مقدمة
إنّ نظريّة القراءة في النّقد الأدبي المعاصر هي الرّكيزة الأساسيّة الّتي اتّجه صوبها الباحثون والنّقاد، من خلال مجموعة من الطّروحات والدّراسات الّتي من شأنها تحقيق انفتاحيّة النّص الأدبي وتخليصه من الانغلاق الّذي يعرقل حركيّته واستمراريّته الإبداعيّة الّتي تتعدّد فيها المعاني وتتنوّع. فالقراءة هي الّتي تحافظ على حياة النّص، باعتبار طبيعتها الحواريّة مع الذّات الّتي لا تهدف إلى فكّ مغاليق النّص عبر سلسلة من القراءات غير المحدودة.
جاءت نظريّة القراءة كردّ فعل على مجموعة من الأطروحات الخاصّة بالمناهج النّقديّة الّتي سبقتها، حيث نلمس ذلك من خلال ما ظهر في القرن الثّامن عشر وبداية القرن التّاسع عشر أين تجلّت مجموعة من المناهج التّي ركّزت على الجانب التّاريخي والاجتماعي والواقعي للنّص، ضمن مسمّى القراءات السّياقيّة؛ ومثالُ ذلك المنهج النّفسي الّذي يتعامل مع النّص من زاوية الشّعور واللاّشعور لدى المؤلّف؛ وهو ما رفضه المنهج الاجتماعي من خلال طرحه لمقولة النّص مرآة عاكسة للمجتمع.
وقد تعدّدت التّعريفات وتنوّعت حول القراءة، تبعًا لاختلاف الباحثين والمرجعيّات الثّقافيّة والمنهجيّة الّتي تلتقى كلّها في كونها نشاطًا يحقّق الوجود الفعلي للقارئ من خلال تحوّله من متلقّي ومستقبل للنّص، إلى مساهم في حركيّة النّص وإنتاج معرفة جديدة ومختلفة. من هنا، فإنّ نظريّة القراءة جاءت بهدف الإلحاح على دور المتلقي(القارئ) في صناعة وجود النّص ومعانيه الّتي لا تعدّ ولا تحصى، وذلك ردًّا على المناهج السّياقيّة الّتي جعلت من المؤلّف ومحيطه الاجتماعي والنّفسي والتّاريخيّ محورا أساسيًّا في العمليّة الإبداعيّة، وكذا ثورتها على المناهج النّسقيّة الّتي قتلت النّص بجعله بنيةً منغلقة على ذاته، لتأتي هي في الأخير رافعةً شعار القارئ الّذي اعتبرته أساس وجود النّص واستمراريّة حياته. ولهذا سنحاول أن نبرز أهمّ مفاهيم القراءة وأنواعها وكذا آليّاتها ووظائفها الّتي تُسهم في استخراج معاني النّص الأدبيّ، وإنتاج معاني جديدة خاصّة بالقارئ.