاة محمد علي تولى ابنه الحكم، وهذا الأخير توفي في السنة نفسها 1848م، ليخلفه عباس الأوّل ابن طوسون بن محمد علي فسعيد بن محمد علي، إلاّ أنّ هاتين المرحليتين عرفت فيها الآداب والعلوم تقهقرا فغلّقت المدارس وتعطّلت المصانع، وكادت مصر تفيء إلى سابق عهدها لو لم يتداركها الخديوي إسماعيل بن إبراهيم بن محمّد علي سنة 1863م، لتأتي الثمار أكلها في عهده الّذي عرف "بعهد النهضة المحسوسة والإصلاح الملموس. نشر العلم وفتح المدارس، مستقدما مهرة الأساتذة من الغرب وأقام عليها نظارة(وزارة) المعارف تتعهّده وتراقبها، جاعلا العربيّة أساسا للتعليم فرفع مستواها وأعاد إليها رونقها الفائت، وجدّد إرسال البعثات العلميّة إلى أوروبا، وبسط كفّه للأدباء والمصنفين فحثّهم على العمل والنّتاج، فألفوا وترجموا ونشروا الكتب القديمة..، وأثاروا تيارا أدبيّا بما أنشأوا من الجرائد والمجلات، مبديا بذلك اهتمامه بالجانب التعليميّ والإصلاحيّ، ليساهم هو بدوره في نقل حضارة الغرب وعلومهم إلى العرب، استنادا على نهضة محمد علي الحربية التي عدّت الركيزة الأساسية للنهضة الأدبية والعلمية في عهده، حيث عُنِي باللغة العربية لغة الحضارة الحديثة التي ترجمت بها العديد من المؤلفات والآثار الغربية، على الرغم من أنّ اللغة التركية حينها كانت اللغة الرسمية للدولة.
3.2 رفاعة الطهطاوي: يعد عمادا من أعمدة النهضة الأدبية الحديثة، وقد صادفت ولادته -1801- انسحاب نابوليون وجيشه بعدّته وعتاده أراضي مصر، وقد استطاع هذا الأخير أن ينقل لنا الفكر التّحرري التنويري الفرنسي في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، بعد إقامته بهذه المدينة مدّة ست سنوات بصفته إماما للبعثة التي أوفدها محمد علي في حقبة العشرينيات وثلاثينيات. إنّه "من أوائل المصرين..، في العصر الحديث الّذي تصدى للترجمة من اللغة الأوروبية إلى اللغة العربية..، فقد استطاع أن يكون معلما ومرشدا لأوّل جيل من المترجمين المصريين". فكان بالنسبة للحضارة المصرية بمثابة شعلة تنويرية خلصتها من سُدفة الجهل الّذي كانت تعيش فيه، ولم يستثن في مؤلفاته الأمور التي تتعلق بالمرأة، من ذلك ما ورد في كتابه الموسوم بـ: المرشد الأمين للبنات والبنين قوله: " ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات والصّبيان معا..، فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب..، فإنّ هذا مما يزيدهنّ أدبا وعقلا، ويجعلهنّ بالمعارف أهلا"، وهذا يعكس مدى اهتمامه بقضايا المرأة التي أشركها في الحياة العامة مطالبا بتحررها، فجعلها تقبل على العلم شأنه شأن الرّجل بإنشاء معاهد لتعليم النساء، لتستعيد بذلك مكانتها وكيانها.
3. مراحل تطوّر الأدب والنقد الحديث:
لقد تعدّدت الآراء حول تحديد بدايات الأدب الحديث ونهايته، إذ ذهب البعض إلى أنّ الأدب الحديث بدأ منذ قيام الثورة العرابيّة 1881 بريادة الإمام محمد عبده في النّثر، ومحمود سامي البارودي في الشعر، وهذا ما ذهب إليه طه حسين الّذي نجده يحدّد اتجاهاته وظهوره بظهور حركة البارودي في الشعر، وحركة مصطفى كامل السياسيّة، وحركة محمد عبده في الإصلاح الديني وحركة قاسم أمين في الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعيّ وتحرير المرأة، في حين أنّ البعض اعتبر الحملة الفرنسية بداية له؛ من أوائل القرن التاسع عشر إلى قيام الحرب العالمية الكبرى الثانية، وهذا ما أشار إليه أحمد هيكل حين قسّم الأدب الحديث إلى المراحل التالية:
1.3 فترة اليقظة "من الحملة الفرنسية إلى ولاية إسماعيل" 1798-1863:
ومن أسبابها:
- الأسلحة العلمية للحملة الفرنسية التي جعلها جندا من جنوده.
- الاتصال بالثقافة الغربية الحديثة وما حققه محمد علي من إنجازات في سبيل تأسيس إمبراطورية مستقلة يتولى إدارة شؤونها.
- " إنشاء دار تجمع فيها الكتب المتناثرة في الأضرحة والمساجد، والمكتبات الخاصة والمعروفة بدار الكتب المصرية، التي لعبت دورا كبيرا في نشر الثقافة وإنماء الوعي ولفت أنظار المثقفين إلى ما في تراثهم وأدبهم من روائع".
- تطور الحياة الأدبية والفكرية والثقافية، وذلك بفضل تكوينه لجماعة من المثقفين المصريين الّذين تولوا ريادة التيار الثقافي الجديد، ما جعل اللغة العربية هي بدورها تنتعش وترتقي وتتطور، بعد تخلصهم من الثقافة التقليدية التي عاشها الأدب(شعرا ونثرا) في عصر الانحطاط.
2.3 فترة الوعي من ولاية إسماعيل إلى الثورة العرابية " 1863- 1881":
ومن أبرز عوامل الوعي:
- المثاقفة: وقد تجسّد ذلك من خلال افتتان الخديوي إسماعيل بالثقافة الأوروبية، التي عكس بها تحضّره، ساعيا هو بدوره أن يجعل مصر جزءا من أوروبا، حيث وبدأت الثقافة الغربية تفد على عواصم العالم العربي، وتغزو معاهده وجامعاته عن طريق البعثات العلمية الموفدة إلى أوروبا، والتي خص بها جماعة من المثقفين لتلقي مختلف العلوم.
- إعادة فتحه لمدرسة الألسن، وافتتاحه للعديد من المدارس الابتدائية والثانوية، وكان ذلك تحث تأثير من رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك.
- إنشاؤه لدار العلوم التي كانت الجسر الذي يربط بين الثقافة القديمة والحديثة، والتي كان لها الفضل في تخريج العديد من المدرسين والمؤلفين الّذين عنوا بنشر التعليم الحديث.
- إحياء التراث العربيّ وإعادة بعثه من جديد باعتباره جزء لا يتجزّأ من حضارتهم؛ من تاريخهم الثقافي والفكري والأدبي الّذي تشرّب ونهل الغرب من معارفه، ليواجهوا بذلك الثقافة الغربية بثقافة عربية أصيلة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ العربي.
- ظهور الصحافة التي عدت لسان الشعب المصري، التي عبروا من خلالها عن آرائهم، وأفكارهم وتطلعاتهم، وثقافتهم الفكرية.
3.3 فترة النضال" من الاحتلال البريطاني إلى نهاية ثورة 1919:
ومن عوامل النضال:
- جرائم الاحتلال البريطاني الّذي كان هو بدوره يطمح للاستيلاء على مصر، منذ وجود الاحتلال الفرنسي ملحقا به الهزيمة في أبي قير (1798)، ولم يتوقف عن مواجهته حتى أخرجه من مصر سنة 1801، ليحاول بعدها غزو البلاد بحملة فريزر سنة 1807، ليعلن المصريون رفضهم للوجود البريطاني. لكن الإنجليز استطاعوا أن يصلوا إلى أهدافهم بفضل سياستهم الاقتصادية، ليستهدف بعدها الجانب الثقافي من خلال إهماله للمعاهد وتوقيفه للبعثات، وفرض لغته في التعليم، وكبت الحريات وذلك بإلغائه لمجموعة من الصحف، لكن نهضة المصريين وإصرارهم على النضال السياسي والفكري لم يمكنه من تحقيق أهدافه، وذلك بفضح جرائمه عن طريق بعض الصحف الوطنية من ذلك صحيفة المؤيد، الأستاذ..، وظهور بعض المصلحين الذين استطاعوا بإنجازاتهم وتوجههم الإصلاحي تغيير الواقع المصري نذكر منهم: جمال الدين الأفغاني، الإمام محمد عبده الّلذان استطاعا أن ينهضا بالنثر من خلال دعوتهما إلى إحياء التراث العربي، وهذا يعكس أثر الثورة البعيد في الأدب والنقد، فالأدباء لم يكونوا في معزل عن النضال، ويظهر ذلك في قصائد المحافظين أمثال: محمود سامي البارودي التي تناول فيها قضايا مجتمعه السياسية والاجتماعية، وقضايا الأمّة ليعبروا فيها عن النفس الإنسانية بصدق، وعن وحدة المعاناة، والنضال في سبيل تحقيق الوحدة.
4.3 فترة الصراع " من أعقاب ثورة 1919 إلى قيام الحرب العالمية الثانية (1922-1939):
ومن دوافع الصراع:
- غلبة التيار الفكري المتوجه إلى الغرب، الذي جعل من التيار الفكري والأدبي يتجه نحو الريادة، وكان ذلك ناتج عن اتصال الشرق بالغرب.
- تعطيل البرلمان والعبث بالدستور، ما جعل الناحية السياسية تكتسي طابع الصراع بسبب تفكك القوى الشعبية وانحراف زعمائها الّذين أظهروا ولاءهم وتبعيتهم للاحتلال. لكن أدباء مصر ومفكريها واجهوا بأدبهم هذه الفئة معلنين تمردهم وثورتهم ضدها وضدّ الأوضاع، لتعرف الحياة الفكرية والثقافية ازدهارا بعد ثورة 1919، ومن أهم العوامل التي ساعدت على ذلك:
- تدعيم الجامعة واتضاح شخصيتها بعودة طلائع بعثاتها إلى الوطن، وبإسهامهم في الارتقاء بالحياة الثقافية، وكان من ألمعهم: طه حسين، أحمد ضيف، علي العناني.
- إصلاح الأزهر وإنشاء كلياته المتخصصة.
- توسع الدولة في التعليم نسبيا وبخاصة في مجال التعليم العام.
- ازدياد الاهتمام بتعليم المرأة وإيفاد الكثير من البعثات.
- الصحافة: خاصة الصحف الحزبية التي أظهرت اهتمامها بالنواحي الثقافية، ومن الرواد الثقافيين الّذين برزوا في تلك الفترة: محمد حسين هيكل، طه حسين..إلخ.
وانطلاقا مما سبق ذكره يمكننا القول أنّ الحياة الأدبية والنقدية كانت تعيش في سبات وركود إلى أن حلت النهضة بتباشيرها، حيث استعاد الأدب مكانته بفضل جهود الأدباء الّذين عاشوا مرحلة الإحياء الأدب الّذي أعادوا بعثه من مرقده، بعدما ظل مدة قرون رازحا تحت سيطرة الحكم التركي فالأجنبي ليتطور معه النقد، لتعتمد بذلك النهضة على عاملين أساسيين:
- إحياء التراث العربي القديم بالعودة إلى المخطوطات القديمة وإعادة طبعها - بعد إخضاعها لعملية التحقيق- لما تحتويه من ذخائر أدبية وفكرية، فكان بذلك لإعادة بعث التراث القديم إسهام في استعادة مكانة اللغة العربية.
- الاحتكاك بالثقافة الغربية وذلك عن طريق الحملة الفرنسية، ويظهر ذلك جليا في انتسابهم لمدارس وتبنيهم لمناهج انتقلوا فيها من التقليد إلى التعبير الوجداني الفلسفي.
-
جامعة: مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث
المحاضرة (3) النقد الإحيائي
استطاع الأدب الغربي والعربي أن يخرج من مرحلة الاحتضار إلى مرحلة اليقظة والنهوض، وقد عرفا في هذه الفترة ظهور مذاهب أدبية حديثة في مقدّمتها المذهب الكلاسيكي الّذي تندرج تحته مدرسة الإحياء والبعث أو مدرسة المحافظين أو الاتّباعيين؛ حركة إحياء العلوم والآداب التي تعدّ من أهمّ مراحل عصر الانبعاث. فكيف ظهر المذهب الكلاسيكي عند الغرب والعرب؟. وما العوامل التي ساعد على ظهوره؟. ما دور مدرسة الإحياء والبعث؟. ومن هم أشهر روادها؟. وماهي أهم المبادئ التي تبنّتها؟.
1. الكلاسيكية والأدب الغربي:
تعدّ الكلاسيكية من أقدم المذاهب الأدبية الحديثة التي عرفتها أوروبا في عصر نهضتها التنويرية، لتصحو هي بدورها من سبات القرون الوسطى متخذة من التراث اليوناني واللاتيني الذي أعادت إحياءه وبعثه سبيلا لتحقق به التقدم في مختلف العلوم والآداب. "تمتدّ أصولها إلى أدب اليونان والرومان، وما توارثته أوروبا من القيم الفنية، ويقف في المرتبة الأولى من الآثار اليونانية والرومانية ما كتبه كبار الفلاسفة والمفكرين حول الأدب وأصوله وأنواعه مثل أفلاطون، هوراس. وقد بقي أثر أرسطو في تقويم الشّعر وتقسيمه إلى ثلاثة أنواع الغنائي والملحمي والتمثيلي مأخوذا به في الآداب الأوروبية، وبقي حديثه عن الشعر التمثيلي Drama مؤثرا في تقويم المسرح الكلاسيكي وبنائه على الوحدات الثلاث التي أشار إليها: وحدة الموضوع والحدث، ووحدة الزمن ووحدة المكان". وقد انتقلت خصائص هذا المذهب وتبلورت في إيطاليا في القرن السابع عشر، لتنتقل بعدها إلى فرنسا، حيث أرسى دعائمه جهود المفكر الفرنسي كورني – أبو المأساة الكلاسيكيّة- هو و راسين و موليير -أبو الملهاة الفرنسية-، وDa.Bellay الّذي أكّد على ضرورة محاكاة أدب القدامى اليوناني خاصّة فنّ المسرح الّذي بلغ كماله في الأدب الإغريقي واللاتيني حتى يرتقي ويسمو أدبهم، وكان ذلك بسيادة النزعة الإنسانية في عصر نهضتهم الأوروبية، التي عبّر بها الشعراء عن قضايا تتعلق بالفرد والمجتمع والأمّة، ومن أسباب ظهوره حسب ما ذكره النقاد والمؤرخون:
- هجرة علماء القسطنطينية إلى إيطاليا بعد سقوطها على أيدي الأتراك.
- نقلهم للمخطوطات الإغريقية واللاتينية التي عملوا على نشرها أثناء دراستهم بجامعاتها، بمساعدة فن الطباعة الّتي أتاحت للأدباء التعرف على تلك الآثار الأدبية القديمة التي لم يكن لهم عهد بها، وذلك بتمجيدها بإعادة إحيائها ومحاكاتها.
- الموضوعية: وذلك بتغليب العقل على العاطفة والبعد عن الذاتية، وقد ظهر في هذه المرحلة ديكارت حيث سادت الفلسفة والنزعة العقليّة، جاعلين العقل وسيلتهم في تقويم العمل الأدبي، ملتمسين الأصالة فيه، بالعودة إلى ما جادت به ذاكرة السّلف من قصائد.
2. الكلاسيكية والأدب العربي:
ظهرت في الوطن العربي في أواخر القرن التاسع عشر، حيث عرف هذا المذهب بتطلع أدبائه إلى القديم بانتقاء روائع أدبه، وإعادة إحيائه وبعثه من جديد لما فيه من تميّز وتفرّد؛ بمحاكاته في أسلوبه وأغراضه وبنائه، وبخاصة أدب العصر العباسي والأندلسي، إذ اعتبرت بذلك قصائد شعراء المحافظين صورة عنه وصدى له وركيزة من ركائزه حيث أصبح للشعر أثر محمود فيه. وقد تجلّى تأثير الكلاسيكية في الأدب العربي في الشعر المسرحيّ الّذي انتقل عن طريق المثاقفة وحركة الترجمة، وبخاصة المسرحيات اللاتينيّة من ذلك ترجمة رائد التأليف المسرحي مارون النقاش مسرحية (البخيل) لموليير، ترجمة سليم النقاش مسرحيتي: (هوراس) لكورني و(ميتردات) لراسين. كما ظهرت في مسرحيات أحمد شوقي الّذي كان اتّصاله بالأدب الكلاسيكي اتصالا مباشرا، حيث تشرب مبادئه من مصدره ومنبعه الأصلي نظرا لاحتكاكه بالثقافة الفرنسية، متأثرا في ذلك كورني وراسين وبمسرح شكسبير الشعري، لتعدّ بذلك مسرحياته من المحاولات الرائدة في الشعر العربي، حيث "قدّم للشعر العربي الحديث أصول المسرح الشعري برواياته التي استوحى معظمها من تاريخ العرب أو المصريين"، نذكر منها مسرحية مجنون ليلى مصرع كليوباترا- مأساة شعرية-، لتتبعتها محاولات أخرى عكس بها نضجه الفكري.
1.2 مدرسة الإحياء والبعث:
إذا وقفنا على الدلالة اللغويّة للفظة الإحياء فإننا نجدها تتخذ عدّة معان بحسب ما يضاف لها؛ فهي تدلّ على إعادة بثّ وبعث الحياة في الكائنات الحيّة وهي ضدّ الإماتة، إحياء التراث العربي يكون بالعودة إلى أدب القدامى وبث الحياة فيه وإعادة بعثه من جديد، وإحياء السنة النبوية يكون بالعودة إلى العمل بها وتعليمها ونشرها بعد هجرها. أمّا إحياء علوم الأدب فهي "تسمية أطلقت على حركة إحياء التّراث القديم اليوناني والروماني في الحياة الأدبيّة لعصر النّهضة"، حيث عرفت الحياة الفكريّة الغربية تطوّرا بعودتها للتراث اليونانيّ القديم الّذي أحيته من جديد، فلفظة الإحيائية بذلك تدلّ على" نزعة إحياء القديم من فلسفات أو أفكار أو مذاهب أو نظم"، وكانت هذه المرحلة بالنّسبة للغرب من أزهى المراحل وأكثرها ازدهارا، وهذا الأخير لم يكتف بإحياء التّراث الفلسفيّ لكنّه عمل على إعادة إحياء الأجناس الأدبيّة الكبرى من بينها الملحمة، ليؤسسوا بذلك حضارة انطلاقا من ركيزة القدامى. وهذا ما كان من العرب الّذين تأثّروا واتّبعوا آخر ما وصل إليه تيّار النّهضة الغربيّة، ليظهر الاتّجاه الإحيائي الّذي جاء نتيجة اصطدامهم بالحملة الفرنسية التي دفعت بهم إلى العودة إلى التراث العربي القديم الأصيل، لا الانقياد التام نحو الحضارة الغربية التي أخذوا منها ما يخدم أدبهم منعكفين على دراسته، ليثبتوا بذلك صلتهم الوثيقة بموروثهم الذي ساعدهم على إثبات شخصيتهم العربية والمحافظة على هويتهم، وما ساعدهم على ذلك حفظهم أحسن ما جدت به الذاكرة العربية، ليستعيد بذلك الأدب والنقد مكانتهما بعدما ران الإسفاف والفتور والجمود على حياة الأدب العربي؛ إذ بات كالمريض المدنف الموشك على الموت المحتاج لصدمة تعيده للحياة من جديد، فكانت بذلك الحملة الفرنسيّة على مصر 1798 صدمة حضاريّة وبداية للعصر الحديث، مستفيدا من الحركة الفكريّة الغربيّة التي كانت سببا في نهضة الأدب عند العرب ودفع عجلته نحو التطور والتقدم. وكان "نواة هذه الحركة جمعية المعارف التي ألفت سنة 1868، وما لبث أن نمت نموا سريعا، وعنيت كثيرا بإحياء عدد كبير من الكتب التاريخية والأدبية العربية، كما عنيت بنشر طائفة من الدواوين الشعرية، التي أنتجتها العصور العربية الزاهرة في المشرق والأندلس..، وما ساعدها على ذلك المطبعة التي يسرت لها نشر تلك الكتب ومكنت القراء من الانتفاع لها على نطاق واسع"، لتستفيد بذلك فئة المثقفين من الإرث الحضاريّ العربيّ، وما يحتويه من روائع وذخائر تضمّنتها نفائس المؤلفات التي استطاعت أن ترتقي بالأدب وبمواضيعه وبكلماته ومعانيه، دون أن ننسى جهود رفاعة الطهطاوي ومن عاصروه الّذي سعوا هم بدورهم إلى إعادة إحياء الكتب العربية القديمة، متأثرين في ذلك بأساتذتهم المستشرقين.
1.1.2 مدرسة البعث في الشعر العربي الحديث ومرجعياتها الفكريّة:
عرف الشّعر في عصر التنوير بالمحافظة والتقليد بعودته إلى إرثه الحضاري الضارب بجذوره في أعماق تاريخه وفكره العربيّ الأصيل، الّذي سعى رواده على إعادة إحيائه وبعثه من جديد، بالحركة بعد الضعف والجمود بعيدا عن التعقيد والتنميق، مبديا تمسّكه بأصالته الفكرية، وقواعده اللغوية، واستجابته للحياة الاجتماعية والإنسانية، محتفظا في ذلك بأغراضه الشّعريّة التقليدية التي عرفها في العصور السابقة من بينها: الوصف الّذي انتقل فيه الشعراء من وصف المشاهد الحسية إلى التعمق في الجوانب النّفسية، والتعبير عن الوطنية وتمجيد البطولات. المدح الّذي عدّ من الأغراض الشعرية الشائعة الأكثر توظيفا في قصائد القدامى، ليحافظ على مكانته في أدب العصر الحديث من حيث العناية والإقبال، فلم يعد تعظيما لفرد بل صار مدحا لبطولة، أو لإنجاز أو رمز من الرموز. أمّا الرثاء فقد ازدهر في العصر الحديث بسبب كثرة التقلبات السياسية التي تسببت في نفي الكثير من الشعراء الّذين فقدوا أحبتهم وهم في ديار المنفى لينظموا قصائد في رثائهم، ورثاء الزعماء والعلماء والمدن وحتّى الدول، وهو بدوره لم يفقد خاصيته كغرض قديم بل حافظ على خصائصه متخذا بعدا توعويا وعظيا إرشاديا. ومن أشهر الشعراء الّذين برزوا في هذه المرحلة والّذين كان لهم الفضل في إنقاذ الشعر من الهوة السحيقة: عبد الله البستاني، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، اللذان قال عنهما طه حسين في كتابه حافظ وشوقي: " كلا الشاعرين قد رفع لمصر مجدا بعيدا في السماء، وكلا الشاعرين قد غذّى قلب الشرق العربي نصف قرن أو ما يقرب من نصف قرن بأحسن الغذاء، وكلا الشاعرين قد أحيا الشعر العربي وردّ إليه نشاطه ونضرته ورواءه، وكلا الشاعرين قد مهّد أحسن تمهيد للنهضة الشّعريّة المقبلة الّتي لا بدّ أن تقبل، هما أشعر أهل الشّرق العربي منذ مات المتنبّي وأبو العلاء من غير شكّ"، ومحمود سامي البارودي الّذي عدّ زعيم مدرسة الإحياء والبعث، إذ نجده "يترسّم في أغراضه ومعانيه، وفحولة لفظه أبا فراس، والمتنبّي والشّريف الرّضي والطُّغرائي، فجاء صورة عنه". مغترفا بذلك معانيه وأخيلته من القاموس العربي القديم شأنه شأن من عاصروه، ناقلا من خلاله تجارب إنسانية خالية من التكلّف والتصنّع، " فأعطى للشعر العربي من الفصاحة والنّصاعة والرونق ما طال عليه العهد بفقدانه من القرن الرابع للهجرة، وأهمية البارودي ترجع إلى أنّه ثبّت هذه الطريقة الّتي لا تندفع مع الجديد إلى الأمام في تهوّر، ولا مع القديم إلى الوراء في غير تحفظ، بل هي توازن موازنة دقيقة بين الجديد والقديم موازنة لا تقوم على الإحياء لأصول شعرنا المتوارثة، دون أن تطغى هذه الأصول على حياة الشاعر، ومحيط بيئته ومشاعره ومشاعر قومه". فهو يعدّ من الشعراء الّذين خرجوا عن الأغراض القديمة إلى أغراض أخرى لم تعرف من قبل، ليعبّر عن تجربة شعرية صادقة لينطلق نحو التجديد، فتناول في قصائده غرضان شعريان خلقتهما المدنية والظروف الاجتماعية والسياسية بسبب كثرة الأحداث وظاهرة الاستعمار في البلاد، مصورا بذلك واقع شعبه ونضاله ضدّ قوى الظلم والاستبداد، ضد الواقع المتردي ممثلا بذلك صوت الشعب والمجتمع، "فالاتجاه النفسي الصادق في مهاجمة الأجنبي، كانت من مظاهر التّجديد الّتي فرضتها عليه ظروف بلاده ونفيه..، فتلك الأحداث جرّته للاهتمام بالمعنى، والعناية التامة بالحدث..، لكن الشاعر لم يترك جزالة الشعر القديم وأصالة الأدب في مضمونه ومعانيه"، ويتمثّل هذان الغرضان في:
v الشعر السياسي: وهو ذلك النظم الّذي يهتمّ يعبّر به الشاعر عن نزعته النضالية الوطنية والقومية الداعية إلى الثورة والمطالبة بالاستقلال واسترجاع السيادة، معتزا فيه بأمجاد الأمّة وتضحياتهم، ناقلا من خلاله الأحداث والوقائع، محفزا به الهمم موقظا به الضمائر التي خدّرها المستعمر. ومن الشعراء الّذين تناولوا هذا الغرض الشعريّ محمود سامي البارودي الّذي نجده يدعو شعبه إلى الثورة على العدوّ واستغلال الفرصة لحصد رؤوس الدّخلاء الّذين عثوا في أرضهم فسادا، لتحقيق العيش الكريم عوض الرضا بالظلم والذل والخزي وذلك في قوله:
فَيَا قومُ هُبّوا إلى العُمر فُرصَــةٌ
وفي الدّهرِ طُرْقٌ جَمّةٌ ومنافــعُ
أَصبْرًا على مسِّ الهَوانِ وأنتــمُ
عديدُ الحصَى إنِّي إلى الله راجـعُ
وكَيْف تَروْن الذُّلَّ دارَ إقامـــةٍ
وذلك فضلُ الله في الأرض واسعُ
أرِى رُؤُوسا قد أينعت لٍحصادِهـا
فأيْن ولا أيْن السُّيوف القواطــعُ
فكونوا حَصيدا خامدين أو افزَعوا
إلى الحَرْب حتّى يَدفعَ الضّيمُ دافعُ
v الشعر الاجتماعي: هو ذلك الشعر الذي يعبّر فيه الشّاعر عن أحوال الشعوب وأمراض الأمة ومشاكلها، بحكم أنّ الشاعر هو المخوّل للتعبير عن قضايا مجتمعه عن آلامه، معاناته، آماله..، كما نجده يدعو إلى التآخي والتزام القيم والفضائل.
ليعدّ بذلك شعره من اللبنات والإرهاصات الأولى للشعر السياسي والاجتماعيّ، الّذي اتّخذ بعدا وطنيا، قوميا وإنسانيا، نتيجة الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي كانت تعاني منها مختلف الدول العربية بصفة عامة وطنه بصفة خاصة، ليتغلف شعره بغلاف الطغيان والمرارة والشّقاء، حيث تغنى شعراء هذا النوع من القصائد بالحرية واسترجاع السيادة، مستنهضين الهمم من خلال بعثهم روح النضال والتحدي في النفوس ودعوتهم إلى الوحدة، مسخرين بذلك يراعهم للدفاع عن وطنهم وعن الأمة الإسلامية التي كانت تحت نير السلطة الاستعمارية، معالجين من خلال شعرهم القضايا والمعضلات التي يعيشها أفراد المجتمع. ومن ناحية المبنى فقد حافظ الشعراء على وحدة البيت واستقلاليته، كما حافظوا على أوزان الشعر التقليدية التي تخضع لنظام الشطرين، محافظين بذلك على نظام القصيدة الخليلية وعلى وحدة الوزن والقافية. كما أثبت شعراء المدرسة تمكّنهم من اللغة العربية التي أصبحت تحاكي لغة الأدب في أزهى عصوره، وما ساعدهم على ذلك اهتمام الأدباء والنّقّاد بأصولها؛ بالجانب النّحويّ والبلاغيّ الّذي أصبح بالنسبة لهم الأساس الّذي تقاس عليه النّصوص الأدبيّة، وذلك بحسن اختيار اللفظ وجزالته ورصانته، وخضوعه لقواعد اللغة، متأثرين في ذلك بنوابغ الشعراء الّذين مثلوا الشعر في أزهى عصوره أحسن تمثيل، مركّزين فيها على لغة القرآن والحديث بعدما عرف الأدب الضّعف والرّكود، وهذا ما عبّر عنه محمّد التونجي بقوله:'' ركد الأدب وتحجّرت عقليّة الكثير من أدبائه ولغوييه، فظنّ المفكّرون أنّ إعادة الحياة إلى جسم الأدب غدت من المستحيلات بعد غفوة دامت خمسة قرون تحت نير العصر العثماني، لكنّ رياح الثّقافة الغربيّة هبّت على الشّرق، فأحيت موتاه وأعادت الحياة إلى جذوره اليابسة فثبتت فروعه بدعائم راسخة، وخاف لفيف من الأدباء على الأدب العربيّ من هجمة الغرب أن تذوب شخصيّته وتزول معالمه، ونظروا إلى العصر العبّاسيّ بمنظار المشتاق، يستعيدون به أمجادهم، ويستلهمون تراثهم، فأعملوا الفكر في إزاحة غشاوة التّقهقر والانحطاط بادئ ذي بدء، ثمّ أخذوا يدرسون إنتاج الأقدمين من أدب ونقد، ثمّ ما لبثوا أن أخذوا بالإبداع بعد الاتّباع''. وقد عُرف هذا التّغيير في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، فأظهروا فيه التّمسّك والمحافظة على التّراث العربي القديم بمحاكاته، وبربط إبداعهم الأدبيّ بالواقع، ليحافظ بذلك على هويته التي فقدها ردحا من الزمن.
وانطلاقا مما سبق ذكره نستنتج أنّ النهضة الأدبية الحديثة استطاعت بفضل روادها الارتقاء باللغة العربية وببيانها، وتجديد الأدب بعد انفتاحه على فكر الأوروبي، الّذي دفع به إلى إحياء التراث العربي القديم وإعادة بعثه من جديد، وذلك بعودتهم إلى منابع النقد والشعر القديم الّذي اغترفوا منه معانيه وأخيلته ولغته، معتمدين في ذلك على النقل المباشر (الاستمداد المباشر) الّذي وجدناه يتشعّب إلى اتجاهين على حدّ تعبير عبد الحكيم راضي: التسليم والانقياد الّذي مثّله أعلام الإحياء من مصر والشام وذلك بأن يستمدّ الناقد والأديب أفكاره ومقولاته من تراث أمّته، والاتجاه الثاني المتمثل في الانتقاء والانتقاد الّذي مثله حسين المرصفي رائد حركة النقد في العصر الحديث الّذي جارى النقاد القدامى في بعض الأمور وانتقدهم في مواطن منها، إذ نجده لا يهتدي إلى تعريف قدامة بن جعفر للشعر" أنه الكلام الموزون المقفى" ، وهذا ما يدفعنا إلى الوقوف على ما تضمنه قوله:" وقول العروضيين في حدّ الشعر، إنّه الكلام الموزون المقفى، ليس بحد لهذا الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصّة، فلا جرم أنّ حدّهم لا يصلح له عندنا، فلا بدّ من تعريف يعطينا حقيقة من هذه الحيثية فنقول: إنّ الشعر هو الكلام البليغ، المبني على الاستعارات والأوصاف المفصّل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء في غرضه عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوص به"، ليظهر أثرهما في النقد الحديث من خلال سعي الإحيائيين إلى تجديد الشعر بالارتكاز على التراث النقدي والشعريّ القديم، ليوافق بذلك في تعريفه تعريف ابن خلدون " الّذي يرى ضرورة أن يكون الشعر ضربا من الكلام البليغ الّذي تزينه الاستعارة والوصف الجميل، وأن يكون الشّعر مفصلا بأجزاء متفقة في الوزن والروي وألاّ يبتعد عن أساليب العرب"؛ الشعر المبني على التخييل غير المجنّح البعيد عن العواطف الجياشة والانفعلات المتأججة التي عكس بها روعة التصوير من خلال توظيف، الاستعارات، والاعتماد على وحدة الوزن والقافية وعلى البحور الخليلية وعلى وحدة أو استقلالية البيت وتفرّده.
وقد ظهر في هذه الفترة شعر المعارضات، ويقصد به تلك القصائد الّتي نسجها قائلوها على نسق قصائد مشهورة سابقة بعد عودتهم إلى ينابيع الشعر العربي الأولى وصفوة شعرائه، فنظّموا على موسيقاها، والتزموا موضوعها وبحرها وقافيتها، لأنّها نالت إعجابهم من جمال نظمها وصورها الفنّيّة، وعايشت تجاربهم الشّعوريّة في مضمونها، وإنّ هذه المعارضات تدلّ على تقدير اللاّحقين للقصائد المتقدّمة، وحرصهم على محاكاته، واستلهام صورها والتّجديد فيها. وهذا النوع من الشّعر كان متداولا في الشّعر الأندلسيّ على حدّ تعبير بعض النّقّاد، عرف ازدهارا في العصر الحديث حمل رايته شعراء مدرسة الإحياء كالبارودي وشوقي الّذي عدّ إمامها، فقصائده كانت بعثا وإحياء لقصائد البحتري في الوصف، والمتنبّي وأبي تمّام في الحماسة..، ومن أمثلة ذلك سينيّة شوقي الّتي عارض فيها قصيدة البحتري في وصف إيوان كسرى مطلعها قول البحتري:
صُنتُ نفسي عمّا يدنّس نفسي وترفَّعْتُ عنْ جدا كُلّ جِبْسِ
ونجد شوقي يستهل سينيّته بشجونه وحنينه إلى مصر، ليبكي ملاعب شبابه وعهود صباه وذلك في قوله:
اختلافُ النّهار واللّيلِ يُنسي اذكُر لي الصّبا وأيّام أُنْسي
أمّا البارودي فقد بدأ بمعارضة فحول الشعراء العربيّة القدماء البارزين، وكان يتنازع البارودي عاملان:
- القدرة على المجاراة.
- القدرة على الابتكار.
فبالعودة إلى التراث العربي القديم، وإلى لغتة وقواعد السلف من الشعراء وإلى تقليد القصيدة في شكلها ومضمونها، هو إحياء لها وللأدب العربي الذي اتسم بالأصالة والجودة، من مختلف الجوانب: البياني، التركيبي والموسيقي من مبادئها:
- المحافظة على اللّغة في صورتها الفصيحة والأصيلة مكتوبة كانت أومنطوقة باعتبارها مقوّما أساسيّا من مقوّمات الأدب العربيّ، فبات يعتمد في الكتابة على الأصول التّقليديّة وذلك بـ: - تخيّر اللّفظ الفصيح الرّصين، الجزل، للمعنى الصّحيح المصيب، والملاءمة بين اللّفظ واللّفظ، وبين المعنى والمعنى، في كلّ ما يُكوّن هذا الانسجام الخاصّ الّذي يستقيم به الشّعر والنّثر في لغتنا العربيّة الفصحى، مع الحرص كلّ الحرص على الإعراب والإيثار للألفاظ الصّحيحة الّتي تقرّها -مجامع اللّغة المعروفة وحدها.
- ضرورة تقيّد الشّعر بالوزن والموسيقى وملاءمتها للمشاعر والأحاسيس، ''فالشّعر بخياله وموسيقاه وبفكره وعواطفه، بوجدانه وألفاظه بأنغامه وأوزانه، ينطوي على ألوان الحركة المتجاذبة المنتظمة في أجزاء، تشكّل كلاّ موحّدا موْقِعًا متناغما لا يشوبه أيّ تشويش أوخلل يحمل ضلالا تحت خطوطه، ليؤدّي وظيفته بتجرّد وتجاوب في حركة منتظمة بين الألفاظ والتّعبير، إلى جانب الأفكار والعواطف والموسيقى تلتقي هذه الدّلالات مع سواها من عناصر متكاملة، لتكوّن من الشّعر فنّا ذا دلالة يحمل رمزا وإيحاء، وصوتا ونطقا، تتساوى كلّها في طريقة الأداء الجميل الأجمل''.
وانطلاقا ممّا سبق ذكره يمكننا إيجاز أسباب ظهور مدرسة الإحياء في مايلي:
- "جاءت كردّ فعل على الركود الّذي شهدته الحركة الفكرية والأدبية والاجتماعية في عصر الانحطاط.
- الغيرة الدينية التي دعت الإحيائيين إلى الاهتمام بكل ما هو عربيّ إسلامي.
- الظروف التي صاحبت الجهاد القومي، والتي خلّفت حسّا إحيائيا اتّجه إلى الموروث العربي القديم يفتش في المثل الأعلى في الفن والحياة والسلوك".
- إحساس كثير من المثقّفين بوجوب إبراز رقيّ الثّقافة العربيّة وجلال حضارتها، فواجهوا الثّقافة الغربيّة الوافدة بثقافة عربيّة أصيلة، تحيي روائع التراث القديم ونشره.
- إنشاء دار الكتب المصريّة(1870) التي لعبت دورا كبيرا في نشر الثّقافة، ولفت أنظار المثقّفين إلى تراثهم وما فيه من روائع.
- إنشاء جمعيّة المعارف 1868 التي عملت على إحياء عدد من الكتب التاريخيّة والأدبيّة، ونشر طائفة من الدّواوين الشّعريّة الّتي أنتجتها العصور الزّاهرة في المشرق والأندلس، وبذلك تمكّن القرّاء من الانتفاع بالكتب التي تمّ نشرها على نطاق واسع.
- النّضال الّذي شهدته هذه الفترة عمّق الإحساس بفكرة الالتفات إلى مجد الماضي وتراث الأمس، وذلك بالعودة إلى المعجم العربيّ القديم والاغتراف منه، وبالعودة إلى أمجاد العربيّة وفصاحتها وسلامة قواعدها، ''فالنّهوض بهما يكون بإحيائهما والعودة بهما إلى ما كانا عليه، وهنا تكون كلمة إحياء بمعنى إعادة الأمر إلى ما كان عليه في سابق عهده..، ففي مجال الإبداع فإنّ القديم هو المثل الأعلى الجدير بالمحاكاة والتّقليد"، الّذي جعلهم يتخلّصوا من قشور الصنعة، محافظين بذلك على جزالة الألفاظ وتناسقها، وذلك بعودتهم إلى زمن العطاء والنتاج الفكري الّذي بحثوا فيه واغترفوا من قاموسه، دون إغفال دور الفكر الإسلامي والقرآن الكريم الّذي عدّ أساس فكرهم وحضارتهم.
وقد عرفت هذه الفترة بروز مرحلتين في محاكاة قصائد القدامى:
- مرحلة التّقليد التام، وذلك بمحاكاة الأدب العربي القديم شكلا ومضمونا، وهو تيار محافظ إلى حد التعصب، التمس فيه أصحابه قصائد الأصالة، بالعودة إلى ما جادت به ذاكرة السلف، خاصة الأدب في عصوره الذهبية.
- مرحلة الانطلاق والبناء والتّجديد وذلك بالخروج على عادة القدامى بالأخذ مع ما يتلاءم وروح العصر، وهي مرحلة إحياء يحيط بها الوعي حول هذا الأخذ، ليكتسب من خلاله الموهبة والطبع، ثمّ الانطلاق من العصر لتحمل بذلك مرحلة الإحياء التّجديد بداخلها، ومن أصحاب هذا الاتّجاه حسين المرصفي الّذي يعتبر صاحب الخطوة الجدّيّة الأولى على طريق التّجديد في النّقد الأدبيّ ومن روّاد البعث الأدبي المعاصرين ومن بناته الأصليين، وذلك في كتابه: الوسيلة الأدبيّة للعلوم العربيّة. قدّم فيه زادا ثقافيّا متكاملا ''يتكفّل بتجنيب دارسه الخطأ في استعمال اللّغة والوصول به إلى القدرة على إنشاء القول البليغ شعرا ونثرا''، فكتابه لم يقتصر على الأدب وروايته، بل شمل جميع علوم اللّغة العربيّة من نحو وصرف وعروض وفصاحة بيان، وبديع ومعان.
فإحياء اللغة عند المرصفي لا تقتصر على الشّكل والقالب فحسب، بل على الفرد أن يساير العصر وهو أهمّ شرط نادى به زعماء الإحياء والبعث، وهي نظرة تعيد إلى الصّورة البيانيّة قيمتها ودورها، بعد أن تحوّلت في نظر المتأخرين وفي أشعارهم إلى حلا فارغة وطلاء خارجيّ زائف، ومنه جرى ضرورة:
- اكتساب الموهبة وعدم الاقتصار على تقليد مفرغ من روحه.
- حفظ شُداة الشّعر أكثر ما يستطيعون من الشّعر الجزل القديم، على أن ينسوا ما حفظوه حتّى لا يظلّوا عبيدا له، وينقلب شعرهم إلى ترقيع على حدّ تعبير المرصفي وذلك في قوله:''اعلم أنّ لعمَل الشّعر وأحكام صناعته شروطا: أوّلها الحفظ من جنسه؛ أي من جنس شعر العرب حتّى تنشأ في النّفس ملكة ينسج على منوالها..، ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر ورديء، ولا يعطيه الرّونق والحلاوة إلاّ كثرة المحفوظ، فمن قلّ حفظه أو عدم لم يكن له شعر، إنّما هو نظم ساقط، واجتناب الشّعر أولى بمن لم يكن له محفوظ، ثمّ بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنّسج على المنوال يُقبِل على النّظم، بالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ، فالشّعر لا تنمو ملكته في النّفس إلاّ بكثرة مطالعة الجيّد منه وحفظه كلما استطاع الشباب إلى ذلك سبيلا''. فالملكة عند العرب كانت مستحكمة و مترسّخة فيهم، عكس المحدثين اكتسبوها بالصناعة والاستقراء وتكرار وحفظ الكثير مما جادت به قرائح فحول الشعراء " فحصول ملكة اللسان العربيّ، إنّما هي بكثرة الحفظ من كلام العرب، حتّى يرتسم في خياله المنوال الّذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسجَ هو عليه"، مع مراعاة حسن اختيار أساليب القدامى والاهتداء بقواعدهم وحسن تراكيبهم في ممارسة النظم، حتى يصل إلى الذوق الّذي يعدّ مرحلة من مراحل رسوخ ملكة اللسان، إلى جانب المعرفة بأصول اللغة النحوية والبلاغية.
- الدّربة: بعد حصول الملكة لا بدّ من الدّربة الطويلة على النّظم، والإكثار منه حتى تستحكم الملكة، فالّذي لا شكّ فيه أنّ الكتابة عامّة والشّعر خاصّة، يجب أن يحذقها صاحبها بطول مران وهذا الأخير سينتج عنه خلق وإبداع فني.
- وهذا ما كان من البارودي – تلميذ المرصفي- الّذي يعدّ رائد مدرسة الإحياء والبعث، الّذي انطلق من فكرة الحفظ وضرورته في الإبداع لاحتواء الثّقافة العربيّة القديمة.
وانطلاقا مما سبق ذكره يمكننا القول أنّ مدرسة الإحياء تمثّل الكلاسيكيّة الجديدة في محاكاة الأدب العربيّ القديم، قامت دعائمها في عصر النّهضة الأوروبيّة على التّراث اليونانيّ، وعلى التراث القديم- الجاهليّ إلى العباسيّ- في العالم العربيّ، أمّا مبادئها فتتلخّص في:
- التزام القصيدة الإحيائيّة بموسيقى القصيدة القديمة، وذلك بمحافظتها على الوزن والقافية.
- اعتبار البيت وحدة للقصيدة.
- استهلال القصيدة بالغزل وإن لم يكن متّصلا بموضوعها، أو بالنسيب ( ما يمر به الشاعر من معاناة).
- اعتماد الخطاب على عادة القدامى.
- تعدد الأغراض الشعرية القديمة والنّظم فيها: المدح، الهجاء، الرثاء والفخر...
- اغتراف الألفاظ من المعجم أو القاموس الشعري القديم.
- تعدد الموضوعات في القصيدة الواحدة.
- تقليد القدامى في معانيهم وصورهم وأخيلتهم وألفاظهم وتراكيبهم باحترام أصول اللغة وقواعدها، وذلك بالجمع بين اللفظ الفصيح والتركيب البليغ غير المتكلف فيه، والجودة والوضوح، للارتقاء بالكلمة بعد الضّعف والابتذال.
- تعبير الشّاعر عن روح العصر، نتيجة وعي بعض الشّعراء لدور الشّعر في خدمة الحياة الاجتماعيّة، الثقافيّة والفكريّة.
- التعبير عن صدق التجربة الفنية والخبرة النفسية.
2.1.2 مدرسة البعث في النثر العربي الحديث:
لم يسلم النثر في عصر من الضعف والإسفاف والابتذال ليتواصل ذلك إلى بدايات عصر الانبعاث - بداية القرن التاسع عشر- الّذي عرف بضعف تراكيبه، وبالتنميق الّذي طغى على نصوصه، ونخص بالذكر السجع الّذي أفقده المعنى المقصود، بسبب الغموض والتعمية، لتنجلي هذه الظاهرة بالتدريج. وقد اتسعت أغراض النثر وفنونه ليتناول هو بدوره مشكلات الحياة وقضايا المجتمع، وشحذ الهمم وإيقاظ الضمائر، معلنين من خلاله رفضهم لاستكانة الشعوب والرضى بالذل والهوان، بالثورة على العدو وبث الشعور الوطني والقومي، ليشمل بذلك النثر الرسائل الإخوانية، النثر السياسي، الاجتماعي. ومن أقطاب هذا الفن ناصف اليازجي، أحمد فارس الشدياق، إبراهيم اليازجي، سليمان البستاني، مصطفى لطفي المنفلوطي معتمدين فيه على:
- حسن تخير اللفظ ووضوحه.
- البعد عن التنميق اللفظي
- التأنق في نظم العبارات.
- توظيف الخيال.
ومن الفنون النثرية التي عرفت ازدهارا ورقيا في عصر النهضة الأدبية الحديثة:
v الخطابة: لم تلق الخطابة حضّها قبل عصر الانبعاث حيث أنّها بلغت مبلغا زريا؛ إذ اقتصر تقديمها في المساجد في الجمع، والأعياد، والمعابد فحسب، إلاّ أنّها عرفت الانتعاش بعد الفتور في عصر النهضة الأدبية – منتصف القرن التاسع عشر- حيث " كانت الثورة العِرابيّة في مصر من مظاهر الوعي القومي ومن أكبر حوافزها، ليتسع مجالها بإنشاء الجمعيات العلمية والأدبية ونُظُم القضاء، والمحاكم الأهلية ونظام المرافعات، لتنتعش معها ملكة اللغة العربية، فوثبت الخطابة وثبة عظيمة نحو الرقيّ والكمال في شتى الموضوعات". وقد عرفت بتعدد أغراضها الدينية والسياسية والاجتماعية التي كانت تهدف إلى من خلالها الدعوة إلى التمسك بتعاليم الدين والثورة على العدو لتحقيق الحرية والاستقلال، وكذا إصلاح المجتمع، "فدأبت تحمل الطلاب على المباريات الارتجالية، ليتعوّدوا ذلاقة اللسان، وتستوسق لهم ملكة الفصاحة، وكانت مدارس الرّهبان أعجل من غيرها إلى تعهّد هذا الفنّ وإحيائه، لاضطرارهم إلى الوعظ والإرشاد في الكنائس، فظهر منهم خطباء مصاقع، دانت لهم أعواد المنابر، ونهضت بهم الخطبة الدينية نهضة ميمونة". لنستخلص مما سبق ذكره خصائصها المتمثّلة في: براعة الاستهلال والقول الفصاحة وروعة الأداء بالحرص على مخارج الحروف، وقوة الحجج والأدلة والبراهين. ومن النقاد الّذين برزوا في هذا المجال: جمال الدين الأفغاني فيلسوف الشرق، ومحمد عبده الّذي سار على دربه حيث حملت خطبهما بعدا سياسيا، دينيا، واجتماعيا.
v القصة: بلغت القصة تطورا ورقيا في عصر النهضة، ويعود ذلك للعوامل التالية:
- انكباب الشرقيين على ترجمة قصص الأدب الغربي منهم: نجيب حداد اللبناني الذي ترجم رواية (الفرسان الثلاثة) لإسكندر دوماس الفرنسي في أربعة أجزاء طبعة 1888، وطانيوس عبده الّذي أنشأ مجلة الراوي، ضمنها تعريب الروايات الشهيرة: فوست، الملكة إزابو، ومجلة الروايات الجديدة لنقولا رزق الله.
- عودة الأدباء إلى تاريخهم العربي الأصيل، الّذي استمدّوا منه أحداث وشخصيات قصصهم من ذلك: فتاة غسان و عذراء قريش لجرجي زيدان.
- تعدد الروائيين والألوان الروائية بعد الحرب العالمية الأولى منها النفسية، الاجتماعية التاريخية والإصلاحية، من ذلك رواية ميخائيل نعيمة " كان ما كان و اللقاء، وجوه وحكايات لمارون عبود..، وقد شمل هذا الفن مصر، لبنان، سوريا والعراق.
- إنشاء مجلات خاصّة "تعنى بالترجمة والوضع، غير أنّ الكتاب آثروا في تأليفهم القصة القصيرة، يحاولون بها غالبا تصوير حياتهم أو حياة الإقليم الّذي يعيشون فيه..، أمّا القصص الطويلة فلم يخرجوا منها إلاّ نزرا يسيرا، فلذلك ترجى نهضة الأقصوصة قبل نهضة القصّة"، باعتبار أنّ الأقصوصة عرفت نضجا ونموا وتحديدا في الملامح مقارنة بالقصّة.
ثورة 1919 وما سببته من غلبة التيار الفكري الغربي، ومن رغبة في خلق تيار أدبي مصري، يجعله يحتل مكانة ومنزلة في الأدب العربيّ الحديث.
- ظهور فنون أدبية تحمل طابع وملامح الفن القصصي، من ذلك فن السيرة أو الترجمة الذاتية الّذي مثله طه حسين في كتابه الأيام، وفن اليوميات الّذي مثله توفيق الحكيم في كتابه يوميات نائب في الأرياف.
v الصّحافة: عدّت الصّحافة من العناصر الدّخيلة التي نزحت بنزوح نابوليون إلى مصر، لتصبح بذلك مصر مهد الصحف الأولى وتلتها الجزائر بصحيفة المبشّر التي نشرتها الحكومة الفرنسية سنة 1847، وقد عرفت التطور والازدهار على يد اللبنانيين الّذين رفعوا من شأنها، فكان لهم بذلك الفضل في بعثها وإحيائها، كما أنّها عرفت بنشاط حركة الأقلام المبدعة في عهد إسماعيل الخديوي الّذي عرف بتشجيعه للحركة الفكرية وحرصه على نشر ما يجود به الأدباء، عكس النقاد الّذين تعرضوا للنفي بسبب استهدافهم له في كتاباتهم، لتعرف بعده نهوضا ملموسا وانطلاقا وحرية في التعبير مطالبة برفع الوصاية على مصر التي كانت تحت الحماية البريطانية، ليرتفع بذلك صوت المصريين فأصبحت منبرا يطالبون من خلاله الحرية والاستقلال، وقد شهدت صحف مصر " بعد الحرب تقدّما عظيما، جارت به صحف أوروبا في جرمها وترتيبها وتصويرها، وبرقياتها وأخبارها، أمّا الصحف اللبنانية في بيروت فقد تقهقرت تقهقرا مشؤوما..، ولم ينبض لها وتر إلا بعد أن نودي بالدستور العثماني سنة 1908، فعادت إلى النهوض والانتشار..، وكذلك الصحف السورية والعراقية". وعليه فإنّ الصحافة استطاعت بفضل يراع أدبائها ونقادها أن تنهض بالشعوب الذين دفعتهم للانتفاضة والنهوض والثورة من خلال استنهاضها للهمم، كما يعود لها الفضل في نقل الثّقافة الغربية لأهل الشّرق الّذين أطلعتهم على آخر المستجدات في مختلف المجلات السياسية، الاجتماعية، الثقافية، الأدبية والنقدية، وممن كان لهم الفضل في نهضتها: بطرس البستاني، أديب إسحاق، إبراهيم اليازجي..إلخ.
وخلاصة القول أننا إذا عقدنا مقارنة بين الشعر والنثر لوجدنا أنّ " النثر كان أعجل تفلّتا من أغلال التكلّف والتقليد"، مقارنة بالشّعر، إذ يعود الفضل في تحرره من قيود الصنعة اللفظية وفي تطوره إلى :
- احتكاك الشرق بالثقافة الغربية واستفادة العرب منها.
- الصحافة التي فتحت الأبواب على مصراعيها للأدباء والنّقاد للتعبير عن الآراء والأفكار بكلّ حرّية، وما ساعدها على ذلك ظهور فن المقالة التي كان لها الدور في إعادة إحياء التراث وبعثة وتجديده.
- الانفتاح على الثقافة والكتابة الغربية، وبالتالي الانفتاح على الفنون العالمية.
- ظهور النقد الأدبي الحديث.
- ترجمة صحف الأعاجم ومصنّفاتهم.
- نشر مخطوطات بلغاء الكتاب المطبوعين كابن المقفع، ابن خلدون، ابن عبد ربّه، وأبي الفرج الأصفهاني، الجاحظ، والاستعانة بها في التدريس.
-
الفئة المستهدفة: السنة الثانية/ تخصص: دراسات لغوية مقياس: النقد الأدبي الحديث
إرهاصات التجديد في النقد العربي الحديث الأستاذة: د. بن عبد الله ثالث
المحاضرة 4
1. أثر الثقافة العربية في تأسيس الفكر الغربي وتوجيهه:
يعدّ الاتساع العربي من أهمّ أسباب النهضة الأوروبية التي انفجرت في القرن الخامس عشر، ذلك أنّ العرب نقلوا إلى أوروبا أربع وسائل للثّقافة والمتمثّلة في:
- الأرقام الهندية التي كانت عاملا من العوامل التي ساهمت في تطوير علومهم، والتي أشاعها العرب في مختلف أنحاء العالم، بعدما كانوا يعتمدون على الأرقام اللاتينية التي لا تصلح إلا للعدّ البسيط.
- صناعة الورق "ورق البردي" وترجمة الكتب الإغريقية القديمة إلى اللغة العربية، لينقلها الغرب إلى اللاتينية، نذكر منها مؤلفات أرسطو طاليس، أفلاطون، فيثاغورس..إلخ .
- التجربة العلمية وهذه الأخيرة تجسّدت في محاولتهم تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة، إلا أنهم استطاعوا بهدفهم الخيالي العثور على معادن ثمينة في الكيمياء التي كان لها بعض الشّأن في الطب وغيره.
وعليه فإنّ العرب كانوا السباقين إلى العلوم الّتي طوّرها الغرب في عصر الركود الفكري العربي، وهذا يعكس التاريخ الحضاري العربي بكلّ جوانبه وما عرفه من تطوّر العقول البشريّة، ويعود ذلك إلى البعثات العلمية إلى القسطنطينية وبلاد الرّوم لتعلّم اليونانية لترجمة العلوم التي ارتكزت حينها في بغداد ومصر، ونخص بالذكر مؤلفات فلاسفة الإغريق التي نقلت من لغتها الأصلية" اليونان والفرس والهند" إلى اللغة العربية. فكان بذلك لتلك النهضة العلمية الأثر الواضح في مختلف العلوم؛ علوم الحكمة والمنطق والطبيعة والكيمياء والجغرافيا والفلك والرياضيات الطب والفلسفة، وهذه الأخيرة عرفت ازدهارا في تلك الفترة، كما كان لها الدور في" توجيه الفكر الفلسفي في أوروبا زمنا طويلا، فلقد أضاف علماء العرب وفلاسفتهم أمثال الفرابي Farabi والغزاليGhazali – Al وابن سينا Avicenna وابن رشد AVERROES الكثير لما سبق أن عرفه العرب عن الفكر اليوناني، ويرجع الفضل للعرب في هذا المضمار..، نحو تنسيق الاتجاهات الفكرية..، فأصبح للمعرفة..، هدف معيّن..، ومنهاج قويم نسج على منواله علماء الغرب وفلاسفتهم حينما انتقل الفكر العربي إلى أوروبا بعد فتح العرب للأندلس سنة 710م". فالثّقافة اليونانية كان لها الأثر الكبير على الثقافة العربيّة التي أثْرَت الفكر العباسي، وذلك عن طريق حركة النّقل والترجمة التي استطاعوا من خلالها نقل الفكر والتّراث اليوناني، الّذي أسهم في ازدهار علم الكلام عند العرب وفي نشأة علم الفلسفة الإسلاميّة وتشكيل نظرية نقدية عربيّة، ليستفيد بذلك الغرب من إنجازات العرب. وإنّ إعادتهم إحياء التراث الفكري اليوناني بعودتهم إلى الأسس الفلسفيّة التي اعتمدوها في مناهجهم ومذاهبهم وأفكارهم، كان له بالغ الأثر على حركة النقد، لينتج بذلك تعالق بين هذا الأخير والفلسفة في العصر الحديث، "وهذا التلاقح بين مختلف الحضارات ساهم في رقيّ وتقدّم حركتهم الفكرية الأدبية والنّقدية. والمعروف أنّ الجمال قيمة، وهدف يسعى الفنان إلى أن يضمنه فنّه ويحققه في إنتاجه، وما يلبث الفيلسوف أن يشارك بفكره عمل الفنان: مقوّما له، ومحللا لما ينطوي عليه من أهداف، وصلة فلسفة الجمال هي بمثابة صلة المنطق بالنظريات العلميّة". ليستفيد بذلك الفكر الأوروبي من الفكر العربيّ، ولا يمكننا تجاوز الدور الّذي أدّته صقلّية في نشر الثّقافة والعلوم والمعارف العربية في أوروبا، "ويكفي أن نذكر أنّ القديس توما الأكويني St.Tomas Aquinas تعلم هناك، وأصبح فيما بعد أحد الأعمدة الّتي شيدت عليها الثقافة الأوروبية طوال العصور الوسيطية". وعليه يمكننا القول أنّ نهضة الغرب ارتكزت على الثقافة العربية بالدرجة الأولى حين كان الأدب في أزهى عصوره، كما أنّها ارتكزت على الثقافة اليونانية بإحيائهم لتراثها الفكري وإعادة بعثه من جديد، وكان ذلك بالعودة إلى المخطوطات اليونانية التي كان لها الفضل في تشكيل معالم اتجاههم النقديّ، حيث "خضع النقد في إنجلترا في عصر النهضة للاتجاهات النقدية السائدة في أوروبا وبخاصّة في إيطاليا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر..، والمقصود بعصر النهضة، ذلك البعث الجديد للتراث الفكري الّذي ساد اليونان وإيطاليا قديما". فما ساعد على تطور الحركة الفكرية والأدبية والنقدية الغربية ما قدّمه العرب من إنجازات، وذلك بترجمتهم لمؤلفات كبار الفلاسفة الإغريق، بالإضافة إلى" المخطوطات والنّصوص اللاتينيّة الّتي بدأ بِتْرارْكْPétrarch ، بجمعها(1304-1384)، في إيطاليا، والبحث عن المكتبات المهجورة وغيرها من الأماكن الأثريّة، لتخرج بذلك كتابات شِيشْرون CeceroK وكويْتَلْيانْ Quintilien من الظّلمة إلى النّور، إضافة إلى مؤلّفات الكثير من الشّعراء والكتّاب والمؤرّخين، وقرب نهاية القرن الرّابع عشر وصل العالم اليوناني مانْويل كَرِيزُلورَاسْ Manuel chrylsoloras إلى فلورانسيا، وأخذ يعلّم لغته اليونانيّة، ثمّ تواردت المخطوطات اليونانيّة بعد ذلك إلى إيطاليا بكثرة غير معهودة''. متأثرين بالنقد الروماني الّذي قام على فلسفة أفلاطون التي كانت سائدة آنذاك عند الكلاسيكيين ليحيي الرومانسيون آراءه من جديد، فازداد بذلك إقبال العلماء على التراث الفكري القديم إلى منتصف القرن الخامس عشر وأخذ الاتّجاه النّقديّ يتكوّن، لتتبلور بعض الآراء النّقديّة حول هذه المخطوطات متّخذين فلورانسيا ونابولي مركزين لها، ''ولم يقتصر هذا الذّوق على النّواحي الأدبيّة فحسب، بل تعدّاه إلى أمور الحياة ومشاكل العالم، والاتّجاهات الفكريّة بشكل عام، ولقد تعرّضت هذه الدّراسات اليونانيّة للطّبيعة البشريّة وأفاضت في الحديث عن النّاحيتين، الفكريّة والخلقيّة، وتمركزت هذه الدّراسات حول الإنسان وعظمته وقوّة فكره، ممّا يميّزه همّا عداه من سائر المخلوقات''.
2. النّقاد العرب ودورهم في تطوير الحركة النقدية في عصر النهضة الحديثة:
إذا عدنا إلى النقد في العصور السابقة نجده نقدا انطباعيا عفويا ساذجا لا يخضع لقوانين وضوابط، لينحصر بذلك في أحكام ذاتية جزئيّة غير معللة أساسها الذوق الخاص؛ نقد غير ممنهج لا يخضع للموضوعيّة، لا تحكمه قوانين ولا تضبطه قواعد، يستحسن بيتا أو يستهجنه نتيجة انفعال نفسي أو إحساس يعتمده كأداة لإصدار أحكامه، شأنه شأن النقد عند اليونانيين قبل أفلاطون وأرسطو؛ إذ كانت تمنح الجوائز لأصحاب النّفوذ والسّلطان من قبل " حكام تختارهم حكومة أثينا عن طريق الاقتراع، تأتي بهم في المسابقات العامّة الّتي كانت تجريها في المواسم". وقد شهد النقد العربيّ تطوّرا بنزول القرآن الّذي أعجز جهابذة وأساطين اللغة العربية وفصحائها بآياته المحكمات، فكان النقد والإصلاح غايته، حيث تعددت فيه أساليب البلاغة والبيان، فسجعه كان من أرفع درجات الكلام لا تكليف ولا زخرفة ولا غموض فيه، فتلك الأساليب خلبت الألباب وبهرت الأدباء، فلا عجب أن يكون النقد والإصلاح غايته والحكمة هدايته، ليتحوّل نحو مدارسة القرآن الكريم والوقوف على أحكامه متجها نحو مفاهيمه الشرعيّة واللغويّة والفكريّة. وما ساعد على تطور الأدب والنقد الأسواق العربية التي كانت تجرى فيها المناظرات والمفاخرات والمنافرات من ذلك سوق عكاظ، سوق ذي المجاز سوق مجنة..، التي كان يقصدها فصحاء الأعراب من كل فج عميق." فالنصوص الأدبية كانت تقدّر على أساس قيمتها من الناحية الأخلاقية والنفعية بعيدا كل البعد عن الجانب الجمالي الفني، لا يستند لأسس ونظريات وقواعد ومبادئ كالتي تبناها قدامة بن جعفر الّذي حاول " أن يخضع الشّعر للعقل الفلسفيّ اليونانيّ ويشتقّ له أصولا مضبوطة، فألّف كتاب" نقد الشّعر" الّذي كان له الأثر الكبير في أوساط النّقّاد والبلاغيين، مستلهما فيه كتاب أرسطوطاليس الّذي خصّه بالشعر وحده"، مستعينا في ذلك باللغة السّريانيّة الّتي عدّت وسيلة من الوسائل الّتي ساعدته على الترجمة، بحكم أنّه كان أعجميّا نصرانيّا قبل أن يسلم على يدي الخليفة المكتفي بالله، والنّصارى من السّريان الّذين عُدّوا الأكثر نقلا لآثار الفكر اليونانيّ إلى اللّسان العربيّ. فظهور قدامة بن جعفر في أوائل القرن الرّابع وعودته إلى البيان اليونانيّ وما فيه من موازين للنّقد، الأثر الكبير في وضع أسس النقد الأدبي التي لقح بها البيان العربيّ، ليحدث بذلك تطوّرا جديدا في بحوث النّقد.
كما يعدّ حازم القرطاجنّي من المتأثّرين بحكمة اليونان وفلسفتهم ومنطقهم، إذ نجده كثير الاستشهاد بكلام أرسطو معتمدا في ذلك على تلخيص كلّ من ابن سينا وابن رشد لكتاب الشّعر الخاص بهذا الفيلسوف، وهذا ما أشار إليه أحمد كمال زكي في كتابه النقد الأدبي الحديث، الّذي ذهب فيه إلى أنّ حازما القرطاجنّي من أشهر المطبّقين لنظريات أرسطو وآرائه على البلاغة العربيّة، مبديا اهتمامه بالصّناعة الشعريّة بالإضافة إلى الآمدي، عبد القاهر الجرجاني، ابن سلام الجمحي البصري وغيرهم من رواد الحركة الأدبية في عصورها الذهبية. فأنشأت المدارس العربية والإسلاميّة في مكة والبصرة والكوفة، وهذه الأخيرة عدّت الغذاء الروحيّ للعقول من خلال دعوتهم إلى حسن اختيار الألفاظ التي تتناسب مع مواضيع المؤلفات المدروسة، والبعد عن التصنع والتنميق اللفظي حتى لا تضيع المعاني، لكن ذلك لم يدم بسبب ضعف الأدب ونقده بعد عبد القاهر الجرجاني بسبب تصلب الأذهان والعقول. "وما ساعد على انتشار الحركة الجديدة وضع التراث القديم في بوتقة النقد ومن ثمّ أمكن إخضاعه للذوق الفني"، فعادوا إلى النصوص القديمة يدرسونها ويتذوقونها، باحثين عن مواطن الجمال فيها، بعيدا عن الذاتية والجزئية في إصدار الأحكام، حيث ذهب إرازموس إلى القول بأنّ " النّصّ يجب أن ينظر إليه ككلّ..، فوضعوا له أسسا عامة تسير على نهجها الكتابة الجيّدة". ومن النقاد المحدثين الّذي عادوا إلى أصول الشعر القديم وتقاليده الموروثة وتصدوا لنتاج الشعراء المعاصرين حسين المرصفي في كتابه الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية، "الّذي تناول فيه أصول التشبيه وجودته، وصحّة المعاني وشرفها، وموافقتها للنظم وما إلى ذلك مما وضعه القدماء أساسا لما يعرف بعمود الشّعر" ، والناقد محمد المويلحي بدوره حاول إحياء التراث النقديّ وتجديده مستجيبا بذلك لمتطلّبات العصر وتيّاره الفكري، مشيدا بأهميّته في الأدب "وأثره في النهوض به، وبيّن كيف عرف الغرب قيمته، ولم ينتبه العرب إلى منزلته..، ثمّ يعقد نجيب حدّاد مقارنات بين الشعر العربي والغربي من حيث الاصطلاحات والألفاظ والمعاني والأوزان..، ثمّ يدعو النقاد إعادة النّظر في الشعر العربي الحديث، للتخلّص من عوامل الركود والجمود الّتي حالت دون تطوّره حتّى تخلّف عن الشّعر الغربيّ". ليتحرر بذلك الشعراء بعد النهضة من قيود وأغلال الاستبداد والتقهقر، بانعتاق فكرهم نحو حرية التعبير عن آرائهم وانتقاداتهم. ليظهر بذلك جيل جديد يدعو إلى النزوع إلى الجديد نظرا لاكتساح ما لا يتلاءم وروح العصر من قضايا ومواضيع وطرق تعبير، وهذا التحرر كان ناتجا عن عوامل سياسية، اجتماعية وتاريخية جعلته ينتفض ضد الأوضاع نحو صحوة جعلته يتحرر من الألفاظ الأعجمية، ومن قيود الصنعة ليتوارى بذلك التنميق اللفظي، وتصبح السيادة للغة الفصحى التي أعادوا إحياءها بعدما حاول المستعمر استبدالها بلغة غيرية. وقد عرف الطور الأول من عهد النهضة بحرص أرباب النقد على الصياغة النحوية واللغويّة حتى تستعيد اللغة العربية مكانتها وصفاءها وقوتها وجزالتها، وتنهض من كبوتها بعدما أصابها الضعف والتهجين، ويعود الفضل في ذلك إلى اتصال الشرق بالغرب، وتتلمذ الطلبة على أيدي أساتذة لهم ذوق فني وثقافة أدبية راقية، ولاتساع مجال الكتابة وحرية التعبير، وباعتماد النقاد على مقاييس عقلية وفلسفية؛ على المنطق والموازنة والتحليل متقصين المعنى قبل المبنى، متجردين من الذاتية مرتكزين في ذلك على الموضوعية على الأحكام المعللة لا ينظرون إلى موضوع البحث إلا بعين العلم ليزنوا كل شيء بميزانه. وما ساعدهم على ذلك الصحافة التي استطاعوا من خلالها أن يعبروا عن آرائهم، تطلعاتهم، عن تجاربهم الإنسانية التي عكسوا بها ثقافتهم العربية، وبينوا من خلالها نضج الأقلام وتخلص العقول الراجحة من مخلفات المستعمر، لتتعدد بذلك الآراء بتعدد المدارس والمذاهب الأدبية التي ظهرت عن طريق المثاقفة، وبفضل فن الطباعة الحديثة وبالتحديد مطبعة بولاق التي طبعت فيها أمهات مؤلفات الأدب العربي القديم، حيث ساهمت في خلق مذاهب جديدة اعتمدها النقاد لدراسة الإبداع الأدبي بعد دخول مصطلحات الشعر الأوروبي –مثلا- إلى النقد العربي ورسوخها في الشعر الجديد من ذلك الوحدة العضوية وترابط أبيات القصيدة، مع العلم أنّ المرصفي قد وقف على هذه القضية النقدية الّتي عدّت من أهمّ مصادر النقد العربي الحديث و وذلك في كتابه الموسوم بـ: "الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربيّة" بتقريعه لقصيدة البارودي التي عارض فيها قصيدة أبي نواس في وزنها ورويّها بقوله:
تلاهيْتُ إلاّ ما يجِنُّ ضميـــرُ
وداريْتُ إلاّ ما ينِمُّ زفيـــــــــرُ
وهل يستطيعُ المرءُ كِتْمانَ أمرِه
وفي الصّدر منهُ بارحٌ وسعيرُ؟
فيا قاتلَ اللهُ الهوِى ما أشــدَّه
على المرءِ إذْ يخلو به فيُغيـرُ
تلينُ إليه النَّفس وهْيَ أبيَّـــةٌ
ويجْزع منه القلبُ وهْوَ صبورُ
فعاب عليه تشتت أبياتها منتقدا افتقارها للوحدة العضويّة بقوله:" انظر هداك الله لأبيات هذه القصيدة فأفردها بيتا بيتا، تجد ظروف جواهر أفردت كل جوهرة لنفائسها بظرف ثمّ اجمعها، وانظر جمال السياق وحسن النسق، فإنّك لا تجد بيتا يصح أن يقدّم أو يؤخّر ولا بيتين يمكن أن يكون بينهما ثالث، وأكلك إلى سلامة ذوقك وعلوّ همّتك إن كنت من أهل الرّغبة في الاستكمال لتتبع هذه الطريقة"، مرتكزين في ذلك على مبادئ وأسس لتطوير الأدب والنهوض به. كما نجد عباس محمود العقاد ينتقد شعراء الجيل الماضي لعدم استقصائهم معنى الأدب والشعر، معتبرا إدراكهم لخطوات التّجديد في الأدب المعاصر إدراكا ناقصا مبتورا، وذلك في كتابه "شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي". وطه حسين بدوره اعتمد على أصول وقواعد نقدية غربية في دراسته للأدب الجاهلي، أسهمت في نشأة النقد الأدبي العربي الحديث في مصر، وتتمثل هذه المبادئ في:
- الاستعانة بالعلوم والمعارف الإنسانيّة المختلفة في دراسة الأدب وتاريخه، جيّده ورديئه.
- الاعتماد في دراسة الأدب على الموازنة والاستنباط والاستقراء الكامل، بالارتكاز على العوامل التي تأثرت به وأثرت فيه.
- الاعتماد على المناهج العلميّة الحديثة التي من شأنها أن تبصر النقاد بالجمالية الفنية للنصوص الأدبية من ذلك ، متأثرا في ذلك بمنهج "تين" المنهج الجبري الّذي طبقه على الأدب في فرنسا، باعتبار أن القصيدة بدورها لا بد أن تخضع للبحث والنقد والتحليل شأنها شأن خضوع المادّة لعمل الكيمياء.
- الاعتماد على الذوق العام والخاص لأن الحياة الفنية تجمع بينهما؛ فالذوق العام يعطيها حظا من الموضوعية، أما الخاص فيعطيها حظا من الذاتية، ليتوسط بذلك الأدب بين العلمية والفنية.
- الاستعانة بعلم النّفس لدراسة روح الشاعر واستنباط منازع حياته وتعليل أدبه، وذلك بالوقوف على أبعادها الذاتية والموضوعية التي تنعكس على إنتاجه الأدبي والفكري، بعد تناولهم هذه الشخصية بالدرس والتحليل.
- الابتعاد عن الغلو في التصوير (الخيال)، بأن يجمع الشاعر في نظمه بين الخيال والعقل و يبتعد عن تجسيم مالا سبيل إلى تجسيمه.
وقد عرفت هذه الفترة محاولات نقدية محمودة اتسمت بطابعها العلمي الموضوعي البعيد عن الأحكام الانطباعية من ذلك: كتاب "الغربال" لميخائيل نعيمة حيث تجلّت فيه آراؤه النّقدية، وفي مقالاته التي نشرها بجريدة السائح، كتاب" الفن ومذاهبه في الشعر العربي والفن ومذاهبه في النثر العربي" لشوقي ضيف، ليجاروا بذلك الحركة النقدية الغربية ليواصل طريقه نحو التقدم والتطور من خلال تبني أصحابه مناهج نقدية جديدة تعينهم على التفسير والتحليل والتعليل والاستنتاج.
ويمكننا أن نجمل أسباب تغيّر صورة النّقد في عصر النّهضة العربيّة إلى:
- الظروف السياسيّة والاجتماعيّة: كانت هذه الأخيرة سببا في ظهور نقد جديد مختلف تميّز بخصائص وعناصر أدّت إلى هذا الجديد" لقد أنشئت اعتبارا من ذلك الحين الأسس العقائديّة للنّقد الأدبيّ في الوقت نفسه حيث سيخلق التّطوّر السّياسي والاجتماعي أوضاعا ملائمة لنشأة النّقد الحقيقي، على أنّه فنّ خاصّ، بل وأبعد من ذلك باعتباره مهنة.
- الصّحافة وجهاز الأساتذة: حيث أنشأ نابوليون الجامعة وعلى إثرها كانت البداية الفعليّة للنّقد حيث شرع الصّحفيّون والأساتذة بعد الاستبداديّة الإمبراطوريّة بالتّفكير والتّكلّم والكتابة في شيء من الحرّيّة.
- الطّباعة: وباعتبار الصّحافة والطّباعة صورا من صور النّهضة ولما تتيحانه من الحرّيّة كان لهما الفضل الكبير في إحداث الجديد والانقلاب في عصر النّهضة.
- الجديد الّذي طرحته الحياة: والّذي انعكس في فنون الأدب المختلفة الّتي ظهرت استجابة للعصر وعلى أساسها تغيّر النّقد وحدّدت مبادئه والأمر هنا يتعلّق بجملة من الفنون الّتي أصبحت مجالا للشّعر منها المستحدثة كالشعر السياسي والاجتماعي وهي أغراض عبّر بها الشّعراء عن واقعهم إثر الحركات الاستعماريّة، وصور الاضطهاد والظّلم، وكلّها تقتضي تقتضي سبلا جديدة في النقد لتتعامل معها، تتعدّى مسألة الفنّيّة والجماليّة، وإلى جانب هذه الأغراض ظهرت فنون جديدة وليدة هذا العصر، وكانت أثرا من آثار نهضته وتفاعله مع غيره من الآداب من ذلك:
الشّعر المسرحي الّذي رفع لواءه في الأدب العربي أحمد شوقي، حيث يجد فيه الشّاعر سعة للتّعبير المستفيض عن أماني النّفوس وآلامها وآمالها، يعكس من خلاله أحوال المجتمعات، ويعمل على بسط الأحداث التاريخيّة واستخلاص العبر منها، وقد وقف النّقاد عنده طويلا؛ حيث انتقدوا تعدّد بحوره وقوافيه وتنوّعها في البيت الواحد والتي عدّوها عيبا من العيوب، وأمارة من أمارات عجز استحضار القوافي والاقتدار عليها.
الشّعر القصصي: الّذي يصوّر حوادث في من عصور تاريخيّة، عاكسا الآراء والأفكار والمعتقدات .
فنّ القصّة: وهي تعدّ من فنون الأدبيّة التي أقبل عليها القراء إقبالا منقطع النّظير، ما جعل الكتّاب يعتنون بها، وحتّى النّقّاد لما تتميّز به من خصائص فنّيّة جديدة، إذ أنّها استطاعت أن تصل إلى الذّروة من حيث الازدهار والنّضج الفنّيّ في نظر كثير من النّقاّد. وعليه فإنّ النّقد العربيّ الحديث ارتبط أيضا بالتّيّارات الفكريّة الغربيّة على اختلافها، فكانت صورة لوعي الفكر العربيّ، ما أحاله على العديد من المستجدّات الّتي كانت بمثابة صدمة أصابت العالم العربيّ فأيقظته من سباته، والقول بهذه الإرهاصات هو طرق لمجمل المرجعيّات الّتي استقى منها النّقد آلياته الإجرائيّة الجديدة.
-
جامعة: مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي مقياس: النقد الأدبي الحديث
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث السنة الثانية ليسانس: دراسات لغوية
المحاضرة (5): جماعة الدّيوان
1. الرومانسية والنقد الأدبي:
تعدّ الرومانسية من المذاهب الأدبية الحديثة التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بألمانيا ثمّ انتقلت إلى فرنسا وإنجلترا، لتظهر في الوطن العربي مع مطلع القرن العشرين. إنّها من أهم التيارات النقدية الداعية إلى التجديد، لما لها من أثر في الآداب العالمية وبخاصّة النقد الأدبي الحديث، فهو كغيره من العلوم اللغوية والعلمية، أسهمت في تطوره مجموعة من العوامل في مقدمتها حملة نابوليون بونابرت على مصر "1798"، بوصفها ثورة تحريريّة للأدب من سيطرة الآداب الكلاسيكيّة اليونانيّة المقلّدة التي جعلت السيادة للمنطق والعقل في الفن المتأثر بأرسطو وهوراس..، محاولة فك الأغلال التي كبل بها الفكر العربي نتيجة غياب الخلق والإبداع، ووقوعهم في محدودية أجناس أدبية معينة بمقاييسها وحدودها وأغراضها وموضوعاتها وأوزانها القديمة. ما جعل رواد المذهب الرومانسي ينادون إلى البحث في نتاج الفرد الذي بإمكانه إشغال ذهنه في التعبير عن خلجات النفس البشرية ورغباتها المكبوتة، وهذه الأخيرة هي التي تجعله يجود بالأحسن ويبدع ويجدد. وهذا التجديد من شأنه أن يخلق هو بدوره نقدا خلاقا يفسر به نتاجه الفكري، البعيد عن القوالب الجاهزة بلغته وقواعده البلاغية التقليدية القديمة. لينتقل بذلك النقد من الاعتباطية والجزئية في العصور السابقة، ومن التقيد بالقواعد من عدمها عند النقاد الكلاسيكيين إلى التفسير العلمي الممنهج عند الرومانسيين، باعتبار هذا العمل وليد تجربة حية عكس بها واقعة ومجتمعه، ليفسّر هذا النِّتاج انطلاقا من علاقة الأدب بمؤلفه، أو انطلاقا من علاقته ببيئته ومجتمعه بصفته المرآة العاكسة له، "و لعلّ استجابة أدبائنا ونقادنا لأدب الرومانسيين ونقدهم أسبابا متصلة بواقع الحياة المصرية الجديدة، التي كان الأفراد فيها يتطلعون إلى التحرر والإحساس بالذات..، ومن هنا كانت الرومانسية بما نشرته من الأصول المتعلقة بالحرية والذاتية، وإطلاق العاطفة، واجترار الآلام، ونشدان البراءة وتجريم الواقع المر، والدعوة إلى الجب المطلق للناس والحياة الطبيعية..، ذات أثر فعال في نفوس أدبائنا ونقادنا، فتمثّلوها في الشعر والكتابة والنقد".
فكانت الرومانسية بذلك سببا في استعادة مكانة الأدب عامة والشعر خاصة، ليرتفع إلى مستوى الفكر العالمي لصلته الوثيقة بالأدب الغربي قديمه وحديثه، وبالقضايا التي تتعلق بالواقع والمجتمع؛ إنّها تشير إلى نمط من التأليف الشّعريّ أو النّثريّ، "تُعنى بقصص البطولة أو المغامرة والعجائب الّتي شاعت في العصور الوسطى والّتي كانت تدور حول مغامرات الفرسان وبطولاتهم في سبيل مكارم الأخلاق، ثمّ أصبح معناها الأدبي المدرسة الأدبيّة الّتي تعبّر عن الخيال والعواطف الإنسانيّة بسبب تمسّك أصحابها بنزعتهم الإنسانية التي سيطرت على أعمالهم الشّعريّة، الّتي تدعو إلى حبّ الإنسان لأخيه الإنسان، كما تدعو إلى الخير وتحقيق العدل والمساواة بين أفراد المجتمع محاولين بذلك الرّفع من مرتبة النّفس الإنسانيّة". استطاعت أن تعكس الفكر والوعي الثقافي لمختلف الأمم، و تمجيد الألم الإنساني والذاتي المشحون بعواطف ذاتية نبيلة سيطرت على أعمالهم الشّعريّة، ليصبح الشاعر لسان حال أمته المعبر عن آلامها وأحزانها آمالها لتوطّد بذلك العلاقة بين الشّعر ومحيطه وواقعه الاجتماعي.
فهذا التطور الّذي شهدته الحركة الأدبية كان نتيجة لما نقله النقاد من آراء نقدية جعلتهم يرتقوا بالفكر العربي نحو التجديد والإبداع بتفجير الطاقة الإبداعية، بمناهضة من المناوئين للمذهب الكلاسيكي، فكانت بذلك المدارس الأدبية الحديثة " الديوان، أبولو، الرابطة القلمية" وهذه الأخيرة كانت بمثابة ثورة شاملة في الأدب العربي ونقده، لتقدم بذلك صورة واضحة عن الشعر الرومانسي الّذي انقل من مرحلة التقليد إلى المعاصرة.
ويظهر تأثر العرب بالرومانسيّة الغربيّة في تبنّيهم لهذا المذهب نتيجة حاجتهم الماسّة إلى شعر يخطو مرحلة التّقليد والاحتذاء والمحاكاة الّتي مثّلها جماعة عمود الشعر التقليدي: حافظ إبراهيم والبارودي وأحمد شوقي، إلى مرحلة جديدة متجنّبين بذلك النّظم والأغراض التقليديّة القديمة في شعرهم أوفي شعر أمثالهم، لينتقلوا بذلك من الركود والانحطاط إلى النهضة.
ويعد خليل مطران من أوائل الشّعراء الّذين لفتوا الأنظار إلى ضرورة أن يكون شعرنا الحديث مماثلا لتصوّرنا وشعورنا وظروفنا، وهذا ما أشار إليه في مقدّمة ديوانه "ديوان الخليل" الذي اعتبر نقطة انعطاف في الشّعر، ضم مجموعة من القصائد التي كتبت في نهاية القرن التاسع عشر بداية القرن العشرين، وحملت ثورة حقيقية في تجديد الموضوعات والأشكال الشّعريّة المتنوّعة، وقد صرّح بذلك قائلا:"هذا شعري، وفيه كلّ شعوري هو شعر الحياة والحقيقة والخيال". كما نجده يؤكّد رغبته في التجديد من خلال ودعوته إليه التجديد بقوله: " أريد التجديد أكثر مما أردته في كلّ آن، أريده ولا أكفيه، أريد أن تكون لغتي شريكتي رؤية وسماعا وشعورا تلقاء ما يجد، وأن تتناوله وتعينه على الإفصاح عنه". فثورته على الشعر التقليدي تظهر كذلك في المجلة المصرية التي كان يصدرها معلنا بذلك تمرده عليه، حاملا لواء الدعوة إلى التجديد بالخروج عن قواعد القدامى في النظم بقوله: "إنّ خطة العرب في الشعر لا يجب حتما أن تكون خطّتنا، بل للعرب عصورهم، ولنا عصرنا، ولهم آدابهم وأخلاقهم وحاجاتهم وعاداتهم وعلومهم، ولنا آدابنا وأخلاقنا وعاداتنا وعلومنا، ولهذا وجب أن يكون شعرنا ممثلا لتصوّرنا وشعورنا، لا تصورهم وشعورهم، وإن كان مفرغا من قوالبهم محتذيا مذاهبهم اللفظية". ليعدّ بذلك من أهمّ رواد الرومانسية الساعين إلى تقويض القديم، المناهضين والثائرين على عبيد الشعر التقليديّ الّذين بنوا قصائدهم على وحدة الوزن والقافية، ووحدة البيت واستقلاليته، وعلى ألفاظهم الغريبة المستوحاة من القاموس القديم، فالشعر على حدّ تعبيره لا بدّ أن يواكب متطلبات العصر، أن يعبّر فيه الشاعر عن تجاربه عن واقعه دون مبالغة، ويظهر ذلك في قوله:" هذا الشعر ليس ناظمه بعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن أو القافية على غير قصده، يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الفصيح، ولا ينظر إلى جمال البيت المفرد ولو أنكره جاره..، بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضعه، وإلى جمال القصيدة في تركيبها، وترتيبها، وفي تناسق معانيها وموافقتها، داعيا بذلك إلى الخروج عن نظام الشّعر التقليدي من خلال دعوته إلى التجديد بنقل التجربة الشعرية، والحرية في التعبير، والوحدة العضوية، والصورة الشعرية، والتحرر من الوزن والقافية التي كانت سببا في الحد من التعبير عن العواطف والأحاسيس والأفكار، محددا بذلك المبادئ التي تبنى عليها القصيدة الرومانسية لينتقل بالشعر من الاحتذاء والاتّباع إلى التّجديد والإبداع ليرسم مسارا جديدا في النظم من حيث الشكل والبناء وحتى المضمون وصياغته، حيث ظهرت بعده مدارس كانت هي بدورها بمثابة ثورة شاملة في الأدب العربّي ونقده. إنّها مرحلة جديدة حملت لواءها دعوات تجديديّة منتظمة في تجمّعات أدبيّة من بينها جماعة الديوان. فكيف نشأت هذه المدرسة؟. ومن هم أشهر روادها، وماهي مظاهر التجديد في الشعر العربي الحديث انطلاقا من الآراء التي كان ينادي بها روادها؟.
2.مدرسة الديوان "نشأتها وتبلورها، روادها، مبادؤها":
1.1 نشأتها وتبلورها وأشهر روادها:
بدأت بوادر هذه المدرسة تتبلور مع بداية القرن العشرين، حيث تأثّر روّادها بالأدب الإنجليزي الذي مثله كلوريدج Coloridge وهازلتHazlitt ، فاستفادوا منهما ومن مبادئهما النّقديّة. ليتجاوز بذلك روادها؛ رواد الشعر العربي الحديث- عبد الرحمـ'ن شكري، عباس محمود العقاد، إبراهيم عبد القادر المازني- محاكاة القدامى إلى التّعبير عن التّجربة الشعرية الوجدانيّة الذّاتيّة، وعن الخلجات النفسية و النزعة التأملية نظرا لامتزاجهم بالطبيعة التي استوحوا منها صورهم الشعرية بيانية كانت أو رمزية، بحكم أنّ الشّاعر مطالب "برسمها وتجلية حقائقها ونقل تفاصيلها، وتصويرها تصويرا يجعلنا نشعر معه نبضات أغوارها وصفحات أفلاكها، وما توسوس به نفسه وما تزمجر من نغمات رضاها وغضبها وطلاسم صلواتها وتعاويذها ، مستمدين بذلك مبادئهم من الأدب الإنجليزي الذي تشبعوا ثقافته وأثروا به أدبنا المعاصر، بتوجيههم الحركة الأدبيّة المعاصرة والحركة النّقديّة على السّواء.
وقد سمّيت مدرسة الديوان بهذا الاسم نسبة إلى كتاب الدّيوان في الأدب والنّقد الّذي أصدره العقّاد والمازني سنة 1921م، ليعتبر من الإرهاصات التي مهّدت لظهور منهج وحركة نقدية جديدة لدراسة الأدب نظرا لارتكازها على الجانب النقدي. فحمل في طياته أسس الدّعوة إلى التّجديد وعدّ "البيان التأسيسي الأدبي للمدرسة الأدبية النّقدية في الثقافة العربيّة الحديثة، والعلامة الفاصلة في تاريخ النظريّة الأدبية العربية". هادفا إلى تقويض وهدم القديم بما فيهم " شوقي ورصفائه من أتباع المذهب العتيق"، وكان ذلك من بواعث ثورتهم ونقدهم المقذع "فإذا بالديوان يأتي بالمعول لهدم هذا الفن المقدّس..، معتزما تحطيم..، من اعتبرهم أصناما طالت عبادة الناس لهم". فسعى بذلك رواد مدرسة الديوان تحقيق المثل العليا بشعرهم الّذي عكسوا به صورة الحياة، والنفوس البشرية بعظمتها أو بِضِعَتها، ليربطوا بذلك بين الأدب والمجتمع، كماغلب على شعرائها نزعة تجديديّة تهدف إلى السّموّ والارتقاء بالشّعر العربي، ليكون لهم الفضل في بلورة هذا التيار الأدبي الجديد وإبرازه.
إلاّ أنّ هذه السنة شهدت أيضا تفرّق الجماعة، ولم يصدر من أجزاء الكتاب العشرة إلا جزءان، ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل من بينها:
- الخلاف والفجوة التي كانت بين شكري والمازني اللذان أساءا لمذهبهما بسبب الخصومة التي كانت بينهما، حيث وجّه المازني لشكري نقدا لاذعا مقذعا بإقرار من العقاد فاتهماه بالجنون في كتابهما الديوان وسمياه بصنم الألاعيب بقولهما: "شكري صنى ولا كالأصنام، ألقت به يد القدر العابثة في ركن خرب على ساحل أليم، صنم تتمثّل فيه سخرية الله المرّة"، وهذا الوصف جاء على إثر ما نشره شكري في مجلّة "المقتطف" واتهامه للمازني بسرقة معان من الشّعر الإنجليزي، وعلى الرّغم من النّزاع الّذي كان بينهما إلاّ أنّ المازني اعترف بفضل شكري و ريادته في مقاله "التّجديد في الأدب المصري".
- "عودة شوقي من منفاه سنة1919 بعد إخفاق الثورة العرابية وتأثيرها على حياة الشعراء الثلاثة بعد تربعه على قمة المجد والإشادة به في بعض الصحف من بينها جريدة عكاظ، فظنوا أنّ تلك القمة لا سبيل إليها..، وقد كان لهذا الإحساس أكبر الأثر في الحد من نشاطهم وفي توجيه طاقاتهم الإبداعية إلى ثورة هوجاء تدفعها دوافع شخصية لا دوافع أدبية، وذلك بمهاجمتهم النّموذج القائم عند شوقي وحافظ إبراهيم والمنفلوطي في مجلّة "عكاظ" وكتاب الدّيوان بالنقد والتجريح، بل بالسب والاتهام الّذي لا يليق بالأدباء"، ليخلفا بنقدهما أثرا باقيا في نفوسهم.
- انشغال العقاد والمازني عن النقد والأدب بالسياسة والدفاع عن قضيتهم الوطنية، ومحاربة الظلم والاستبداد وانصرافهما عن الشعر نحو الصّحافة، مسخرا أدبهما للذود عن حياض الوطن، والمطالبة بالحرّيّة والاستقلال.
- عزوف عبد الرحمن شكري عن الكتابة بسبب إخفاق ثورة 1919، وتقييد وظيفته الحكومية لحريته وحدّها من نشاطه الإبداعي، وبسبب الظلم الوظيفي الّذي وقع عليه بحرمانه من التّرقيّة، ليحال على التقاعد بناء على رغبة منه، وكلّ هذه العوامل جعلته يتأزّم نفسيا نتيجة إحساسه بخيبة الأمل، لعدم تحقيقه مجده الأدبي الّذي كان يطمح إليه، ومن مسرحياته التي عبّر بها عن فلسفته المتشائمة "مسرحيّة المجنون"، وهذه الأخيرة صوّرت بأسلوب رومانسيّ حالات التّمزّق النّفسي الّذي كان يراها في جيله.
وقد عدّ بعض الدارسين عبد الرّحمن شكري رائد هذه المدرسة بحكم أنّه كان السبّاق إلى "وضع الأسس النظريّة والتطبيقية في الشّعر والنّقد، ودعم هذه الأسس بالإنتاج الوفير..، وأنّ المازني والعقاد قد تأثرا بآرائه كما تأثّر هو بآرائهما"، وهذا ما أكّده العقاد بقوله: " وله في ميدان القريض فضل الرائد..، فهو من أسبق المتقدمين إلى توحيد بنية القصيدة، وإلى التصرّف في القافية على أنواع من التصرّف المقبول، فنظم القصيدة في وزن واحد، ومقطوعات متعددة القوافي..، وتسنى له في جميع المناهج أن ينظم الكثير من القصص العاطفية والاجتماعية قبل أن يشيع نظم القصص في أدبنا الحديث"، لتنسب له بذلك الريادة والسبق في وضع الأسس والمبادئ التي ترتكز عليها مدرسة الديوان في تجديد الشّعر، الّذي كان بالنسبة للبعض صدمة نتيجة تحررهم من القيود التي فرضها المذهب الكلاسيكية، فرفعوا من شأن الخيال والعاطفة وشددوا على الشّعر بوصفه تعبيرا فنيا يعبر به الشاعر عن تجاربه عن مشاكله عن قيمه وعن أفكاره.
2.1 الشّعر عند جماعة الدّيوان:
تغيرت نظرة شعراء مدرسة الديوان للشعر، إذ عدوه تعبيرا صادقا عن وجدان الشاعر المرتبط بعالمه الدّاخليّ وبنفسيته؛ عن الذات الشاعرة وأحاسيسها وتجربتها الشعورية الصادقة التي تعدّ مصدر إلهامها، يقول العقاد:" إنْ كان الشّعر لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس شعورا حيّا ووجدانا تعود إليه المحسوسات كما تعود الأغذية إلى الدّم ونفحات الزّهر إلى عنصر العطر، فذلك شعر الطبع القويّ والحقيقة والجوهر". وهو حسب رأيه يقاس بثلاثة مقاييس:" أوّلها أنّ الشّعر قيمة إنسانيّة قبل أن يكون قيمة لفظيّة فيحتفظ بقيمته إذا ترجم إلى لغة من اللغات، وثانيهما أنّ الشّعر تعبير عن نفس صاحبه، فالشّاعر الّذي لا يعبّر عن نفسه صانع وليس ذا شخصيّة أدبيّة، ثالثها أنّ القصيدة ذات بنية حيّة وليست أجزاء متناثرة يجمعها الوزن والقافية"، فالشعر بذلك يحمل بعدا إنسانيا من خلال تعبيره عن الذات الإنسانية، التي يعكس بها تجربة شعرية صادق مستعينا في ذلك بأساليبه الفنية، وبالوحدة الشعورية التي تربط بين الأبيات. وهذا ما أكده شكري حين ربط الشّعر بالعاطفة والخيال والذّوق في عملية الإبداع الفنّي وهذا الأخير يحتاجه كل من الفنان والشاعر الّذي يعكس به شخصيته، و الناقد في التمحيص والاستنباط وإصدار الأحكام، ويظهر ذلك في قوله: "الشعرهو كلمات العواطف والخيال والذّوق السّليم فأصوله ثلاثة متراوحة، فمن كان ضئيل الخيال أتى شعره ضئيل الشّأن، ومن كان ضعيف العواطف أتى شعره ميّتا لا حياة له، فإنّ الشّعر في الإبانة عن حركات تلك العواطف وقوّته مستخرجة من قوّتها ومن كان ينقصه الذّوق أتى شعره كالجنين ناقص الخلقة". ويضيف شكري في تعريفه للشعر قوله: "إنّ الشّعر مهما اختلفت أبوابه لا بدّ أن يكون ذا عاطفة، ولا أعني بشعر العواطف رصف كلمات متينة تدلّ على التوجع أو ذرف الدّموع، فإنّ شعر العواطف يحتاج إلى ذهن خصيب وخيال واسع لدرس العواطف، ومعرفة أسرارها وتحليلها، وقلب الشاعر مرآة الكون، فيه يبصر كلّ عاطفة جليلة شريفة، أو قبيحة مرذولة". فالشعر عنده منبعه ومنبته عمق العواطف الإنسانية والأحاسيس والخيال الّذي يعدّ عنصرا تثار به مشاعر المتلقي ببلاغته وحسن نظمه ووقع كلماته، فمجال الشعر هو الشّعور، سواء أثار الشاعر هذا الشعور في تجربة ذاتية محضة كشف فيها عن جانب من جوانب النفس، أو نفذ من خلال تجربته الذّاتيّة إلى مسائل الكون، أو مشكلة من مشاكل المجتمع، تتراءى في ثنايا شعوره وإحساسه"، والشاعر هو المخول للتعبير عن تلك العواطف فيكشف عن أسرارها بتحليلها، والكشف عن الصراع الّذي يعيشه الفرد نتيجة اصطدامه بواقعه المرير، الّذي يهدف إلى تغييره معبّرا عن تأملاته وآماله وآمال شعبه وما يختلجه من نوازع، طامحا في ذلك إلى تحقيق حياة تملأها السعادة والعدل الإنصاف.
ويظهر ذلك في أوّل إنتاج لشاعر النفس الإنسانية عبد الرّحمـ'ن شكري الّذي جاء في
مقدّمة ديوانه الأوّل الموسوم بـ"ضوء الفجر" قوله:
ألا ياطـــائرَ الفِــــــردوْ
س إنّ الشّعر وجـــــدانُ
وهذا ما أكّده في تحديده لمعنى الشعر كما يراه أصحاب مدرسة الديوان بقوله:
وإنَّمَا الشِّعرُ تَصْويرٌ وتذكــرةٌ
ومتعةٌ وخيالٌ غير خـــوانِ
وإنّمَا الشِّعرُ إحساسٌ بِما خفقت
له القلوبُ كأقدارٍ وحِدْثَـــانٍ
كما نجد المازني هو بدوره يربط الشّعر بالعواطف بقوله[22]:
وما الشّعر إلاّ صرخة طال حبسها
يرنّ صداها في القلوب الكواتم
وهذا ما أشار إليه العقاد في تحديده للشروط التي ينبغي توفرها في الشاعر، فهذا الأخير "لا يزن التفاعيل، أو يصوغ الكلام الفخم واللفظ الجزل، أو يأتي بالمجازات الرائعة والتصويرات البعيدة فحسب، وإنّما هو من يشعر ويُشعِرُ، فما الشّعر إلاّ تعبير عن الشعور الصادق"، فالشعر الحقيقي في نظره ذلك الشعر الّذي يخضعه الشاعر لمشاعره وأحاسيسه، لا لتراكيبه ومجازاته التي عدوها حلى فارغة وطلاء خارجيا زائفا، هو النظم الّذي لا يتقيد فيه لا بوزن ولا قافية التي تحدّ من تفكيره، ومن التعبير عن خلجاته وعن المعضلات التي تعاني منها النفس البشريّة، فذلك هو الصدق الشعوري الّذي نادى به أعضاء الجماعة.
3.2 خصائص أسلوب شعرائها:
بتحديد شعراء مدرسة الديوان لمفهوم الشّعر، حددوا المبادئ التي ارتكزوا عليها في نظمهم، ما جعل شعرهم يمتاز بمجموعة من الخصائص المتمثلة في:
1.3.1 الخصائص الفنّيّة:
أ) الوحدة العضويّة والفنّيّة: وهي تعدّ من أهمّ القضايا النقديّة الّتي أثارها النقاد المحدثون، وعلى رأسهم شعراء مدرسة الديوان الذين شنوا حربا سجالا على المدرسة الاتباعية وعلى نظام القصيدة التقليدية التي تزعمها أحمد شوقي، مشبهين قصائده بكومة الرمل نظرا لتفكك وتشتت أجزائها وافتقادها الوحدة الفنية التي تدل على فقدان خاطر المؤلف وتقطّع أفكاره وقصرها وعقمها، لا يجمع بينها سوى وحدة الوزن والقافية. ليناهضوا بذلك الشعر القديم الّذي يفتقر للوحدة في معناه ومبناه، والتئام أجزائه وترابطه وتسلسله المنطقي، يقول العقاد: "إنّ القصيدة ينبغي أن تكون عملا فنّيا تامّا، يكمل فيها تصوير خاطر أو خواطر متجانسة كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقيّ بأنغامه، بحيث إذا اختلف الوضع أو تغيّرت النسبة أخلّ ذلك بوحدة الصّنعة وأفسده، فالقصيدة كالجسم الحيّ، يقوم كلّ قسم منها مقام جهاز من أجهزته، ولا يغني عنه غيره في موضعه..، فالقصيدة عمل فنّي متكامل تتسلسل أجزاؤه تسلسلا منطقيا، وينمو كلّ بيت فيه نموّا عضويّا، فلا تستطيع تقديمه أو تأخيره"، لأنّ العلاقة بين اللفظ والمعنى هي كعلاقة الروح بالجسد، فاعتبرت بذلك القصيدة بنية حية متماسكة وموحدة الأجزاء، وسبب هذه الوحدة وحدة الجو النفسي أو ذلك الخيط العاطفي الّذي يستحيل بتره. لكن هذا لا يمنع من أنّ العرب القدامى كانوا قد أثاروا هذه القضيّة قبل أن يتطرق إليها شعراء مدرسة الديوان من بينهم الحاتمي، " وهو من علماء القرن الرابع هجري، مثّل القصيدة مثل الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحّة التركيب، غادر الجسم ذا عاهة تتخوّن محاسنه وتُعفى معالمه، وقد وجدت حذّاق المتقدمين وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون في مثل هذا الحال احتراسا يجنّبهم شوائب النّقصان، ويقف بهم على مَحَجَّة الإحسان، حتى يقع الاتصال، ويُؤْمَنَ الانفصال، وتأتي القصيدة في تناسب صدروها أعجازه، وانتظام نسيبها بمديحه، كالرسالة البليغة، والخطبة الموجزة، لا ينفصل جزء منها عن جزء". كما تناول ابن طباطبا هذه القضية بالتعريف وذلك في قوله: " وأحسن الشّعر ما ينتظم القول فيه انتظاما ينسق أوله مع آخر، على ما ينسقه قائل، فإن قدّم بيت على بيت دخله الخلل، كما يدخل الرسائل والخطب نقض تأليفها، فإنّ الشعر إذا أسس تأسيس فصول الرسائل القائمة بأنفسها، وكلمات الحكمة المستقلة..، لم يحسن نظمه، بل يجب أن تكون القصة ككلمة واحدة في اشتباه أوّلها بآخرها". وعليه يمكننا القول أنّ هذه القضية قديمة قدم الحركة الأدبية والنقدية العربية لا المثاقفة.
ب) الاعتداد بالعاطفة والخضوع لها: تعدّ العاطفة عند الشعراء الرومانسيين من أهمّ عناصر الأدب فهي مادتهم الخام ومصدر إلهامهم، فعبّروا عنها في شعرهم الّذي عدّه المازني " وليد الإرادة والإحساس"، فنقلوا بذلك تلك المشاعر والانفعالات بحسب انطباعها في ذهنهم. وقد عرف رواد مدرسة الديوان بعدم المغالاة والمبالغة فيها مقارنة بالغرب، إذ تميّز شعر العقاد بنزعته الفكرية التي طغت على شعره، نظرا لاعتماده على العقل والمنطق أكثر من اعتماده على العاطفة والحس والخيال.
ت) التحرر اللغوي: دعوا إلى أن تكون اللغة لغة العصر، لغة يعبّر بها عن الواقع ، يعكس بها الشاعر تجربته الشّخصية وحالته النّفسية وبيئته، بسيطة منزّهة من التّعقيد والتعمية، ألفاظها مألوفة سهلة واضحة غير مبتذلة ولا نابية، وهذا ما عبّر عنه العقاد بقوله: " وليس معنى السّهولة في جمال الفنون أنّه رخيص مباح لكلّ من يرمقه بجانب عينه، ولا أنّه غنيّ عن التأمّل والتّفكير، ولكن معناه أنّه سهل سائغ لمن يستعدّ له استعدادا ويبذل فيه ذمّته ". كما اشترطوا فيها عمق الفكرة مع " توخّي السّهولة، تلك السهولة الّتي تدلّ على النّبوع والمقدرة، والّتي يؤدّي بها الأديب الممتاز من المعاني ما لا يستطيع أن يؤدّيه غيره إلاّ بمشقّة، وليس يعني ذلك أن يكون الأدب سهلا لكلّ إنسان"، لغة واضحة عميقة المعاني، يساير بها العصر وتطوراته ومتطلباته وحاجاته، يعكس بها عواطفه وأحاسيسه وواقعه باعتبارها وسيلة من وسائل التعبير، على يتحرّى بها الصدق في نقل الحقائق التي من شأنها إثارة مشاعر المتلقّي لتعدّ بذلك وسيلة لا غاية.
ث) التعبير بالصّورة الشّعريّة: تجسدت هذه الأخيرة من خلال تفاعل الشاعر مع الطبيعة التي اعتبرها ملاذه الوحيد فربطها بتجربته وعبر برموزها عن حالته الشعورية، ويعدّ عبد الرّحمن شكري من النقاد الأوائل الّذين تناولوا هذه النظريّة المستوحاة عن الغرب محاولا تطبيقها على نصوصه متأثرا في ذلك بكولردج الذي قدّس الخيال واعتدّ به " فعالم الخيال هو عالم الأبديّة، وإنّ القوّة الوحيدة الّتي تحلق بالشاعر هي الخيال، أو الرؤية المقدّسة، والخيال هو أنبل ملكة في الإنسان، وإنّ الصوت هو صوت شعره لا يستطيع أن يسمعه القارئ بدون أن تتوافر لديه" هذه الملكة، فأدبهم هو أدب العاطفة والخيال والانفعال الوجداني، إنّه " القوّة الّتي بواسطتها تستطيع صورة معيّنة أو إحساس واحد أن يهيمن على عدّة صور أو أحاسيس في القصيدة، فيحقّق الوحدة بينهما بطريقة أشبه بالصَّهر وهو يعني الشّعور أو العاطفة أو الإحساس والخيال عنده قسمان: خيال أوّلي فطري عاديّ لكلّ البشر نصيب منه، خيال ثانويّ وهو مخصوص بفئة الفنانين المبدعين فحسب، وهو بالنّسبة للشّاعر خيال شعري خلاق مبتكر". لا يمكننا فصله عن الشّعور الذي يؤثر في جوارح النفس الإنسانية، ليكسب بذلك الشاعر تجاربه الشعرية صدقا عاطفيا من خلال الصور الجديدة الموحية والمعاني المبتكرة التي تخلق جوا نفسيا ينبض بالإحساس.
ح) الابتعاد عن الغلوّ في الصّنعة اللّفظيّة المتكلّفة: وهذه الأخيرة كانت تكسب النص الغرابة والغموض والتعمية الممقوتة التي تتسبب في بعد المعاني عن حقيقتها، وهذا ما رفضه شعراء مدرسة الديوان الّذين نادوا بتحرير الأدب من التنميق اللفظي المبالغ فيه، وقد عدّ العقاد المبالغة "علامة من علامات انحطاط الفكر"، فالاهتمام يكون بالمعنى المنبعث من الروح لا المتكلّف فيه، ليتحرر بذلك الشاعر من أغلال الصنعة و ربقة الجمود والتقليد.
خ) تحرر الشعر من التزام الوزن والقافية الواحدة: وذلك بالتّحرّر من القوالب التّقليديّة العتيقة التي "قيّدت عبقريّة الأديب ومنعته من الانطلاق في الأجواء الأدبية الجديدة الّتي تسمح له بالتعبير عن النفس ومشاعرها، وعن الحياة في شمولها وعمقها"، فأطلقوا العنان لعواطفهم وأحاسيسهم وأفكارهم وصورهم التي أخضعوها للأوزان الشعرية. وإنّ أوّل من بثّ الدعوة لبنية الشعر الحديث أمير الريحاني سنة1897 عندما تأثر بالبنية الحديثة للشعر الإنكليزي مع الشاعر الأمريكي ولت ويتمن Walt Whitman فهزّ جذع العروض العربي وضرب في أسس الخليل بن أحمد الفراهيدي..، وكأنّه كان يشكّ بتحليله العلمي الدقيق لواقع الأوزان التي اكتشفها ووضع لها جوازات أطلق عليها التسميات بكل دقة. وهذه الخطوة التجديدية في الموسيقى الخارجية عند مدرسة الديوان انتهجها كل من المازني وشكري، وامتدحها العقاد الّذي رأى أنّ " نفرة الآذان من هذه القوافي لن تطول، لا سيما في الشعر الّذي يناجي الروح والخيال" ، فثورتهم في البداية كانت على المعاني الغامضة، لينتقلوا إلى الموسيقى " التي وصفوا بها – عن طريق الإيحاء بالنّغم – ما لا يوصف من المشاعر وأحوال النّفس..، فالموسيقى جوهر الشعر وأقوى عناصر الإيحاء". وهذا التحرر كان تدريجيا وذلك بالالتزام بالبحر و التنويع في القافية فإهمالها، إلى أن خرجوا عن النظام التقليدي الخليلي إلى الشعر الحر الذي اعتمدوا فيه على البحور الصافية التي تبنى على وحدة التفعيلة، ليحل بذلك السطر الشعري محل البيت ليخضعوا البحر لعواطفهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، فروح الشّاعر حرّة مطمئنّة لا تطمئنّ إلى القيد ولا تسكن إليه على حدّ تعبير أبي القاسم الشابي.
2.3.1 الخصائص الموضوعيّة:
أ) التّعبير عن النّفس الإنسانيّة: فالشّاعر هو المخوّل بهذه المهمّة، إنّه لسان حال أمته، يعيش خبرات وتجارب وأحداثا تجعله يكتشف ذاته وسرائر نفسه التي يعكس بها واقعه وواقع شعبه واستجلاء حقائقه؛ وإنّ" اكتشاف الفنان لذاته إنّما هو قبل كلّ شيء ارتياد واكتشاف للذات الإنسانيّة، أو الذات الكامنة في كلّ فرد منّا"، مستعينا في ذلك بفنّه ليعبّر به عن المواقف والنفس الإنسانية المتطلّعة إلى المثل العليا والحياة الفضلى والتحرر، ليتغيّر بذلك مفهوم الشعر الّذي أصبح يدل على " ثوران الأرواح التي تهيج كالبراكين المضغوط عليها، فتنفجر وتقذف بالنار والحمم على رؤوس الضاغطين عليه، وسلاح الإنسانية المتبرمة تحارب به الإنسانية الظالمة، وهو الموقظ للأمم من رقدتها، والنافخ فيها أرواحا جديدة تطالب بحقوقها المهضومة، وتدرأ عنها عادية الاستبداد..، والشعر العصري شعر الشاعر المتولد عن فعل المحيط، كبير التأثير بروحه..، فلا يكون إلا صادقا لا تشينه مبالغة، وسهلا ليس عليه من التكلف ما يذهب بصفائه وروعته". فالأدب الصحيح السامي الّذي ينبغي أن يتّخذ كمقياس تقاس عليه الآداب هو ذلك الأدب الّذي يُعنى بقضايا الإنسانيّة الوطنية والقومية، بالعالم والكون بأكمله. لأنّ الأدب هو أدب الإنسانية جمعاء، لتطغى على الذات المبدعة النزعة التشاؤمية من منطلق التفكير والتأمل في الحياة والكون وأسراره وأسرار النفس البشرية، ونزعة تفاؤلية متمسكة بالأمل؛ متمسكة بغد مشرق يسوده الحرّية، الخير، العدل والمساواة، ونزعة إنسانية تدعو إلى الخير والجمال وحب الإنسان لأخيه الإنسان .
ب) البعد عن شعر المناسبات: عرفت مصر بعد عشرينيات القرن العشرين ثورات، دفعت بالأدباء إلى تبنيها أقلاما شحذت بها الهمم وقوت العزائم، وبثت روح الحماسة في النفوس، فمجدوا الأبطال وخلدوهم في قصائدهم كما أشادوا بانتصاراتهم، إلا أنّ رواد مدرسة الديوان رفضوا هذا النوع من الأغراض الشعرية التقليدية، لما فيه من تصنع وتكلف وزخرف و رنين خطابي.
ت) الدّعوة إلى الشّعر المرسل: هو ذلك الشّعر الّذي يحافظ على وحدة الوزن وينوّع في قوافي القصيدة الواحدة، بحكم أنّ نظام القافية الموحدة فيه " تقييد للشاعر، ووقوف في تأدية المعاني والأخيلة والعواطف والأفكار، وقد اصطلح على تسمية الشعر الّذي احتفظ بوحدة البحر أو الوزن مع تغيير القوافي الشعر المرسل". وأولى المحاولات كانت مع عبد الرّحمــ'ن شكري والمازني في المشرق العربيّ، ورمضان حمود من الجزائر فضلا عن جماعة المهجريين،" إلاّ أنّ محاولة الشّعر المرسل عند هذه المدرسة لم تثمر، فلم يستطع العقاد وزميلاه أن ينتجوا قصيدة كالإلياذة مثلا ".
ث) الاهتمام بعنونة القصيدة والمجموعة الشعرية: وهي تدل على الإطار العام للمحتوى، وهذا ما اهتمّ به شعراء جماعة الدّيوان حيث أنّهم تجاوزوا فكرة وضع عنوان للقصيدة الّتي كانت تضمن لها الاستمراريّة إلى وضع عنوان للدّيوان، " فمن علامات الكمال الفني أن تسمى باسم، ويوضع لها عنوان، لأنّ الأسماء تتبع المسميات، والعناوين تلصق بالموضوعات"، من ذلك ديوان عبّاس محمود العقاد: عابر سبيل، وديوان عبد الرّحمـ'ن شكري: ديوان أزهار الخريف.
ح) الاهتمام بالشّعر القصصي:هو ذلك الشّعر الّذي تروى فيه الحوادث والوقائع في وحدة متناسقة وبقالب شعريّ، يعكس من خلاله الشاعر تجربة تتضمن أحداثا وشخصيات إنسانية تتحاور وتتصارع، شخصيات تعبّر عن آلامها وآمالها، عن مكنوناتها الوجدانية والنفسية، فيدعو من خلالها إلى التمسك بالقيم والفضائل التي كانوا ينشدونها ويتطلعون إلى تحقيقها في الواقع، وهو يعدّ من أبرز أنواع الشّعر العربيّ الحديث الذي كان يفتقره أدبنا، وقد دعا الشعراء للنظم فيه لندرته في الشعر العربي، فالمعنى في هذا الأخير "لا يضيء إلا بشعاع من الخيال، فلا تستطيع أن تقيّم منه حديثا سوى التركيب، كامل الترتيب، لذلك..، لا بدّ لهذا النوع في لغتنا من وضع جديد يكون وسطا بين النثر والنظم، حتّى يحمل الألفاظ والمعاني معا"، فتناوله العقّاد في قصائده، إلاّ أنّ خليل مطران اعتبر رائد هذا الفنّ الّذي أصبح تجربة ناضجة على يده.
-
جامعة: مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث
المحاضرة السادسة: جماعة أبولو
1. جماعة أبولو "ظهورها، نشأتها وأشهر روادها":
تعدّ جماعة أبولو ثاني مدرسة أدبية قامت على أنقاض جماعة الدّيوان، فكانت امتدادا لها ورافدا من روافدها تستقي أفكارها من ينابيعها، لتنحو هي بدورها منحى التّجديد بمقاييسها ومبادئها وخصائصها الشعرية وآرائها النقدية التجديدية التي تتوافق والمعايير النقدية التي تبناها شعراء مدرسة الديوان، متأثّرة بالمذهب الرومانسي عند الشعراء الإنجليز والشعراء المهجريين، الّذين تشربوا واغترفوا أصول الشعر الحديث وصياغته التعبيرية من مناهل الثقافة الغربية (الفرنسية والإنجليزية) عن طريق الاتصال المباشر أو غير المباشر بترجمة المنخرطين فيها أدب دي موسيه، فيكتور هوجو، شكسبير..إلخ ونشره في المجلة. وقد عُدّ خليل مطران الأب الرّوحي للمذهب الرومانسي، وأوّل شاعر ابتداعيّ مهّد لظهور هذا التيار الفكري والأدبي والنقدي، وهذا ما أشار إليه أبو شادي الّذي أقر بأستاذيته له في الشعر وذلك في قوله: "فما نشوء الشعر المرسل ولا الشعر الحرّ، ولا ما بلغناه من الحركة التجديدية للنظم، وما نتناوله من الموضوعات الإنسانية والعالميّة إلاّ الرقيّ الطبيعيّ لرسالة مقران، وأوّل تعاليم مطران ترك النفس على سجيّتها وترك التصنّع"، ويضيف قائلا: "إنّه لولا مطران لغلب على ظنّي أنّي ما كنت أعرف إلاّ بعد زمن مديد معنى الشّخصيّة الأدبيّة، ومعنى الطّلاقة الفنّيّة ووحدة القصيدة والرّوح الحالية في الأدب، وأثر الثّقافة في صقل المواهب الشّعريّة"، محددا بذلك القضايا النقدية التي تبنى عليها القصيدة العربية الحديثة من تلاحم أجزائها، وعمق أفكارها ودقة تصويرها وبعدها عن الغلو والتكلف والمبالغة، ليكون له ولأعضائها الفضل في تأصيل وإرساء دعائم المذهب الرومانسي وبلورته تنظيرا ونظْما.
1.1 نشأتها وأشهر روادها:
تأسست مدرسة أبولو الشعريّة بمصر في سبتمبر 1932م في افتتاحيّة العدد الأوّل من أعداد مجلتها، على يد أحمد زكي أبي شادي - الذي جمع بين تخصصه العلميّ من خلال ممارسته لمهنة الطب والأدبي بنظمه للشعر- بعد عودته من إنجلترا أين تذوّق الكثير من الشّعر الإنجليزي، ووقف على التيارات الأدبية الغربية بنزعاتها الإنسانية الداعية إلى القيم والفضائل، والذاتية التأملية والفلسفية التي عبر بها الأديب عن أحاسيسه وعمق عواطفه، نحو تأسيس منهج نقديّ أسهم في النهضة الأدبية، وذلك بتوجيهه للشعراء نحو إبداع أدبي عصريّ يساير به تطوّر الآداب الغربية.
فعدّت بذلك مجلة أبولو أول مجلّة عربية تدعم الآراء النقدية الداعية إلى تجديد الشعر العربي وتحديد ماهيته، وقد صوّره أبو شادي بقوله: " إنّ أعظم أثر أحدثته أبولو الشعرية التي عملنا على تكوينها، إنما جاء عن طريق التحرر الفني والطلاقة البيانية والاعتزاز بالشّخصية الأدبية المستقلة والجرأة والابتداع مع التمكّن من وسائله، لا عن طريق المجاراة للقديم المطروق والعبودية للرواشم المحفوظة والتقديس للتقاليد المأثورة". معلنة بذلك ثورتها على التيار البياني التقليدي المحافظ الذي اتسم حسب رأيه بالعقم والجمود والسير على خطى الأقدمين، فكانت هذه المجلة المنبر الّذي تعبر من خلاله عن آرائها ومبادئها، "لتتوقف عن الصدور في شهر ديسمبر 1934..، فكانت نهايتها مرحلة استقرار الرومانطيقية في الأدب العربي".
حمل مؤسسها ورئيس تحرير مجلتها شعار- أبو شادي- "أداء رسالة الشعر بالشعر للشعر"، ساعيا في ذلك إلى أن يسترجع الشعر العربي مكانته وقيمته، حتى يبلغ من السمو والرفعة والرقي ما بلغه الأدب الغربي من تقدم وتطور، بتشجيعه للحركة التجديدية وتوجيهه للشعراء بمناصرته لنهضتهم الأدبية عامة والشعر خاصة، باعتباره رسالة يمرر عبر قنواتها صورة الواقع، داعيا من خلالها إلى الوحدة الإنسانية التي قد تصل بأدبهم إلى العالمية دِعامَتها الحب، التضامن والتآخي، فاتحا عضويتها للذات العربية المبدعة في مجال الشعر والنقد. وقد تولى "رئاسة الجماعة أحمد شوقي، ولما توفي (1868- 1932) اختير مطرن رئيسا لها" بعد انتخابه، ومن المقالات التي نشرها شوقي في المجلة تصديره الّذي قال فيه:
أبولو مرحبا بك يا أبولــو
فإنّك في عكاظ الشغر ظـلُّ
عكاظ وأنت للبلغاء سـوق
على جنباتها رحلوا وحلّوا
وينبوع من الإنشاد صـاف
صدى المتأدبين به يقــلّ
ومضمار يسوق إلى القوافي
سوابقها إذا الشعراء قلـوا
كما ضمّت مجموعة من شعراء التيار الوجداني الّذين تبلور على أيديهم هذا المذهب من بينهم: إبراهيم ناجي وكيل جماعة أبولو، الشاعر المصريّ الّذي عرف بشغفه الأدبي الغربي الوجدانيّ وتأثره بخليل مطران ومحمد الهمشري والمهندس محمود طه وبصالح جودت، وهم بدورهم تأثروا بشعره وأدبه الرومانسي، الّذي صقل به وجدانه وألهب روحه المنفعلة. بالإضافة إلى أبي القاسم الشّابّي، فكان المجيد والمكثر إذ نشرت له العديد من القصائد في المجلّة، رنا بطبيعته إلى النّفس الإنسانيّة وخوالجها الفيّاضة، إيمانا منه بأنّ قيادة الفكر رسالة إنسانيّة سامية حاول جاهدا تحقيقها في حياته، فهو يُعدّ من روّاد الحداثة ومن دعاة التّجديد في الأدب، وأطلقت عليه العديد من الألقاب منها: شاعر الشّعب والوطن، شاعر الشّباب والحرّيّة، شاعر الحياة والموت، أمّا اللّقب الّذي لاقى رواجا في الأوساط الأدبيّة: شاعر تونس الخالد.
إلاّ أنّ الجماعة لم تعمّر طويلا لكثرة المناهضين والمناوئين لحركتها، لينفرط عقدها نهائيّا بعد هجرة مؤسّسها إلى أمريكا سنة 1946.
1.1 خصائصها:
أ) الصّدق في التعبير العاطفي والفنّي: وذلك بالتّعبير عن مكنونات النّفس الدّاخليّة، فيكون العمل الفنّي بذلك عاكسا لإحساس الشّاعر معبّرا به عن عاطفة صادقة تتطابق مع الشّعور الحقيقيّ الّذي يصنعه خياله بعيدا عن الإغراب الممقوت والمتكلف فيه، "فالشعر هو ترجمة العاطفة الثائرة في قلب الشاعر، ومقياس الشعر ليس هو المنطق وإنّما هو العاطفة..، لأنه يجعلنا نشعر بحياة قلوبنا وأحاديث وجداننا". وعليه يمكننا القول أنّ العاطفة بالنسبة للشعراء كانت موضوعا من مواضيع شعرهم المتعلقة بشخصية الشاعر أو بموقف إنساني، فعبروا بها عن تجربتهم الصادقة وعن عميق شعورهم وإحساسهم الداخلي المتأجج، ليكسبوا شعرهم من خلال اللغة والصور الشعرية التي تصاحبها تموجات الحركة النفسية وخلجاتها قيمته الفنية.
وهذا ما عبّر عنه أبو القاسم الشابي من خلال دعوته إلى تغليب العاطفة على العقل والتفكير بقوله:
عش بالشّعور وللشّعور فإنّمــا
دُنياك كونُ عواطفٍ وشعورِ
شُيّدت على العَطف العميق وإنّهــا
لتجفُّ لو شُيّدت على التفكِيــر
وقوله أيضا[11]:
واجعلْ شعورَك في الطبيعة قائــداً
فهْو الخبيرُ بتِيهِها المسْحــورِ
فحاربت شعر المناسبات ودعت إلى تمثيل الشّعر لتجارب ذاتية اجتماعية ونفسية يعكس بها الذات والنفس الإنسانية، فأصبح الشّاعر بذلك لسان حال أمّته المعبّر عن خلجاتها وتطلعاتها وآمالها وآمالها، " فالشعر تعبير والشاعر هو الّذي يعبّر عن النّفوس الإنسانية، فإذا كان القائل لا يصف حياته وطبيعته في قوله، فهو يعجز عن وصف حياة الآخرين وطبائعهم، وهو إذن ليس بالشّاعر الّذي يستحقّ أن يتلقّى منه النّاس رسالة حياة وصورة ضمير"، فالصّدق هنا صدق فنّيّ يرتبط بتعبير الشاعر عن مشاعره وعواطفه الصادقة التي تنبع من الذات ولا تنفصل عنها كما قال النّقّاد.
ب) الامتزاج بالطّبيعة والاعتماد عليها في رسم الحالة النّفسيّة: استمدّ الشاعر صوره الشعرية المترابطة من مظاهر الطبيعة التي أظهر تعلقه بها وتفاعله معها، فربطها بتجربته وحالته الشعورية والنفسية التي قابلها بها عاقدا مقارنة بينها وبين الإنسان، معتبرا عناصرها كائنا حيا يشكي له همومه وأحزانه، مستعينا في ذلك بخياله الشاعري وبرموزها المبهمة والموحية في تعبيره عن الوعي الذاتي والإنساني، " فحبّ الوحدة عند الرّومانسيين هو الّذي دفعهم إلى الحقول والجبال والبحار، لا لوصف جمالها كما فعل الشّعراء الّذين سبقوهم، بل لتغذية أحلام يقظتهم فيها ولهدهدة كآبتهم لتصبح بذلك صديقة ونجيّة، معتبرين الأشياء فيها أشخاصا تفكّر، تشاركهم عواطفهم وأحاسيسهم، لتصبح عندهم بمثابة الأمّ الرّؤوم والملاذ الّذي يجدون السّكينة في جواره، معانقين إيّاها معانقة الأحباب". فلجأوا إليها وقدّسوها واعتبروها كائنا حيّا يحسّ، يشعر ويفكّر، ناجوها واستنطقوها برفق وحُنُوّ. ليبتعد بذلك الشاعر" عن التّسجيل التّصويريّ الجامد، جاعلا من عناصرها كائنات تتجاوب مع مشاعره وتنفعل بأحزانه وعواطفه، كما كانت بالنّسبة له مجالا للهروب من الواقع ومن العالم المصطنع". ليمزج حالته النفسية بمظاهر الطبيعة،" التي وجد بها ذاته، فمال إليها ومجد فيها آلامه، وغلّب العاطفة على العقل وثار على الواقع، وبنى لنفسه في غابها مجدا فلسفيا، أملاه على الطيور والغصون على نحو ما فعل جبران..، وحكى قصته مع الزّمن ووحشة الناس من إبداعاته الفنية". فالليل وسواده هو حزنه وألمه وكآبته، وخيوط الفجر هي حريته وأمله وغده مشرق، أما المطر فهو الخير أو البؤس والعوز وهكذا، ومن شعراء جماعة أبولو نجد أبا القاسم الشابي يربط الشعر بالطبيعة في تحديد مفهومه وذلك في قوله:" الشعر هو ما تسمعه، وتبصره في ضجّة الري، وهدير البحار، وفي بسمة الوردة الحائرة يدور فوقها النحل، ويرفرف حواليها الفراش، وفي النغمة المغردة، ووسوسة الجدول، ودمدمة النهر، ومطلع الشمس، وخفوق النجوم".
وهذا ما عبّر عنه في قصيدته "إرادة الحياة " بقوله:
ظمِئتُ إلى النّورِ فوق الغصونِ
ظمئت إلى الظّلِ تحْت الشّجرْ
ظمِئتُ إلى النَّبع بين المـروجِ
يُغنّي ويرقصُ فوقَ الزّهــرْ
ظمِئتُ إلى الكون أين الوجـودُ
وأنّى أرَى العالَم المُنتَظـــرْ
ليعكس من خلال هذه الأبيات شغفه بالطبيعة التي كانت مصدر إلهامه، واشتياقه وتعطشه للتمتع بمناظرها، لاجئا إلى أحضانها حيث يجد الراحة الجسدية والنفسية.
ت) الدعوة إلى الوحدة العضويّة: تعد الوحدة العضويّة من أهم القضايا النقدية التي دعا إليها الشعراء المحدثون، فالقصيدة عند الرّومانسيين في داخل التّجربة الشعرية تصبح كلّ صورة من صورها بمثابة عضو حيّ في بنيتها الفنّيّة؛ في عضوية صورها الشعرية والرمزية والتحام وتماسك أجزائها، فهم ينظرون إليها على أنّها " بنية حية تتفاعل عناصرها وتمتزج بعضها ببعض، وهذه العناصر تنمو نموّا داخليّا، مشبهين إياها بجسم الإنسان القويّ النامي حسن المنظر". وسبب هذه الوحدة هو ذلك النسيج العاطفي والنفسي والبناء الفني الّذي يربط بين عناصرها، منتقدين كل من حاد عنها أو أخل بهذا النظام الذي عدّ من أهمّ سمات التجديد في القصيدة العربية الحديثة.
ث) التعبير بالصّورة الشّعريّة: فالقصيدة عندهم تنتقل من التّعبير عن الواقع بالألفاظ إلى التّعبير بالصّور الشّعريّة الموحية التي استمدّوها منه ومزجوها بمشاعرهم، من خلال تجربتهم الذاتية التي كانت بالنسبة لهم محور تصويرهم، فناظروا بين الطبيعة وحالتهم النفسيّة، ورأوا أنّ عناصرها تفكر وتعاني وتشاركهم عواطفهم. وهذه الأخيرة بمكوّناتها وأبعادها تعتبر عنصرا من العناصر المهمة في اللّغة الشّعريّة الّتي هي بدورها تعتبر من مكوّنات القصيدة بأخيلتها وصورها الموسيقيّة ومواقفها الإنسانيّة، وهذا ما أشار إليه إبراهيم ناجي بقوله "الشّعر موسيقى وخيال وإمتاع وصور، وأمّا الصّور الشّعريّة فنعني بذلك أنّك حين تقرأ للشّاعر قطعة من شعره يكون الشّيء كأنّه مرسوم أمامك بوضوح شديد، ومجسّم بارز تجاه بصرك..، والأسلوب التصويريّ..، هو من مظاهر التطور في الأدب الأوربي الحديث"، فهي تعدّ أساسا للجمال الفنّي الّذي يبدعه الشّاعر لما تتركه من أثر فكري وعاطفيّ في نفس المتلقّي، من خلال التشخيص الّذي عدّ من أساسيات تجسيدها وتشكيلها في ذهنه لتحرر خياله من القيود في تصويره. وهذه الصّورة قد تكون بلاغيّة قائمة على أحد الأشكال البيانيّة أو الرمزيّة التي عبّروا بها عن تجربتهم الفنية، لتصبح الطّبيعة بذلك مصدر إلهامهم وأساسا لصياغة أفكارهم.
ج) صدق التجربة الشعرية: تعكس انفعال الذات الشاعرة والذات الإنسانية إزاء اصطدامها بموقف من المواقف مستجيبا في ذلك لعواطفه ومشاعره وأحاسيسه الصادقة لنقلها، "والشعر في معناه الحديث تأمل نفسي تمرّ فيه التجربة من خلال النّفس، يبعث في قارئه ويثير في مؤلّفه عواطف ومشاعر وأفكار ذاتية في جوهرها ويتّخذ الشاعر ذاته محورا لها، لا يعتمد على الحقائق الموضوعية مجردة من عواطف، وإنّما يعدّ ذاته معيارا لها". فالذات الشاعرة تتأثر بواقع الحياة وتؤثّر في المتلقي بحكم أنّ هذه التجربة تحمل بعدا اجتماعيا أو نفسيا أو إنسانيا، جسده في قالب فني عكس به مشكلة من المشاكل التي تعاني منها الذات الشاعرة أو النفس الإنسانية.
ح) استخدام الرّموز والأساطير: دعا أعضاء جماعة أبولو إلى توظيف الرموز والأساطير في الشعر العربي الحديث، باعتبارها أداة من الأدوات الّتي يعكس بها الشاعر رؤيته وتجاربه الشعريّة وقدرته الإبداعية والفنّيّة، فضمنوها قصائدهم واتخذوها عنوانا لها، وعبّروا بها عن المعاني العصية التي تخفيها النفس البشرية. وهذا النوع من الصور التعبيرية يكسب القصيدة بعدا إيحائيا يُكتشف عن دلالته بالتأمل والتفكير دون مبالغة في التوظيف، " وحسبك دليلا على أنّ العقل ليكتفي بالإشارة ويجتزئ بيسير الإبانة، أنّ النظرة قد تقوم مقام اللفظة في نقل المعنى من ذهن إلى ذهن، وأنّ التلميح قد يكون أبلغ في العبارة من التّصريح، واعلم أنّ إحلال الرموز محلّ الصور أمر لا بدّ منه ولا محيد عنه". فالوصول إلى المدلول عن طريق الإثارة باستعمال الرموز والأساطير المرتبطة بالخيال وقوة التعبير الفني بالدلالات العميقة غير المتناهية التي تكسب القصيدة التجدد بتعدد القراءات، أبلغ من التعبير المباشر الواضح المحدد الذي يجعل المتلقي يفقد لذة البحث عن البعد الإيحائي الخفي الّذي تحمله تلك الرموز. حيث يكون فيها الإيحاء طريقا لهذه اللّغة باستخدامها. فهذه الأخيرة تساهم في نقل التّجربة من حدودها الخياليّة الفرديّة إلى تجربة المصير العام، لتكون بذلك الرّمزيّة شعار هذه المدرسة. وللصورة الشّعريّة مميّزات: من ذلك ملاءمتها للموضوع والجوّ النّفسيّ للشّاعر، كما تشترط وجوب تناسب بين أطرافها في القوّة والرّقّة وفي الجمال والقبح بكثرة، بالإضافة إلى استخدام ألفاظ أجنبيّة أسطوريّة لتطال بذلك الأساطير عناوين القصائد. حيث يعمل الشّاعر على إخراج هذه اللّغة من وظيفتها التعبيريّة التّواصليّة وإدخالها في الوظيفة الإيحائيّة، لأنّ النّفس إذا وقفت على تمام المقصود لم يبق بها شوق إليه أصلا، أمّا إذا أجهد المبدع نفسه في التّخيّر شدّ انتباه المتلقّي وجعله متعطّشا للمتابعة، فالرّمز هو الإيحاء أي التّعبير عن النّواحي النّفسيّة المستمرّة، وهذه المشاعر تتولد عن طريق الإثارة النّفسيّة لا عن طريق التّسمية والتّصريح، فهو بالنّسبة للشّاعر كأداة ينقل بها تلك المشاعر المصاحبة للموقف الذي تستدعيه تجربته الشّعريّة الفرديّة ليتجاوزها إلى التجربة الإنسانيّة العامّة، لتصبح بذلك بعض الشّخصيات كجميلة بوحيرد رمزا من رموز النّضال الإنسانيّ والثّورة من أجل تحرير الوطن، وجبال الأوراس معقل الثورة والثّوّار التي اعتبرها الشّعراء رمز الأصالة والشّموخ والعظمة.
خ) اللغة الشعرية: تعتبر اللغة عند رواد جماعة أبولو أداة للتعبير عن الانفعالات والعواطف والأحاسيس والأفكار والمواقف الإنسانية، فهي" مجرّد رموز كغيرها من الرّموز التي استخدمها ولا تزال تستخدمها الإنسانية كوسيلة للإفصاح عما يختلج في النفس من فكر وإحساس، وحسبها أنّها تستطيع أداء هذه الوظيفة، بل من الخير تبسيط تلك الرّموز إلى أقصى حدّ مستطاع، لأنّها كلما ازدادت تبسيطا ازدادت قدرة على تحقيق وظيفتها، في نقل الفكر والإحساس من النّفس إلى النّفس". فالبساطة في التعبير تمكن من أداء وظيفة اللغة، باعتبار أنّ البساطة في النقد تكسبها بعدا جماليا من خلال التعبير الفني عن مشاعر النفس البشرية، في صورة وجدانية عاطفية خيالية لا يشوبها مبالغة أو تعقيد ،لغة مألوفة تساير العصر في بساطة تركيبها وجمال تصويرها.
د) التحرّر من الوزن والقافية وبناء القصيدة على وحدة التّفعيلة: دعا شعراء جماعة أبولو إلى إعادة بناء شعر بطابع جديد وذلك بتطويع النغم الشعري وتلوينه؛ ذلك الطّابع الّذي لا يعتدّ فيه صاحبه بعدد التّفاعيل وذلك بالاعتماد على وحدة التفعيلة "الشّعر الحرّ" بدلا من بحور الشّعر الخليليّة، والشعر القصصي في التعبير عن التجربة الشعرية، وهذا ما عبّر عنه أبو شادي في قوله:" وقد يطيب لي..، أن أحبّذ الأسلوب الرمزي والأسلوب القصصي، وأن أتفاعل بتذوّق أدباء العرب في أمريكا لهما، وأنا أتمنّى أن يعاون نهجهما على اجتثاث الإيحاء اللّفظيّ الفاسد وعلى تربية الملكة الشعريّة حين يستطاع ذلك، فإنّ الشعر على أي حال طبع وموهبة لا بهرج وصناعة بل عقيدة فنّيّة". مع الأخذ بالشّعر المرسل الّذي تميّز بحرّيّة التعبير؛ تحرر جاء نتيجة تحرره الفكريّ وتنويعه في القوافي، والسموّ به عن التكلف والتنميق اللفظيّ.
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالثالمحاضرة الثامنة: جماعة الرابطة القلمية
تزامنت الحركة الأدبيّة المهجرية في أمريكا الشمالية، مع حركة مدرسة الدّيوان في مصر، فحملت لواء التّجديد في الشّعر وبثّت فيه الحياة من جديد، فمتى تأسست هذه الجماعة؟. ومن هم أشهر روادها؟. وما هي خصائص أسلوب شعرائها؟.
1. نشأتها وأشهر روادها:
تأسست الرابطة القلميّة في أمريكا الشّماليّة –نيويورك- سنة 1920، فكانت أوّل مدرسة أدبيّة منظّمة تدعو إلى التجديد للنهوض بالأدب العربي الحديث؛ أدب يحمل طابعا خاصا في التعبير عن الذات الشاعرة؛ عن تجربة شعرية صادقة، عن عواطفها وانفعالاتها الشعوريّة، عن الحياة وأسرارها، عن النفس البشرية ومكنوناتها مجسدة بذلك آراءها النقدية من خلال خصائص أسلوب شعرائها التي استمدوها من الأدب الغربي الّذي تأثروا بأفكاره الجديدة عن طريق الاحتكاك والمثاقفة، حاملة شعارا صممه جبران خليل جبران: "لله كنوز تحت العرش مفاتيحها ألسنة الشّعراء، معلنين رأيهم في الأدب بمقولتهم الشّهيرة : الأدب هو الّذي يستمدّ غذاءه من تربة الحياة و نورها وأدبه"، ليجمع أدبهم بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الخارجية ومظاهرها. فالشعر فنّ والفن إبداع يعكس دقّة التفكير وعمق الإحساس، " والأديب هو الّذي خصّ برقة الحسّ ودقة التفكير، وبعد النظر في تموّجات الحياة وتقلّباتها، وبمقدرة البيان عمّا تحدثه الحياة في نفسه". إنّه تعبير عن تجربة وجدانية نتيجة انفعال وثورة وتفكير، فهو شعر الشوق والحنين، شعر التحسس بالطبيعة التي بات يطلب منها أن تقرئ السلام للأهل والأحبّة والخلان، "فكانت نزعة شعرائها التّجديديّة بدء الانطلاق إلى فهم رسالة الأدب على حقيقتها"؛ نزعة رومانسية تقدّس الصدق العاطفيّ وحرية الخيال، متصدية للتيار التقليدي المحافظ الذي مجد التراث القديم بمحاكاته خصائص أسلوب شعرائه، ساعية إلى تقويض حصونه؛ ذلك الأدب الّذي عُنى بالصّناعة اللفظيّة وتجويد الأسلوب والمبالغة ووحدة البيت واستقلاليته، والاعتداد بالعقل الّذي أخضعه لسلطانه.
معلنة تحرر شعرها من الكلاسيكيّة المحدثة وقيودها، فأنتجت أدبا جمعت فيه بين أصالة الشرق ومظاهر الغرب، لتشق طريقها نحو التجديد شأنها شأن مدرسة الديوان وأبولو متبنية نفس مبادئها وخصائص أسلوب شعرائها. وما جعل أدباءها يتميّزون بإبداعهم الرياديّ عن سائر أدباء المدارس الأدبية الحديثة الأخرى، بحدسهم المتيقظ وموهبتهم الصّائبة ورؤيتهم المختلفة وحرّية التعبير التي فقدوها بفقدانهم استقرارهم السياسي والاجتماعي في وطنهم، وتأثرهم بالثقافة الغربية التي دفعت بهم إلى تجديد شباب الشّعر والأدب باللّون الغنائيّ الوجدانيّ النّفسي العميق، وبدعوتهم إلى الثّورة على كلّ ما هو قديم شكلا ومضمونا، فلاذت بالشّعر المجنّح بأشجان العاطفة الزّاخر والممعن في الخيال وحبّ الطبيعة والامتزاج بها؛ شعر يعبّر عن خلجات الشاعر وعواطفه وأحاسيسه ورغباته وأهوائه، عن طريق الصورة الشعريّة والموسيقى.
أعضاؤها عشرة سعوا جاهدين إلى إرساء دعائم المذهب الرومانسي وهم: جبران خليل جبران (عميدها)، ميخائيل نعيمة( مستشارها) ومفكرها وقاصها وشاعرها، كما أنه يعتبر من أبرز نقادها الّذين قادوا النهضة الفكريّة والثقافية من خلال دعوته إلى التجديد، وليم كاتسفليس(خازنها)، إيليا أبو ماضي الذي يعدّ من أعمدة الشعر العربي الحديث، نسيب عريضة، بالإضافة إلى عبد المسيح حدّاد، رشيد أيّوب، ندرة حدّاد، وديع باحوط وإلياس عطا الله. فهؤلاء الشّعراء تذوّقوا الأدب الغربي وتشرّبوا من روحه الرّومانسيّة، رافعين لواء الثّورة على القديم " ليتحرر الشعر المهجريّ بشكل نهائي من هتافات القريض التقليديّة- المدح، الفخر، الهجاء والرثاء- وراح يعتمد على قول موسيه: اضرب القلب"، فوصفوا في شعرهم لوعة الهجرة والشّوق والأحاسيس الإنسانيّة، والكون والحياة بما فيهما من أسرار وقوى، كما وصفوا الإنسان الحائر الّذي حاول التّفلسف، لتُحًمِّلهم قضيّة الإنسان هموما لا تُعدّ ولا تُحصى.
سمّي أدب الرّابطة القلميّة بالأدب المهجري بسبب هجرة مجموعة من الشّعراء من بلاد الشام إلى أمريكا الشمالية والجنوبية، حيث أسّسوا بها مدارس أدبيّة من بينها الرّابطة القلميّة وتعود أسباب هجرة الشّعراء العرب إلى:
- الإرساليات التّبشيريّة والمنشآت الّتي أنشأها الأمريكيّون في سوريا ولبنان ما جعل الأدباء العرب يتأثرون بالقراءات والاطلاعات الأجنبية.
- المدارس الّتي بنوها لتعليم الصّغار والكبار، لتعتبر هذه الأخيرة من أهمّ العوامل الّتي وثّقت الصّلة بين أهل سوريا ولبنان وأمريكا.
- الروح الذي كانت تتسم به أمريكا، فعلى الرغم من الأنظمة المتسلطة في أمريكا، كان بوسع الشعراء العرب والكتاب مهاجمة حكوماتهم ورجال الدين في بلادهم.
- جوّ العصبيّة الّذي كان يخيّم على العثمانيين بعد خضوعهما للحكم العثماني في القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ كان حكما استبداديا ظالما وجائرا، ما جعل أهل الشّام ينزحون عن وطنهم متّجهين إلى أمريكا، ينشدون الحرّية يتوقون إلى العدل والمساواة.
- الفرار من الحكم التركي والهروب من الاضطهاد السياسي والفاقة والعوز والصراع الطبقي، ملتمسين في ذلك واقعا جديدا، ورزقا وحياة حرة كريمة؛ وهو هروب من واقع أليم جثم على صدر الأحرار، آملين تحقيق أهدافهم الّتي وُئدت في غياهب الجور والطّغيان السّياسي.
- التأثير الثّقافي وجوّ الحّرّيّة الّذي أغرى الشّاميين، وجعل رغبتهم قويّة في الهجرة إلى أمريكا.
- طبيعة أهل الشام وحبهم الرحلة و التّرحال، "فلا يضير السوريّ أو اللبنانيّ أن يهاجر إلى أيّ مكان يستطيع أن يجد فيه اليسر والرخاء، والاطمئنان الحيويّ، والأمن على النّفس والمال لأنّ حبّ الهجرة والاغتراب وحبّ السّعي في الأرض وحبّ التجارة والعمل من أجل الحياة، كلّه كالغرائز المتأصّلة في نفسه العميقة في مسارب دمه"، وهذا ما عبّر عنه نسيب عريضة في قصيدته "حكاية مهاجر سوري" بقوله:
غريبا من بلاد الشّرق جئـــــت
بعيدا عن حمى الأحباب عشـت
اتَخْذت أمريكا وطنا عزيـــــزا
فكانت لي كأحسن ما اتّخــذت
أتاها للغنى غيري وإنّـــــــي
كما جاؤوا مع الإقدام جئـــت
ولكنّني طلبت بها حيـــــــاة
مع الحرّيّة المثلى فنـلــــت
استطاعت الرّابطة القلميّة أن تنهض بالشّعر العربيّ بالمهجر، فعلى الرّغم من الغربة القاسية للذّات المبدعة، إلاّ أنّ أدبهم لم يتوقّف عن مسيرته فأصبح له مناصرين في كلّ مكان، موضّحة من خلاله مدى إغراق المهجريّين في التأمّل في كلّ مجالات الوجود وما وراءه والنّفس الإنسانيّة، والطّبيعة وما وراءها وقيم الحياة من خير وشرّ وحبّ وبغض، حيث اعتبر ميخائيل نعيمة الأدب رسولا بين نفس الكاتب ونفس سواه. والأديب الّذي يستحقّ أن يدعى أديبا هو من يزوّد رسوله من قلبه ولبّه، وهذا لا يتأتّى إلاّ بالابتعاد عن الزّخرفة اللّفظيّة والبهرجة. وقد استمرّت الرّابطة القلميّة إلى سنة 1931م، لتتبعثر بوفاة جبران ثمّ رشيد ونسيب عريضة، ثمّ بعودة ميخائيل نعيمة إلى لبنان.
3. خصائصها:
تبنّى شعراء هذه الحركة الأدبيّة التجديدية نفس المبادئ التي تبناها رواد مدرسة الديوان وجماعة أبولو، وإن دلّ على شيء فهو يدلّ على "الانتماء إلى فكر مشترك ومدرسة واحدة" تجمعها نفس الأفكار والآراء، وتتمثّل هذه الخصائص في:
أ) الدعوة إلى الوحدة العضويّة.
ب) التّمرّد على الأوزان العروضيّة والتنويع القافية والتحرر منها.
ت) الاهتمام بالصّورة الفنّيّة في تشخيص المعاني وتجسيدها.
ث) البعد عن الغرابة والتّكلّف المقيت لألوان البديع.
ج) التساهل في الاستخدام اللغوي.
ح) اتّخاذ القصّة وسيلة للتّعبير.
خ) استخدام الرمز.
د) الاهتمام بموسيقى اللفظ: مما أدى إلى ظهور الشعر المنثور الذي تبلور على يد الريحاني وجبران خليل جبران، إلا أنّه لم ينضج إلاّ في منتصف القرن العشرين.
أ) الابتعاد عن الخطاب المباشر.
ب) محاورة الطّبيعة والامتزاج بها وبثّ الحياة فيها.
ت) الحنين إلى الوطن والدّفاع عن قضاياه: فالذات الشاعرة جزء لا يتجزّأ من الأمّ الحانية الموطن الأصلي الذي عبّروا عن انتمائهم له، وعن لوعة شوقهم وحنينهم بسبب بعدهم عنه، لتفيض بذلك قرائحهم بنظم شعر يعكس شعورهم بالغربة في وطنهم الجديد، حيث افتقدوا فيه التوازن النفسي؛ بين الذات والواقع الغيري الذي يفتقر للقيم السامية والمثل العليا التي طالما تغنوا بها في قصائدهم التي غلبت عليها مسحة تشاؤميّة، عكست تجاربهم الشعرية المريرة بسبب بعدهم عن الأوطان والأهل والأحبّة والخلان.
ث) النّزعة الإنسانيّة الشّاملة تأمّل النّفس الإنسانيّة وتحليلها وتصويرها بدقّة: وذلك من خلال تفاعلهم مع الإنسان بغض النظر عن لونه وجنسه، ناقمين على الظلم والظالمين الّذين حرموا الأوطان من التمتع بالحرية والاستقلال، وساعين إلى الإعلاء من شأن النفس البشريّة بالدعوة إلى الخير والحب والجمال وخلق مجتمع يسوده العدل والمساواة، فالشاعر هو قلب الأمة النابض الّذي يعبّر عن المواقف وعن الذات الإنسانية بهدف الوصول إلى حلول لمشاكلها ورفع الستار عن عوالمها.
وقد حاولنا في هذه الخريطة المفاهيميّة تلخيص كلّ ما سبق الإشارة إليه عن المدارس الأدبيّة الحديثة الثلاثة.

-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالثالمحاضرة الثامنة: النقد التاريخي
عرف النقد الأدبي الحديث قفزة نوعيّة جعلته ينتقل من إصدار أحكام جزئية أو عامّة غير معللة، إلى نقد يُخضع الفنّ لمعايير ومقاييس اتّخذها أساسا في تفسيره وتحليله وتقييمه والحكم عليه بتقديره وذلك باستحسانه بالحكم على جودته أو استهجانه بالحكم على رداءته، لينتقل بذلك من أحكامه الذاتية إلى الموضوعيّة في تذوق الإبداع الفني الأدبي؛ فبات يتبنّى مناهج علمية بمقاييسها وقواعدها وأسسها الموضوعية، جاعلا من الأدب والأديب محور وأساس نظريّته النقديّة منتقلا من السياقيّة التي تنظر إلى العوامل الخارجيّة التي أحاطت بالعمل الأدبي إلى الدراسة المحايثة النّصانيّة التي تعنى بعناصره واسكتناه دلالاته الفنية وبعدها الجمالي. ليساير النقد تطوّر الأدب بحركة البعث الإبداعية فالابتداعية التجديديّة بحكم أنهما صنوان متواشجان. وقد تبلور هذا النقد على يد فلاسفة أدباء من بينهم أرسطو وهو يعدّ أوّل من أرسى دعائم قواعد ومبادئ النقد الأوروبي من خلال كتابه "قواعد الشّعر أو البويطيقا"، لتتطوّر الحركة النقدية التي عرفت بتعدد تياراتها وحركاتها الفكريّة والنقديّة الحديثة غربية كانت أوعربية. "وهكذا تحوّل النقد الأدبيّ إلى نقد تاريخيّ، اجتماعيّ، نفسيّ، فلسفيّ، وأصبح على الناقد أن يلمّ إلماما واسعا وعميقا بهذه الفروع جميعها من المعرفة، ليتمكّن من إصدار حكم موضوعيّ على أدب الأديب وقيمته"، فالأدب هو من وحي الإنسان وإبداعه ونقد هذا الأخير "هو نقد للأديب من خلال تحريّ الأصول التي يستقي منها أفكاره وعواطفه وأخيلته ومسالكه، هذا الموقف الجديد الذي وقفه المحدثون تجاه الظاهرات الأدبية واحدا من أهم الأسباب التي أنتجت العناية الفائقة بالتاريخ وفروعه ومعطياته؛ من الكشف عن الآثار إلى دراسة البيئات وما يعتمل في كلّ منها، إلى الإقبال على البحوث الاجتماعيّة وخصائص السلالات البشرية وتأثر الأديب والفنان بما يحيطه من ظروف، ويتقدمه من أمثلة وما كان يأمل يطمح إلى تحقيقه في إنتاجه على الصعيدين الشخصي والعام". ليستعيد بذلك النقد مكانته ووظيفته بظهور هذه المناهج لاعتمادها على قواعد ومقاييس وأسس نظريّة مكنت الناقد من فهم القيم الأدبية، والتغلغل في أعماق النص الأدبي وذلك بفحصه والكشف عن جمالياته ومآخذه من خلال تفاعل عناصره.
ومن المناهج السياقية التي عنيت بدراسة النص الأدبي دراسة خارجيّة المنهج التاريخي.
1. النقد التاريخيCritique Historique " النّشأة والتطوّر":
يعنى النقد التاريخيّ بدراسة الظواهر والمؤلّفات والشّخصيّات الأدبيّة التي عدّت المرآة العاكسة لعصورهم، فيعقل فيه الناقد الأهميّة البالغة للتفسير أكثر من عنايته بالحكم والمفاضلة، باعتبار أنّ التفسير يمكن القارئ الناقد من الخروج بأحكام لنفسه. وهذا التّفسير يتطلب معرفة بالماضي السابق وبالآمال التي كانت تجول بنفوسهم، ومعرفة بالحاضر، وبكلّ الظروف التي أحاطت بهذا المؤَلَّفِ وبكلّ ما ألّفه الكاتب من قبل حتّى يكون حكمه صحيحا وشاملا. فهو بذلك يرتكز على" العامل الزمني وبدوره في الإنتاج الأدبي، وبتوثيق النصوص والتأكد من نسبتها إلى أصحابها، كما يعنى بتأثّرها وتأثيرها على المستويين الوطني والعالمي، ويولي اهتماما كبيرا بالأدباء مؤلفي النصوص فيبحث في عوامل تكوّن الأديب، من محيط وأسرة ونشأة وتعلم ووقائع حياة، وخصوصا ما له علاقة مباشرة بالعمل الأدبي موضوع الدراسة، ويبحث في العلاقات بين الأدباء والنصوص، وما يفضي إلى رصد الظواهر الأدبية ووصفها وتفسير نشوئها". وعليه فإنّ النّقد التاريخيّ يسعى إلى دراسة العمل الإبداعي بالوقوف على الظّروف التاريخية التي أحاطت ببنائه، متتبّعا حياة الأدباء تتبّعا دقيقا وذلك بدراسته للأدب وتأريخه له ولشخصياته التي قدّم لها ترجمات وسيرا، كاشفا بذلك عن حياتها وأصلها وارتباطها بجنسها وانتمائها، وثقافتها وقيمها وأهوائها وعاداتها وتقاليدها..إلخ، مستقصيا بذلك مختلف المظاهر؛ أدبيّة، مادية، نفسيّة، اجتماعية، أخلاقيّة..، وكل ما يصبّ في وعاء المؤلِّفِ على حدّ تعبير سانت بيف.
وقد شبهه عبد السلام المسدي هذا المنهج بـ" سلسلة من المعادلات السببيّة، فالنص ثمرة صاحبه، والأديب صورة لثقافته، والثقافة إفراز للبيئة، والبيئة جزء من التاريخ، فإذا النقد تأريخ للأديب من خلال بيئته". فالناقد بعد عصر التنوير أبدى اهتمامه بالعلاقة التي تربط بين الأديب وعصره وبيئته ومجتمعه مرتكزا في ذلك على الجانب النفسي والاجتماعي والتاريخي، متّخذا من النص وثيقة تاريخية يدرس ويفسر بها ظاهرة أدبية متتبعا مسارها ومراحل التي مرّت بها عبر العصور، يقول غوستاف لانسون "يدرس هذا المنهج النصّ بغية معرفته من مختلف الجوانب، ومنها خصائصه الأدبية وأصالة الأدباء، والماضي الممتدّ فيهم والحاضر الّذي يتسرّب إليهم". ويضيف الناقد قسطاكي الحمصي: " اعلم أنّ القصائد القصصيّة المشهورة، والنّوادر المدهشة والحكايات والرّوايات، لا تنحصر فوائدها في فصاحة التّعبير وبلاغة السّبك، بل لها فوائد تاريخيّة فوق ذلك، فإنّ إلياذة هوميروس الشّاعر اليونانيّ، ورواية هاملت للشّاعر الإنجليزي شكسبير، ومعلّقة امرئ القيس، وحكايات كليلة ودمنة، وما أشبه ذلك، كلّها تنطق بأفصح بيان عن زمان تأليفها، وكشف أحوال تلك العصور، وعوائد وأخلاق أهلها، ومعتقداتهم وأزيائهم، يستشفّه طرف النّاقد بأدنى لمح، فهي في الحقيقة تلخيص تاريخ قوم بعينهم". ليجمع هو بدوره بين التاريخ والأدب، على اعتبار أنّ الصلة بينهما وثيقة "فأدب أمّة من الأمم يعدّ تعبيرا صادقا عن حياتها السياسية والاجتماعيّة، ومصدرا مهذّبا من مصادرها التاريخيّة، ذلك بأنّ الأدب يلمّ بروح الحوادث والأطوار المتعاقبة فيصوّرها ثمّ يتأثّر بها، فيستحيل في موضوعاته وفنونه وأساليبه تبعا لما تستدعي الأحداث، وتقتضي به الشؤون الجارية"، ليشركوا بذلك الأحداث والصراعات السياسية التي كان لها الأثر البارز على الأعمال الأدبية التي عكست صدق التجربة وصدق التعبير في نقل الوقائع، لتظهر عملية التأثير والتأثر بين الوسط – البيئة- والنص الّذي نشأ فيه، ولتفسير هذه الظواهر وتعليلها لا بد أن تكون لدى الناقد معرفة بالظروف التي أحاطت بها، وبتاريخها السياسي والاجتماعي وبصحّة نسبتها لصاحبها.
2. أبرز نقاده الغربيين:
من النّقّاد الّذين تبنّوا النقد التاريخي ومثّلوه:
1.1 فيلمان (Villeman): يعدّ من رواد تاريخ الأدب و"أوّل من عقد الصلة بين الأدب والتاريخ، متّخذا من هذا الأخير "وسيلة لفهم الأدب وتفسيره وتعليل مزاياه في بيئته"، مقدّسا في ذلك الموضوعيّة في الممارسة النقديّة بأدواتها المنهجيّة وقواعدها وقوانينها ومناهجها، داعيا إلى البعد عن الذاتية والذوق الشّخصيّ والعواطف والأهواء والتّعصب أو التحيّز في تتبّع الأثر؛ و"الأثر حسب رأيه هو مشكلة لا يظهر حلّها إلا بتحليل الأوساط والبلد والحضارة، كل هذه العوامل عاين نشأتها. ولتوضيح أثر يجب أن نتذكّر أوّلا أنّ مهمّة الأدب لا تقتصر فقط على نقل تقاليد المجتمع، وإنّما تتعلّق وفق فنونه، ببعض حوادث هذا المجتمع".
1.1 سانت بيف(Sainte Beuve) 1804- 1869: "أوّل ناقد فرنسي سعى إلى تأسيس تاريخ طبيعيّ للأدب في عصره"، وذلك بوقوفه على أعمال أدبائه بالدراسة والشرح والتحليل، متّخذا "من سير الأدباء والتعرف على حياتهم الخاصّة سببا إلى فهم آثارهم ونقدها ما دامت هذه الآثار صادرة عنهم مباشرة، تمثّل نفوسهم ومقدار تأثّرها بعوامل البيئة الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة الّتي خضعوا لها". محددا بذلك منهجه النقديّ القائم دراسة النص دراسة سياقيّة ترتكز المؤشرات والعوامل الخارجيّة؛ على تصوير شخصيات الأدباء وسيرهم وبيئتهم، ومختلف مظاهر حياتهم المادية، العقليّة، والخلقيّة.
3.2 تين (Hippolyte Taine) 1828- 1893: وهو يعدّ من النقاد الفلاسفة والمؤرّخين الفرنسيين الّذين حملوا لواء الدعوة إلى المنهج التاريخي متأثرا في ذلك بآراء أستاذه سانت بيف، "ليعطيا للمنهج التاريخي اسمه الجديد في مناهج النقد الأدبي أوّل مرّة"، إذ نجده يحدّد طبيعة هذا المنهج بقوله:" يقتصر المنهج الحديث الّذي أحرص على اتّباعه على اعتبار الآثار الإنسانيّة بنوع خاص كوقائع ونتاجات، يجب أن تحدّد سماتها وتبحث أسبابها لا أكثر، إنّ العلم حسب هذا المفهوم لا يدين ولا يسامح، إنّه يعاين ويشرح..، إنّه يفعل مثل علم النبات الّذي يدرس بنفس الاهتمام شجرة البرتقال وشجرة الصّنوبر، وكذلك شجرة الغار..، إنّ هذا العلم هو نفسه نوع من علم النبات التطبيقي، لا يطبّق على النبات ولكن على المؤلّفات الإنسانيّة"، متحرّيا في ذلك الموضوعيّة في إصدار الأحكام، "ليطبّق على الأدب مذهب الجبريين، وجعله ثمرة محتومة لعلل ثلاثة يدرس النصوص الأدبية ويفسّرها في ضوئها، باعتبارها التربة التي نشأت فيها وتغذت منها واكتسبت منها خصائصها ومبادئها وسماتها وصولا إلى فهم ثمارها، يقول محمد مندور: " ليس الأدب- أي الإنتاج الأدبيّ- منفصلا في نظري عن الإنسان، فباستطاعتي أن أتذوّق مؤلّفا أدبيّا، لكنّه من الصّعب أن أحكم عليه دون معرفة بالكاتب نفسه، وذلك لأنّه كما تكون الشّجرة يكون ثماره، وهكذا تقودني الدراسة الأدبيّة إلى الدراسة الإنسانيّة قيادة طبيعيّة، وتتمثّل هذه الثلاثيّة في:
- الجنس (العرق) Rrace: إنّ طريقة التفكير والتعبير والتصوير تختلف فيها الأجناس البشريّة، وذلك يعود إلى الخصائص الفطريّة الوراثية المشتركة بين أفراد الأمّة الواحدة، ولكلّ جنس طبائع وخصائص تتميّز بها عن غيره، تمثّل خلاصة تكوينه وصفاته المكتسبة التي تظهر في نتاجه الفكريّ.
- المكان أو البيئة (Milieu): تعني عنده مجموعة الخصائص والمميزات الإقليميّة- الجغرافيّة- التي يحيا فيها أديب ما، تنزع إلى المثل العليا والتعبير عن النفس الإنسانية التي يسعى إلى تربيتها من خلال دعوته إلى الأخلاق المثلى، لتترك أثرها في النص الأدبي لتظهر انعكاساته الاجتماعيّة فيه.
- الزمان أو العصر (Temps): وهو مجموع الظروف السياسيّة والثقافيّة والدينيّة الّتي تسود مجتمعا ما، في حقبة زمنيّة يحيا الأديب في ظلّها وينشأ فيها أدبه الّذي عدّ مرآة عصره.
4.2 غوستاف لانسون(Gustave Lonson): يعتبر الرائد الأكبر في النقد لهذا المنهج، متّبعا في ذلك خطى من سبقة من أسلافه والبعض من معاصريه في دراسته للأدب الفرنسي والأوروبي، إذ نجده يصرّح عن هويّته المنهجيّة في محاضرة بجامعة بروكسل سنة 1909 حول " الرّوح العلميّة ومنهج تاريخ الأدب بقوله: " دراستنا تاريخيّة، ومنهجنا سيكون إذن منهج التاريخ".
5.2 فرديناند بْرونْتْيير(Fardinand Bruntière) 1849- 1906: ناقد ومفكّر وفيلسوف فرنسي، تأثّر بنظريّة التطوّر لعالم الأحياء تشالز داروين Charles Darwin العلمية في النشوء والارتقاء التي طبّقها على الكائنات العضوية، في حين أنّ برونتيير طبّقها على الأنواع والأجناس الأدبيّة الّتي صنّفها إلى فصائل تتوالد، تنمو وتتكاثر، يحلّ بعضها مكان بعض إلى أن تزول وذلك في كتابه الموسوم بـ: تطوّر أنواع الأدب، وهو عبارة عن مجلّدات تناول في كلّ واحد منها دراسة تطوّر فنّ من الفنون الأدبيّة، متقصّيا أصول كلّ فنّ منها، فوقف على نشأته، متتبعا مراحل تطوّره واستوائه إلى أن يصل مرحلة النّضج والكمال، أوتلاشيه وانقراضه كما انقرضت بعض الفصائل الحيوانيّة، ليظهر بذلك تأثير هذه النظريّة على الأدب والنقد بالتماسه تطبيق القانون العضوي "على ثلاثة ضروب من الأدب وهي المسرح، الشّعر الغنائي والنقد الأدبي فكتب: تطور النقد، عصور المسرح الفرنسي، تطوّر الشعر الغنائي في القرن التاسع عشر"، إذ نجده يصرح بدوره تبنيه هذه النظريّة بقوله:" إنّ نظريّة التطوّر في الأدب لا ترمي إلى بعث الماضي، وإنّما ترمي إلى فهمه واستنباط قانونه، إنّها لا تطمح أن تقول كلّ شيء بل تكتفي بالضّروريّ، إنّها لا تقصّ بل تفسّر، هدفها.. هو أن توضّح تسلسل مئات العوامل العميقة الخفيّة التي تزدهر..خلال التاريخ، وردّ فعل كلّ تلك العوامل..، إنّها توضّح كيف تولد الأنواع الأدبيّة، و ما هي عوامل الزمان والبيئة الّتي أشرفت على ميلادها..، كيف تتميّز تلك الأنواع وتتباين، وكيف تنمو وتتطوّر كما يتطوّر الكائن الحيّ وكيف تأخذ صورة عضويّة..، كلّ ما يخدمها ويغلبها ويعينها على النّموّ، ثمّ كيف تموت، وما هي عوامل الفقر والانحلال الّتي تصيبها، وكيف يؤدّي التطوّر إلى ميلاد نوع جديد يجمع عناصره..، هذا هو منهج الدراسة على أساس نظريّة التّطوّر، وذلك هو هدفها". ليحدد بذلك القوانين التي تخضع لها من تحليل وتفسير وتتبع لمراحل تطور وتكاثر هذه الأجناس الأدبية بعد تصنيفها والكشف عن العلاقة التي تربط بينها، أو تلاشيها فأفولها عبر العصور شأنها شأن الفصائل الحيوانيّة، مع تطبيقه تلك النظريات في دراسته النقدية باتكائها على المنهج التاريخيّ الجديد الّذي يتحرى فيه الموضوعيّة، ويرتكز فيه على الشّرح والتبويب الّذي يعدّ امتدادا لرؤيته ورؤية هيبوليت تين ليصل بعدها إلى الحكم.
2. ملامح المنهج التاريخي ودوره في بلورة النقد العربيّ الحديث:
تعود ملامح النقد التاريخي في الوطن العربي لبدايات الربع الأوّل من القرن العشرين، حيث دعا نفر من النقاد العرب المحدثين الّذين تتلمذوا على يد رموز المدرسة الفرنسيّة إلى مسايرة الاتجاه الغربيّ في دراسة بعض مظاهر الأدب العربي، والصلات التي تربط بينه وبين التاريخ وفق هذا المنهج نذكر منهم:
1.2 عبّاس محمود العقاد: ظهرت آثاره في بعض مؤلّفاته من بينها كتاب: ابن الرومي " حياته من شعره" متبنّيا صدى هذا المنهج، مرتكزا في ذلك على مسألة العرق التي حاول أن ينفذ عبرها إلى فهم شخصيّة المبدع، ويظهر ذلك في قوله: " وما من شكّ في أنّ الشّاعر الّذي تنحدر من أصل يونانيّ أيّا كان مقرّه، غير الشّاعر الّذي تحدّر من أصل عربيّ أيّا كان مقرّه". كما أنّ معرفة البيئة حسب ما ذكره هي بدورها تعدّ أمرا ضروريّا في النقد، وهذا ما وضّحه في كتابه شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي بقوله:" أثر البيئة على شعرائنا الّذين ظهروا منذ إسماعيل قبل الجيل الحاضر، هو موضوع هذا الكاتب، ومعرفة البيئة ضروريّة في نقد كلّ شعر في كلّ أمّة، في كلّ جيل..، ولن يتيسّر لنا أن نفهم الأطوار التي عبّر الشّعر المصري الحديث بغير فهم هذه البيئات".
1.2 طه حسين: يعد من النقاد الّذين تبنوا المنهج التاريخي، مبديا تأثّره بكوكبة من رموز المدرسة الفرنسيّة الّذين كان لهم الإسهام الكبير في بلورته، أما كتاباته فكانت امتدادا وتطويرا له. ويظهر أثر هذا المنهج في أطروحته الّتي نال بها شهادة الدّكتوراه حول "تجديد ذكرى أبي العلاء"، محاولا أن يقف على أبعاد الشّخصية وتغيير جوانبها وربطها بعصرها وبيئتها بعد قراءة آثارها. مصرّحا في ذلك بإيمانه بأبعاد هذا المنهج الّذي سعى من خلاله جمع معلومات عنه وعن عصره وبيئته والكشف عن فلسفته من خلال أشعاره، ليخلص إلى ما يلي: "وإذا صحّ هذا كلّه فأبو العلاء ثمرة من ثمرات عصره، قد عمل في إنضاجها الزّمان والمكان والحالُ السياسيّة والاجتماعيّة والحال الاقتصاديّة، ولسنا بحاجة إلى ذكر الدّين فإنّه أظهر أثرا من أن نشير إليه"، إضافة إلى كتاب "حديث الأربعاء"، حيث وقف الناقد طه حسين على غرض شعر الغزل بنوعية العفيف والماجن، ساعيا من خلاله دراسة شخصيّة الشاعر -عمر بن أبي ربيعة- التي عدّها مصدر بحثه متّخذا إياها دليلا للكشف على روح عصره، متتبعا سيرته وأسرته وظروف نشأته-السياسيّة والاقتصاديّة- وواقعه وعصره، ويظهر ذلك في قوله: "وإذ قد بيّنا أنّ الرّجل خاضع في أدبه وعلمه لزمانه ومكانه، فليس لنا بدّ من أن نقدّم بين يدي هذا الكتاب فصلا في عصر أبي العلاء وآخر في بلد، ولمّا كانت الأسرة أشدّ ما يحيط بالرجل أثرا فيه، خصصنا فصلا آخر لأسرة أبي العلاء، وإذا فرغنا من هذا كلّه عمدنا إلى الحياة التاريخيّة للرّجل ففصّلناها تفصيلا، ثمّ انتقلنا إلى منزلته الأدبيّة فبيّنا قسمته من الشّعر والنّثر وخصائصه فيهما، ثمّ إلى منزلته العلميّة فشرحناها شرحا مستوفيا، وبعد هذا كلّه تناولنا فلسفته فاجتهدنا في أن نكشف عنها وتجلّيها". فهذه الدراسات التاريخيّة المنهجيّة تعكس شغفه وافتتانه بهذا المنهج، معتمدا في ذلك على مبدأ الشّك الّذي عدّه من أصول المنهج التاريخيّ في كتاباته التاريخيّة، وأساسا في تفسير الأعمال الأدبيّة للتّوصّل إلى اليقين فهو يريد " ألاّ نقبل شيئا مما قال القدماء في الأدب وتاريخه إلاّ بعد بحث وثبت، إن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى الرّجحان"، فهو بذلك يرفض آراء القدماء ولا يثبتها إلا بعد بحث وتقصّ قبل إصدار الحكم، فكان بذلك منهجه منهجا ديكارتيا يقوم على مبدأ الشّك للوصول إلى اليقين.
3.3 محمد مندور: هو بدوره يعدّ من النقاد العرب الّذين دعوا إلى هذا المنهج، وذلك في كتابه " النقد المنهجي عند العرب" الّذي قال فيه:" إنّنا نفضّل الأخذ بالمنهج التاريخيّ حتّى نحاول أن نضع للنقد حدّه، وهذا هو المنهج الّذي استقرّ الباحثون على جدواه منذ أوائل القرن التاسع عشر، وبفضله جدّدت الإنسانيّة معرفتها بتراثنا الروحيّ وزادته خصبا".
3. خصائص المنهج التاريخي وحدوده:
وانطلاقا مما سبق ذكره يمكننا استنتاج سمات المنهج التاريخي ومبادئه والمتمثّلة في:
- اتّخاذه من سير الأدباء سببا في فهم آثارهم ونقدها بتفسيرها وتعليل مزاياها بربطها ببيئتها ومجتمعها مادامت هذه الآثار صادرة عنهم مباشرة، ملخّصا بذلك تاريخ قومهم وعصرهم.
- اعتماده على البحث والتحليل، وحسن التتبع والاستقراء المشهور من الوثائق والاستنباط للوصول إلى الحكم،" فالناقد الجاهل بالتاريخ الأدبيّ، يعرض نفسه لمنزلق خطير، ذلك أنّ تاريخ الأدب شديد الأهمية للنقد الأدبيّ..، والناقد الّذي يقنع بجهله في حقل العلاقات التاريخية سرعان ما يضل في أحكامه الأدبية، فليس باستطاعته أن يعرف أي الأعمال أصيل وأيّها منقول، ولا بدّ أنّه من خلال جهله بالشروط التاريخيّة سيخطئ على الدّوام في فهم عمل فنّيّ معيّن". وعليه فعلى الناقد أن يكون مبصرا بمختلف فروع المعرفة لإنارة النصّ، والكشف عن الملابسات التاريخية والاجتماعية والطبيعية المتعلقة بتلك الفترة قبل إصدار حكم على روح العصر، دون إغفال الشخصية التي تعدّ محور اهتماماته، بضرورة ربطها بعصرها وبيئتها ووسطها والغوص في أعماقها بالكشف عن أبعادها، باعتبارها أثر من آثارها وظروفها.
- ضرورة التأريخ للأحداث بالاعتماد على التحقيق والاستقصاء، بالاتكاء على النصوص التي تمثل تلك الحقب الزمنيّة المدروسة.
- ربط الأحداث والوقائع التاريخية بالزمان والمكان مفسرا غوامضه وشارحا خلفياته.
- اهتمامه "بمصادر النص، وتاريخه، وجنس مبدعه، وعصره، وبيئته".
- اعتبار النص وثيقة تاريخية يدرس ويفسر بها ظاهرة أدبية، متتبعا مسارها ومراحل التي مرّت بها عبر العصور.
4. مآخذ المنهج التاريخي:
- اقتصاره على تفسير تشكّل خصائص اتجاه أدبيّ في جيل أو أمّة ما.
- يعين على فهم بواعث نشوء الظواهر الأدبيّة والتيارات الفكريّة، والموضوعات المرتبطة بتحوّلات المجتمع ومجرياته السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة ونموها واختفائها، من ذلك شعر الخوارج والشيعة اللذان نجدهما يرتبطان بحقبة زمنية معيّنة، وشعر الزهد الّذي برز في العصر العباسيّ..إلخ.
- لا تتعدّى فائدته معطيات الفهم والتفسير، إذ أنّها تبقى عاجزة على أن تكون وسيلة لتقويم الظاهرة الأدبية وتوصيفها والحكم عليها.
- ينظر إلى الظاهرة الأدبيّة في علاقتها بمحيطها أو منشئها، جاعلا من الأدب وثيقة من الدرجة الثانية، مهمّتها دعم مصداقيّة الوثيقة الأولى – البيئة-بأن تكون شاهدا عليها.
- اهتمامه بمنشأ الظاهرة الأدبية مقارنة بالنتاج الإبداعي، موْئل اهتمام النقد وميدانه الأساس.
- صعوبة الوصول إلى وثائق ومعلومات تكشف عن ملابسات عصر الأدباء القدامى وتياراتهم، وهي تعدّ المعين في تتبع آثارهم ودراستهم، تلك "التماثيل المهمّشة" كما نعتها سانت بيف لا تعين على الاستقراء والتحليل والتفسير مقارنة بالأدباء المحدثين.
- " تحول الدراسة إلى جمع لا تذوّق بسبب بقاء البعض رهين العصر الّذي يدرسه وهو تحت أكداس من المصادر..، ليعزلوا بين النقد الأدبي تاريخ الأدب بحجاب كثيف".
-
1. النقد الاجتماعيّ Critique Sociale "الظهور، النشأة والتطوّر":
عرف النقد الاجتماعيّ رواجا واسعا في أوروبّا وبخاصّة في ألمانيا وذلك في نهاية القرن الثّامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، لتزدهر هذه الحركة النقدية في نهايته. وقد تطوّرت هذه النظريّة النقديّة الاجتماعيّة للأدب وانتشرت بانتشار التيار الماركسي، نسبة إلى كارل ماركس الّذي استطاع أن يكسبها "إطارها المنهجي المنظّم وشكلها الفكريّ الناضج..، بعد أن أصبحت على يده نظريّة متكاملة ورؤية فلسفيّة للأدب وللتطوّر الاجتماعيّ على حدّ سواء، دون تجاهل أسماء أخرى كالفيلسوف هيجل" الّذي قال "باتّحاد الشّكل والمضمون وربط بين الأنواع الأدبيّة والمجتمعات الّتي نشأت فيها"، وعالمي الاجتماع أوكست كومت ودوركهايم، إلى جانب جورج لوكاتش ولوسيان غولدمان. وقد تلقّف النقاد الفرنسيون هذا المنهج بعد هجرتهم إلى ألمانيا وإنجلترا بسبب الظروف السياسية- الثورة ونابوليون-، نذكر منهم: مدام ديستايل التي أصدرت كتابها "الأدب في علاقته بالنظم الاجتماعيّة" سنة 1800 بعد عودتها من ألمانيا، وقد عدّ هذا الأخير من إرهاصات النقد الاجتماعي الممنهج في دراسة الأدب ونقده، متبنّية في ذلك مبدأ الأدب تعبير عن المجتمع لا الفرد، وهو المبدأ الّذي تبنّاه الماركسيون الّذين رفعوا شعار الفن للمجتمع، لتظهر بعده شعارات أخرى تصب في نفس المعنى من ذلك شعار الفن الهادف وشعار رسالة الأدب أو رسالة الفنّ، بحكم أنّ الأديب الناقد يهدف من خلال أدبه إلى بث رسالة توعوية توجيهيّة للمجتمع، باعتبار الأدب ظاهرة ورسالة اجتماعيّة يسعى من خلالها إصلاحه وتقويم اعوجاجه وذلك بدعوته إلى القيم والمثل العليا، أو الدعوة إلى الثورة على الواقع الرأسمالي البرجوازي والإقطاعي الّذي قضى على إنسانيّته، وباعتباره المخول لإيجاد الحلول للمشاكل التي يعيشها المجتمع والإعلاء من شأنه بتحريكه لإرادة الشعب معلنا رفضه الخنوع والاستكانة والاستغلال، ليثير بذلك المتلقّي بتعبيره عن تجربته الإبداعيّة ليدفع به نحو التغيير، أمّا "الفنّ فله وظيفته..، وتعني رسالة الأدب والفنّ عند أصحاب المنهج الاجتماعيّ، ألاّ يظلّ نشاطهما محصورا في إطار القضايا الفرديّة والمعالجات الخاصّة، وألاّ يعزل الأديب أو الفنّان نفسه عن المجتمع في برج عاج، فللأدب والفنّ دور في رقيّ المجتمع، وإسهام في نهضته وتوعية أفرادهم وقيادتهم..، وإنّ القول برسالة الأدب والفن يقود المنهج الاجتماعيّ في النقد إلى عدد من المواقف والتصوّرات؛ منها رفضه الأدب الغامض لأنّه لا يمدّ جسورا مع متلقّيه، ورفضه أن يقتصر على المتعة المحضة من دون أن يفصح عن أهداف واضحة" وهنا يكون النص قد حقق وجوده.
وكذا شاتوبريان الّذي هاجر إلى انجلترا ليصدر كتابه بعد عودته والموسوم بـ: عبقريّة المسيحيّة" سنة 1802، ليساهما بأعمالهما في نشر الوعي النقديّ الاجتماعيّ في بلدهما، من خلال تبنيهما لهذا المنهج في دراستهما النقديّة للإبداع الأدبيّ وذلك بربطهما بين الأدب والمجتمع بمختلف طبقاته باعتباره المنتج له ومحاكيه، "فالأدب ظاهرة تاريخيّة لها أصولها الضّاربة في أعماق كفاح الطّبقات، ويجب على النّاقد أن يقع على القانون الّذي يفسّر حتميّة العلاقة بين المجتمع والفنّ"على حدّ تعبير جورج لوكاتش، أمّا الأديب فهو مرآته العاكسة وممثّل الحياة والبيئة الاجتماعيّة التي ينطلق منها في تصويره لواقع هذا المجتمع. كما "يمكن عدّ التّحليلات الّتي ضمّنها الناقد هيبوليت تين " كتابه "تاريخ الأدب الإنجليزي" سنة1863 أحد أبرز التطبيقات الممثّلة للمنهج الاجتماعيّ في دراسة الأدب وتحليله" .
2. المنهج الاجتماعيّ في النّقد العربيّ الحديث:
تأثّر النقاد العرب بالمنهج الاجتماعي، ويظهر ذلك في دعوة شبلي شميل، سلامة موسى وعمر الفاخوري، وأحمد أمين، ليتطوّر على يد لويس عوض "الّذي أجرى بحوثا عديدة تهتمّ أساسا بإبراز تأثير الوسط الاجتماعيّ على الأثر الأدبي، فهو يحاول الرّبط بين الأدب والسياق الاجتماعيّ..، يرى أنّ الأدب نشاط لا ينفصل عن المجتمع، وأنّه إحدى أدوات التعبير الاجتماعي..، كان متحمّسا للمنهج التاريخي والاجتماعي لتعليل الصلة بين الأثر الأدبي..، ويرى أنّ وظيفة الأدب تتمثّل في تجديد الحياة عن طريق الخلق وترقيتها"؛ أي أنّ الأدب ممثّل لحياة المجتمع، أمّا المنهج فهو سبيله لتعليل العلاقة التي تربط بينه وبين المجتمع. "وإذا رجعنا إلى المنهج الاجتماعيّ نجده يدفع الباحث إلى التعمّق في طبقاته، محاولا تبيّن ظروفها وما بينها من علاقات ومدى تأثير هذه العلاقات في شخصيّات الأدباء وما نهضوا به من دور..، وتبين الطبقة التي ينتمي إليها الأديب..، ويدفعه كذلك إلى معرفة عقيدته ونحلته ومدى التزامه بها وتخليه عنها"، ليرتكز في دراسته لأدب أمّة من الأمم على البعد الاجتماعيّ ومدى تمثّله له، متتبعا التحولات الاجتماعيّة التي تطرأ عليه بعد ربطه بالسياقات التي أنتجته ببيئته الفكريّة والاجتماعيّة؛ بعصره وواقعه الّذي يعدّ أساس الفن والأدب، دون إغفال شخصيّة الذات المبدعة الملتزمة التي تنتمي إلى هذا الواقع وهذا المجتمع بهمومه ومشاكله، والظروف التي تعيشها -تتأثّر وتؤثّر-، " فالنقد الاجتماعيّ يبدأ بمبدأ يقول إنّ علائق الفنّ بالمجتمع ذات أهمّيّة حيويّة، وأنّ تقصّي هذه العلائق قد ينظّم استجابة المرء الجماليّة إلى عمل من أعمال الفنّ ويعمّقها. إنّ الفنّ لا يتشكّل في فراغ، وإنّه ليس من عمل شخص حقّا، بل من عمل مبدع محدّد في الزّمان والمكان، يستجيب لمجتمع هو منه في القمّة، لأنّه جزؤه الناطق، فالناقد الاجتماعيّ إذن يعنى بفهم الوسط الاجتماعيّ، ومدى استجابة الفنان له وطريقته"، كما أنّ هذه الذات المبدعة تعدّ مسؤولة عن تحريك عمليّة القراءة نحو تلك الإيديولوجيات التي يشارك بها أفراد مجتمعه، انطلاقا من تعبيره عن التجربة التي تحيل إلى ذات الجماعة وعلاقتها ببعضها البعض في ظلّ الصراع الّذي تعيشه، لتعدّ هذه الشخصية ظاهرة اجتماعية شأنها شأن الأدب، لنصل بذلك إلى ثلاثيته القائمة على صلة الذات المبدعة والجماعة والنص الأدبي.
كما "اهتّم محمود أمين العالم بإجراء دراسات على عدد من الأدباء..، وكانت نقطة البدء عنده فكرة أساسيّة مؤدّاها أنّ الأدب للمجتمع والتغيّر الاجتماعي، وأنّ مضمون الأثر الأدبي..، يعكس الواقع ويعكس مواقف اجتماعيّة معيّنة، وأنّ البناء الفنّي ليس سوى تشكيلا لهذا المضمون"[11]، ليتجه هو بدوره نجو دراسة مجتمعيّة الأدب وذلك بربطه بين الأدب والمجتمع والواقع وظروفه. كما أنّ هناك دراسة أخرى للشاعر والناقد مغربيّ محمد بنيس "الّذي حاول فيها أن يربط بين الإبداع الشّعريّ العربيّ المعاصر والظّواهر السوسيولوجيّة في المغرب العربي على وجه التحديد"[12]. وقد نال هذا المنهج حظّه في الحركة النقدية الجزائرية أيضا، وما ساعدهم على ذلك امتلاكهم للغة الفرنسيّة التي أهلتهم للاستفادة من النظريات النقديّة الغربيّة التي اغترفوها من منابعها، نذكر منهم: محمد مصايف، عبد الله الرّكيبي، واسيني الأعرج..إلخ.
3. مقاييس النّقد الاجتماعي:
حدّد محمد مصايف كناقد مقاييس النقد الاجتماعيّ موضّحا بذلك الطريقة النقديّة راسما أبجدياتها وذلك في قوله: "ينبغي للناقد أن لا ينسى الظّروف الّتي يعمل فيها الأديب، ينبغي أن يذكر أنّ بلادنا تخوض ثورة اجتماعيّة قاسية ليست أقلّ أهمّيّة من الثّورة المسلّحة، ينبغي أن لا يغفل الجانب الاجتماعيّ في أعمال الأدباء، فيبيّن العلاقة الّتي تربط بين هذه الأعمال وبين تطلّعات المجتمع..، فتحديد الناقد للاتّجاه العام لا ينبغي أن يكون حياديّا، بل ينبغي أن يمتحن مدى التزام الأديب بقضايا المجتمع، ووجهة النّظر هذه أخذ بها الكثير من النقاد الجزائرين، كما اقتنع بها الغرب والعرب"، وهذا ما أشار إليه ديفيد ديستش الّذي" قنع أن يفسّر العمل الأدبيّ بالنّظر إلى أصوله الاجتماعيّة، وأن يعلل نزعة الأديب"[، فمن المبادئ التي يقوم عليها هذا المنهج انطلاقا مما ذكره محمد مصايف:
- ضرورة ربط الأدب بالمجتمع وتفاعلاته وأبنيته ونظمه وتحوّلاته، فهو المرآة العاكسة له ولواقعه، فهو يمثّل الحياة على المستوى الجماعي لا على المستوى الفردي.
- محاولة التقاط العلاقة الدقيقة والحساسة التي تجمع بين العمل الإبداعيّ والتّيّار الاجتماعيّ، ومدى قدرته على بلورة رؤية العالم التي تعين الناقد على إجراء هذه المقاربة السويولوجيّة الأدبيّة.
- المجتمع هو المنتج للأعمال الإبداعيّة والفنّيّة، والمعبّر عن هذه القضايا التي شغلت فكر الذات المبدعة الملتزمة بقضايا المجتمع عاكسة الأحداث والوقائع معبرة عن تطلعاته.
- يهتم هذا المنهج بدراسة المؤلفات والأفكار رابطا الصلة بين الأدب والأديب من ناحية، وبين الأديب وبيئته وعصره من ناحية أخرى.
-
1. النقد النّفسيCritique Psychologique "مفهومه، نشأته ووظائفه":
يقوم النّقد النّفسيّ على التحليل النّفسي للمزاج الشّخصي ودراسة ظواهر النّفس البشريّة والقوانين الّتي تحكمها، وما يختلجها من عواطف وانفعالات وما يعترضها من مواقف، وما تتصف به من سلوكيات انطلاقا من النّصّ،" فالعمل الأدبيّ هو تعبير عن تجربة شعوريّة في صورة موحية..، والتجربة الشّعوريّة ناطقة بألفاظها عن أصالة العنصر النّفسي في مرحلة التّأثّر الدّاعية إلى التعبير، والصورة الموحية ناطقة بألفاظها كذلك عن أصالة هذا العنصر في مرحلة التأثير الّذي يوحي به التّعبير". ليتجلّى العنصر النّفسي في العمل الأدبيّ الّذي يعكس من خلاله الأديب تجربة شعوريّة اتخذها موضوعا من موضوعاته، متأثرا في ذلك بمواقف دفعته لممارسة عمليّة الكتابة، ليتخذ هذا المنهج من الشّخصيات الورقيّة والذّات المبدعة المادّة الخام لدراسة تلك الأفكار وتقييمها بعد شرحها وتفسيرها وتحليلها. وعلم النّفس في هذا النوع من الدراسات "هو أقرب العلوم إلى ميدان الأدب وأكثرها فائدة للناقد الأدبيّ، إذ أنّ التداخل قويّ بين ميداني علم النفس والأدب وبالتالي علم النّفس والنقد، كلاهما يتخذان من النفس الإنسانية مادّة أساسية لهما". وتكمن مهمّة النقد النفسي الأساسيّة في "اكتشاف الملكة الرئيسيّة للكاتب، هذه الحالة النفسيّة المسيطرة والملحّة تعطي مشهد الضّرورات الرائعة الّتي تربط بينهما الخيوط الّتي لا حصر لها، ذات الفروق الدّقيقة والمتشابكة للكائن الإنساني"، وقد أتاح هذا المنهج فرصة "التعمق في فهم كل من عملية الخلق الفني وأسلوب الشعراء في تطوير رموزهم بهدف التعبير عن الانفعالات والتجارب الداخليّة، وكذلك قدّم لنا صفحات مثيرة في مجال تحليل الدوافع المخبوءة للمؤلفين وللشخصيات الفنية التي خلقوها، لكنه مال في معظم تطبيقاته إلى إهمال الطبيعة الفنية للنصوص، وكثيرا ما قدّم النتاج الأدبي على أنّه وليد أعراض عصابية وانحرافات نفسية"، عكس به حالة مرضيّة واضطرابات نفسيّة عصبيّة يعاني منها الأديب، مرتكزا في ذلك على الجانب النفسي متجاوزا الجانب الفنّي للأدب، وهذا ما عبّر عنه العالم والمحلل النّفساني الفرنسي (لامورج) في وصفه للكاتب بقوله: "إنّ الفنّان مريض متميّز يستطيع أن يخلق فنّا، وما الشّكل الشعريّ إلاّ وسيلة تخفي المرض العصبيّ عند الشّاعر حتّى يعزّ كشفه إلاّ على يد الإكلينيكيين- أطبّاء العيادات النّفسيّة-"، وهذا ما اسنتجه فرويد الّذي خلص إلى أنّ " الفنّ ومنه الشّعر والأدب، مصدره عُقد وأزمات نفسيّة"، ليتّكئ هو بدوره على أسس نظريّة تولي الأهمّيّة للجذور النّفسيّة الّتي تتعلّق بالعمل الأدبي، ليكشف عن العلاقة الّتي تجمع بين نزعة الأديب النفسيّة والتعبير الأدبي؛ بين النص والمتلقي الذي يتأثر نفسيا بتذوّقه لها أثناء ممارسته لعمليّة القراءة وهذا ما أكّده إ. ريتشاردز بقوله:" إنّ نفسيّة حدث القراءة، أقرب إلى النّقد من نفسيّة حدث الكتابة"، ليكشف العلاقة التي تربط بين الأدب ونفسية الذات المبدعة التي أنتجته، بسبر أغوارها انطلاقا من نتاجها الّذي يعكس ما تخفيه من مكنونات ومكبوتات." والشّخصيّة الإنسانيّة – حسب يونج- لا تقتصر حدودها على التجربة الفرديّة، وإنّما تمتدّ لتستوعب التّجربة الإنسانيّة للجماعة"؛ تجربة يعكس بها اللاوعي الجمعي الذي تعيشه الذات الإنسانيّة من تجارب نفسانيّة في نصوصه التي تعدّ أساس عمليّته الإبداعيّة الفنية،" فيستقرئ ما يحتويه هذا الغور من نفس الأديب، وما يعكسه في نفوس الآخرين، وهو أمر لابدّ منه لاستكمال جوانب العمليّة النقديّ، وأقلّ ما في ضرورته أنّ النّاقد يتعامل مع الفنّ، وقوام الفنّ الحياة، وقوام الحياة نفس الفنّان وما انطبع في نفس الفنّان من آثار الطّبيعة والمجتمع فملأها عاطفة وأثارها خيالا، فشحن الألفاظ والصور قوّة وتأثّرا"، وعليه فالعلاقة القائمة بين الأقطاب التي ذكرها- الحياة، الفنّ، الأديب والمتلقي- أيضا علاقة تأثير وتأثّر.
"ويقترن نشوء هذا العلم – علم النّفس التّحليلي- وذيوعه بعالم النّفس النّمساوي (سيجموند فرويد 1833-1939)..، وهو يرى أنّ النّشاط النّفسي موزّع بين: "الأنا -يمثّله الجانب السيكولوجي أو الشّعوري-، والأنا الأعلى -يمثّله الجانب الاجتماعي أو الأخلاقي-، والهو -يمثله الجانب البيولوجي-"، والصراع دائم بين هذه القوى، ومحصّلة الصّراع تتجلّى في "سلوك الشّخص في أيّ موقف. ولهذا الصّراع وسائل معيّنة يصل بها إلى تكوين المحصّلة، يطلق عليها فرويد اسم الآليات منها: القمع والكبت والتسامي والتبرير والتقهقر..إلخ"، وانطلاقا من دراساته للأعمال القصصيّة والرّوائيّة خلص إلى أنّ " العمل الخلاّق لفنّان ما، هو في الوقت نفسه تحويل متفرِّغ من رغباته الجنسيّة..، وتمثيل الحياة النّفسيّة الإنسانيّة هي ميدان الرّوائي الخاص فعلا، وأنّه قد استبق دائما رجل العلم، وخاصّة العالم النّفسي"[، ليستفيد المنهج النفسيّ من التحليل النفسي للأدب الّذي تعود بداياته حسب ما ذكره الدارسون إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ إلى الكتاب الّذي نشره هذا العالم في "تفسير الأحلام سنة 1900..، مع العلم أنّه عَدَّ الأدباء الكبار محللين نفسانيين قبل وجود التّحليل النّفسي..، وأنّه يفيد منهم في عمله، ونظريّته فهو منهم بموقف التلميذ من أستاذه"، فكانوا حسب رأيه السّبّاقين إلى اكتشاف التحليل النّفسي للأدب وتفسيره دون معرفتهم لاسمه على حدّ تعبيره، كما أنه هو بدوره أثّر في معاصريه الذين انتفعوا من دراساته التحليلية النفسية للوحة ليوناردو دافنتشي المعروفة باسم الموناليزا، إذ أنّه لم يكتف بتطبيق تحليله النفسيّ على الأدب فقط ليتجاوزه إلى الأعمال الفنّيّة، "حتّى عدّ مؤسّس النّقد الأدبي النّقد الأدبي، أو النّقد الأدبي بمعنى التحليلي، بمعنى التّحليل النّفسي". ليسير على خطاه في تحليلهم للنصوص الأدبيّة تحليلا نفسيا: فيكتور هيجو 1943 في كتابه "التحليل النفساني"، وشارل مورونMauron في كتابه "مدخل إلى التحليل النفساني "1950، وهذا الأخير عدّ من أوائل النقاد الّذين اقترحوا هذا المنهج لدراسة الأدب دراسة نفسيّة، معتبرا شخصية الأديب وتاريخها محور الدراسة وموضوعها في النقد النفسي.
2. ملامح النّقد النّفسي في الوطن العربي:
استمدّ العرب النقد النفسي من الغرب، فتبنّوا مبادئه في دراستهم للنصوص الأدبية وتحليلها وربطوها بوظائفه النّفسية، ومن النقّاد الّذين دعوا إلى الاستعانة بعلم النفس في دراسة البلاغة أمين الخولي في مقاله "البلاغة وعلم النفس"، ومحمد خلف في مقاليه "التيارات الفكرية التي أثرت في دراسة الأدب"، و"نظريّة عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة" التي شرحها من منطلق نفسيّ، ليربطا في دراستهما بين بلاغة الكلام ومطابقته لمقتضى الحال مع الحرص على فصاحته وجودته وما يقتضيه من خصائص أسلوبية، وبلاغة المتكلّم الّذي يمتلك هذه الملكة في التعبير البليغ الّذي يؤثر به في النفوس المتذوّقة، ليقفوا بذلك على جانبين: حقيقة النفس وقواعدها .
ومن النقاد المحدثين الذين طبّقوا هذا المنهج على الإبداع الأدبيّ: طه حسين وعباس محمود العقاد الّذي نجده يعرب عن مناصرته لهذا المنهج بقوله:" إذا لم يكن بدّ من تفضيل إحدى مدارس النّقد على سائر مدارسه الجامعة، فمدرسة النّقد السيكولوجي أو النّفسي أحقّها جميعا بالتّفضيل، في رأيي وفي ذوقي معا، لأنّها المدرسة الّتي نستغني بها عن غيرها، ولا نفقد شيئا من جوهر الفنّ أو الفنّان المنقود"، متأثرا في ذلك بالنقد النفسي عند "سانت بيف"، وبمبادئه التي ترتكز على سيرة المؤلّف الذاتيّة للتعرّف على نفسيّته والكشف عما يعانيه من اضطرابات نفسيّة؛ عصبيته، نرجسيّته، مزاجه، رغباته، عقده..إلخ، وذلك في كتابه "ابن الرومي حياته من شعره"، الذي تطرّق فيه إلى كل نواحي نفسه وانفعالاته الظّاهرة والخفيّة حيث تطرّق فيه إلى مزاجه، وأثره في إسرافه في كلّ شهوات النّفس والجسد، وأثر ذلك على مزاجه، وأثرهما معا في وسوسته وأثر هذه الوسوسة في استطراداته الشّعريّة"، كما أنّه اعتمد على هذا المنهج في دراسته لشخصية أبي نواس مفسّرا نفسيّته في ضوء العقدة المرضية والاضطراب العقلي، الّذي جعله يعزز شعوره بأهمّيّته الخاصّة وحاجته للإعجاب المفرط، المعروف بالنرجسيّة – داء العظمة-.
ليتوصّل النويهي من خلال سعيه إلى استنباط الخصائص النّفسيّة ومظاهر السّلوك المتجلّيّة في أشعار هذه الشّخصيّة وأخباره، إلى تفسير عقدة أخرى سببها "اضطرابه الجسمانيّ المتّصل بطبيعة تكوينه، نتيجة لإرهاف في حسّه، وتوتّر في أعصابه، ولرابطة الأمومة الناتجة من تزوّج أمّه بغير أبيه عقب وفاته، ما قاده إلى ضروب من الشّذوذ، وإحساسه نحوها إحساس الولد نحو أمّه"، ليسيرا بذلك على نهج فرويد في تحليلهما النفسي للعمل الأدبي، بتركيزهما على ظواهر العقد النفسية التي يعاني منها الأدباء.
3. خصائص المنهج النفسي:
تتكئ الدراسة النفسية للعمل الأدبي على مجموعة من الخصائص نذكر منها:
- "التكفل بالبحث عن الكيفيّة التي تتمّ بها عمليّة الخلق الأدبي، وطبيعة هذه العمليّة من الوجهة النفسية.
- الكشف عن العناصر الشعورية وغير الشعورية التي تتعلق بعملية الخلق الأدبي وكيفية تركيبها وتناسقها.
- مدى تأثير العمل الأدبي والمبدع على المتلقي.
- تبحث في العلاقة التي تربط بين الصورة اللفظيّة المعبرة عن التجربة الشعورية، وبين تجارب الآخرين سواء كانت هذه الأخيرة الشعورية أو لاشعوريّة".
- البحث في علاقة الأدب بشعور الأديب ومزاجه النفسي، ومحاولة استنطاقها، واستقراء تطوراتها، والبواعث التي ترجّ داخله، وعن دوافعه الشعورية واللاشعوريّة وطريقته في الإدراك والتعبير.
- الكشف عن الصراعات وعن القوانين الخفيّة والمضمرة التي تعمل بها الذّات الإنسانيّة.
- ربط العمل الأدبي بوظائفه النفسية ( علاقة الأدب بنفس المبدع وتعبيره عنها ).
4. مآخذ المنهج النّفسي:
من بين العوامل التي كانت سببا في قصور المنهج النّفسي:
- خروجه عن حدوده المألوفة في تحليله للعمل الأدبيّ، ليستحيل بذلك النقد الأدبي تحليلا نفسيا يجعله في دراسته وتحليله يساوي بين النص الجيّد والرّديء من ناحية الدلالة النفسية، متناسيا وظيفة النقد التي تقوم على تقويم العمل الأدبي من الناحية الفنية، دون أن تبين قيمة جودته الفنية لتنغمر وتتوارى في لجة التحليلات النفسية.
- الإغراق في الانتفاع بالدراسات النفسية التي من شأنها أن تغرق العمل الأدبي في غمار التحليلات النّفسيّة، ليستحيل العمل الأدبي محضرا لجلسة من جلسات التّحليل كما هو مجسد في بغض الأعمال الأدبية الحديثة.
- تجريد الشخصيات من لحمها ودمها، ليجعلها كائنات غير بشرية يحيلها أفكارا وعقدا.
- "تهميش الأدب واعتباره مظهرا للشّذوذ، باستخدام مصطلحات علم النّفس، إذ أصبحت دراسة الأدب ونقده مجرّد هامش موضّح لمنظور علميّ يرتبط بدراسة النّفس الإنسانيّة بتجلّياتها المختلفة، ومجرّد شاهد على بعض الحالات التي توصف بأنّها شاذّة".
-
1. النقد الواقعي "أصوله ونشأته":
يسمّى أيضا النّقد الماركسيّ، ويمكن أن نجد أصوله في مفهوم المحاكاة الأرِسْطي، هذا المفهوم الّذي يؤكّد أنّ الأساس في العمليّة الإبداعيّة الفنّيةّ، هو محاكاة الأشياء والظّواهر المادّيّة والاجتماعيّة في الواقع الإنساني الّذي كان بالنسبة لهم المنطلق، فربطوه بها ولم ينفلتوا عنه، ويعود الفضل في ذلك للنظريّات العلميّة والسياسيّة التي كان لها الأثر الملحوظ في دفع عجلة الأدب باتّجاه المجتمع، لا سيما طبقاته الاجتماعيّة الشعبيّة الدّنيا التي حرمت من وجودها الأدبي، وفي دفع عجلة النقد اتجاه استقراء الأدب من خلال علاقته بالواقع الّذي عدّ محور العمليّة الإبداعيّة وأساسها، والمرآة العاكسة للحياة والممثلة لها. ليعدّ بذلك الأدب والأديب المخوّلان للتعبير عن قضايا المجتمع، فهما يحملان رسالة تربوية تنويرية يقوّما بها سلوكياته وأخلاقياته نحو بناء مجتمع مثالي له حقوق ويؤدي واجبات. ليترتب عن الصلة التي تربط بين الأدب والواقع الاجتماعي علاقة تأثير وتأثّر من خلال التفاعل القائم بينهما، وهذا ما أكّده الناقد والمنوِّر الفرنسيّ ديدرو، الّذي شدّد على ضرورة أن يكون الأدب صورة عن الواقع والمجتمع بقوله: "ابحثوا في حوادث الأزقّة، كونوا مراقبين في الشّوارع والحدائق والأسواق وفي البيت، وعندها ستتكوّن لديكم تصوّرات صحيحة عن الحركة الحقيقيّة في جميع مجالات الحياة"، ليتمكّن بذلك الواقعيون من استيعاب قوانين الحياة والمجتمع الّذي صوّروه تصويرا موضوعيّا عفويا، فعكسوا به واقعهم بتناقضاته ومتغيراته، ليكشفوا عن تلك العلاقات الاجتماعيّة التي يتحدد من خلالها مصير الفرد والمجتمع، ليشكّل تصوير مختلف الجوانب والكشف عن الحقائق الجديدة للحياة خطوة حاسمة نحو تطوير الواقعيّة كمنهج.
وإذا وقفنا على مصطلح الواقعيّة من حيث ظهوره كاتجاه أدبي وكمنهج فنّيّ له مبادئه، فهو يعود إلى الفترة الممتدّة مابين القرن الخامس عشر وبداية القرن الثّامن عشر، غير أنّه لم يعرف الرواج والذيوع والانتشار إلا في القرن التّاسع عشر على أيدي التنويريّين في أوربا، داعين في ذلك إلى ربط الأدب بالواقع الاجتماعي الّذي عبّروا به عن حياة الشعب التي غاصوا فيها وانغمسوا.
وقد عدّ الكتّاب الألمان أوّل من طبّق هذا المصطلح على الأدب من بينهم شيلير الّذي وصف الأدباء الفرنسيين بالواقعيين، وشليجل الّذي رأى أنّ هذه الأخيرة لا تتحقق إلاّ في الشّعر، ليلتقطه النقاد الفرنسيون من بينهم جوستاف بلانشGustave Blanch الذي كانت تعني عنده الوصف الدّقيق للملابس والعادات. ليتحدد مدلولها في منتصف القرن التاسع عشر بعد خصومة نشبت بين النّقاد التّشكيليّين والكاتب القصصي شامفلوري Champflory، الّذي نشر مجموعة من المقالات في مجلّده الموسوم بـ: "الواقعيّة"، إذ اعتبرت كتاباته وكتابات من عاصروه من الإرهاصات التي ساهمت في بلورة هذا المنهج بمبادئه النّقديّة، التي تلحّ على ضرورة تمثيل الأدب للعالم الواقعي تمثيلا دقيقا؛ بدراسته للحياة الاجتماعيّة وعاداتها وتقاليدها، انطلاقا من الملاحظة الدّقيقة والتحليل البعيد عن الذاتيّة. وقد تطوّرت هذه النظريّة النقديّة الواقعيّة على يد كل من بلزاك، ماركس، انجلز وفلوبير الّذي "حاول أن يقاوم الإفراط في العناية بالمضمون الاجتماعيّ للأدب على حساب غيره لا بالغضّ من شأنه، وإنّما بالاهتمام الواعي بالشّكل في نفس الوقت للوصول إلى التوازن الأدبي الضّروري". ليصل صداها إلى نقاد الولايات المتّحد الأمريكيّة على رأسهم هنري جيمس الّذي دعا إلى "دراسة النظام الواقعي الشّهير، موجّها حديثه إلى أحد القصّاصين الشبّان الّذين لم يرهفوا حواسهم بالقدر الكافي لتلقي الواقع"، ليعدّ بذلك من الرواد النظريّة النقدية الأمريكيّة، متأثّرا في ذلك بالواقعيّة الفرنسيّة التي عرفت ازدهارا نتيجة ارتباطها بعاملين: "أوّلها تطوّر جنس القصّة في الأدب الأوروبّي الحديث، والثاني طبيعة التّركيب الفكري والوجداني للشعب الفرنسي". وبما قدّمه عالم الاجتماع والناقد الفرنسي هيبوليت تين، من خلال طرحه لعلاقة الأدب بالحياة الاجتماعيّة، والتي عكس من خلالها دعوته الصريحة إلى محاكاة الواقع، مركّزا في ذلك على ثلاثة عوامل أو مبادئ تنظم العلاقة بينهما والمتمثلة في:
- الجنس: وهو جملة الخصائص الفطريّة التي تنفرد بها مجموعة من البشر ذات الأصل الواحد، ويمكن تلمّسها في التركيب العضوي والنّفسي والعاطفي للفرد.
- البيئة: الإطار الّذي يحيط بالجنس بما يشتمل عليه من عوامل طبيعيّة، اجتماعية وسياسيّة
- العصر: الميول الثّقافيّة العامّة في مرحلة من مراحل التاريخ الأدبي.
ويظهر ذلك في قوله: "إنّ البيئة والظروف العامة للعادات وروح العصر هي العوامل الّتي تحدّد نوع الأعمال الفنّيّة، فلا يبقى منها إلاّ ما يتوافق مع هذه الظروف". أمّا النّقاد الرّوسيّون فقد اتّخذوها شعارا لهم في تحليلهم ونقدهم، ليرفعوا بذلك من قيمة الواقع الاجتماعيّ الّذي تتجلّى أهمّيّته في ارتباطه به، يقول الناقد بيلينسكي:" كان ثمّة عباقرة دوما، لكنّهم في الماضي زيّنوا الطّبيعة وجرّدوا الواقع، أي صوّروا ما ليس قائما وتحدّثوا عمّا لم يحدث، أمّا الآن فيجسّدون الحقيقة والواقع في حقيقتهما، لذا اكتسب الأدب معنى هاما في عيون المجتمع". ليربط هو بدوره الأدب بالواقع الاجتماعي داعيا إلى تمثيله تمثيلا صحيحا يعكس به صورة المجتمع الرّوسي وحياته وطبيعته الإنسانيّة، لأنّ " إسقاط حقّ الفنّ في خدمة المصالح الاجتماعيّة، يعني أن تحطّ من قدره وتفقده قوّته الحيّة"، وهذا ما عبر عنه دوبرو ليوبوف بقوله أنّ" عظمة الفنّان أو الأديب تكمن في استطاعته الدّخول إلى عمق الموضوع الواقع والإحاطة به، وتقديم نماذج إنسانيّة حيّة"، وعليه فإنّ مهمّة الأدب والأديب بالنسبة للناقد تكمن في التعبير عن حقيقة الواقع والغوص في أعماقه، بأن يحيط به وبكل جوانبه وفئاته بموضوعيّة، مع تقديم نماذج إنسانيّة حية يمثّل بها هذا الواقع يؤثر بها في المتلقي، وهذا ما أكّده في قوله:" تشعر بعد قراءتك الرواية، أنّه قد أضيف شيء جديد في مجال تفكيرك، وإنّه قد انطبعت عميقا في نفسك صور ونماذج جديدة، وتظلّ هذه النّماذج تلاحقك مدّة طويلة تغريك بالتّفكير فيها، وبفهم أهمّيّتها وعلاقتها بحياتك الخاصّة، بطباعك وميولك". ومن العوامل التي ساعدت على ازدهار الواقعيّة بالإضافة إلى ما سبق ذكره: الثورة على المستعمر والواقع البرجوازي الرّأسمالي الاستبدادي الذي سيطر على الإنسانية، ما دفع بالكتاب إلى الدعوة إلى النضال بالتمرد عليه، ليستقرئ النقد الواقعي ذلك الفن المستوحى من تجارب مستمدة من معضلات العصر وآفاته الاجتماعيّة من خلال العلاقة التي تربط بينه وبين الواقع، نحو نقد ممنهج من شأنه الكشف عن القيم التي يحملها النص الأدبي نفسية، تاريخية، اجتماعية، فكريّة.
2. الاتّجاه الواقعي في النّقد العربي الحديث:
عدّ النقد الواقعي في الوطن العربي في النصف الثّاني من القرن العشرين -في أعقاب الحرب العالميّة الثانيّة- من أهم وأغزر وأبرز الحركات النقدية الأوسع انتشارا والأبعد أثرا، لتفاعله مع مختلف الأجناس الأدبية العربية الحديثة خاصة الرواية[13]، لينشأ في الشام على يد طغمة من النقاد الّذين دعوا هم بدورهم إلى تمثيل الفنّ للواقع والمجتمع، أدب يعكس به نزعته الإنسانيّة والظروف الاجتماعية والتاريخية التي أحاطت بهذا المنتوج، بما فيه شخصيّة الأديب والعوامل التي أسهمت في تكوينه نذكر منهم:
v رئيف خوري: وهو يعدّ من أهمّ النّقّاد اللبنانيين الواقعيين الّذين عالجوا "العديد من المسائل الأدبيّة والنقديّة الجماليّة من منظور النّقد الواقعي، فتناول بالنقد جملة من الشعراء العرب والمحدثين مبيّنا القيمة المعرفيّة والاجتماعيّة لأشعارهم، علاوة على القيمة النّضاليّة لها". مركّزا في مجمل نشاطه النقديّ الواقعيّ على الأساليب الفنّيّة من منطلق أنّ أصول الصّنيع الأدبي" مرجعها البراعة في انتقاء اللّفظ لمواضعه، وفي سبك الجمل بحيث تبلّغ المعنى بقوّة ونصاعة، وفي إتقان قواعد الفنون الأدبيّة"، ملتزما بمبادئ الواقعيّة التي تربط الشّكل بالمضمون ربطا عضويّا، فالأدب لا يعدّ أدبا إذا فصلنا بينهما ورجحنا الواحد عن الآخر حسب رأيه. ومن الدراسات التي طبق عليها منهجه الواقعيّ: تحليله لقصيدة أبي تمام التي حاول من خلالها ربط طريقته في التصوير البياني الّذي أكسب قصيدته الغموض والتعمية بقضايا الواقع، إلا أنّه استطاع أن يعكس به الكون والمجتمع من خلال التناقض والصراع لتحتسب له كمزيّة، بحكم أنّه أكسب القصيدة قيمة فنّية من ناحية، ومكّنه من إيصال أفكاره للمتلقي عن طريقها، باعتبارها وسيلة من وسائل التعبير عن رأيه ورؤيته للمجتمع وواقعه بفوارقه الطّبقيّة من ناحية أخرى،" فالأدب أو الفنّ بغير القيم الجماليّة والفنّيّة لا يفقد طابعه المميّز فحسب، بل يفتقد أيضا فاعليّته وتأثيره، لأنّ تلك القيمة الفنّيّة والجماليّة هي الّتي تفتح أمامه العقول والقلوب"، ويظهر ذلك في قوله:" إنّنا لا نجد شاعرا عربيّا كأبي تمام استطاع أن يرى الأكوان بعضها من خلال بعض، أو بعضها مرآة لبعض. وما لم تفهمه في هذا الضّوء فَاتَنا الكثير من سحره وروعة فنّه، فأبو تمام لم يلجأ إلى الطّباق ألهُوَّة يتلهّى به، لكنّه عمد إلى ذريعة بيانيّة جلا بها حقائق هي وقائع لا مفرّ منها على بروز التّناقض فيها..، كذلك لم يلجأ أبو تمام إلى التّشابه والاستعارات والكنايات ألاعيب يكشف بها عن مهارة، لكنّه اخترق بإحساسه وفهمه مظاهر الأكوان". ليساهم بتطبيقاته وآرائه النقدية ترسيخ الأسس النظريّة التي يقوم عليها النّقد الواقعي مدافعا فيها عن الأدب والأديب، معتبرا الأدب رسالة هادفة موجّهة لخدمة الشعب لا سيما الطبقة الكادحة؛ هو أدب النّاس جميعا لا الخاصّة كما ذهب إليه طه حسين، مرتكزا في ذلك على ما خلّفه هذا المنتوج في نفس المتلقي لما يحمله من معايير وقيم ومثل إنسانية نابعة من فكره وواقعه البيئي. فالشاعر حسب رأيه لم ينعزل عن المجتمع بل تجاوب معه في ممارسته الأدبيّة والإبداعيّة، مستعينا في ذلك بأدوات التعبير في تصويره الفني، إذ كانت بالنسبة له السبيل في تجسيد الواقع بتناقضاته وصراعاته التي مست ظروف الحياة والإنسان باعتباره ظاهرة من الظواهر الاجتماعية، ما جعله يستعين بالمنهج الواقعي في تحليله للمجتمع.
v محمد مندور: وهو من النّقّاد الّذين دعوا إلى أن يكون الفنّ للحياة، قصد تحفيز الهمم وإيقاظ الضّمائر الإنسانيّة بالتزامه بقضايا عصره، مؤكّدا على ضرورة أن يكون النقد والأدب قائدان للحياة لا صدى لها. فالنقد الواقعي أو "النقد الأيديولوجي" على حدّ تعبيره يناصر"عدّة قضايا أدبية وفنّيّة كبيرة مثل قضيّة الفنّ للحياة، وقضيّة الالتزام في الأدب والفنّ الهادفين، وقضيّة الواقعيّة في الأدب والفنّ، وتفضيل الأدب أو الفنّ القائد على الأدب أو الفن الصدى، ومن الواضح أنّ كلّ هذه القضايا ترتبط بواقع الحياة المعاصرة ومعاركها".
3. وظائف المنهج الواقعي:
لخّص محمد مندور وظائف المنهج الواقعي في النقد في ثلاث مهام وهي كالتالي:
- تفسير الأعمال الأدبيّة والفنّيّة، وتحليلها مساعدة لعامة القراء على فهمها، وإدراك مراميها القريبة والبعيدة، وفي هذه الوظيفة يعتبر النقد عمليّة خلاّقة قد تضيف إلى العمل الأدبي أو الفني قيما جديدة.
- تقييم العمل الأدبي والفنّي في مستوياته المختلفة، أي في مضمونه وشكله الفنّيّ، ووسائل العلاج كاللغة في الأدب..، والتلوين..، في التصوير مثلا، وذلك وفقا لأصول كلّ فنّ مع مراعاة تطوّر تلك الأصول عبر القرون.
- توجيه الأدباء والفنّانين إلى..، قيم العصر وحاجات البشر ومطالبهم وما ينتظرونه من الأدباء والفنّانين..، دون خنق العبقريات أو حرمانها من الحرّيّة التي لا تصلح الحياة ذاتها بدونها.
4. مبادئ الواقعيّة:
يمكن أن نجمل مبادئ النقد الواقعي انطلاقا مما سبق ذكره فيما يلي:
- إنّ الواقعيّة تؤمن بالإنسان على أنّه كائن يميل إلى حياة حرّة سعيدة.
- تنادي الواقعيّة بوحدة الشّكل والمضمون والوحدة العضويّة.
- الاستعانة بالرموز والأساطير للتعبير عن الواقع دون تضخيم أو تعسّف.
- يرتكز على منطق العصر وحاجات البيئة ومطالب الإنسان المعاصر، فالأدب والفن لم يعودا مجرد تسلية أو هروبا من الحياة بل هو تجسيد للواقع؛ لتجربة حيّة معاشة تشغل المجتمع والإنسانيّة.
- تسخير الأدب والفنّ للحياة ومعالجة القضايا التي تتعلّق بالمجتمع ومصيره، قصد تطويرهما نحو الأفضل بالتزام الأدباء واستجابتهم لحاجات العصر بشكل عفويّ تلقائيّ؛ باستنهاضهم للهمم و إيقاظهم للضمائر الإنسانيّة.
- عدم اكتفائه بالموضوع المطروق ليتجاوزه إلى المضمون، وما يتضمّنه من أفكار ووجهات نظر، فالموضوع الواحد قد يتناوله أديبان تختلف عندهما وجهة النّظر وطريقة المعالجة والطرح.
- غلبة النزعة الإنسانيّة والتفاؤليّة على الأدب الواقعي، فظلام الواقع رغم آلامه لا بدّ أن ينتهي ويشرق المستقبل.
- محاكاة الأدباء الواقع بلغتهم التي يعبّروا بها عن أفكارهم وآرائهم وتطلعاتهم، وحتى ثورتهم انطلاقا من تجاربهم التي يعكسوا بها الفكر الجمعي، لتصبح روح العمل الأدبي مرآة وتجسيدا للواقع انطلاقا من المادة التي يستقيها منه.
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالثالمحاضرة الحادية عشر: النقد الجديد
1. النّقد الجديد New Criticism الأنجلوسكوني:
1.1 نشأته وأشهر رواده من النّقاد الغربيين:
تعود بدايات مدرسة النّقد الجديد لثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وهي"تسمية أطلقت على الحركة النّقديّة الّتي ظهرت عقب أفول الاتّجاه الشّكلانيّ – في الثّلاثينيات- متّخذة من جامعات الجنوب الأمريكي مركزا لها"، وكمصطلح ظهر لأوّل مرّة مع ظهور كتاب جون سينجارن النّقدي الذي حمل نفس التسمية الصادر عام 1911.
لتناهضَ هذه المدرسة التّيّار التقليدي الّذي يقوم على مقاربة النّص مقاربة سياقية، بتبنّيه تلك المناهج التي تعنى بالدراسة الخارجيّة للنص الأدبي -المنهج الاجتماعي، التاريخي، النفسي..- وتناقضَه نظرا لعدم اهتمامه بالكيان اللغوي للنص الأدبيّ، و بأبعاده الفنّيّة والجماليّة التي يتضمّنها، لتشكّل بذلك البدايات الأولى للمقاربة النّصّانيّة للنصّ الأدبي.
وقد ضمّت هذه الحركة النقديّة عددا من النّقّاد البارزين نذكر منهم رائدها "جون كرورانسوم John Crowe Ransom، الّذي جعل من هذه المدرسة عنوانا لكتابه"النقد الجديد" الّذي صدر سنة 1941، وكان يعني بها أعمال النّقّاد الّذين ينتمون إلى حركة الحداثة وقتئذ كـ: توماس إليوت Thomas Eliot..، وتلميذه آلان تيت Allen Tate الّذي استطاع أن يبلغ بأفكار أستاذه رانسوم غايتها مستقطبا اهتمام النّقّاد، ثمّ ما لبثت أن عدّت تسمية أطلقت على أتباعهم- وهم نقّاد هذه الحركة- وعلى ما أنجزوه من دراسات، نذكر منهم كلينث بروكسBrooks Kleanth ، و روبرت بان وورن Robert Peen Warren الّذي سعى إلى " إعادة تقييم التّراث الأدبي الأمريكي واكتشاف مناحي الجمال فيه، ليشكّل بنقده لبنة جديدة في صرح النّقد الجديد"، وكذا بالمير بلاكمور P.Blekmorو ريموند ليفيز R.Leavis و إ. أ. ريتشاردز Ivor Armstrong Richardsالّذي كان يدعو من خلال ممارسته النقديّة التطبيقيّة ودراساته التحليليّة إلى نبذ قصديّة المؤلّف أو الناصّ، مصرا في ذلك على الاهتمام بالأسلوب الفنّيّ وكلّ ما يؤدّي إلى المحتوى المتحقّق، وذلك باعتماده على تطبيقات نقديّة حاول من خلالها رصد استجابة طلاّبه لنصوص شعريّة يجهلون مؤلّفها وعصرها، بتصرف منه تجعلهم لا يعرفون ناظمها ولا حقبتها الزمنية حتّى لا يقعوا في القصديّة والتأثيريّة التي من شأنها أن تبعد القارئ الناقد عن النص، ساعيا من خلالها تثبيت فكرة التحليل اللغوي للإبداع الأدبي باعتباره هدف في حدّ ذاته، ما دفع بالناقد رتشاردز إلى اللّجوء إلى المغالطه القصديّة التي سعى من خلالها تجاوز الناص إلى المتلقي، حتّى يُدخل هذا الأخير عالم اللغة، بعدما حرره من سلطة المؤلّف ورقابة معانيه. كما لجأ إلى المغالطة التأثيريّة التي فصل بها بين ماهية النّصّ وتأثيره على نفسيّة المتلقّي حتّى لا يقع القارئ في هوّة النّقد الانطباعي التأثيريّ، وهذه الطريقة - المغالطة القصدية والتأثيريّة- مكّنت تلاميذه من فهم النّصّ وتأويله منطلقين في ذلك من النص بحدّ ذاته، ومن القراءة التي قدّمت لهم فهما عميقا لهذا الأخير، بعيدا كل البعد عن السياقات والبواعث النفسية التي أحاطت به.
ومن التسميات الّتي أطلقت على هؤلاء النّقاد الأمريكيين:
- النّقاد الجنوبيّون: نسبة لاتّخاذهم من جامعات أمريكا الجنوبيّة مركزا لهم.
- النّقاد الرّيفيّون: لأنّ معظم أقطاب النقد الجديد، كانوا شعراء أو موظفين في مراكز تدريسيّة نائية.
- النّقاد المهاجرون: بحكم أنّ الحركة ارتسمت في نهاية الثلاثينيات استراتيجيّة، تبتغي التّرسيخ الأكاديمي للنقد الجديد في شكل هجرة مهنيّة.
ليستقروا بعدها على تسمية النّقّاد الجدد نسبة لحركتهم النّقديّة.
وقد عدّت هذه المدرسة من التيارات النّقديّة الّتي انبثقت عن علم اللّغة، مهتمّة في ذلك بالبنية النّصّيّة التي لم تتجاوزها ولم تحد عنها في مقاربتها للنّصّ الأدبيّ، الّذي اعتبرته كيانا لغويّا مستقلا مكتفيا بذاته؛ تدرسه لذاته وبحدّ ذاته، معلنة رفضها للمقاربة النّقديّة السياقية التاريخيّة، الاجتماعيّة والبواعث النّفسيّة التي أحاطت بهذا الإبداع الأدبي، فدرسته دراسة داخليّة محايثة، معتبرة النّصّ حلقة مغلقة منه تنطلق في دراستها وإليه تعود، لتجعل منه محورا "ومدارا نقديا"؛ هو نقطة البدء والمنتهى في مقاربتها النقدية بعيدا عن المرجعيات الخارجيّة الّتي أنتجت هذا الأخير." ليتيح هذا المنهج إضاءة العمل الأدبيّ من داخله إضاءة حقيقية وذات قيمة"، بعزله عن الحياة؛ عن المبدع وعن السياقات التي أنتجته لتدرسه دراسة داخليّة "انطلاقا من معطياته الذاتية..، بغضّ النّظر عن أيّ عنصر خارج عنها، ويكتفي..، بفهم الأوّليّات الخاصّة بتركيب المعاني، أو بانتظام صيغ التعبير. وعليه يمكن القول إنّ مجال هذا التّيّار يكاد يتحدّد في قطبين رئيسيين: عالم المعاني أو مضمون النّصّ، وعالم المباني أو الأسلوب المعتمد لتأدية الغرض الّذي جاءت هذه النّصوص من أجله". متجها في ذلك إلى عناصره اللغويّة والجماليّة الداخليّة باعتباره تشكيلا لغويا يحتاج لمثل هذه المناهج، لاستكناه دلالاته المتعددة التي لم يصرّح بها النصّ مبراز قيمته الفنية والجماليّة، التي من شأنها أن تكسب النص تلك اللّذة والمتعة لتعلن بذلك تميزها عن التيار الماركسي، متمسّكة في ذلك بمبدأ أدبيّة الأدب، إذ أنّ متبنّيه اهتّهموا "بتقطيعهم أوصال العمل الأدبي لتركيزهم على خيط واحد، هو القالب الأدبي وعزله عن بقيّة خيوط النّسيج ومعاملته على أنّه النّسيج كلّه"، بوقوفهم على ملامحه الفنّيّة.
2. عوامل ظهور مدرسة النقد الجديد:
يرجع عدد من النّقّاد ظهور هذه الحركة الأنجلو سكيونيّة إلى ما يلي:
- "ضرورة إيجاد تفسير وتحديد سمات الأعمال الحديثة- في ذلك الزّمان والمكان-.
- استخلاص نظريّة عامّة تضمّ التّوجّهات الأدبيّة الطليعيّة وتعميمها
- توطيد مصطلحات النّقد الجديد ومفاهيمه التي أصبحت جزءا من معجم النّقد الحداثي فيما بعد، وذلك باهتمامها..، بلغة النّصّ، وتكوين الأعراف الّتي تحدّد وتفسّر النّغمة الأسلوبيّة والصّوت الشّعري..، وفعاليات الاستعارة والرموز وتكوينها السّياقي".
- "استجابتها لتلك الأفكار الّتي "بشّرت بها بعض الأعمال النّقديّة المهمّة للنّاقدين المعروفين روبرت جريفز..، الّذي تجلّت جهوده النّقديّة في تكريسه مفهوم القراءة الجيّدة، وفي عنايته الواضحة بما سمّي أكثر المعاني صعوبة، وجعلها محور اهتمامه..، في منجزاته النّقديّة".
3. أسس النّقد الجديد:
تتلخّص مجمل أسس وخصائص النقد الجديد فيما يلي:
- رفض الفصل "بين الشّكل - المحتوى المتحقق- و المضمون باعتبارهما وحدة كلّ أثر شعري حقيقي ولا يمكن إدراكهما منفصلين، كما تقول بالوحدة العضويّة بينهما"، وهذا ما دعا إليه محمد عناني باعتبار أنّ الأعمال الفنّيّة كائنات عضوية؛ نامية متكاملة لا نستطيع بتر جزء منها [14]، فهما متلازمان متواشجان لا يمكن الفصل بينها، "فالقلب والقالب هو التعبير السائد من قبل عن هذه المسألة، ثمّ انتقل على يد المفكرين المحدثين إلى الشّكل والمضمون، وهي القضيّة نفسها التي تناولها ابن رشيق حين عرض للعلاقة القائمة بين اللفظ والمعنى، وبيّن أنّهما كالروح والجسد، فإذا فصل أحدهما عن الآخر قضي على الحياة فيهما معا".
- اتّخاذه من القراءة الفاحصة أداة لتحليل البنية النّصّيّة للعمل الأدبي؛ في تراكيبه اللّغويّة والنّحويّة ومجازاته وصوره و رموزه وإشاراته؛ بالتركيز على العناصر الجوهريّة للنص.
- "النص كيان فنّي يقتضي دراسة لغوية جمالية وهذا ما أشار إليه محمد الرّبيعي بقوله: إنّ العمل الأدبيّ تكوين جماليّ لغويّ إيقاعيّ يعادل الحياة...، مدخلي إلى نقد العمل الأدبي مدخل لغويّ، وأنا من المؤمنين بأنّ العمل الأدبي إنّما هو بناء لغويّ، ونجده يؤكّد ذلك بقوله أيضا: أنا أفكّر باللغة، وأحسّ باللغة.
- الدّعوة إلى التحليل ونبذ التقييم، ذلك أنّ التحليل يتيح لنا رؤية الكثير واستيعاب الغريب، أمّا التقييم فكثيرا ما يجعلنا نركز على جانب دون الآخر، معتمدين في ذلك على معايير غير أدبية".
- ارتكازها على الوحدة المتجانسة للصّنعة الفنّيّة، وعلى أهمّيّة الأسلوب.
- استبعاد علاقات العمل الفنّي بالحياة، باعتباره بنية مستقلة عن السياقات والعوامل الخارجيّة التي أحاطت بإنتاجه، والتقليل من نظريات المحاكاة، ومن أهمّيّة كلّ فكرة ترى أنّ قيمة الفنّ العليا تكمن في أمانة تصويره للعالم الخارجيّ أو الواقعيّ.
- دفع القارئ إلى سبر أغوار النص والانغماس فيه، برصد جماليته لينفتح على لغة النص مستغرقا في معطياته لبلوغ أعماق تراكيبه وأساليب تعبيره وألفاظه، وتتبع إيحاءاته ليلملم أبعاده ودلالاته.
4. أثر النقد الأنجلو ساكسونيّة في النّقد العربيّ:
كانت البيئة العربيّة وقت ازدهار واكتساح النّقد الجديد السّاحة النّقديّة العالميّة في تواصل مع العالم الخارجيّ، لتتأثّر كباقي البيئات بهذا التّيار المستورد الوافد من الغرب، الّذي عرفه العرب مع نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات ليشهد التطور منذ السبعينيات، ومع بداية القرن الواحد والعشرين عرف انتشارا واسعا تجلّى في الدراسات والكتب والإنجازات المتعددة. فهذا الأخير جاء حاملا معه مبادئ وأسس جديدة لم يعهدها العرب في مناهجهم التّقليدية التي ترتكز على المرجعيات التاريخية والاجتماعية والنفسية للأدب، ما جعل بعض النقاد يقابلوه بالرفض، في حين أنّ البعض رحّبوا به وتبنّوه وحملوا لواءه نذكر منهم لويس عوض، مجدي وهبه، الناقد الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، رشاد رشدي..إلخ. وهذا الأخير يعدّ من النقاد الّذين تغلغلوا في الثّقافة الإنجليزيّة وتشرّبوا معارفهم وآراءهم النقدية من منابع النقد والنقاد الإنجليز ابتداء بإليوت، فكرورانسوم وكلينيث بروكس، محاولا بثّ ما تلقاه في جامعة إنجلترا في بلاده، بدعوته إلى تبنيّ منهج النقد الجديد الّذي ينادى بضرورة الاهتمام بمضمون الإبداع الأدبيّ، باعتباره بنية لغوية مغلقة تتطلّب استقصاء أصوله الفنّيّة، ليكون بذلك أول من زرع بذرة النقد الجديد في الوطن العربيّ، من خلال نشره لمجموعة من الكتب (ماهو الأدب، مقالات في النقد الأدبي، فن القصة القصيرة..). إلا أنّ بعض النّقّاد المصريين خالفوه وعارضوه معلنين رفضهم لمنهجه الّذي عدوه دخيلا على الأدب، ونظرا لتمسّكه بهذه الحركة الجديدة وبآرائه النقدية التي خرج بها عن المعتاد والمألوف لقب "بالناقد العنيد"، فخاض " معركة ضارية مع النقاد التقليديين على رأسهم محمد مندور وسلامة موسى"، وفي كلتا المعركتين كان يؤكّد رشاد رشدي "أنّ وظيفة النقد، أن يرى العمل الفنّي كما هو على حقيقته، لأنّ العمل الفنّي ليس تعبيرا عن المجتمع أو عن الكاتب، أو عن التاريخ، أو عن البيئة، أو عن أيّ شيء آخر، بل هو خلق عالم موضوعيّ كائن بذاته..، ومهما كانت الصّلات الأولى بين هذا العالم الموضوعيّ وهو العمل الفني، وبين العالم الخارجيّ، وهو تجربة الفنان، فإنّ هذه الصّلات قد انقطعت بمجرّد أن تمّت عمليّة الخلق، إذ بتمام هذه العمليّة يصبح العمل الفنّيّ كائنا له كيانه المستقل". فاستطاع بذلك أن يؤسس مدرسة النقد الجديد بعد التفاف تلاميذه حوله الّذين اضطلعوا بتقديم النظريّة النقديّة الجديدة لدى النقّاد الغربيين الجدد عبر سلسلة كتيبات نذكر منهم: محمد عناني " النقد التحليلي"، سمير سرحان ومحمود الربيعي " النقد الموضوعي"..، كما نجد هذه الجهود عند الناقدة اللبنانيّة روز غريب (النقد الجمالي)..، و هكذا فإنّ ما عرف في نقدنا المعاصر باسم المنهج الفنّي يمكن أن يكون صدى عربيا مباشرا لمدرسة النقد الجديد الأنجلو أمريكي، بغض النظر عن التسميات المنهجيّة الفرعيّة التي يطلقها كلّ ناقد على ممارسته النّقديّة الخاصّة، كالنقد الموضوعي لدى سمير سرحان ومحمود الربيعي ، النقد التحليلي لدى محمد عناني، والتحليلي اللغوي الاستاطيقي لدى مصطفى ناصف، والنقد الشّكلي والتشريحي.
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالثالمحاضرة 12-13-14: القضايا النقدية: الصدق الفني، الخيال الجنس الأدبي
1. الجنس الأدبي:
1.1 أصل الأجناس الأدبيّة L origine des genres litteraires:
عرفت الأجناس الأدبيّة بتنوّعها وتعدّدها وذلك حسب مؤلّفها أو بنيتها الفنّيّة والدلاليّة والوظيفيّة والعصر الذي ظهرت فيه، و قد تميّز كلّ جنس بخصائصه وأسسه ومقوّماته التي جعلته يتفرّد عن بقيّة الأجناس الأدبيّة الأخرى، إذ لا يمكن لأديب أو ناقد أن يتغافل عنها باعتبارها معيارا من معايير تصنيف النصوص ودعامته الأساسية في التأليف أو النّقد، إذ يتعذّر على هذا الأخير فهمها وتفسيرها وتفكيكها وتركيبها، إذا لم ينطلق من مكوّناتها -الأجناس الأدبيّة- التي يرتكز عليها في دراسته وتحليله لها وتقويمها.
وقد عرفت هذه الأجناس بعدم ثباتها وتحوّلها،" فالأجناس الأدبيّة تأتي من أجناس أدبيّة أخرى، والجنس الجديد هو دائما تحويل لجنس أو لعدّة أجناس أدبيّة قديمة، عن طريق القلب أو الزّخرفة أو التّوليف"، ليفقد طابعه الّذي كان يعدّ جوهريّا فيه قبل ذلك، فقد كانت المسرحيّة في النقد الكلاسيكيّ شعرا، ثمّ صارت في العصر الحديث نثرا، شأنها شأن الملحمة قبل أن تموت في العصر الحديث، فالأدب حسب الدارسين متجدّد لا يستقرّ على حال، وهذا ما أشار إليه أندريه جولزAndre Jolles الّذي يقول " بأنّ الأشكال الأدبيّة المركّبة تتطوّر من وحدات أبسط..، والأجناس الأوّليّة أو البدائيّة..، بمزجها نصل إلى أجناس أخرى كالأقصوصة، الأسطورة..إلخ"، وهذا ما أكّده شكلوفسكي Shiklovsky وهو أحد الشّكلانيين الروس من خلال تناوله العلاقة التي تجمع بين الأنواع الأدبية البدائية – الأدب الشعبي والشّفهي- وبين الأشكال الأدبية المتطوّرة بقوله: " إنّ الأشكال الأدبيّة ما هي إلاّ تقنين ورفع لأنواع متدنّيّة – دون الأدبيّة-". وأوّل من اعتدّ بالأجناس الأدبيّة أساسا لنقده: أفلاطون الّذي ميّز بين السرد والحوار، فأرسطو الّذي تميّز عمّن سواه بتوفيقه بين الخصائص الفنّيّة وطبيعة الجنس الأدبي من خلال كتابه "فنّ الشّعر" الّذي عدّ الأساس الثابت لنظريّة الأجناس، معتبرا إيّاها كائنات حيّة عضويّة، تتوقّف عن النموّ بمجرّد بلوغها حدّ الكمال والاستقرار، ليعود الفضل لهما في تمييز الأجناس الشّعريّة الأساسيّة والجوهريّة الثّلاثة: الشعر المسرحي حيث يكون فيه الشاعر غائبا ليترك المجال لشخصياته، الشعر الملحمي يؤدّي فيه الشاعر دور المتحدّث، أو يعتمد فيه على الحوار المباشر بلسان شخصياته، والشعر الغنائي الّذي يعكس به الشاعر ذاته وشخصيّته.
2.1 النظرية الكلاسيكيّة والحديثة ودورهما في التمييز بين الأجناس الأدبية:
وإذا وقفنا على النظريّة الكلاسيكيّة وقارناها بالنّظريّة الحديثة في تمييزها للأجناس الأدبيّة، نجد أنّ النظريّة الكلاسيكيّة تنظيميّة إرشاديّة، ليست مبنيّة على اختلاف الجنس الأدبي في الطّبيعة والقيمة عن الجنس الآخر فحسب، بل ترى ضرورة الفصل بينهما بعدم المزج بينهما، وهذا المبدأ الشّهير يعرف بنقاء الجنس Genre Tranché، فكلّ جنس أو فنّ إلاّ وله خصائصه، وجانب من اللّذّة الّتي يثيرها في المتلقّي. كما أنّ لهذه النّظريّة تمييزها الاجتماعيّ للأجناس الأدبيّة؛ فالملحمة والمأساة مثلا تتناولان الموضوعات المتعلقة بالملوك والنبلاء، والكوميديا تتناول موضوعات تتعلق بالطبقة الوسطى(أهل المدينة والبرجوازيّة)، أمّا الأدب الهزلي الساخر فهو موجّه للعامّة، كما أنّها تميّز شخوص المسرحيّة- فكل نوع إلاّ وله ما يلازمه في مبدأ اللياقة ( التقاليد الطّبقيّة)-، إضافة إلى ذلك فهي تفرّق بين الأساليب وفنون القول منها الرفيع والمتوسّط والأدنى، حريصة كلّ الحرص على الترتب الهرميّ لهذه الأجناس الّذي نجده يرتكز على مجموعة من العناصر نذكر منها: طبقة الشّخوص، الأسلوب، الطّول، الحجم، وجدّيّة اللّهجة. أمّا نظريّة الأجناس الحديثة فهي نظريّة وصفيّة، لا تضع حدّا للأنواع الممكنة، ولا تضع قواعد للكتّاب، كما أنّها ترى إمكانيّة المزج بين الأنواع التّقليديّة مثل "التراجيكوميديا: المأسملهاة Rragicomedy. وهذا ما كان من الرومنطيقيّين العرب الّذين حاولوا "دمج بعض الأجناس الأدبيّة الغربيّة في الجنس الشّعري، فكتب بعضهم في الشّعر القصصي عوض القصّة وهذا كثيرا ما نجده عند خليل مطران، وعند العقاد و أبي شادي وشكري الّذي أقام الدّليل الواضح على هذا الدّمج حين أضاف إلى عنوان قصيدته: الشعر وصورة الكمال (القصّة)، كما أقدم بعضهم على إدخال بعض عناصر الفنّ المسرحي في القصيدة الشّعريّة..، ليصبح النّصّ الشّعريّ حوارا بين طرفين بحسب الدّور المسند إلى كلّ منهما "، وقد لاقت هذه الأجناس الأدبيّة الجديدة القبول من قبل الشّعراء أمثال الشابي وميخائيل نعيمة اللّذان تمثّلاها في قصائدهم.
وعليه فقد كان لترجمة الآداب الغربية في القرن التاسع عشر الأثر الكبير على الثّقافة العربية، التي استلهمت من تياراتها الأدبية أجناسا أدبية جديدة منها الرواية القصة والمسرحيّة، " وهي أجناس ما عرفها العرب من قبل أو قل هم ما ألّفوا بمثل ما استقامت به عند الغربيين من أصول ثابتة وقواعد متداولة". ففي مجال القصّة برز جبران خليل جبران بمؤلّفه "الأرواح المتمرّدة"، وفي مجال المسرح ميخائيل نعيمة"الآباء والبنون" إذ أنّه استطاع أن يجد حلا لمشكلة اللغة المسرحيّة، بأن جعل الشخصيات المتعلمة تتكلم الفصحى وغير المتعلّمة تتكلّم العربيّة الدارجة"، و برز أيضا في مجال الرواية بروايته" مذكرات الأرقش". كما ظهرت أجناس أدبية أخرى تمثّلت في الترجمة الذّاتية التي يفسّر في ضوئها الأدب وسيكولوجيّة الأديب، إذ نجدها "تتحدّد بهويتين اثنتين: هوية الكاتب مع السارد، تلخّصها أداة التّصوير الذّاتي التي تسمح بتمييز السيرة عن السيرة ( البيوغرافيا) أو عن المذكرات، وهوية السارد مع الشخصيّة الرئيسيّة التي تفصل السيرة الذاتية والمذكرات عن الرواية، حتّى لو كانت هذه الأخيرة مستمدة من حياة الكاتب، إنّ هذه الهويّة تفصل إجمالا جميع الأجناس الإحاليّة أو التاريخيّة عن الأجناس التخييليّة". وقد عرفت باسم فن السيرة أو الترجمة الذاتية "اليوميات، المذكرات و الرسائل"، وهذه الممارسات الإبداعيّة كانت نتيجة لظروف جعلت الأدباء ينصرفون إلى ذواتهم ومجتمعهم، من ذلك مذكرات ورسائل الشابي، إلاّ أن هذه المحاولات لم تبلغ من الكمال والاتساع والتطوّر والنضج الفني ما بلغته الأجناس الغربية مقارنة بالشعر الّذي جاد فيه الشعراء وأبدعوا، وهذا ما عبّر عنه ميخائيل نعيمة في حكمه على قصص جبران خليل جبران بقوله: " كان فنّ القصّة في الأوج عند الفرنجة، وجنينا عندنا أيّام انبرى له جبران، ولكنّ الحياة ما أعدّته لذلك الفنّ، فلم يبدع فيه ولم يحلّق، وأعدّته لفنون أخرى فأبدع فيها وحلّق".
2. الصدق الفنّي:
يعدّ الصّدق الفنّيّ مقياسا من مقاييس النّقد الأدبيّ، وهذا الأخير يعكس صدق التجربة الحيّة عند الأديب بانفعالاته وخلجاته ومشاعره العميقة التي يحسها في نفسه نتيجة تأثره بعوامل ومؤثّرات، ليبعثها في نفس المتلقي ويبثّها فيه، إنّه" ينبعث عن سبب غير زائف ولا مصطنع، حتى يكون عميقا، يهب للأدب قيمة خالدة"، فالأديب لا يستطيع أن" يعرض عواطفه القويّة أو بعثها في نفوس قرّائه دون أن يحسّها في نفسه قويّة، ثمّ يتنفّس عنها بهذا الأدب القويّ التأثير، والشّاعر لا يبكيك إلاّ إذا استنفذ ماء شؤونه، ولا يجيشك إلاّ إذا استطار الهوى بلبه. والعامل الفذّ للظّفر بالسلطان العاطفي على القارئ، هو انبعاث الشّعر والنّثر عن نفس منفعلة صادقة الشّعور". فالشاعر الحقّ هو من يشعر ويشعر على حدّ تعبير العقاد، هو الّذي يعكس بمشاعره وعواطفه القويّة واقعه بمواقفه مستعينا في ذلك بأسلوبه التخييلي الّذي يعبّر به عن الحقيقة، حتى يوقظ به العواطف ويثير به الأفئدة. إنّه تعبير فنيّ يصوّر به" آلام الإنسانية؛ ذلك التّصوير الّذي يعدّ مصدرا خصبا للفضائل النّفسيّة، وللنّصوص الأدبيّة السّامية"، وهذا ما أكّده رسكنRuskin في تعريفه للشّعر بقوله:" الشّعر هو اقتراح الخيالِ البواعثَ النّبيلة للعواطف النّبيلة". ليعكس بذلك الصدق الفني والعاطفيّ صدق التجربة الوجدانية، التي يعكس بها تجارب الإنسانيّة التي استقاها من محيطه وواقعه الاجتماعيّ بتناقضاته وصراعاته قصد معالجتها.
ويقصد بالصّدق هنا" تلك الصّفة الّتي تجعل الأديب ينقل إلينا العلائق وما يرتبط بها من مشاعر نقلا أمينا، تتضح فيه بواعثنا البشريّة ونوازعنا الوجدانيّة"، ليبلغ بذلك إحساس المتلقّي" فالفضل لا يرجع إلى القالب أو اللفظ كما يبدو في الظّاهر، وإنّما يرجع إلى القدرة الفنّيّة العامّة الّتي تنبع من الأحاسيس أو المعاني نفسها". وتتلخص شروط الصدق الفني والعاطفي في مايلي:
- أن يلم بنفس الشّاعر، ومبعث هذا الصدق صدق التجربة النفسية الصادقة والموحية التي ينطلق فيها من أحاسيسه، وانفعالاته ومواقفه تجاه الحياة والكون والطبيعة، تجاه الذات المبدعة والذّات الإنسانيّة التي تربط بينهما نفس المواقف.
- أن يزيد النصّ جلاء وقربا، لا أن يقف أمام حقائق الكون حجابا، بأن يلتزم بالصدق والاعتدال في التعبير الشعوري وعدم المغالاة فيه، حتى لا يبتعد عن الأسباب الواقعيّة التي أثارها الأديب.
- حدّة التصوير التي تتولّد عن حدّة الشعور وقوّة الإحساس الّتي من شأنها إثارة انفعال المتلقي والتّأثير فيه، لتحركه بالاتجاه الّذي تريد دون أن نشعر يقول شوقي: "إنّ المحكّ الّذي لا يخطئ في نقد الشعر هو إرجاعه إلى مصدره، فإن كان لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس، فذلك شعر القشور والطّلاء، وإن كنت تلمح من وراء الحواس شعورا حيّا ووجدانا تعود إليه المحسوسات- كما تعود الأغذية إلى الدّم ونفحات الزّهر إلى عنصر العطر- فذلك شعر الطّبع القويّ والحقيقة الجوهريّة".
3. الخيال:
يعد الخيال من أهمّ عناصر الأدب التي يعبّر بها الأديب عن ثورته وانفعالاته الوجدانيّة، وترجمان تجاربه وأفكاره وخلجاته النفسية التي يثير بها العواطف والأحاسيس، إنّه بالنسبة للشاعر صدى شعره ومشاعره " يصل المادّة بالرّوح، والرّوح بالمادّة، ناقلا التّجربة في الآن ذاته إلى طور التّجسيد..، هو الّذي يحتضن العالم الخارجي بجموده وثباته ومعطياته الدائمة ويبدعه من جديد تحت وطأة الانفعال"، ليفصح به عن خبايا النفس المبدعة ومشاعرها أحاسيسها وكذا أحاسيس النّفس الإنسانيّة. به تثار العواطف وتحرّك الأفئدة وتخاطب العقول،" فالكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان"، ليعكس به قدرته الفنّيّة التي يؤثّر بها في المتلقّي، "فالنّفس الفنّيّة جِبِلّة واحدة تختلف ما تختلف، لكنّها تتفق في المعدن الأصيل الّذي يجمع بينهما عند دقّة الإحساس وحبّ الجمال، وإنّما تختلف من ناحية الحاسّة الّتي تبلّغها رسائل الجمال، والوسيلة الّتي تعبّر بها عمّا يخامرها من إلهاماته وخواطره. فالشّاعر لا يخلو من ملكة الألوان والأشكال والفطنة إلى الحركات والأنغام، والمصوّر لا يخلو من معنى الشّعر وأصداء النّغم التي تراها العين معكوسة على صور الأشياء"، ليكسب بذلك النصوص بعدا إيحائيا جماليا فنّيا من خلال ما يضيفه للمعاني من قوّة بأساليبه الموجزة، وتشخيصه وتجسيد لصوره التي يستقيها من بيئته ووسطه الّذي يعيش فيه. وأوّل من تناول هذه القضيّة النقديّة في العصر الحديث باعتراف من العقاد عبد الرحمـ'ن شكري، الّذي تأثر بنظريّة الخيال الغربية وطبّقها على شعره مفرقا بينه وبين الوهم في قوله: "إنّ الخيال هو أن يظهر الشّاعر الصّلات بين الأشياء والحقائق، ولا بدّ أن يعبّر عن الحقّ، والوهم هو أن يتوهّم الشّاعر بين شيئين صلة ليس لها وجود، وهذا الوهم يُغرى به الشّعراء الصّغار ولم يسلم منه الكبار"، وعليه فالخيال مرتبط بالعقل من ناحية والعاطفة من ناحية أخرى، إذ يشترط فيه الصّدق في التعبير وعدم البعد عن الحقائق، حتى يتمكّن المتلقي من فهم تلك الآثار وما تحمله من أبعاد يعكس بها الشاعر واقعه بصوره وألوانه البيانية والبلاغيّة.
وقد عدّه العديد من النقّاد أساس الشّعر من بينهم أرسطو الّذي نجده يحدّد مفهوم الشّعر بقوله:" إنّ الابتكار أساس الشّعر، فالشّعر عنده صورة مخترعة يخلقها الشّاعر بقوّة خياله، والوزن عنده شيء إضافيّ يلحق بالصّورة حين يتمّ خلقها في قلب الشّاعر"، فالشعر حسب رأيه ضرب من التصوير الجميل، يترجم به أفكارا معينة، مستعينا في ذلك بالأخيلية التي تعدّ ملكة تمتلكها الذّات المبدعة؛ لغة العواطف والوجدان. فالشّعر الحقيقي" هو الّذي يحمل للنّاس أبّهة الخيال، فيظهر للنّاس في وحدة جميلة بديعة تسترعي الأنظار وتخلّب الألباب"، وهذا يعكس قدرة الشاعر في جمعه بين العملية الإبداعية والتصوير الفنّي البارع والفريد، الّذي لا يمتلك ناصيته إلاّ المجيد الملهم الذي يمتلك هذه الملكة.
-
الدكتورة: منصورية بن عبد الله ثالث

-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي مقياس: النقد الأدبي الحديث
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث السنة الثانية ليسانس: دراسات لغوية
تحليل قصيدة محمود سامي البارودي "سِوَايَ بِتَحْنانِ الأغاريدِ يَطْربُ"
سِوايَ بِتَحنَانِ الأغاريـــــــــــــدِ
وغَيْري باللّذّاتِ يلْهو ويُعجَــــــــــبُ تحنان: صوت الطرب
وما أنا مِمّن تأْسِرُ الخَمْرُ لُبَّـــــه
ويَملكُ سمعَيْهِ اليراعُ المثقّــــــــــبُ اليراع المثقب: المزمار
ولكن أخو همٍّ إذا ما ترجّحـــــت
بِهِ سَوْرَةٌ نحو العُلا راح يــــــــدأبُ همّ: العزيمة والإرادة القويّة
نفى النَّوْمَ عن عيْنيْهِ نفسٌ أبيّــــةٌ
لها بين أطرافِ الأسٍنّة مطلَــــــــبُ ترجّحت: مالت واتّجهت
ومن تكُنِ العلياء همّة نفسِــــــــه
فكلُّ الّذي يلقاه فيها مُحبّــــــــــــــب سورة: الوثبة القويّة
خُلقتُ عيوفا لا أرى لابن حُـــرّةٍ
لديّ يدا أُغضي لها حين يغضَـــــبُ عيوفا: أبيّ النّفس
أسيرُ على نهجٍ يرى النّاسُ غيرَهُ
لكلّ امرئ فيما يُحاوِلُ مذهـــــــــبُ يدًا: النّعمة والإحسان
وإنّي إذا ما الشّكُّ أظلَم ليلُـــــــــهُ
وأمست به الأحلامُ حيْرى تشعّــــبُ أغضي: أسكت
صَدَعْتُ حِفافَيْ طرَّنَيْهِ بِكوْكَـــبٍ
من الرّأيِ لا يخفى عليه المُغَيَّــــــبُ حفافي: الجانب/ طرّنيه: طرفيه
وبَحْرٌ من الهيْجاءِ خُضْتُ عُبابَـهُ
ولا عاصِمٌ إلاّ الفصيحُ المشطَّــــــبُ الهيجاء: الحرب
تَظَلّ بهِ حُمرُ المَنايا وسُودُهــــــا
حَواَسِرُ في ألوانِها تتقلّـــــــــــــــــبُ العباب: الموج
تَوَسّطتُهُ والخيلُ بالخيلِ تلتقـــــي
وبيضُ الظُّبا في الهمام تبدو وتغرُبُ الصّفيح: السيف العريض
فما زِلْتُ حتّى بيّن الكرُّ موقِفــي
لدى ساعةٍ فيها العقُول تغيّـــــــــبُ حواسر: منكشفات
يَوَدُّ الفتى ما لا يكُونُ طَمَاعَـــــةً
وَلم يَدْرِ أنّ الدّهْرَ بالنّاسِ قُلَّــــــــبُ الظّبا: حدّ السّيف والسنان
وَلَوْ علِمَ الإنسانُ ما فيهِ نفْعُــــــه
لأبصِر ما يأتي وما يتجنَّــــــــــــبُ طماعة: طمعا وحرصا
ولكنّها الأقدارُ تجري بحُكْمِهــــا
علينا وأمرُ الغيْبِ سِرٌّ مُحجّــــــــب
نظُنُّ بأنّا قادرون وإنّنـــــــــــــــا
نُقادُ كما قيد الجنيبُ ونُصْحَــــــــبُ الجنيب: الفرس تقوده إلى جنبك
فَرَحمةُ ربٍّ العالمين على امرئ
أصاب هُداهُ أو دَرى كيف يذهـــبُ نصحب: نسحب، القدرة عن الناس
(محمود سامي البارودي: ديوان البارودي، المطبعة الأميريّة، القاهرة،1954، ج1، ص ص30-36).
التعريف بالشاعر( مولده ، نشأته، أشهر أعماله)
ولد محمود سامي البارودي سنة 1838 في حيّ باب الخَلْق قي القاهرة، من أسرة جركسيّة ذات جاه ونسب قديم، تنتمي إلى حكام مصر المماليك، والبارودي نسبة إلى بلدة " إيتاي البارود" في البحيرة.
تيتم وهو في السابعة من عمره، فكفلته أمه وأحضرت له المعلمين، فتعلّم القرآن الكريم وشيئا من الفقه الإسلاميّ ومن التاريخ والحساب والشّعر الّذي كان مولعا بحفظه وإنشاده حتّى صار شاعرا فصيح، عالما بقواعد العربيّة وآدابها إلى جانب اللغة التّركية والفارسيّة.
التحق البارودي بالمدرسة الحربيّة، وتخرّج منها ضابطا سنة 1854، ترقّى إلى رتبة لواء، وقد خاض المعارك، فاشترك في الثّروة العربيّة. سافر إلى أوروبّا فصقلت قريحته الأدبيّة، بعد الثّورة نفي إلى جزيرة سرنديب "سري لانكا" حاليّا، فلبث فيها سبعة عشر سنة قال فيها أجود شعره الوجدانيّ الوطنيّ، ولمّا عفا عنه الخديوي عاد إلى مصر، وبقي بها ساكنا هرما حتّى توفّي سنة 1904.
أعجب البارودي بشعر الحماسة والبطولة، فعكف على دراسة الشّعر القديم، فلقّب بربّ السّيف والقلم. من آثاره: ديوان شعر، وبعض مختارات من الشّعر القديم(مختارات البارودي)، وكتاب (قيد الأوابد)، يتضمّن مختارات من النّثر جمع فيها عيون الخطب والرّسائل القديمة. وفي هذا النّصّ يفتخر البارودي ببطولته وكرامته وعزّة نفسه، فهو ابن بيئته، من خلال شعره استطاع أن يعبّر عن الظروف السياسيّة وحالته النّفسيّة.
تحليل القصيدة:
اشتملت هذه القصيدة (البائيّة) على الأسلوب القصصيّ، وهي تعدّ من شعر المعارضات، فنسجها على منوال الشّعر القديم، عارض فيها قصيدة الكميت بن زيد والشريف الرضيّ فقال:
سواي بتحنان الأغاريد يطـــرب وغيري باللّذات يلهو ويلعـــب
وقال الكميت بن زيد الأسدي:
طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب ولا لعباً مني وذو الشيب يلعــب
وقال الشّريف الرّضي:
لغير العلا مني القلى والتجنــب ولولا العلا ما كنت في الحب أطرب
يشيد الشّاعر في هذه القصيدة بمناقبه، ويعبّر عن ملامح شخصيّته ومذهبه في الحياة، ويفتخر بنفسه من خلال مقارنته بين نظرته للحياة ونظرة الآخرين إليها. فهو ليس من أولئك الّذين تطربهم الأغاني، أو تشغلهم اللّذائذ وتسلب عقولهم الخمرة، فهو رجل المهمّات الصّعبة والهمّة العالية، تهون عليه الصّعاب في سبيل تحقيق المعالي، إنّه عزيز النّفس يأبى الذّلّ والضّيم، لا يقبل الفضل حتّى من الحرّ الكريم، كما نجده يفتخر برأيه السّديد الثّاقب الّذي يزيل ظلمة الشّكّ، وحيرة ذوي العقول. لينقلنا بعدها إلى مشهد صوّر فيه فروسيّته وبطولته وصموده في المعارك التي خاضها، وكانت هذه الأخيرة حامية الوطيس خطفت الموت فيها أرواح العديد من الفرسان بالسّيوف التي كانت تظهر ثمّ تغيب في الأجسام. ليختتم قصيدته بمجموعة من الحكم التي عكس من خلالها تجربته وخبرته في الحياة، معبّرا بذلك عن عواطفه الذّاتيّة الّتي اتّسمت بعزّة النّفس وعدم قبول الذّل والهوان، مدافعا بذلك عن وطنه بالسيف والقلم.
خصائص أسلوب الشّاعر الفنّيّة والموضوعيّة:
اتّسمت ألفاظ الشاعر وتراكيبه بالجزالة وحسن السّبك الملائمة لغرض الفخر، متأثّرا بالشّعر القديم وبيئته الحربيّة مستعينا ببعض الألفاظ التي استقاها واغترفها من القاموس العربيّ القديم(اليراع المثقب)، (ترجّحت به سورة)، صدعت حفافي طرّتيه، (خضت عبابه). مستعينا بالحكمة وتلك عادة الشّعراء القدامى، وذلك أثناء موازنته بين نهجه في الحياة ونهج الآخرين، من ذلك قوله: (أسير على نهج يرى الناس غيره)، ( ولكنّها الأقدار تجري بحكمها)،( فرحمة ربّ العالمين).
أمّا الأسلوب فنجده يعتمد على الجمل الخبريّة، معبّرا من خلالها عن معاني الفخر والاعتزاز بنفسه الأبيّة وفروسيّته وبطولاته وتميّزه عن الآخرين من ذلك ( سواي بتحنان الأغاريد يطرب)، (خلقت عيوفا)، ) وبحر من الهيجاء خضت عبابه). كما وظّف أسلوب الشّرط ليفنع القارئ بصحّة الأفكار والمعاني الّتي عبّر عنها في سياق الإشادة بمناقبه: (إذا ما ترجحت..راح يدأب)، ( ولو علم الإنسان..لأبصر).
وظّف الشّعار بعض ألوان البديع من ذلك :
- التصريع في البيت الأوّل: (يطرب ويعجب) وهذا الأخير أكسب القصيدة نغمة موسيقيّة تأنس لها الآذان.
- طباق الإيجاب في قوله ( تبدو وتغرب)، فبالتضاد تتضح المعاني وتتمايز.
واستخدامه لها كان عفويّا غير متكلّفا فيه.
وفيما يتعلّق بالتّصوير الفنّيّ، فورد في القصيدة بعض الصّور البيانيّة نذكر منها:
- التشبيه البليغ في قوله: ( كوكب من الرّأي) حيث شبّه الرّأي بالكوكب فذكر المشبه والمشبّه به وحذف الأداة ووجه الشّبه وهو يعدّ من أقوى الصّور من حيث التأثير، وقوله أيضا(وبحر من الهيجا) مشبّها في ذلك الهيجاء بالبحر الهائج الثّائر.
- الاستعارة المكنيّة وذلك في قوله: (تأسر الخمر لبّه) حيث شبّة الخمر بالإنسان الّذي يؤسر فصرّح بالمشبه الخمر وحذف المشبّه به الإنسان وأبقى على لازم من لوازمه الفعل تأسر. وفي قوله (ويملكُ سمْعيـهِ اليــراعُ المثقَّــبُ) استعارة مكنية.
- الكناية في قوله: ( لها بين أطراف الأسنّة مطلب) كناي عن صفة الإيباء وعزّة النّفس والتّرفّع)/ تظلّ به خمر المنايا وسودها حواسر) كناية عن شدّة المعركة، وقوله( زلت حتّى بين الكرّ موقفي) كناية عن الشّجاعة وعدم الاستسلام والثّبات، أما فيما يتعلق بأثرها فهي تأتي بالحقيقة مصحوبة بدليلها.
- تقطيع الأبيات:
- ولكن أخو همٍّ إذا ما ترجّحـــــت بِهِ سَوْرَةٌ نحو العُلا راح يــــــــدأبُ
وَلَاْ كِنْ أَخُوْ هَمْمِنْ إِذَاْ مَاْ تَرَجْجَحَتْ بِهِ سُوْرَتُنْ نَحْوَ لْعُلَاْ رَاْحَ يَدْأَبُوْ
//0/0 //0 /0/0 //0 /0 //0//0 ///0//0 /0/ 0//0 /0/ /0//0
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن فعلن مفاعيلن فعولن مفاعلن
نظم الشاعر قصيدة على بحر الطويل مفتاحه:
( طويل له دون البحور فضائل فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيل)
أعطى من خلاله الشاعر متنفّسا للتّعبير عن مشاعره وأفكاره، ملتزما في ذلك بوحدة الوزن والقافية على عادة الشّعراء القدامى.
وما استخلصناه انطلاقا مما سبق ذكره:
- يعدّ محمود سامي البارودي زعيم الشّعر الإحيائي البعثي، فشعره يعدّ من اللّبنات الأولى للشّعر السّياسي من خصائص أسلوبه:
1- من حيث الشّكل:
- الالتزام بوحدة الوزن والقافية ( المحافظة على البناء الهندسي للقصيدة الخليليّة).
2- من حيث المضمون:
- تعدّد الأغراض في القصيدة ( الفخر، الرثاء، الحكمة..،) وهذه الأخيرة عبّر بها عن علو الهمة ومكارم الأخلاق التي حرص على أن تسود أفراد مجتمعه الكبير.
- البدء بالغزل، النّسيب( ما يمرّبه الشّاعر من معاناة)...
- اعتبار البيت وحدة للقصيدة.
- اعتماد الخطاب على عادة القدامى وتقليدهم في موضوعاتهم.
- عمق الأفكار، ويقصد بالعمق تلك الأبعاد السياسيّة والوطنيّة الّتي تحملها قصائده.
مظاهر التّجديد في شعر البارودي:
- التحرّر من المحسّنات المتكلّفة ومن الغموض.
- الارتقاء بالموضوع
- الترابط الفكري والشّعوري بملاءمة التعبير والخيال للموضوع والجوّ النّفسيّ.
- المزج بين التّقليد والتّجربة الشّعريّة، أي الجمع بين الأصالة والمعاصرة ليضيف بذلك إلى القديم روح العصر بما فيه من تيارات فكريّة ونهضة أدبيّة).
مظاهر التّقليد:
- التقيّد بالوزن والقافية.
- الحرص على اللّفظ العربيّ القديم والأصيل (لغة رصينة، متينة وجزلة مأخوذة من القاموس القديم متأثّرين في ذلك بفحول الشّعراء العرب).
- انتزاع الصّور من البيئة القديمة.
- تعدّد الأغراض في القصيدة.
- ظهور أثر الثّقافة الدينيّة والإكثار من الحكم الصّادقة.
-
الفئة المستهدفة: السنة الثانية/ تخصص: دراسات لغوية مقياس: النقد الأدبي الحديث
الأستاذة: بن عبد الله ثالث أعمال موجّهة(3)تظهر الصورة تجديدية في النقد الأدبي الحديث في آراء رمضان حمود ونظرياته التي حاول تطبيقها على شعره وفي كتاباته مقالاته النقديّة، التي عكس بها موقفه من الأدب التقليدي ومفاهيمه، لتظهر بذلك الدّعوة إلى التجديد في الرّؤية للعمل الأدبيّ فكرا وفنّا ولغة وأسلوبا وشكلا ومضمونا- في منتصف العشرينيات- على يده (1906-1928)، ليتزعّم بذلك الاتّجاه الحقيقيّ نحو الشّعر الوجدانيّ الرومانسيّ العربيّ بصفة عامّة والجزائريّ بصفة خاصّة، وهذا ما عبر عنه محمد ناصر بقوله" لعليّ لا أكون مخطئا إذا زعمت أنّ رمضان حمود هو أوّل من فتح باب التّجديد في الشّعر الجزائريّ الحديث". ويتّضح ذلك جليّا في تناوله لمفهوم التّجربة الشّعريّة، وكذا تصوّره لوظيفة الشّعر مبيّنا فيها ثورته على مبادئ مدرسة الإحياء الشّعريّ، "ليخوض ثورة ضدّ المقلّدين الاتّباعيين الّذين ظلّوا بعيدين عن عصورهم في نظرتهم للشّعر وفهمهم له، ومن هذا المنطلق طالب الأجيال من الشّعراء تجاوز نظام القصيدة، وتأسيس كتابة جديدة لا تلتزم بمراسم الشّعر العربيّ، كما حدّدتها الممارسة الطّويلة، ودعّمها الخطاب النّقديّ الدائر حول تلك الممارسة" لتحمل بذلك دعوته جانبين:
- جانب انتقاد المفهوم التقليديّ المحافظ للشّعر ووظيفته - متمثّلا في مدرسة الإحياء العربيّة.
- جانب الدّعوة إلى مفهوم جديد وتصوّر معاصر من خلال منظور وجداني رومانسي.
متتبعا بذلك خطى الشعراء الرومانسيين في أوروبا لا سيما في فرنسا، ساعيا في ذلك إلى بناء نظريّات شعريّة جديدة على أنقاض نظريات كلاسيكيّة قديمة،
ثورته ضدّ حامل لواء مدرسة الاتباعيين "أحمد شوقي":
اتّخذ رمضان حمود من مجلّة الشّهاب المحافظة المتحمّسة لشوقي ( سنة 1927) منبرا للإعلان عن تمرّده على التيار التقليديّ المحافظ، في سلسلة من المقالات الجريئة والمطوّلة التي حملت عنوان" حقيقة الشعر وفوائده"، وقد نشر آراءه وتأملاته النقديّة في الوقت الّذي كانت فيه الأمّة العربية تتأهّب للاحتفاء بتتويج أحمد شوقي بإمارة الشّعر العربيّ، موجّها انتقاده المباشر له مبينا مواطن ضعف شعره. مع أنّه اعترف في أكثر من موقف بمكانته ودوره في إحياء الشّعر العربيّ الحديث وإعادة بعثه من جديد، إذ يعود له الفضل في الرفع من قيمة الشّعر بعد سقوطه وركوده، ليقرّ نظيرا لذلك بأحقيته في هذا الاحتفال وهذا ما عبّر عنه بقوله: " كان جزاؤه في هذا العمل الجدير بالإعجاب أن اعترف الناس له بالإمارة الكبرى..، فتقلّدها مستحقا لها..، فشكرا جزيلا للمحتفل وهنيئا للمحتفل به". إلاّ أنّه يوضّح بموضوعيّة كما سبق وأن أشرنا بأنّ هذا الأخير لم يختلف في شيء عمّن سبقوه من ناحية المواضيع أو اللغة، ويظهر ذلك في قوله: "إنّ شوقي لم يأت بشيء جديد لم يعرف من قبل، أو من طريقة ابتكرها من عنده، وخاصّة به دون غيره، أو اختراع أسلوبا يلائم العصر..، وأكثر شعره أقرب إلى العهد القديم منه إلى القرن العشرين الّذي يحتاج إلى شعر وطنيّ، قومي، سياسيّ، حماسيّ، يجلب المنفعة ويدفع الضّر، ويحرّك همم الخاملين خصوصا، والشّرق الفتيّ في فاتحة نهضته الجديدة"، مقتصرا في ذلك على أغراض تقليديّة لا تتماشى مع متطلّبات الأمّة المضطهدة، وهذا ما أكّده في قوله: " نعم إنّ شوقي أحيا الشّعر العربيّ بعد موته، وفتح الباب الّذي أغلقته السّنون الطّوال، ولكنّه مع ذلك لم يأت بجديد لم يعرف من قبل أو سنّ طريقة ابتكرها من عنده، وخاصّة به دون غيره، أو اخترع أسلوبا يلائم العصر الحاضر. وغاية ما هنالك أنّه جاء بالهيكل القديم للشّعر الموضوع من قرون بلى عهدها، ودرس رسمها فكساه حلّة من جميل خياله ورقّة أسلوبه، وفخامة ألفاظه، وقوّة مادّته..، وضرب له أوتار قلوب". داعيا بذلك إلى التجديد، والتجديد حسب رأيه ليس تنكرا لما جادت به ذاكرة السلف وهدما له ، " لكنّه قوّة غير متناهية نرمم بها الماضي ونمهّد بها للمستقبل".
ويظهر ذلك في قوله:
ألا جدّدوا عصرا منيرا لشعركم فسلسلة التقليد حطّمها العصر
وسيروا فيه نحو الكمال ورمموا معالمه حتّى يصافحه البــــدر
وعليه يمكننا أن نلخّص دعوته التّجديديّة في:
- نبذ التّكلّف والتنطّع في اللغة.
- إفراغ المعنى الجميل في اللفظ الجميل.
- الخضوع لصوت الضّمير والواجب.
- تصفية النّفس من الانتقام قبل الانتقاد، وذلك باتخاذ الموضوعية في إصدار الأحكام.
- عدم التقيد بكتابات الغير مهما كان قدرها وشأنها في الأدب.
ففي تحديد حمود رمضان للشعر دعوة إلى الاهتمام بالرسالة والمضمون، مضمون يستوعب واقع الأمّة العربيّة، عاكسا بذلك اهتمامه بالتجربة الشّعريّة الصادقة الّتي يعبّر بها الأديب عن صدق عواطفه، وأساس نجاحها هو الصّدق الفنّيّ. فالشّاعر لن يتمكّن من "امتلاك العقول، والأخذ بأزمة النّفوس، إلاّ إذا أجاد تصوير تلك العواطف"، فالشعر ليس بضاعة أو صناعة كما ذهب إلى ذلك المحافظون، ولكنّه إلهام وجداني ووحي ضمير..، فإنّ الأدب الّذي لا يصدر عن نفس حساسة في نفحاتها لا يتسرّب إلى أعماق النفوس الحيّة، بل لا يخلد طويلا، ولا يلبث أن يقضي عليه النسيان والإهمال".
وفي إطار تحديد رمضان حمود للشّعر نجده يحدّد أدوات الناقد في ثلاث وهي:
- الفكر الثاقب: فالناقد الحق حسب رأيه لا بدّ أن يكون بعيد النّظر، عالما بأسرار الشّعر، بصيرا بأموره وأصوله وأسبابه وأدواته، ولن يتأتّى هذا إلا إذا مارس الإبداع الأدب، وعاش تجربة حقيقية صادقة.
- العقل الصائب: وذلك بضبط النزوات وضبط الأهواء، وأن يكون موضوعيا في إصدار أحكامه.
- الذوق السليم: لا بدّ أن يكون للناقد ذوقا سليما، كون التجربة النقدية تقتضي حسا وذوقا يماثل التجربة الفنية.
المراجع:
- محمد ناصر: الشعر الجزائري الحديث " اتجاهاته وخصائصه الفنية ( 1925- 1975)".
- فؤاد المرعي: النقد الأدبي الحديث.
- عبد الله الركيبي: دراسات في الشعر العربي الجزائري الحديث.
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالثأعمال موجهة 4: نصوص جماعة الديوان
السند: "هذا الشعر ليس ناظمه بعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن أو القافية على غير قصده، يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الفصيح، ولا ينظر إلى جمال البيت المفرد ولو أنكره جاره..، بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضعه، وإلى جمال القصيدة في تركيبها، وترتيبها، وفي تناسق معانيها وموافقتها".
"حسين علي محمد: الأدب العربي الحديث " الرؤية والتشكيل"..، ص71"
انطلاقا من السند ناقش الأسس التي يقوم عليها النقد الأدبي الحديث عند رواد مدرسة الديوان كما وردت في النص، مبرزًا إسهام مدرسة الديوان في تجاوز النظرة الجزئية إلى الشعر.
الإجابة النموذجية
يُعبّر هذا النص النقدي عن تصوّرٍ واضح لمبادئ النقد الأدبي الحديث كما بلورتها مدرسة الديوان، ويكشف عن موقف روادها من الشعر التقليدي ومقاييسه البلاغية الجزئية، معنين في ذلك رفض الشعر الذي تُملِيه ضرورات الوزن والقافية، معتبرين أنّ الشعر الحقّ لا يصدر عن صناعة لغوية أو التزام شكلي، بل عن قصد شعوري واعٍ وتجربة صادقة، فالشعرفي نظرهم ليس نظمًا آليًا للألفاظ، وإنما تعبير عن ذات حيّة، تُحكِم سيطرتها على اللغة ولا تخضع لقيودها، والناقد لا يقف عند ظاهر الألفاظ ولا يكتفي بتقويم الوزن والأسلوب، بل يتجاوز ذلك إلى استكناه التجربة الشعورية الكامنة وراء النص. فالشعر تعبير عن ذات حيّة، لا عن صناعة لغوية مجرّدة، ولا تُقاس قيمته بمدى التزامه القوالب الموروثة، بل بقدر ما يعبّر عن صدق التجربة وعمق الإحساس. ومن ثمّ، فإنّ مهمة الناقد الحديث ليست إصدار الأحكام الجاهزة، بل الكشف عن العلاقة بين النص ونفسية صاحبه، وتحليل العمل الأدبي بوصفه كيانًا عضويًا تتآلف فيه الفكرة والعاطفة والصورة في وحدة متماسكة. فالنقد الحقّ هو الذي يُنصف النص، ويحرّره من المقاييس الجامدة، ويمنحه حقّه في أن يُقرأ في ضوء طبيعته الخاصة لا في ضوء معايير مسبقة.
وفي هذا النص إبراز لأحد أهم مرتكزات النقد الحديث، وهو مفهوم وحدة القصيدة؛ إذ ينتقد رواد مدرسة الديوان الاكتفاء بالحكم على البيت المفرد بمعزل عن سياقه، وهو مبدأ ساد في النقد البلاغي القديم. في مقابل ذلك، يدعو إلى النظر إلى البيت في ذاته وفي موضعه من القصيدة، وإلى القصيدة بوصفها بنية متكاملة تقوم على الترتيب والتناسق والانسجام بين المعاني. وهذا التصوّر يؤسّس لما يُعرف بالوحدة العضوية، حيث تتضافر الأجزاء لتشكّل كُلًّا دلاليًا وجماليًا متماسكًا.
كما أنّ معايير الجمال الفني في الشعر تحديدًا حديثًا، نجده يقوم على التركيب المحكم، وترتيب الأفكار، وتناسق المعاني، لا على الزخرف اللفظي أو جمال العبارة المنفصلة. فالجمال، في هذا التصوّر، قيمة بنيوية ووظيفية، تنبع من انسجام الشكل مع المعنى، ومن توافق أجزاء النص في خدمة التجربة الشعورية.
ومن ثمّ يتجلّى في هذا النص موقف مدرسة الديوان من النقد التقليدي، بوصفه نقدًا جزئيًا يفتقر إلى النظرة الكلية، في مقابل نقد حديث يسعى إلى فهم العمل الأدبي في شموليته، ويربط بين النص وذات مبدعه، دون الوقوع في أسر القوالب الجاهزة أو الأحكام المسبقة.
وخلاصة القول، إنّ هذا النص يؤكّد إسهام العقّاد ومدرسة الديوان في إرساء أسس النقد الأدبي الحديث، من خلال تجاوز المقاييس البلاغية القديمة، وتكريس مفاهيم صدق التجربة، والوحدة العضوية، والقراءة الكلية للنص الشعري.
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث
أعمال موجهة 4: نصوص جماعة الديوان
يقول أحمد شوقي:
أبولو مرحبا بك يا أبولــو
فإنّك في عكاظ الشغر ظـلُّ
عكاظ وأنت للبلغاء سـوق
على جنباتها رحلوا وحلّوا
وينبوع من الإنشاد صـاف
صدى المتأدبين به يقــلّ
ومضمار يسوق إلى القوافي
سوابقها إذا الشعراء قلـوا
محمد كامل الخطيب: نظرية الشعر" مرحلة مجلة أبولو" مقالات- شهادات"، ج2، ص513.
تُعدّ هذه الأبيات تصديرًا شعريًا كتبه أحمد شوقي لمجلة “أبولو”، وهي تمثّل لحظة تفاعل بين الشعر الكلاسيكي والشعر الرومانسي التجديدي.
انطلاقًا من النص، قدّم قراءة نقدية حديثة تبيّن فيها موقف شوقي من حركة أبولو، محلّلًا الرؤية التي يقدّمها للشعر ووظيفته، ومبرزًا كيف تتجلّى مبادئ مدرسة أبولو في ضوء النقد الأدبي الحديث، مع بيان حدود التلاقي أو الاختلاف بين التقليد والتجديد.
-
جامعة مرسلي عبد الله تيبازة
الفئة المستهدفة: السنة الثانية/ تخصص: دراسات لغوية مقياس: النقد الأدبي الحديث
الأستاذة: بن عبد الله ثالث أعمال موجّهة(6)
السّند الشّعري:
1- أيُّها الشّاكي وما بــــــــــــك داءٌ
كيف تَغدو إذا (غدوت) عليـــلا؟
2- إنّ شرّ الجُناةِ في الأرض نفـــسٌ
تتَوَقّى قبل الرّحيل الرّحيـــــــلا
3- وتَرى الشّوكَ في الوُرودِ وتَعْمى
أنْ ترى فوقها النّدى إكليـــــــلا
4- هُوَ عِبءٌ على الحياة ثقيـــــــــل
مَن يظنّ الحياة عبئا ثقيـــــــــلا
5- والّذي نفسُهُ بغير جمـــــــــــــال
لا يرى في الوجود شيئا جميـلا
6- فتمتّعْ بالصُّبحِ ما دُمت فيـــــــــه
لا تخَف أن يزول حتّى يـــزولا
7- وإذا ما أظلّ رأسَكَ هــــــــــــــمٌّ
(قَصِّر) البحث فيه كيلا يطــــولا
8- فاطلب اللّهوَ مثلما تطلبُ الأطــ
ـيارُ عند الهجير ظِلّا ظليـــــــلا
9- وتعلّم حبّ الطّبيعة منــــــــــــها
واترُكِ القال للوَرى والقيـــــــلا
10- أنت للأرضِ أوّلا وأخيــــــــــرا
كنت مَلِكا أو كنت عبدا ذليــــلا
11 - وتوقّعْ إذا السّماءُ اكفهـــــــــرّت
مطرا في السُّهول يُحيِي السُّهولا
12 - ما أتينا إلى الحياةِ لنشــــــــــــقى
13- كُلُّ من يجمَع ُالهموم عليـــــــــه
فأريحوا أهل العقول العُقـــــــولا
أخذتْهُ الهموم أخذا وبيــــــــــــلا
من ديوان إيليا أبو ماضي ص ص 604-605
المطلوب:
انطلاقًا من هذه القصيدة، ناقش ملامح التجديد الفكري في شعر إيليا أبو ماضي، مبيّنًا كيف أسهمت الرابطة القلمية في تحويل الشعر من التعبير الذاتي إلى خطاب إنساني ذي بعد فلسفي وجودي.
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث
أعمال موجهة: النقد التاريخي"طه حسين"
طه حسين: يعد من النقاد الّذين تبنوا المنهج التاريخي، مبديا تأثّره بكوكبة من رموز المدرسة الفرنسيّة الّذين كان لهم الإسهام الكبير في بلورته، أما كتاباته فكانت امتدادا وتطويرا له. ويظهر أثر هذا المنهج في أطروحته الّتي نال بها شهادة الدّكتوراه حول "تجديد ذكرى أبي العلاء"، محاولا أن يقف على أبعاد الشّخصية وتغيير جوانبها وربطها بعصرها وبيئتها بعد قراءة آثارها. مصرّحا في ذلك بإيمانه بأبعاد هذا المنهج الّذي سعى من خلاله جمع معلومات عنه وعن عصره وبيئته والكشف عن فلسفته من خلال أشعاره، ليخلص إلى ما يلي: "وإذا صحّ هذا كلّه فأبو العلاء ثمرة من ثمرات عصره، قد عمل في إنضاجها الزّمان والمكان والحالُ السياسيّة والاجتماعيّة والحال الاقتصاديّة، ولسنا بحاجة إلى ذكر الدّين فإنّه أظهر أثرا من أن نشير إليه"، إضافة إلى كتاب "حديث الأربعاء"، حيث وقف الناقد طه حسين على غرض شعر الغزل بنوعية العفيف والماجن، ساعيا من خلاله دراسة شخصيّة الشاعر -عمر بن أبي ربيعة- التي عدّها مصدر بحثه متّخذا إياها دليلا للكشف على روح عصره، متتبعا سيرته وأسرته وظروف نشأته-السياسيّة والاقتصاديّة- وواقعه وعصره، ويظهر ذلك في قوله: "وإذ قد بيّنا أنّ الرّجل خاضع في أدبه وعلمه لزمانه ومكانه، فليس لنا بدّ من أن نقدّم بين يدي هذا الكتاب فصلا في عصر أبي العلاء وآخر في بلد، ولمّا كانت الأسرة أشدّ ما يحيط بالرجل أثرا فيه، خصصنا فصلا آخر لأسرة أبي العلاء، وإذا فرغنا من هذا كلّه عمدنا إلى الحياة التاريخيّة للرّجل ففصّلناها تفصيلا، ثمّ انتقلنا إلى منزلته الأدبيّة فبيّنا قسمته من الشّعر والنّثر وخصائصه فيهما، ثمّ إلى منزلته العلميّة فشرحناها شرحا مستوفيا، وبعد هذا كلّه تناولنا فلسفته فاجتهدنا في أن نكشف عنها وتجلّيها". فهذه الدراسات التاريخيّة المنهجيّة تعكس شغفه وافتتانه بهذا المنهج، معتمدا في ذلك على مبدأ الشّك الّذي عدّه من أصول المنهج التاريخيّ في كتاباته التاريخيّة، وأساسا في تفسير الأعمال الأدبيّة للتّوصّل إلى اليقين فهو يريد " ألاّ نقبل شيئا مما قال القدماء في الأدب وتاريخه إلاّ بعد بحث وثبت، إن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى الرّجحان"، فهو بذلك يرفض آراء القدماء ولا يثبتها إلا بعد بحث وتقصّ قبل إصدار الحكم، فكان بذلك منهجه منهجا ديكارتيا يقوم على مبدأ الشّك للوصول إلى اليقين.
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث
أعمال موجهة 8: النقد الاجتماعي " لويس عوض"
أجرى لويس عوض بحوثا عديدة تهتمّ أساسا "بإبراز تأثير الوسط الاجتماعيّ على الأثر الأدبي، فهو يحاول الرّبط بين الأدب والسياق الاجتماعيّ..، يرى أنّ الأدب نشاط لا ينفصل عن المجتمع، وأنّه إحدى أدوات التعبير الاجتماعي..، كان متحمّسا للمنهج التاريخي والاجتماعي لتعليل الصلة بين الأثر الأدبي..، ويرى أنّ وظيفة الأدب تتمثّل في تجديد الحياة عن طريق الخلق وترقيتها".
سمير حجازي: مدخل إلى مناهج النقد الأدبي المعاصر، ص94.
حلّل هذا النص من منظور النقد الاجتماعي، موضحًا كيف يكشف الأدب عن واقع المجتمع وظروفه، وما دوره في نقد الظواهر الاجتماعية أو التغيير الاجتماعي.
الإجابة النموذجية:
يُعدّ لويس عوض من أبرز المفكرين والنقاد الذين أسهموا في تأسيس النقد الاجتماعي الحديث، إذ ركّزت بحوثه على كشف العلاقة بين الأدب والوسط الاجتماعي، وإبراز أثر السياق الاجتماعي على النصوص الأدبية. فالأدب في نظره ليس نشاطًا جماليًا منعزلًا، بل هو نشاط اجتماعي متفاعل يعكس الواقع ويعالج قضاياه ويساهم في تشكيل وعي المجتمع.
فالنصّ الأدبي عبر منجزه الفني قادر على تحليل الظواهر الاجتماعية وكشف أزمات المجتمع ورفع مستوى الوعي الجماعي والفردي؛ إنّه نشاط لا ينفصل عن المجتمع، بل يتغذّى على خبراته وتجارب أفراده ويتفاعل مع البيئة التي أنتجته. فهو يعكس البنى الاجتماعية، القيم، الأعراف، والممارسات اليومية التي تشكّل واقع المجتمع. والناصّ بحسب هذا المنظور ليس مجرد مُبدع جمالي، بل مستجيب للوسط الاجتماعي، وناقل لتجارب الناس وأحوالهم. من هنا يمكن القول إن الأدب يقدّم قراءة دقيقة للواقع الاجتماعي، ويتيح للباحث أو القارئ فهم الظروف التي أنتجت النص، بما في ذلك الضغوط الاقتصادية والسياسية، والتفاوت الطبقي، ونمط الحياة، ومظاهر القيم الاجتماعية.
وعليه يصبح الأدب أداة تحليلية تكشف عن الأعراف الجامدة، الظواهر السلبية، والتحديات التي تواجه المجتمع، فالأدب على حدّ تعبيره مرآة للمجتمع، يكشف به عن التفاوت الاجتماعي، الأعراف المعيقة، أو الظواهر السلبية، ويشارك في إعادة تشكيل وعي الفرد والمجتمع ، مما يمنح النصوص الأدبية بعدًا اجتماعيًا نقديًا، يتجاوز جماليات الشكل واللغة وحدها. كما أنّ هذا الأدب ليس مجرد مرآة للواقع، بل وسيلة للتفاعل معه ونقده، فالنصوص الأدبية قادرة على طرح تساؤلات حول المجتمع، ومواجهة مظاهر الانحراف وعلى سبيل الذكر لا الحصر:
- الجمود الفكري والتقاليد الجامدة التي تمنع التجديد.
- الظلم الاجتماعي والاستغلال الطبقي.
- الخرافة أو الفكر الغيبي الذي يقيّد التفكير العقلاني.
ليصبح الأدب في تصور لويس عوض أداة نقد اجتماعي، يُسلّط فيه الضوء على النقائص الاجتماعية، ويكشف عن التناقضات بين القيم النظرية والسلوك الواقعي، ليتيح للقارئ فرصة الوعي بماهية المشكلات الاجتماعية واستيعاب أسبابها بدل الاكتفاء بالمعايشة السطحية للواقع.
ومن الناحية النقدية يُظهر النص أنّ الأدب الحديث يحافظ على صلته بالواقع الاجتماعي دون أن يفقد بعده الجمالي أو الإبداعي، فهو يمزج بين المعنى الفني والوظيفة الاجتماعية، محققًا التوازن بين الذوق الفني والتفاعل الاجتماعي البنّاء، فوظيفة الأدب تتجاوز التعبير الفني إلى تجديد الحياة ورفع مستوى الوعي. فالخلق الأدبي ليس غاية جمالية بحتة، بل وسيلة لتعزيز الفكر النقدي، وتحفيز المجتمع على مراجعة نفسه، واعتماد ممارسات أكثر عقلانية ومنطقية.
ويستطيع الأدب في هذا السياق أن:
· يساهم في تشكيل وعي اجتماعي متقدّم يحرّر الإنسان من التقليد الأعمى.
· يعمل كأداة لإعادة النظر في القيم والعادات، بما يتيح إصلاح الأوضاع الاجتماعية بشكل تدريجي.
· يخلق فضاءً حواريًا يتيح للمجتمع مناقشة قضاياه الأساسية، بعيدًا عن الانغلاق على الذات أو التقليد العقلي.
وهكذا فإنّ الأدب على حدّ تعبيره لا يكتفي بوصف المجتمع، بل يشارك في توجيهه نحو التحسين والتغيير، مؤكدًا دور الكاتب والناقد كعناصر فاعلة في الحياة الاجتماعية، بما يتفق مع المبادئ التنويرية للنقد الاجتماعي الحديث.
وقد اعتمد لويس عوض في مقاربته على المنهج التاريخي والاجتماعي، مرتكزا في تحليله للنصوص الأدبية على:
- سياقها الاجتماعي والتاريخي.
- الربط بين المضمون الأدبي والظروف البيئية، الاقتصادية، والسياسية المحيطة به.
- تفسير العلاقة بين البنى الاجتماعية والنصوص الأدبية لفهم كيفية تفاعل المجتمع مع الإبداع الفني.
من منظور النقد الاجتماعي يوضح النص أنّ الأدب نشاط اجتماعي متكامل، يعكس الواقع، يفسّر الظواهر الاجتماعية، ويساهم في تجديد الوعي وتوجيه المجتمع نحو التغيير. فالنقد الاجتماعي عند لويس عوض لا يقتصر على قراءة النصوص، بل يمتد إلى دراسة تفاعل الأدب مع المجتمع وظروفه، موفّرًا أدوات لفهم التحولات الاجتماعية والوعي النقدي الجماعي.
وهكذا يتجاوز الأدب وظيفته الجمالية واللغوية باعتباره وسيلة فاعلة للتحليل الاجتماعي، والتغيير، والتنوير، وهو ما يبرز أهميّة موقف لويس عوض في تأسيس النقد الاجتماعي الحديث وإظهار العلاقة الحيوية بين الأدب والمجتمع.
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث
أعمال موجهة " النقد النفسي"مصطفى سويف، النويهي، العقاد"
قدم بحثًا تحليليًا حول النقد النفسي في الأدب، موضحًا فيه:
-
.تعريف النقد النفسي وأبرز مؤسسيه في الوطن العربي" النويهي،ـ مصطفى سويف، العقاد"، وأهم النظريات التي يقوم عليها .
-
.الأسس المنهجية التي يعتمدها النقد النفسي في قراءة النصوص الأدبية.
-
.."اختر نصًا شعريًا أو روائيًا من الأدب العربي الحديث وحلّله من منظور النقد النفسي" الدوافع النفسية للشخصيات، الصراعات الداخلية، الرموز النفسية.
-
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث
أعمال موجهة: النقد الواقعي " محمود مندور/ رئيف خوري"
عدّ النقد الواقعي في الوطن العربي في النصف الثّاني من القرن العشرين -في أعقاب الحرب العالميّة الثانيّة- من أهم وأغزر وأبرز الحركات النقدية الأوسع انتشارا والأبعد أثرا، لتفاعله مع مختلف الأجناس الأدبية العربية الحديثة خاصة الرواية، لينشأ في الشام على يد طغمة من النقاد الّذين دعوا هم بدورهم إلى تمثيل الفنّ للواقع والمجتمع، أدب يعكس به نزعته الإنسانيّة والظروف الاجتماعية والتاريخية التي أحاطت بهذا المنتوج، بما فيه شخصيّة الأديب والعوامل التي أسهمت في تكوينه نذكر منهم:
v رئيف خوري: وهو يعدّ من أهمّ النّقّاد اللبنانيين الواقعيين الّذين عالجوا "العديد من المسائل الأدبيّة والنقديّة الجماليّة من منظور النّقد الواقعي، فتناول بالنقد جملة من الشعراء العرب والمحدثين مبيّنا القيمة المعرفيّة والاجتماعيّة لأشعارهم، علاوة على القيمة النّضاليّة لها". مركّزا في مجمل نشاطه النقديّ الواقعيّ على الأساليب الفنّيّة من منطلق أنّ أصول الصّنيع الأدبي" مرجعها البراعة في انتقاء اللّفظ لمواضعه، وفي سبك الجمل بحيث تبلّغ المعنى بقوّة ونصاعة، وفي إتقان قواعد الفنون الأدبيّة"، ملتزما بمبادئ الواقعيّة التي تربط الشّكل بالمضمون ربطا عضويّا، فالأدب لا يعدّ أدبا إذا فصلنا بينهما ورجحنا الواحد عن الآخر حسب رأيه. ومن الدراسات التي طبق عليها منهجه الواقعيّ: تحليله لقصيدة أبي تمام التي حاول من خلالها ربط طريقته في التصوير البياني الّذي أكسب قصيدته الغموض والتعمية بقضايا الواقع، إلا أنّه استطاع أن يعكس به الكون والمجتمع من خلال التناقض والصراع لتحتسب له كمزيّة، بحكم أنّه أكسب القصيدة قيمة فنّية من ناحية، ومكّنه من إيصال أفكاره للمتلقي عن طريقها، باعتبارها وسيلة من وسائل التعبير عن رأيه ورؤيته للمجتمع وواقعه بفوارقه الطّبقيّة من ناحية أخرى،" فالأدب أو الفنّ بغير القيم الجماليّة والفنّيّة لا يفقد طابعه المميّز فحسب، بل يفتقد أيضا فاعليّته وتأثيره، لأنّ تلك القيمة الفنّيّة والجماليّة هي الّتي تفتح أمامه العقول والقلوب"، ويظهر ذلك في قوله:" إنّنا لا نجد شاعرا عربيّا كأبي تمام استطاع أن يرى الأكوان بعضها من خلال بعض، أو بعضها مرآة لبعض. وما لم تفهمه في هذا الضّوء فَاتَنا الكثير من سحره وروعة فنّه، فأبو تمام لم يلجأ إلى الطّباق ألهُوَّة يتلهّى به، لكنّه عمد إلى ذريعة بيانيّة جلا بها حقائق هي وقائع لا مفرّ منها على بروز التّناقض فيها..، كذلك لم يلجأ أبو تمام إلى التّشابه والاستعارات والكنايات ألاعيب يكشف بها عن مهارة، لكنّه اخترق بإحساسه وفهمه مظاهر الأكوان". ليساهم بتطبيقاته وآرائه النقدية ترسيخ الأسس النظريّة التي يقوم عليها النّقد الواقعي مدافعا فيها عن الأدب والأديب، معتبرا الأدب رسالة هادفة موجّهة لخدمة الشعب لا سيما الطبقة الكادحة؛ هو أدب النّاس جميعا لا الخاصّة كما ذهب إليه طه حسين، مرتكزا في ذلك على ما خلّفه هذا المنتوج في نفس المتلقي لما يحمله من معايير وقيم ومثل إنسانية نابعة من فكره وواقعه البيئي. فالشاعر حسب رأيه لم ينعزل عن المجتمع بل تجاوب معه في ممارسته الأدبيّة والإبداعيّة، مستعينا في ذلك بأدوات التعبير في تصويره الفني، إذ كانت بالنسبة له السبيل في تجسيد الواقع بتناقضاته وصراعاته التي مست ظروف الحياة والإنسان باعتباره ظاهرة من الظواهر الاجتماعية، ما جعله يستعين بالمنهج الواقعي في تحليله للمجتمع.
محمد مندور: وهو من النّقّاد الّذين دعوا إلى أن يكون الفنّ للحياة، قصد تحفيز الهمم وإيقاظ الضّمائر الإنسانيّة بالتزامه بقضايا عصره، مؤكّدا على ضرورة أن يكون النقد والأدب قائدان للحياة لا صدى لها. فالنقد الواقعي أو "النقد الأيديولوجي" على حدّ تعبيره يناصر"عدّة قضايا أدبية وفنّيّة كبيرة مثل قضيّة الفنّ للحياة، وقضيّة الالتزام في الأدب والفنّ الهادفين، وقضيّة الواقعيّة في الأدب والفنّ، وتفضيل الأدب أو الفنّ القائد على الأدب أو الفن الصدى، ومن الواضح أنّ كلّ هذه القضايا ترتبط بواقع الحياة المعاصرة ومعاركها".
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث
أعمال موجهة: جهود رشاد رشدي في النقد الجديد
تعد بداية الستينيات الانطلاقة الفعلية للنقد الجديد في الوطن العربي، وقد حمل رايته مجموعة من الشباب الذين تغلغلوا في أوساط الثقافة الغربية بصفة عامة، والإنجليزية بصفة خاصة. وقد سعى هؤلاء النقاد العرب إلى ترسيخ مبادئ هذا النقد من خلال كتاباتهم ومؤلفاتهم أو حتى دعواتهم في محاضراتهم الأكاديمية، ولا أظن مدرسة نقدية استطاعت أن تثير في مصر من الجدل وأن تغذي العديد من المعارك النقدية مثلما فعلت مدرسة النقد الجديد"، ومن هؤلاء النقاد نذكر: عز الدين إسماعيل، شكري عياد جبرا إبراهيم جبرا ورشاد رشدي وغيرهم. ويعد هذا الأخير ناقد المرحلة دون منازع، حيث ناضل سنوات طويلة من أجل إرساء مبادئ هذا النقد، وتجلى ذلك في الكثير من كتبه النقدية، نذكر منها على سبيل التمثيل: ما هو الأدب النقد والنقد الأدبي، مقالات في النقد الأدبي وغيرهم.
وقد سانده في هذه الدعوة الجديدة مجموعة من النقاد عملوا على نقل مختلف النظريات الغربية الحديثة إلى النقد العربي، فقد كتب عبد العزيز حمودة عن كروتشي" في فن الجمال"، وكتب محمد عناني عن كلينث بروكس" في كتابه "النقد التحليلي"، ونشر سمير سرحان النقد الموضوعي الذي تناول الحديث عن ماثيو أرلوند"، إضافة إلى مؤلفات أخرى توالى إصدارها في السنوات اللاحقة، مثل "النقد الجمالي" للبنانية روز غريب، قراءة الرواية" لمحمد الربيعي التحليل اللغوي الاستاطيقي " لمصطفى ناصف. وتأسيسا على ماسبق، يرى بعض النقاد أن ما يسمى بـ المنهج الفني في النقد العربي ما هو إلا صدى مباشرا لمقولات النقد الجديد في المدرسة الأنجلو أمريكية، طبعا مع الإشارة الواضحة إلى أزمة المصطلح في النقد العربي الحديث، والتي ترافق أي نظرية غربية أو منهج نقدي يتم استحضارهما إلى الدرس العربي فالنقد الجديد لم يكن بمنأى عن هذه الفوضى الإصطلاحية العربية، فقد أخذ هو الآخر عديد التسميات، تذكر منها على سبيل المثال: النقد الجمالي النقد التحليلي، النقد الموضوعي التحليل اللغوي وغيرها.
رشاد رشدي ناقد المرحلة:
كما سبق القول، بعد رشاد رشدي رائد النقد الجديد في الوطن العربي، ومصر على وجه التحديد، وبرغم حياته العريضة والعميقة بل والممتعة في انجلترا فإنه لم يكن من المبعوثين الذين ينبهرون بكل ما هو أجنبي، فقد سلحته ثقافته وعلمه ونظراته النقدية بأسلحة التحليل والرؤية الثاقبة للإيجابيات والسلبيات على حد السواء، بحيث لم يحدث أن عشى بصره في مواجهة بريق الحضارة الغربية وأضوائها.
وقد أصدر عدة كتب هامة في مجال القصة والمسرح والرواية، ليتفرغ في المرحلة الأخيرة من مسيرته إلى مجال النقد الأدبي، ومن مؤلفاته نذكر: فن القصة القصيرة سنة 1959، وكتابه المشترك مع محمد مندور وسهير القلماوي مناهج النقد الأدبي في نفس السنة، وكتابه مقالات في النقد الأدبي سنة 1962، وكتاب نظرية الدراما من أرسطو إلى الآن عام 1968، وكتاب ما هو الأدب عام 1960 بالإضافة إلى هذه المؤلفات هناك عديد الكتب التي أصدرها باللغة الانجليزية.
ويعد كتابة ما هو الأدب أهم ما كتب في هذا المجال، حيث يقدم فيه الكاتب قراءات في مفاهيم نقدية عديدة، مثل مفهوم الأدب، وعلاقة الأدب بالعلم، ومدارس النقد الأدبي، وموضوعية الأدب، وبلاغة العمل الأدبي. وهو في رحلته هذه يسبح ضد تيار النقد السياقي الذي كان سائدا آنذاك، حيث التفسيرات الانطباعية والذاتية للنصوص الأدبية التي كان ينظر إليها على أنها انعكاس لنفسيات أصحابها، أو خلفية اجتماعية أو تاريخية الظروف إنتاجها، فخاض رشدي غمار تلك الحرب الضروس بكل شجاعة وثقة وكفاءة علمية.
فحول مقولة بلاغة العمل الأدبي يرى رشاد رشدي أن مفهوم البلاغة القديم ارتبط بالأسلوب، وعليه فالأسلوب البليغ هو الذي يرتبط بشخصية الأديب، ويعبر عنها بصدق. وقد ساد هذا المفهوم طويلا إلى أن جاء النقد الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، وغير المفاهيم القديمة، وأصبحت البلاغة تعنى بالعمل الفني فغي ذاته، وتسلط الضوء على مدى قدرة الأديب في إيجاد معادل موضوعي للإحساس الذي يود إيصاله للقارئ.
أما عن مقولة الشكل والمضمون، فقد عالجها الناقد من منظور العلاقة بين الأدب والعلم، وبين الأدب والحياة، لاسيما في ظل الخلط الكبير بين مضمون العلم ومضمون الأدب، والاعتقاد أنهما شيء واحد. غير أن الحقيقة غير ذلك، فالعلم يهتم بالمضمون لا بالشكل، أي أنه يبحث في العمل الأدبي من ناحية المعلومات والكم المعرفي، وبالتالي انتشر ما يسمى بـ أدب الخبر، حيث أصبح الناس يطالعون القصيدة أو القصة كما يطالعون الجريدة اليومية، فهم يبحثون فيها عن معلومات جديدة، وارتهنت قيمة العمل الأدبي بما يحتوي عليه مادة جديدة، أي أن موضوعه أو مضمونه هو الهدف النهائي منه.
وفيما يتعلق بمقولة موضوعية الأدب ينطلق رشاد رشدي في معالجته لهذه المقولة من الفكرة الشائعة التي تقول بأن الأدب تعبير عن شخصية صاحبه، وهو ما يدفع بالكثيرين إلى مراجعة حياة وسير الأدباء لفهم وتفسير أثارهم الأدبية، وهو مفهوم خاطئ على حد تعبير الناقد ويعد من مخلفات الرومانسية، لأن الذي يحدد قيمة العمل الأدبي ويعطيه قيمته هو العقل المبدع والتجارب الفنية وليست الشخصية أو ظروف النشأة، فحتى وإن كان لها دورا يبقى تأثيره محدودا.السند: "يقول رشاد رشدي: إنّ وظيفة النقد، أن يرى العمل الفنّي كما هو على حقيقته، لأنّ العمل الفنّي ليس تعبيرا عن المجتمع أو عن الكاتب، أو عن التاريخ، أو عن البيئة، أو عن أيّ شيء آخر، بل هو خلق عالم موضوعيّ كائن بذاته..، ومهما كانت الصّلات الأولى بين هذا العالم الموضوعيّ وهو العمل الفن، وبين العالم الخارجيّ، وهو تجربة الفنان. فإنّ هذه الصّلات قد انقطعت بمجرّد أن تمّت عمليّة الخلق، إذ بتمام هذه العمليّة يصبح العمل الفنّيّ كائنا له كيانه المستقل"
المطلوب: حلل وناقش القول مبيّنا جهود رشاد رشدي في النقد الجديد مبيّنا المبادئ الّتي كان ينادي بها في مؤلّفاته.
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالثأعمال موجهة 14: قضايا نقدية" الصدق الفني، الخيال، الجنس الأدبي
1. الجنس الأدبي:
1.1 أصل الأجناس الأدبيّة L origine des genres litteraires:
عرفت الأجناس الأدبيّة بتنوّعها وتعدّدها وذلك حسب مؤلّفها أو بنيتها الفنّيّة والدلاليّة والوظيفيّة والعصر الذي ظهرت فيه، و قد تميّز كلّ جنس بخصائصه وأسسه ومقوّماته التي جعلته يتفرّد عن بقيّة الأجناس الأدبيّة الأخرى، إذ لا يمكن لأديب أو ناقد أن يتغافل عنها باعتبارها معيارا من معايير تصنيف النصوص ودعامته الأساسية في التأليف أو النّقد، إذ يتعذّر على هذا الأخير فهمها وتفسيرها وتفكيكها وتركيبها، إذا لم ينطلق من مكوّناتها -الأجناس الأدبيّة- التي يرتكز عليها في دراسته وتحليله لها وتقويمها.
وقد عرفت هذه الأجناس بعدم ثباتها وتحوّلها،" فالأجناس الأدبيّة تأتي من أجناس أدبيّة أخرى، والجنس الجديد هو دائما تحويل لجنس أو لعدّة أجناس أدبيّة قديمة، عن طريق القلب أو الزّخرفة أو التّوليف"، ليفقد طابعه الّذي كان يعدّ جوهريّا فيه قبل ذلك، فقد كانت المسرحيّة في النقد الكلاسيكيّ شعرا، ثمّ صارت في العصر الحديث نثرا، شأنها شأن الملحمة قبل أن تموت في العصر الحديث، فالأدب حسب الدارسين متجدّد لا يستقرّ على حال، وهذا ما أشار إليه أندريه جولزAndre Jolles الّذي يقول " بأنّ الأشكال الأدبيّة المركّبة تتطوّر من وحدات أبسط..، والأجناس الأوّليّة أو البدائيّة..، بمزجها نصل إلى أجناس أخرى كالأقصوصة، الأسطورة..إلخ"، وهذا ما أكّده شكلوفسكي Shiklovsky وهو أحد الشّكلانيين الروس من خلال تناوله العلاقة التي تجمع بين الأنواع الأدبية البدائية – الأدب الشعبي والشّفهي- وبين الأشكال الأدبية المتطوّرة بقوله: " إنّ الأشكال الأدبيّة ما هي إلاّ تقنين ورفع لأنواع متدنّيّة – دون الأدبيّة-". وأوّل من اعتدّ بالأجناس الأدبيّة أساسا لنقده: أفلاطون الّذي ميّز بين السرد والحوار، فأرسطو الّذي تميّز عمّن سواه بتوفيقه بين الخصائص الفنّيّة وطبيعة الجنس الأدبي من خلال كتابه "فنّ الشّعر" الّذي عدّ الأساس الثابت لنظريّة الأجناس، معتبرا إيّاها كائنات حيّة عضويّة، تتوقّف عن النموّ بمجرّد بلوغها حدّ الكمال والاستقرار، ليعود الفضل لهما في تمييز الأجناس الشّعريّة الأساسيّة والجوهريّة الثّلاثة: الشعر المسرحي حيث يكون فيه الشاعر غائبا ليترك المجال لشخصياته، الشعر الملحمي يؤدّي فيه الشاعر دور المتحدّث، أو يعتمد فيه على الحوار المباشر بلسان شخصياته، والشعر الغنائي الّذي يعكس به الشاعر ذاته وشخصيّته.
2.1 النظرية الكلاسيكيّة والحديثة ودورهما في التمييز بين الأجناس الأدبية:
وإذا وقفنا على النظريّة الكلاسيكيّة وقارناها بالنّظريّة الحديثة في تمييزها للأجناس الأدبيّة، نجد أنّ النظريّة الكلاسيكيّة تنظيميّة إرشاديّة، ليست مبنيّة على اختلاف الجنس الأدبي في الطّبيعة والقيمة عن الجنس الآخر فحسب، بل ترى ضرورة الفصل بينهما بعدم المزج بينهما، وهذا المبدأ الشّهير يعرف بنقاء الجنس Genre Tranché، فكلّ جنس أو فنّ إلاّ وله خصائصه، وجانب من اللّذّة الّتي يثيرها في المتلقّي. كما أنّ لهذه النّظريّة تمييزها الاجتماعيّ للأجناس الأدبيّة؛ فالملحمة والمأساة مثلا تتناولان الموضوعات المتعلقة بالملوك والنبلاء، والكوميديا تتناول موضوعات تتعلق بالطبقة الوسطى(أهل المدينة والبرجوازيّة)، أمّا الأدب الهزلي الساخر فهو موجّه للعامّة، كما أنّها تميّز شخوص المسرحيّة- فكل نوع إلاّ وله ما يلازمه في مبدأ اللياقة ( التقاليد الطّبقيّة)-، إضافة إلى ذلك فهي تفرّق بين الأساليب وفنون القول منها الرفيع والمتوسّط والأدنى، حريصة كلّ الحرص على الترتب الهرميّ لهذه الأجناس الّذي نجده يرتكز على مجموعة من العناصر نذكر منها: طبقة الشّخوص، الأسلوب، الطّول، الحجم، وجدّيّة اللّهجة. أمّا نظريّة الأجناس الحديثة فهي نظريّة وصفيّة، لا تضع حدّا للأنواع الممكنة، ولا تضع قواعد للكتّاب، كما أنّها ترى إمكانيّة المزج بين الأنواع التّقليديّة مثل "التراجيكوميديا: المأسملهاة Rragicomedy. وهذا ما كان من الرومنطيقيّين العرب الّذين حاولوا "دمج بعض الأجناس الأدبيّة الغربيّة في الجنس الشّعري، فكتب بعضهم في الشّعر القصصي عوض القصّة وهذا كثيرا ما نجده عند خليل مطران، وعند العقاد و أبي شادي وشكري الّذي أقام الدّليل الواضح على هذا الدّمج حين أضاف إلى عنوان قصيدته: الشعر وصورة الكمال (القصّة)، كما أقدم بعضهم على إدخال بعض عناصر الفنّ المسرحي في القصيدة الشّعريّة..، ليصبح النّصّ الشّعريّ حوارا بين طرفين بحسب الدّور المسند إلى كلّ منهما "، وقد لاقت هذه الأجناس الأدبيّة الجديدة القبول من قبل الشّعراء أمثال الشابي وميخائيل نعيمة اللّذان تمثّلاها في قصائدهم.
وعليه فقد كان لترجمة الآداب الغربية في القرن التاسع عشر الأثر الكبير على الثّقافة العربية، التي استلهمت من تياراتها الأدبية أجناسا أدبية جديدة منها الرواية القصة والمسرحيّة، " وهي أجناس ما عرفها العرب من قبل أو قل هم ما ألّفوا بمثل ما استقامت به عند الغربيين من أصول ثابتة وقواعد متداولة"[7]. ففي مجال القصّة برز جبران خليل جبران بمؤلّفه "الأرواح المتمرّدة"، وفي مجال المسرح ميخائيل نعيمة"الآباء والبنون" إذ أنّه استطاع أن يجد حلا لمشكلة اللغة المسرحيّة، بأن جعل الشخصيات المتعلمة تتكلم الفصحى وغير المتعلّمة تتكلّم العربيّة الدارجة"، و برز أيضا في مجال الرواية بروايته" مذكرات الأرقش". كما ظهرت أجناس أدبية أخرى تمثّلت في الترجمة الذّاتية التي يفسّر في ضوئها الأدب وسيكولوجيّة الأديب، إذ نجدها "تتحدّد بهويتين اثنتين: هوية الكاتب مع السارد، تلخّصها أداة التّصوير الذّاتي التي تسمح بتمييز السيرة عن السيرة ( البيوغرافيا) أو عن المذكرات، وهوية السارد مع الشخصيّة الرئيسيّة التي تفصل السيرة الذاتية والمذكرات عن الرواية، حتّى لو كانت هذه الأخيرة مستمدة من حياة الكاتب، إنّ هذه الهويّة تفصل إجمالا جميع الأجناس الإحاليّة أو التاريخيّة عن الأجناس التخييليّة". وقد عرفت باسم فن السيرة أو الترجمة الذاتية "اليوميات، المذكرات و الرسائل"، وهذه الممارسات الإبداعيّة كانت نتيجة لظروف جعلت الأدباء ينصرفون إلى ذواتهم ومجتمعهم، من ذلك مذكرات ورسائل الشابي، إلاّ أن هذه المحاولات لم تبلغ من الكمال والاتساع والتطوّر والنضج الفني ما بلغته الأجناس الغربية مقارنة بالشعر الّذي جاد فيه الشعراء وأبدعوا، وهذا ما عبّر عنه ميخائيل نعيمة في حكمه على قصص جبران خليل جبران بقوله: " كان فنّ القصّة في الأوج عند الفرنجة، وجنينا عندنا أيّام انبرى له جبران، ولكنّ الحياة ما أعدّته لذلك الفنّ، فلم يبدع فيه ولم يحلّق، وأعدّته لفنون أخرى فأبدع فيها وحلّق".
2. الصدق الفنّي:
يعدّ الصّدق الفنّيّ مقياسا من مقاييس النّقد الأدبيّ، وهذا الأخير يعكس صدق التجربة الحيّة عند الأديب بانفعالاته وخلجاته ومشاعره العميقة التي يحسها في نفسه نتيجة تأثره بعوامل ومؤثّرات، ليبعثها في نفس المتلقي ويبثّها فيه، إنّه" ينبعث عن سبب غير زائف ولا مصطنع، حتى يكون عميقا، يهب للأدب قيمة خالدة"، فالأديب لا يستطيع أن" يعرض عواطفه القويّة أو بعثها في نفوس قرّائه دون أن يحسّها في نفسه قويّة، ثمّ يتنفّس عنها بهذا الأدب القويّ التأثير، والشّاعر لا يبكيك إلاّ إذا استنفذ ماء شؤونه، ولا يجيشك إلاّ إذا استطار الهوى بلبه. والعامل الفذّ للظّفر بالسلطان العاطفي على القارئ، هو انبعاث الشّعر والنّثر عن نفس منفعلة صادقة الشّعور". فالشاعر الحقّ هو من يشعر ويشعر على حدّ تعبير العقاد، هو الّذي يعكس بمشاعره وعواطفه القويّة واقعه بمواقفه مستعينا في ذلك بأسلوبه التخييلي الّذي يعبّر به عن الحقيقة، حتى يوقظ به العواطف ويثير به الأفئدة. إنّه تعبير فنيّ يصوّر به" آلام الإنسانية؛ ذلك التّصوير الّذي يعدّ مصدرا خصبا للفضائل النّفسيّة، وللنّصوص الأدبيّة السّامية"، وهذا ما أكّده رسكنRuskin في تعريفه للشّعر بقوله:" الشّعر هو اقتراح الخيالِ البواعثَ النّبيلة للعواطف النّبيلة". ليعكس بذلك الصدق الفني والعاطفيّ صدق التجربة الوجدانية، التي يعكس بها تجارب الإنسانيّة التي استقاها من محيطه وواقعه الاجتماعيّ بتناقضاته وصراعاته قصد معالجتها.
ويقصد بالصّدق هنا" تلك الصّفة الّتي تجعل الأديب ينقل إلينا العلائق وما يرتبط بها من مشاعر نقلا أمينا، تتضح فيه بواعثنا البشريّة ونوازعنا الوجدانيّة"، ليبلغ بذلك إحساس المتلقّي" فالفضل لا يرجع إلى القالب أو اللفظ كما يبدو في الظّاهر، وإنّما يرجع إلى القدرة الفنّيّة العامّة الّتي تنبع من الأحاسيس أو المعاني نفسها" وتتلخص شروط الصدق الفني والعاطفي في مايلي:
- أن يلم بنفس الشّاعر، ومبعث هذا الصدق صدق التجربة النفسية الصادقة والموحية التي ينطلق فيها من أحاسيسه، وانفعالاته ومواقفه تجاه الحياة والكون والطبيعة، تجاه الذات المبدعة والذّات الإنسانيّة التي تربط بينهما نفس المواقف.
- أن يزيد النصّ جلاء وقربا، لا أن يقف أمام حقائق الكون حجابا، بأن يلتزم بالصدق والاعتدال في التعبير الشعوري وعدم المغالاة فيه، حتى لا يبتعد عن الأسباب الواقعيّة التي أثارها الأديب.
- حدّة التصوير التي تتولّد عن حدّة الشعور وقوّة الإحساس الّتي من شأنها إثارة انفعال المتلقي والتّأثير فيه، لتحركه بالاتجاه الّذي تريد دون أن نشعر يقول شوقي: "إنّ المحكّ الّذي لا يخطئ في نقد الشعر هو إرجاعه إلى مصدره، فإن كان لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس، فذلك شعر القشور والطّلاء، وإن كنت تلمح من وراء الحواس شعورا حيّا ووجدانا تعود إليه المحسوسات- كما تعود الأغذية إلى الدّم ونفحات الزّهر إلى عنصر العطر- فذلك شعر الطّبع القويّ والحقيقة الجوهريّة".
3. الخيال:
يعد الخيال من أهمّ عناصر الأدب التي يعبّر بها الأديب عن ثورته وانفعالاته الوجدانيّة، وترجمان تجاربه وأفكاره وخلجاته النفسية التي يثير بها العواطف والأحاسيس، إنّه بالنسبة للشاعر صدى شعره ومشاعره " يصل المادّة بالرّوح، والرّوح بالمادّة، ناقلا التّجربة في الآن ذاته إلى طور التّجسيد..، هو الّذي يحتضن العالم الخارجي بجموده وثباته ومعطياته الدائمة ويبدعه من جديد تحت وطأة الانفعال"، ليفصح به عن خبايا النفس المبدعة ومشاعرها أحاسيسها وكذا أحاسيس النّفس الإنسانيّة. به تثار العواطف وتحرّك الأفئدة وتخاطب العقول،" فالكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان"، ليعكس به قدرته الفنّيّة التي يؤثّر بها في المتلقّي، "فالنّفس الفنّيّة جِبِلّة واحدة تختلف ما تختلف، لكنّها تتفق في المعدن الأصيل الّذي يجمع بينهما عند دقّة الإحساس وحبّ الجمال، وإنّما تختلف من ناحية الحاسّة الّتي تبلّغها رسائل الجمال، والوسيلة الّتي تعبّر بها عمّا يخامرها من إلهاماته وخواطره. فالشّاعر لا يخلو من ملكة الألوان والأشكال والفطنة إلى الحركات والأنغام، والمصوّر لا يخلو من معنى الشّعر وأصداء النّغم التي تراها العين معكوسة على صور الأشياء"، ليكسب بذلك النصوص بعدا إيحائيا جماليا فنّيا من خلال ما يضيفه للمعاني من قوّة بأساليبه الموجزة، وتشخيصه وتجسيد لصوره التي يستقيها من بيئته ووسطه الّذي يعيش فيه. وأوّل من تناول هذه القضيّة النقديّة في العصر الحديث باعتراف من العقاد عبد الرحمـ'ن شكري، الّذي تأثر بنظريّة الخيال الغربية وطبّقها على شعره مفرقا بينه وبين الوهم في قوله: "إنّ الخيال هو أن يظهر الشّاعر الصّلات بين الأشياء والحقائق، ولا بدّ أن يعبّر عن الحقّ، والوهم هو أن يتوهّم الشّاعر بين شيئين صلة ليس لها وجود، وهذا الوهم يُغرى به الشّعراء الصّغار ولم يسلم منه الكبار"، وعليه فالخيال مرتبط بالعقل من ناحية والعاطفة من ناحية أخرى، إذ يشترط فيه الصّدق في التعبير وعدم البعد عن الحقائق، حتى يتمكّن المتلقي من فهم تلك الآثار وما تحمله من أبعاد يعكس بها الشاعر واقعه بصوره وألوانه البيانية والبلاغيّة.
وقد عدّه العديد من النقّاد أساس الشّعر من بينهم أرسطو الّذي نجده يحدّد مفهوم الشّعر بقوله:" إنّ الابتكار أساس الشّعر، فالشّعر عنده صورة مخترعة يخلقها الشّاعر بقوّة خياله، والوزن عنده شيء إضافيّ يلحق بالصّورة حين يتمّ خلقها في قلب الشّاعر"، فالشعر حسب رأيه ضرب من التصوير الجميل، يترجم به أفكارا معينة، مستعينا في ذلك بالأخيلية التي تعدّ ملكة تمتلكها الذّات المبدعة؛ لغة العواطف والوجدان. فالشّعر الحقيقي" هو الّذي يحمل للنّاس أبّهة الخيال، فيظهر للنّاس في وحدة جميلة بديعة تسترعي الأنظار وتخلّب الألباب"، وهذا يعكس قدرة الشاعر في جمعه بين العملية الإبداعية والتصوير الفنّي البارع والفريد، الّذي لا يمتلك ناصيته إلاّ المجيد الملهم الذي يمتلك هذه الملكة.
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث
أعمال موجهة 14: النقد الحديث بين النظري والتطبيقي
ناقش النقد الأدبي الحديث من منظور نظري وتطبيقي، موضحًا:
-
المبادئ النظرية التي يقوم عليها، مع ذكر أبرز المدارس النقدية الحديثة في العالم العربي والغربي.
-
الأسس التطبيقية التي يعتمدها النقاد عند تحليل النصوص الأدبية، مع التمثيل بأموذج من الشعر أو الرواية.
-
التحديات والمآخذ على هذا النقد عند الانتقال من النظرية إلى التطبيق، وطرق تجاوزها.
-
-

أوّلا: المصادر:
1- إبراهيم عبد القادر المازني: ديوان المازني، مؤسّسة هنداوي للتّعليم والثّقافة، القاهرة، د.ط، د.ت.
2- خليل مطران: ديوان الخليل" نظم خليل مطران"، ج1، مطبعة دار الهلال، مصر، ط1، 1907م.
3- عبد المنعم الحنفي: المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3، 2000.
4- محمد التونجي:
- المعجم المفصّل في الأدب،ج1، دار الكتب العلمية، لبنان، ط3، 1419هـ- 1999م.
- المعجم المفصل في الأدب، ج2، دار الكتب العلمية، لبنان، ط2، 1419هـ- 1999.
5- محمود سامي البارودي: ديوان البارودي، دار العودة، بيروت، د.ط، 1998.
6- مجدي وهبه، كامل المهندس: معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، بيروت، ط2، 1984.
ثانيا: المراجع:
أ- بالعربية:
1- إبراهيم أحمد ملحم: تحليل النص الأدبي" ثلاثة مداخل نقدية"، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2016.
2- إبراهيم السعافين، خليل الشيخ: مناهج النقد الأدبي الحديث، منشورات جامعة القدس المفتوحة، الأردن، ط1، 1997.
3- أحمد الشايب: أصول النقد الأدبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط10، 1994.
4- أحمد عزّت عبد الكريم: تاريخ التعليم في عصر محمد علي، مكتبة النّهضة المصريّة، د.ب، د.ط، 1938.
5- أحمد هيكل: تطور الأدب الحديث في مصر" من أوائل القرن التاسع عشر إلى قيام الحرب الكبرى الثانية" دار المعارف، القاهرة، ط6، 1994.
6- إيليا سليم الحاوي: نماذج في النقد الأدبي وتحليل النصوص، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط3، 1969.
7- أنور الجندي: خصائص الأدب العربي في مواجهة نظريات النقد الأدبي الحديث، دار الكتاب اللبناني، لبنان، ط2، 1985.
8- السعيد الورقي: لغة الشّعر العربي الحديث، دار النهضة العربية، بيروت، ط3، 1984م.
9- بتول قاسم ناصر: محاضرات في النقد الأدبي، مركز الشهيدين للدراسات والبحوث، د.ب، د.ط، د.ت.
10- بدوي طبانة: التيارات المعاصرة في النقد الأدبي، دار المريخ للنشر، الرياض، د.ط، 1968.
11- بطرس البستاني: أدباء العرب في الأندلس وعصر الانبعاث "حياتهم، آثارهم، نقد آثارهم"، دار نظير عبود، بيروت، د.ط، د.ت.
12- جان الديك، سامي خوري: الدّليل الأدبي " خلاصات، خصائص، عصور وأدباء، الأهليّة للنّشر والتّوزيع ، بيروت، د.ط، 1981.
13- حسن كامل الصيرفي: ديوان البحتري، ج2، دار المعارف، القاهرة، ط3، د.ت.
14- حسن المرصفي: الوسيلة الأدبية للعلوم العربية، ج2، مكتبة الثقافة الدينيّة، القاهرة، ط1، 2012.
15- حسن جاد حسن: على هامش النقد الأدبي الحديث، دار المعلم للطباعة، د.ب، د.ط، 1978.
16- حسين علي محمد: الأدب العربي الحديث الرؤية والتشكيل، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، د.ط، 2006.
17- حنا الفاخوري: تاريخ الأدب العربي، المطبعة البولسيّة، د.ب، ط2، 1953.
18- رئيف خوري: الفكر العربي الحديث" أثر الثورة الفرنسية في توجهه السياسي والاجتماعي"، مؤسسة هنداوي، د.ط، 2020.
19- رشيد العبيدي: دراسات في النقد الأدبي، ج1، مطبعة المعارف، بغداد، ط1، 1969.
20- زكي مبارك: أحمد شوقي، دار الجيل، لبنان، د.ط، 1407هـ - 1988م.
21- زين الدين المختاري: المدخل إلى نظرية النقد النفسي" سيكولوجية الصورة الشعرية في نقد العقاد نموذجا"، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، د.ط، 1998.
22- سامي سويدان: أبحاث في النص الروائي العربي، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2000.
23- سعاد محمد جعفر: التجديد في الشعر والنقد عند جماعة الديوان، جامعة القرى، مكة المكرمة، 1973.
24- سعيد علوش: معجم المصطلحات الأدبيّة المعاصرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1405هـ- 1985م.
25- سعد الدين كليب: النقد العربي الحديث" مناهجه وقضاياه"، مديريّة الكتب والمطبوعات الجامعية، حلب، د.ط، 1462هـ- 2005م،
26- سلامة موسى: ماهي النهضة؟، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، د.ط، 2012.
27- سلمى الخضراء الجيوسي: الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث، تر: عبد الواحد لؤلؤة، مركز دراسات الوحدة، لبنان، ط2، 2007.
28- سمير حجازي: مدخل إلى مناهج النقد الأدبي المعاصر، دار التوفيق للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1425هـ- 2004م.
29- سيد قطب: النقد الأدبي" أصوله ومناهجه"، دار الشروق، القاهرة، ط3، 1424- 2003.
30- شفيق البقاعي: الأنواع الأدبيّة مذاهب ومدارس، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، لبنان، ط1، 1985.
31- شعبان عبد الحكيم محمد: معايير نقد الشعر العربي " قديما وحديث"، دار العلم والإيمان للنشر والتوزيع، د.ط، 2018.
32- شكيب أرسلان:النهضة العربية في العصر الحاضر، الدار التقدمية، لبنان، ط1، 2007.
33- شوقي ضيف:
- النقد، دار المعارف، القاهرة، ط5، د.ت.
- في النقد الأدبي، دار المعارف، القاهرة، ط9، د.ت.
- البحث الأدبي" طبيعته، مناهجه، أصوله، مصادره"، دار المعارف، القاهرة، ط6، د.ت.
34- صابر عبد الدّايم: أدب المهجر" دراسة تأصيليّة تحليليّة لأبعاد التّجربة التأمّليّة في الأدب المهجري"، دار المعارف، القاهرة، ط1 ،1993م.
35- صالح هويدي: المناهج النقدية الحديثة " أسئلة ومقاربات"، دار نينوي للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 1436هـ- 2015م.
36- صلاح زكي أحمد: أعلام النهضة العربي الإسلامية في العصر الحديث، مركز الحضارة العربية، القاهرة، ط1، 2001.
37- صلاح فضل:
- منهج الواقعيّة في الإبداع الأدبي، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1980.
- مناهج النقد المعاصر، ميريت للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2002.
38- صلاح لبكي: لبنان الشاعر، منشورات الحكمة، بيروت، ط1، 1954.
39- طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، مطبعة المعارف ومكتبتها، مصر، ط3، 1356هـ - 1937م.
40- ضيف الله محمد الأخضر: محاضرات في النهضة العربية الحديثة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، د.ط، 1980.
41- طه حسين: من حديث الشّعر والنّثر، هنداوي للتعليم والثقافة، مصر، د.ط، د.ت.
42- عباس محمود العقاد:
- مراجعات في الآداب والفنون، دار الكتاب العربي، بيروت، د.ط، 1966م.
- عباس محمود العقاد: مطالعات في الكتب والحياة، دار المعارف، مصر، ط4، 1987م.
- عباس محمود العقاد، إبراهيم عبد القادر المازني: الديوان في الأدب والنقد، دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة، ط4، د.ت.
43- عبد الحكيم راضي: النقد الإحيائي في ضوء التراث "الاستمداد المباشر من التراث"، دار الشايب للنشر، القاهرة، ط1، 1993.
44- عبد المجيد زراقط: النقد الأدبي" مفهومه، مساره التاريخي ومناهجه"، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، لبنان، ط1، 1440هـ - 2019.
45- عبد الواحد لؤلؤة: موسوعة المصطلح النّقدي المجلّد الثالث، المؤسّسة العربية للدّراسات والنشر، بيروت، ط1،1983 .
46- عز الدين الأمين: نشأة النقد الأدبي الحديث في مصر، دار المعارف، مصر، ط2، 1390هـ - 1970م.
47- عزت السيد أحمد: المدخل إلى عصر النّهضة العربيّة، منشورات تشرين، سوريا، ط1، 1425هـ- 2006م.
48- علي جواد الطاهر: مقدمة في النقد الأدبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1979.
49- علي مصطفى صبح: من الأدب الحديث في ضوء المذاهب الأدبيّة والنّقديّة، ديوان المطبوعات الجامعيّة، د.ط، 1984م.
50- عمر الدسوقي:
- في الأدب الحديث، ج1، دار الفكر، القاهرة، ط8، 1973.
- نشأة النثر الحديث وتطوره، دار الفكر العربي، القاهرة، د.ط، 2007.
51- فاروق شوشة: ديوان عبد الرحمن شكري، المجلس الأعلى لثقافة، د.ب، د.ط، 2000.
52- فؤاد القرقوري: أهم مظاهر الرومنطيقية وأهم المؤثرات الأجنبية فيها، الدار العربية للكتاب، توني، د.ط، 1984.
53- فائق متى إسحق: مذاهب النقد ونظرياته في إنجلترا قديما وحديثا، ج1، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
54- لجنة من الباحثين: في النقد الأدبي، مؤسسة ناصر للثقافة، د.ب، ط1، 1981.
55- مصطفى هدّارة: دراسات الأدب العربي الحديث، دار العلوم العربيّة، بيروت، لبنان، ط1، 1990م.
56- محمد علي بيضون: ديوان أبي القاسم الشابي، تقديم وشرح: ، منشورات دار الكتب العلمية، لبنان، ط4، 2005.
57- محمد شيّا: الأمير شكيب أرسلان " النّهضة العربيّة في العصر الحاضر"، الدار التقدمية، لبنان، ط1، 2007.
58- محمد عبد المنعم خفاجي:
- دراسات في الأدب العربي الحديث ومدارسه، ج1، دار الجيل، بيروت، ط1، 1412هـ- 1992م.
- محمد عبد المنعم خفاجي: مدارس النقد الأدبي الحديث، الدار المصرية اللبنانية، ط1، 1416هـ - 1995م.
59- محمد عوض: لغة الشعر العربي الحديث، مطبعة الجيزة، الإسكندرية، د.ط، د.ت.
60- محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، د.ط، 1997.
61- محمد كامل الخطيب:
- نظرية الشعر " كتب مدرسة الديوان"، منشورات وزارة الثقافة، سوريا، د.ط، 1996.
- نظرية الشعر" مرحلة مجلة أبولو" مقالات- شهادات"، ج2، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، د.ط، 1996.
62- محمد مصايف:
- النقد الأدبي الحديث في المغرب العربي،المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط2، 1984.
- دراسات في النقد والأدب، المؤسسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، د.ط، 1988.
63- محمد مصطفى هدارة: دراسات في الأدب العربي الحديث، دار العلوم العربية، لبنان، بيروت، ط1، 1410هـ - 1990م.
64- محمد مندور:
- النقد والنقاد المعاصرون، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، د.ط، 1997.
- في الأدب والنقد، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، د.ط، 1988.
- النقد المنهجي عند العرب، نهضة مصر للطباعة والنّشر والتوزيع، د.ط، 1996.
65- ميجان الرويلي، سعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط3، 2002.
66- نسيب نشاوي: مدخل إلى دراسة المدارس في الشّعر العربي المعاصر "الاتباعيّة-الرّومانسيّة-الواقعيّة-الرّمزيّة"، ديوان المطبوعات الجامعيّة، د.ط، 1984م.
67- نغم عاصم عثمان: الرّومانسيّة بحث في المصطلح وتاريخه ومذاهبه الفكريّة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة، العتبة العبّاسيّة المقدّسة، ط1، 1439هـ-2017م.
68- وليم الخازن: تباشير النّهضة الأدبيّة، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط1، 1993.
69- يوسف عز الدين: التجديد في الشعر الحديث" بواعثه النفسية وجذوره الفكرية"، دار البلاد، جدة، ط1، 1406هـ - 1986.
70- يوسف وغليسي: مناهج النقد الأدبي " مفاهيمها وأسسها، تاريخها وروّادها، وتطبيقاتها العربية"، جسور للنشر والتوزيع، الجزائر، ط3، 1436هـ - 2015م.
ب- المترجمة:
1- إنريك أندرسون إمبرت: مناهج النقد الأدبي، ترجمة: الطاهر أحمد مكي، مكتبة الآداب، القاهرة، د.ط، 1412- 1991م.
2- تزفيطان تودوروف: نظريّة الأجناس الأدبية "دراسات في التناص والكتابة والنقد"، ترجمة: عبد الرحمـ'ن بوعلي، دار نينوي للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 1437هـ- 2016.
3- ديفيد ديتش: مناهج النقد الأدبي " بين النظرية والتطبيق"، ترجمة: محمد يوسف نجم، دار صادر، بيروت، د.ط، د.ت.
4- رينيه ويلك وآخرون: نظريّة الأدب، ترجمة: عادل سلامة، دار المريخ للنشر، الرياض، د.ط، 1992.
5- س. بيتروف: الواقعية النقدية في الأدب، ترجمة: شوكت يوسف، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، د.ط، 2012.
6- كارلوني وفيللو:النقد الأدبي، ترجمة: كيتي سالم، منشورات عويدات، بيروت، ط2، 1984.
7- ويلبريس سكوت: خمسة مداخل إلى النقد الأدبي، ترجمة: عناد غزوان ، جعفر صادق، دار الرشيد للنشر، العراق، د.ط، 1981.
ت- المجلات والدوريات:
1- حنان حمودة: ملامح المنهج الواقعي في كتاب" دراسات نقدية للناقد حسين مروة"، مجلة بدايات، الأردن، مج1، ع3، ديسمبر2019.
2- عباس أرحيلة: حازم القرطاجنّي ومسألة التّأثير الأرسطي في النقد العربيّ القديم، مجلة عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع2، مج32، أكتوبر- ديسمبر2003.
ث- الرسائل الجامعيّة:
1- عبد المجيد حنون: اللانسونية وأبرز أعلامها في النقد العربي الحديث، مخطوط رسالة دكتوراه، جامعة الجزائر، 1991.

