Résumé de section

  • المحاضرة الرابعة: مدرسة براغ.

    تعد مدرسة براغ  امتدادا للمدرسة الروسية، وما كان ذلك إلا لأنَّ جل الباحثين في هذه المدرسة النازحين الروس (كارسفسكي وتروبتسكوي وجاكبسون) بالإضافة إلى اللغويين التشيكيين أمثال ماتسيوس Vilém Mathesius وترن B Trka ( 1895-1984) ، وفاشيك Josef Vachek ..

    1-النشأة والتأسيس:

         بدأت الأسس الأولية لهذه المدرسة ابتداء من سنة 1920م، وهي السنة التي وصل فيها النازحون الروس إلى مدينة براغ(عاصمة جمهورية التشيك حاليا)، ثم أخذت طابعها المميز ابتداء من عام 1928م، تاريخ انعقاد أول مؤتمر دولي للسانيات بلاهاي( مدينة تقع في غرب هولندا)، وهو المؤتمر الذي ولدت فيه مايسمى بالفونولوجيا المعاصرة.

      فلقد قدّم أعضاؤها، برنامجهم الذّي صاغه رومان جاكوبسون بالتعاون مع نيكولاي سيرغي تروبيتزكوي وسيرجاي كارسيفسكي. فتمّ إطلاق ثمرة أبحاثهم بعنوان "أعمال الحلقة اللّسانيّة لبراغ" "Travaux du Cercle Linguistique de Prague" وتمّ إعلانها بعد عام في المؤتمر الدولي الأول للسلافيين الذّي عقد في براغ. يحدد الفصل الأول من ، "Travaux du Cercle Linguistique de Prague" ، المعنون بـ Thèses du Cercle Linguistique de Prague "مبادئ اللسانيات البنويّة الجديدة. وقد مثّلها كل من فيليم ماثيسيوس، ورومان جاكوبسون، ونيكولاي سيرغي تروبيتزكوي، وجان موكاروفسكي. غطت انشغالاتهم المجالات المختلفة لعلوم اللّغة. تعامل تروبيتزكوي مع الصوتيات، وتناول ماثيسيوس بناء الجملة، وكان جاكوبسون مهتمًا بالشّعريّة، وكذلك موكاروفسكي[1].

          سنذكر هنا باختصار القليل من إنجازاتهم في مجال اللّسانيات. نشر ماثيسيوس في عام 1939، ورقة مهمة بعنوان "حول منظور الجملة الوظيفيّة ". واستأنف ترافنيك فكرة البحث، مشيرًا إلى تصوّر ماثيسيوس لمنظور الجملة الوظيفيّة دون تغطية جميع جوانب نظرية ماثيسيوس. كانت القضية الأساسيّة التّي لم يتّفقوا عليها هي تعريف الموضوع.

         يعتبر تروبيتزكوي ممثلا بارزا آخر لمدرسة براغ حيث أسس الدراسات الصوتية. إن تصوره الأساسي لدور أنماط الصوت في اللغة هو أنّها تعمل على التّمييز بين الوحدات ذات المعنى من بعضها البعض دون أن يكونوا بالضّرورة حاملين للمعنى.

        تأثّر علماء براغ في مجال اللّسانيات، بشكل كبير بفيرديناند دي سوسير وأفكاره البنويّة، باعتباره أب هذه النّزعة الجديدة، وهو ما يتفق عليه معظم اللّغويين، أنّ البنوية ظهرت في عام 1916، عندما أقام فرديناند دي سوسير "دورة في اللّسانيات العامّة". فقد ترك إرثا أثر بشكل كبير على اللسانيات وكان من بين من تأثّر أعضاء حلقة براغ اللّغوية. تمثّل الخلفية اللغوية والفترة التّي طوروا فيها نشاطهم نسخة احتياطية حقيقية ودعم لهم. إن سعيهما لإنشاء لسانيات بنويّة يتزامن مع تطور اللسانيات بسبب تقدم الفلسفة.

    2-الأسس والمبادئ :

         وضعت أسس وظيفيّة براغ اللّسانيّة من قبل عالم النفس كارل بوهلر. انطلق بوهلر من فكرة أنّ اللغة أداة، فوجد أن الوظائف اللغوية الرئيسية تبدأ من: المرسل إلى المرسل إليه، في عملية الاتصال. قبِل العديد من اللغويين المهمين في مدرسة براغ مفهوم بوهلر، وأصبحت نظريته شائعة بين اللغويين في براغ، ومع ذلك، فقد عدِّل فيها. وكان أوّل من انتقده هو فيليم ماثيسيوس. لأنّه ميّز بين الوظيفتين الرئيسيتين للغة: الوظيفة التواصلية والوظيفة التعبيرية. فلم يعتبر ماثيسيوس أنّه من الضّروري التّمييز بين المظاهر التّواصليّة والتّعبيريّة. كما قام يان موكاروفسكي كذلك بتعديل نظرية بوهلر، معتبرا أنّ نظام بوهلر الوظيفي الثّلاثي لا ينطبق إلا على الاتصالات العادية ولا يشمل المظاهر الشّعرية. لذلك أضاف الوظيفة الرابعة إلى الوظائف الثلاث التّي ذكرها بوهلر، وهي الوظيفة الجماليّة[2].

         اشتهرت مدرسة براغ باهتمامها بتطبيق الوظيفية، وهي دراسة كيف أنّ عناصر اللغة تحقق الإدراك والتّعبير والكوني. هذا المزيج من البنيوية مع الوظيفية هو مساهمة أخرى في اللسانيات الحديثة. أولى علماء براغ في دراسة اللغة أهمية كبيرة للعوامل الخارجية مثل العوامل السياسية والاجتماعية والجغرافية وأكدوا على أهمية الوظائف الاجتماعية للغة. فكان التعريف الأكثر شيوعًا للغة المتفق عليه بين معظم اللغويين هو أنّ اللغة هي وسيلة عالمية للتّواصل. تمّ التعامل مع هذه الظّاهرة المعقدة بشكل مختلف من قبل اللغويين. على سبيل المثال تصور فرديناند دي سوسير اللغة كظاهرة اجتماعية أو نظام من العلامات التي تسيطر عليها القوانين، إلاّ أنّ لطريقة تصور اللغة هذه، أدت إلى تغييب النّظر عن التّغيّرات اللّغويّة كأحداث بنويّة مما أدى إلى تصور التّطور التاريخي للغة من قبله كمجموعة من الانحرافات المعزولة الناشئة التأديّة الكلاميّة. يتعامل اللغويون في براغ مع الخطاب اللغوي، ولا يوافقون على الفصل الذّي أقامه سوسير ويعتبرون هذا الفصل غير ضروري لأنّ الكلام هو حقيقة اللغة.

          يعرّف علماء براغ اللغة بأنّها نظام وظيفي للتواصل وتعني أن اللغة تؤدي وظيفتين: التواصل والوظيفة الشعرية. كما يميزون بين عدة جوانب من اللغة: اللغة العاميّة (تتكون من أساليب وظيفية)، واللغة القياسية (تُخدم كنموذج لمجتمع الكلام الأكبر).

          تناول جان موكاروفسكي في مقالته (حول اللغة الشعرية)، مشكلة اللغة وخاصة مشكلة اللغة الشعرية. بدءاً من تعريف اللغة الشّعرية كمكوّن في نظام اللغة، وصولا إلى تصورها كلغة وظيفيّة. توجد لغة شعرية بجانب اللّغات الوظيفية، أي منها ما يمثل تعديلاً في نظام اللغة لغرض معين يتبعه الخطاب؛ وهو الحصول على تأثير جمالي. فالوظيفة الجمالية تسيطر على اللّغة الشّعرية. ووفقًا لجان موكاروفكي ، فإنّ إحدى خصائص اللّغة الشّعريّة هي ديناميتها، فهي قادرة على الكشف عن البنية الداخلية للعلامة اللغوية وإيجاد طرق جديدة لاستخدامها. تستخدم اللغة الشّعريّة الإشارة اللّغويّة بشكل مستقل. لا يتفق جان موكاروفسكي مع مفهوم اللغة الشعرية كمكون من مكونات اللغة الأدبية، فهو يعتقد أن الأصوليين الذين يريدون التخلص من العناصر الأجنبية من اللغة الأدبية يتصورونها بهذه الطريقة. وهو يعتقد أنّ اللّغة الشّعرية لها علاقة وثيقة باللغة الأدبية، وهو ما ينعكس في تأثيرها على تطور المعيار الأدبي. للغة الشّعرية واللغة الأدبية تطوّرات مستقلة وتحكمها قوانين مستقلة. قضية أخرى يتناولها موكاروفكي في مقالته هي مكانة اللغة في الأدب وهو يوافق على أنّ اللغة هي المادة التّي يستخدمها الأدب للحصول على الأجناس الأدبية. تتصرف اللغة خارج حدود الأدب باعتبارها أهم نظام للعلامات. واللغة هي ظاهرة تتميز بالتغيرات التّي تشهد على امتداد تطورها. يمكن للتّطور السّابق للّغة إحداث تغييرات في العمل الأدبي. عيب اللغة التّي تُصوَّر كمواد فنية هو حقيقة أنّ العمل الأدبي له دور مقيد وأنّه يتوجه إلى مجتمع لغوي مقيد. والتّحول الدّائم في اللّغة الشّعريّة هو نتيجة الوظيفة الجماليّة. تطوّر اللّغة الشّعرية يعني التحول الذي لا نهاية له لطرق استخدام الوسائل اللّغويّة، والتّي توفرها اللغة العاميّة[3].

    1- أطروحاتها:

    جاءت مدرسة براغ بعدة أطروحات، من أهمها:

    الأطروحة الأولى: لا يُظهر التغيير اللغوي طابعًا منهجيًا فحسب ، بل وأي مرحلة لغوية تحتوي أيضًا على بعض الآثار السّابقة.

    الأطروحة الثانية: التمييز بين الصوت الذي يعتبر "حقيقة مادية موضوعية" و "عنصر من عناصر النظام الوظيفي".

    الأطروحة الثالثة: الوظائف المختلفة للغة: يرى اللغويون في براغ أن دراسة اللغة ، على المستويين المتزامن والآني، لا يمكن أن تكون كافية إذا لم يتم استخدام الوظائف اللّغوية المختلفة (التواصلية ، المرجعية ، الشعرية ، إلخ).

    الأطروحة الرّابعة: التّمييز بين الصّوتيات  وبين علم الأصوات: نقوم بتعيين دراسة الصوت المتعلقة بفعل الكلام من خلال المصطلح الصوتيات، ودراسة الصوت المتعلق بنظام اللغة من خلال مصطلح علم الأصوات.

        ومن ثمّ، فإنّ علم الصوتيات يحقق فقط في "الجانب المادي" للأصوات اللّغويّة، أمّا خصائصها الصوتية والتعبيرية، فتتعلق بدلاً من ذلك بعلم الأصوات فقط طالما كانت لها "وظيفة مميّزة" (فهي تميز المعاني). تختلف هذه الوظيفة المميزة بين اللغات: بعض الأصوات المختلفة التي تحدث اختلافًا معانيًا في لغة معينة لا تنتجها في لغة أخرى[4].

    1- مفاهيمها:

    -       مفهوم الفونيم:   

        وكان من أهم منتجات هذا التّفكير التّمييز بين الفونيم كنظام مجرّد، يقابل في خصائصه مفهوم اللّغة عند سوسير، وبين الصّوت كتأديّة للفونيم، ويقابل كذلك في خصائصه مفهوم الكلام عند سوسير.

    -      مفهوم الموضوع والخبر:

    أ‌-     الموضوع: ( Theme ):

    ويُطلق عليه المُسند، ويُسمّى بـ: ( المتقدِّم )، وهو المعلومة المعروفة عند النَّاطق، والسَّامع.

    ب‌-     الخبر: ( Rheme ):

     ويُطلق عليه المُسند إليه، ويُسمّى بـ: ( المتأخِّر )، وهو المعلومة الجديدة التي يَنتظرُ السَّامعُ الناطقَ في الحصولِ عليها([5]).

     ويُمكنُ التَّعبير عن المتأخِّر بأنَّه عنصرٌ إلزاميٌّ لا يمكن تجاهله في المنطوق؛ لأنَّهُ الغاية التي يُرادُ إدراكُها. وبهذا الموضوع يُمكن أنْ يكونَ الاسمُ الذي تُخبر عنه الجملة، و الخبرُ هو ما يُذكرُ حول هذا الاسم([6])؛ لهذا التَّواصل عندهم يكون بوساطة تحميل العناصر اللسانيَّة المكوِّنة شحنةً اعلاميةً ­([7]).

    -       مفهوم الوظيفة:

        لعلّ من أبرز المفاهيم التّي أدخلتها براغ إلى السّاحة اللّسانيّة هو مفهوم الوظيفة، والتّي يقصد بها الدّور الذّي تؤدّيه اللّغة داخل المجتمع، ثمّ عمّم هذا المفهوم ليشمل الدّور الذّي تؤديه العناصر اللّغوية في مستويات بينة اللّغة المختلفة، لتأدية الوظيفة الكبرى وهي التّواصل.  

          ممّا تقدم نخرج بأنّ مدرسة براغ تعدّ امتداد من النّاحية العلمية لأفكار سوسير إلا أنّها تميّزت عنها بمفهوم الوظيفة فهي لم تقتصر كالبنيوية على الوصف بل تعدته إلى تتبع الوظيفة التي تؤديها المستويات المختلفة للغة وعلى رأسها المستوى الفونولوجي الذي أقرّت بأنّه صالح للد ا رسة الزمانية والآنية على حد سواء  كما يمكننا أن نلمح التقارب الكبير بين الوظيفية وعلم الاجتماع اللغوي وذلك من حيث تركيز أصحاب هذه الاتجاهات على الجانب الاجتماعي التواصلي للغة، أي ما تؤديه من وظائف داخل المجتمع.

     



    [1] Elgin Haden, Suzette- What is linguistics? Prentice Hall-Inc., New Jersey, United States of America, 1979, P199.

    [2]  Archibald, A. Hill- Linguistics, United States of America, 1969, P210.

    [3] Josef Vachek; Dictionary of the Prague School of Linguistics, John Benjamins Publishing Company, Amsterdam/Philadelphia , © 2003, P67 .

    [4] ينظر:                    477Giorgio Graffi, "European Linguistics since Saussure", p

    [5] ينظر: الاتجاه الوظيفي،  مجلة عالم الفكر، ع / س /1989، ص75.

    [6] ينظر: عطا محمد موسى، مناهج الدراسات النحوية في العالم العربي، دار الاسراء -عمان -الاردن ط2، 2002،

     [7]ينظر: المدارس والاتجاهات الحديثة في علم اللغة، مجلة البيان . ع / 250 كانون الثاني .. الكويت 1987 ص439.