Résumé de section


  • المحاضرة الثالثة: تاريخ الفكر اللساني (1)

    عناصر المحاضرة:

    • مقدمة
    • أولاً: البحث اللساني عند الفينيقيين
    • ثانياً: البحث اللساني عند الهنود
    • ثالثاً: البحث اللساني عند اليونان

    مقدمة:

    يطرح كل باحث عند دراسة اللسانيات العامة مجموعة من التساؤلات، منها: متى ظهر البحث اللساني؟ وكيف تطور عبر الزمن؟ وما هي أهم القضايا اللسانية التي تناولها؟

    وتجدر الإشارة في البداية إلى أن البحث اللساني القديم كان مرتبطًا بالإنسان نفسه، فقد اهتم الإنسان منذ عصور قديمة بالظاهرة اللسانية، وكان الدافع في الغالب دينيًا، يتمثل في حفظ الكتب الدينية التي كان الناس يتعبدون بها. وكانت كل حضارة تضيف ما توصلت إليه من معارف جديدة إلى رصيد البحث اللساني.

    وتلك هي طبيعة العلم، كما قال أبو حيان التوحيدي:

    "لا يُعتَبر بناء العلم شيئًا فشيئًا، إلا بصفح الأخير قوًى للأول، واستيلائه على ما فاته."¹

    ولذلك، لن نستطيع تناول كل تفاصيل هذه المراحل، وإنما سنقف عند أهم المحطات التي تمركز بها البحث اللساني، وهي كما يلي:


    أولاً: البحث اللساني عند الفينيقيين

    حاول الإنسان منذ القدم أن يحفظ الكلام من الزوال عن طريق الكتابة، فتم اختراع ما يُسمى بالكتابة التصويرية، حيث يصور الكاتب - بالنقش على الحجر أو على أي مادة صلبة - المعاني بالكلمات، بصور أو رسوم ترمز من قريب أو من بعيد لتلك المعاني، مثل تصوير الشمس أو الأسد.

    هذا النوع من التحليل اللساني يركّز على المعنى، وبذلك تمكن الإنسان لأول مرة من أن ينقل معلوماته لأقرانه من مسافة بعيدة أو عبر الأجيال، غير أن هذه الطريقة كانت محدودة الاستخدام.

    في القرن 15 قبل الميلاد، فكر الفينيقيون في إجراء تحليل آخر للسانهم، فتوصلوا إلى معرفة الصفة الجوهرية التي يتصف بها الكلام، وهي صفة التقطيع الممزّد، أي أنه يتكون من مستويين متداخلين من الوحدات اللسانية:

    • مستوى الوحدات الدالة: الكلمات
    • مستوى الوحدات غير الدالة: الحروف

    وبذلك حصروا عدد الحروف أو الوحدات الصوتية في لغتهم، ووضعوا رمزًا خطيًا يمثل كل وحدة (حرف). وصارت الكتابة تمثيلًا للأصوات، أي كتابة هجائية، بعد أن كانت تصويرًا للمعاني. وإن كانت هذه الكتابة مشوبة ببعض النقص، لأنها اقتصرت على الحروف الصامتة (consonnes) ولم تمثل الحروف الصائتة (voyelles).

    وقد كان هذا الاختراع مهمًا في تاريخ البشرية، إذ استفادت منه كل الأمم التي جاءت بعدهم. وعبّر عالم لسانيات، أنطوان ميي، عن هذا قائلًا:

    "الذين اخترعوا الكتابة وحسّنوها هم في الحقيقة من أكبار اللغويين، بل هم الذين ابتدعوا علم اللسان."¹


    ثانياً: البحث اللساني عند الهنود

    كانت اللغة السنسكريتية (اللغة الهندية القديمة) لغة الهنود، التي كُتبت بها كتبهم المقدسة، ومن أشهرها كتاب الفيدا (Veda).

    وكانت هذه اللغة لغة العلم والثقافة في القرن الخامس قبل الميلاد، وبمرور الزمن بدأت تفصاحتها تضيع من ألسنة الناطقين بها من الجيل الجديد، مما أدى إلى سوء فهم هذه الكتب.

    فشرع العلماء بالاهتمام بالبحث الموضوعي الواسع لتدوين هذه اللغة قصد حفظها من الضياع، فكان نظرهم إلى اللغة نظرة وصفية علمية، أي وصف اللغة كما هي في فترة زمنية محددة، وصفًا مبنيًا على الملاحظة والاستقراء، أي تتبع الجزيئات للوصول إلى قانون كلي.

    فقد استطاعوا أن يصفوا مخارج الحروف وصفًا دقيقًا في لغتهم، كما اكتشفوا خاصية المد ودورها في التمييز بين بعض الحروف، ووضعوا معجمًا يجمع مفرداتها.

    وأشهر هؤلاء هم بانيني (Panini)، الذي يُقابِل سيبويه عند الهنود. وكان الأوروبيون - وخاصة الإنجليز - معجبين بصوتيات الهنود، حيث قال أحد علمائهم، جون روبرت فيرث، عن اللغة الإنجليزية:

    "لولا النحاة والصوتيون الهنود، لَصعب علينا الآن أن نتصور مدرستنا الصوتية التي ظهرت في القرن التاسع عشر."²


    ثالثاً: البحث اللساني عند اليونان

    استعار اليونانيون من الفينيقيين كتابتهم الهجائية، وأضافوا عليها رموزًا أو علامات تشير إلى الأصوات الصائتة، وبذلك تحولت الكتابة لديهم من هجائية إلى أبجدية، لأنها تمثل جميع الحروف الموجودة في اللغة، بصوتها الصامت والصائت.

    وقد توصلوا إلى أن الحرف الصامت لا يمكن النطق به إلا مع حرف مصوّت، وهذا التقسيم للحروف إلى صامتة وصائتة صار أساس كل التحليل اللاحق للغات الأوروبية.

    وكان هذا قبل ظهور الفلسفة اليونانية في القرن الخامس قبل الميلاد، التي أثرت بدورها في البحث اللساني عبر المنهج التأملي، وكان تأثيرها عظيمًا فيما بعد على جميع الحضارات التي جاءت بعدها: الرومانية، الفارسية، الهندية، العربية الإسلامية، والأوروبية.

    وأقدم فيلسوف تناول هذا المجال كان أفلاطون، الذي أثار في كتابه "كراتيلوس" مسألة أصل اللغة، وهل هي طبيعية النشأة أم هي تواضع اصطلاح بين الناس؟ وكان يميل إلى أنها طبيعية، بينما رأى تلميذه أرسطو أنها تواضع واصطلاح. كما طرحوا مسألة العلاقة بين اللفظ والمعنى وطبيعتها.


    ¹ أبو حيان التوحيدي – الامتناع والمؤانسة، ص. 33
    ² عبد الرحمن الحاج صالح – بحوث ودراسات في علوم اللسان، ص. 48-50
    ³ نفس المرجع،