الدكتور امحمد لقدي/ المدارس اللسانية-المحاضرة05
Section outline
-
المحاضرة الخامسة : مدرسة كوبنهاجن
1-نشأتها وتأسيسها:
تأسّست هذه المدرسة في مطلع القرن العشرين ،1933، في كوبنهاجن بالدنمارك، على يد لويس هيلمسليف (louis hjelmslev) (1899-1965) ([1]) وفيغو بروندال (Vigo Brundall) (1887-1942) متأثرة بالمفاهيم الجديدة التّي جاء بها سويسر، بتوجه بنوي صرف. فكانت واحدة من أهم المدارس البنوية مع مدرسة جنيف ومدرسة براغ. وقد عرفت هذه المدرسة بالغلوسيماتيك (glossématique)؛ فقد وضع هيلمسلف مصطلح الغلوسيماتيك (Glossématique) انطلاقا من الأصل التأثيلي في اللغة اليونانية (Glossa ) الذي يعني اللسان (Langue ) . لجأ يلمسلف إلى هذا المصطلح ليميز نظريته من النظريات اللسانية السابقة ، تلك النظرية التي كانت تعميقا للأسس والمفاهيم التي جاء بها دي سوسير في بداية القرن العشرين ، ومن أهم هذه الأسس الطابع المميز للمنهج اللساني الذي يتعامل مع اللغة من حيث كونها هدفًا في ذاتها وليست وسيلة فحسب.
والغلوسيماتيك، أيضا، تعني، في القاموس الإغريقي؛ شكل اللّغة، وعليه فقد لخّص هذا المصطلح منهج دراستها، أي اعتماد المنهج التّحليلي والاستنباطي، ودراسة اللّغة على أنّها صورةforme وليست مادةsubstance ، معتبرة إيّاها حالة خاصة من النّظام السّيميائي. فمثلت بشكل أوضح فكرة أنّ اللّغة هي شكل وليست مادة.
تمسّكت هذه مدرسة كوبنهاجن، أكثر من المدارس الأخرى، بتعاليم سوسير، رغم أنّها كانت مرتبطة في كثير من الجوانب بالتّقاليد القديمة. وهكذا، حاولت مرة أخرى الجمع بين المنطق والقواعد. فتولى هيلمسليف التفسير النفسي للعلامة اللغوية وبالتّالي مدّد دراسته للعلامة أبعد من اللّغة على هذا النّحو.
أمّا بروندال فقد أكد أن الخصائص الرسمية للنظام يجب أن تبقى منفصلة عن جوهرها. ووفقًا لذلك، قدم هيلمسليف، بصفته الشخصية الرئيسية لهذه المدرسة في ثلاثينيات القرن الماضي، أساسًا لغويًا رسميًا، عُرف فيما بعد باسم المبادئ اللّغوية (ازدواجية الإشارة اللغوية). صاغ نظريته اللغوية مع هانز يورغن أولدال كمحاولة لتحليل التعبير (الأصوات والقواعد النحوية) والمحتوى اللغوي على أساس متماسك. لقد افترض أنّ اللّغة لم تكن أداة الاتصال الوحيدة، وكان مهتمًا بنظريّة عامة لعلامات الاتصال أو السّيميائية أو علم السيميولوجيا[2].
وفقًا لهيلمسليف، فإنّ الهدف من النّظرية اللغوية، هو تحليل نظام التّتابعات الذّي يشكّل بنية لغة معينة، وتسمى هذه التّتابعات "وظائفا" (functions). وكما يتضح، فإنّ هذا المصطلح مطابق للمصطلح الذي استخدمه علماء براغ، لكنّ معناه مختلف تمامًا بالنّسبة للمدرستين: بالنّسبة لبراغ ، فإنّه يعين شيئًا خارجيًا عن بنية اللّغة (على سبيل المثال، الشّعري أو التّواصليّ)؛ أمّا بالنّسبة لهيلمسليف فإنّه يشير إلى التّتابعات الدّاخليّة التّي تشكّل البنية نفسها[3].
2- مبادئ هـذه المـدرسـة:
استقت هذه المدرسة مبادئها من سوسير، معتبرة أنّها شكّلت الفهم الصحيح له، عكس مدرسة براغ التّي حرّفت كثيرا من أفكاره. وأهم هذه المبادئ هي:
- اللّغة ليست مادّة، وإنّما هي صورة أو شكل.
- تشترك اللّغات في المحتوى، باعتبارها تعبّر عن نفس المحتوى.
- النّظريّة الكفيلة بوصف جميع اللّغات يجب أن تكون صوريّة رياضيّة.
- تقوم على النسقية التّي تنصبّ على البنية الدّاخليّة للغة، فهي تصدر منها وإليها ولا تخرج عن دائرة اللغة المنظور إليها على أنّها حقل مغلق على نفسه وبنية لذاتها.
- تبحث في ما هو مشترك بين اللّغات، وما هو ثابت فيها مهما تغيّر الزّمن[4].
3-منهجها واتّجاهها:
اعتمدت كوبهاجن المنهج الوصفي التّحليلي الاستنباطيّ، محلّلة اللّغة إلى صورة ومادّة، مركّزة على شكل اللّغة لا مادّتها، معتبرة هذه الأخيرة جانبا عرضيّا منها، بينما الشّكل هو أساسها، لاعتبار ثبوته واشتراكه بين اللّغات.
4-مفاهيمها:
من أهمّ ما أفرزته هذه المدرسة من مفاهيم، هو مفهوم الشّكل أو الصّورة ومفهوم المادة، ومفهوم التّعبير ومفهوم المحتوى، وهما ما يكوّن بنية اللّغة، فكل لغة مظهران، مظهر صوتيّ وآخر دلاليّ. تتراكب وتتداخل هذه المفاهيم الأربعة بالشّكل التّالي:
- التّعبير: هو مجموع الأصوات المكوّنة للغة معيّنة.
- المحتوى: يضمّ الأفكار التّي تعبّر عنها اللّغة.
- المادّة: العنصر المكوّن لكلّ من التّعبير والمحتوى، فمادة التّعبير هي الأصوات ومادة المحتوى هي الدّلالات.
- الصّورة أو الشّكل: هو الشّكل الذّي يتّخذه كلّ من التّعبير والمحتوى.
يبيّن الجدول التّالي هذه الثّنائيّة:
المحتوى
التّعبير
المّادة
الشّكل
المادة
الشّكل
فلكل وحدة لغويّة مستويان، محتوى وتعبير، وتضمّ مادّة لغويّة وشكلا لغويا.
مثلما هو موضّح في الجدول التّالي[5]:
التّعبير
المحتوى
المادة
الشّكل
المادة
الشّكل
الأصوات كمادة فيزيائية وفيزيولوجيّة تكوّن هذا الدّليل الصّوتي
ر-ج-ل
أي الشّكل الخطّي التّي تتّخذه المادة أي الأصوات لتشكيل الدّال
رجل: الجنس الإنساني المقابل للمرأة.
رجل: انسان، ذكر، بالغ، عاقل، ...، الشّكل الّي تتّخذه السّمات لتشكيل المدلول.
ركّزت كوبنهاجن، على شكل المحتوى والتّعبير، واعتبرت المادة شيئا عارضا، مثلما اعتبر سوسير الكلام، " لأنّه من الممكن أن تتغيّر المادة اللّغويّة، من دون أن يكون لهذا التّغيّر بأيّ شكل من الأشكال أثر في النّظام "[6].
5- الانتقادات الموجّهة إليها:
من أهمّ الانتقادات التّي وجّهت إلى مدرسة كوبنهاجن هو إيغالها في الصّورنة، وإلغاء الجوانب الوظيفية المهمّة الأخرى للّغة. لذلك لم يكتب لها الانتشار والتّعمير طويلا، مثلما هو الحال بالنّسبة لحلقة براغ.
[1] هو لساني دانمركي اقترن اسمه بمدرسة كوبنهاجن اللسانية، تتلمذ على يد بدرسن Holger Pedersen الذي يعد من الباحثين اللسانيين المرموقين في ذلك العهد. درس يلمسلف الفيلولوجيا الهندو- أوروبية المقارنة في جامعة كوبنهاجن ابتداء من سنة 1917 . ثم سافر من أجل الدراسة والبحث إلى عدة بلدان أوروبية منها :
- ليتوانيا:.أنجز في هذه الفترة بحثًا حول أصوات اللغة الليتوانية سنة 1923
- باريس (فرنسا) (1926 - 1927) ، وهناك التقى باللسانيين الفرنسيين الشهيرين : أنطوان مييAntoine Meillet ، وجوزيف فندريس Joseph Vendrys ) ، وتابع محاضراتهما في الدراسات اللسانية.- ينظر: أحمد حساني، مرجع سابق، ص25
[2] Giorgio Graffi, "European Linguistics since Saussure", p33.
[3] Ipid, p479.
[4] سعيد شنوقه، مدخل إلى المدارس اللسانية، مكتبة الازهرية القاهرة- ط1 2008، ص79.
[5] ينظر: شفيقة العلوي، محاضرات في المدارس اللّسانيّة المعاصرة، ط1، 2004م، ص23-24.
[6] ميشال زكريا، علم اللّغة الحديث، المبادئ والأعلام، المؤسّسة العربية للنّشر-بيروت، ط2، 1983م، ص 189.