الإجابة النّموذجية
المقالة:
عرّف الناقد والشاعر الإنجليزي وليم إمبسون William Empson - وهو أوّل من تحدّث عن الغموض في كتاب مستقل والموسوم بـ: "سبعة انماط من الغموض- بأنّه " كلّ ما يسمح لعدد من ردود الفعل الاختياريّة إزاء قطعة لغويّة واحدة..، هو الكلام الّذي يستوجب الجهد في استخراج معناه، وهو يعني القصد إلى العديد من الأشياء؛ بمعنى آخر الغموض هو احتماليّة أن يعني الإنسان أمرا أو آخر أو الأمرين معا، كما قد يعني أن تكون للعبارة معان عدّة". وقد اعتبره عزّ الدين إسماعيل " صفة خيالية تنشأ قبل مرحلة التعبير المنطقيّ، أي قبل مرحلة الصّياغة اللّغويّة النّحويّة..، وهو خاصية في طبيعة التّفكير الشّعري وليس خاصّيّة في طبيعة التعبير الشّعري، فهي بذلك أشدّ ارتباطا بجوهر الشّعر وبأصوله التي نبت منها..، فالإنسان يشكّل أفكارا خياليّة قبل أن يشكّل أفكارا عامّة..، وإنّه يستخدم الاستعارات قبل أن يستخدم الألفاظ الاصطلاحيّة". فالشعر لا يستخدم اللفظ المعتاد بدلالته المحدودة التي تعلمها واستخدمها في حياته اليوميّة، بحكم أنّ الشاعر يدرك الأشياء إدراكا في دقة وإتقان فيلجأ في تعبيره إلى الخيال، ومنطق الخيال غير منطق الواقع لتكتسي كلماته بذلك أبعادا جديدة. وقد خلص الرماني "أنّ الغموض هو خاصية جوهرية في الشّعر كفن متميز في طبيعته ووظيفته، وأنّه خاصية حداثية كبرى تلازم المعطى الجمالي والفني والحضاري للشّعر الحديث..، إنّه طاقة الإبداع في النّصّ التي تفتح مداه على عوالم لا نهائيّة من الدلالات الإيحائيّة". أمّا أدونيس فيرى أنّ الغموض " وصف يطلقه القارئ على نصّ لم يقدر أن يستوعبه، أو أن يسيطر عليه ويجعله جزءا من معرفته". فالغموض بذلك عنده وعند من سبق ذكرهم فيه نوع من صعوبة الإدراك وعدم الوضوح، ولا يزول هذا الغموض إلا بعد إعمال للفكر وإمعان في النّظر في المعنى.
أمّا عزّ الدين المنصور فنجده يربط الغموض بالرّمز، وهو يرى أنّ الغموض "يكشف عن جمال المحتوى الفنّي الّذي وَضُح أثره بالرّمز غير الموغل في الغوص والتخييل، وكلّما كان الرّمز كاشف الدّلالة في حياء وخفر، كان ذلك أمتع للنّفس وأجمل في التّصوير..، ولكن إذا بعد الرّمز عن إدراك الذّهن فقد يؤدّي إلى غموض غير مقبول؛ لتَوَقُّف الدلالة عن أداء أثرها الجيّد الذي جاءت من أجله واستخدمت له" وسبب هذا البعد كما قال علي إسماعيل في كتابه ظاهرة الغموض في الشعر العربي الحديث " هو هدم الصّلة بين الرمز والمراد منه، وبعد المسافة بين الرمز والمرموز إليه".
فظاهرة الغموض جاءت كثيرة الارتباط بالرمز في الشعر المعاصر، بعدما كانت مرتبطة بالتخييل الذي أطلق عليه بعض المحللين "الغموض الجزئي"، وقد تناولت العديد من الدراسات عن تلك العلاقة بين الغموض والرمز، حيث عدّ الكثير من الدارسين الرّمز سببا من أسباب الغموض بشكل مباشر أو غير مباشر، نذكر منهم حنفي مصطفى الذي تطرّق إلى أنواع الغموض، وهو يرى أنّ " الغموض الرّمزي يعدّ من أبرز الأنماط حضورا في الشّعر الجديد، وأكثرها سببا في تعقيده وإبهامه، وذلك من خلال ما استدعاه بعض الشّعراء من رموز أسطوريّة..، ولم يقتصر استخدام الشاعر المعاصر على الرمز الأسطوري فحسب، وإنّما استخدم أيضا الرّمز الدّيني والرمز التاريخي والرمز الشّعبي".
وعبد الواحد حجازي هو بدوره درس ظاهرة الغموض في الشّعر الحديث إذ نجده يقف على التعبير الرّمزي الّذي عدّه من الأدلة على التمايز بين الشّعراء ويظهر ذلك في قوله:" ويبقى التّمايز في التّعبير الرّمزيّ دليلا على التّمايز بين الفنانين من حيث أصالة الإبداع، وقدرته على التأثير الإيجابيّ في نفوس السّامعين..، من خلال تصوير انفعالاته بالرّمز الموحي لا يزيدها خفاء..، ولكن ليخلق منه غموضا يجبب فيه، مما يزيد الإنسان به شغفا وهياما للتشوّق إلى أسراره ". وإنّ طبيعة الرمزية للغة الشعريّة تقود بالضّرورة إلى الغموض؛ لأنّ الرّمز من أهمّ وظائفه إحداث الأثر الجمالي من خلال الابتعاد عن المباشرة، لذا فإنّ اللغة الشّعر كما يذهب جاكبسون هي لغة متعددة في بنيتها، فهي لغة منظومة بطريقة تجعل من الكلام المولد عنها كلاما متعدد المعاني".
فالفلسفة الرّمزيّة مثّلت البذور والجذور الأساسيّة لظاهرة الغموض، التي مثّلها رائد الرّمزيّة رامبو الّذي نجده يعمد إلى شعر قابل للتأويلات المتعدّدة، ومن جذور هذه الفلسفة الاتّجاه الفنّي الّذي يعتمد على تعداد المضمون باختراع فعل شعريّ يكون قابلا لجميع المعاني، إذ نجده يدعو إليه بقوله: " إنّ الغموض عنصر الشّعر الأساس كما أنّه عنصر الموسيقا الأوّل؛ فالإيضاح والبوح بكامل الأشياء يعري عن هذه الأشياء..، فلينف الشّاعر الوضوح وليعمد إلى خلق جوّ خياليّ منطو على كلّ عجيب مبهم".
والرمزيّة تعدّ مذهبا من المذاهب الأدبيّة الغربية، يقوم على الإبهام الّذي تخفى معه المعاني وتفقد صفة الوضوح وهي الأقرب إلى التعمية، وهذا "الإبهام يجعل من القصيدة كهفا مغلقا"، وهذا ما أشار إليه عبد القادر القط بقوله: " إنّ الغموض في الرّمز المغلق غالب على الشّعر المعاصر" ص11 الإبهام في شعر الحداثة. إلّا أنّ الرّمزيّين يرون أنّ جمال الفنّ الأدبيّ كلّه يقوم على ذلك الإبهام، وفي ذلك الإبهام جمال وإمتاع لأنّ المعاني إذا جاءت خفيّة، فإنّها تترك النّفس في تطلّع دائم لاستكناه حقيقتها وإدراك ما يراد منها، وفي ذلك متعة للنّفس وتنشيط للعقل وللتفكير الإنسانيّ ، والإسراف في الوضوح والصراحة والتعيين يفقد الفنّ سحر الخفاء ويفقد الشّعر تلك المتعة.
1- موقف النقاد من الغموض:
وقد تناولت قضيّة الغموض دراسات سجّلت مواقف متباينة في وجهات نظر النقاد والأدباء وقراءاتهم التأويليّة لهذا المفهوم، ليتشكّل بذلك اتجاهان نقديان:
1.2 اتجاه منتصر للغموض: ذلك الغموض اللّطيف المطلوب في الشّعر عامّة؛ حيث يلتزم فيه الشّاعر الاعتدال وعدم المغالاة، " فالشّعر ليس معناه الدّخول في مسارب غامضة أو متهات ينزلق فيها التّخيّل، لأنّ ذلك يكون شعرا رديئا على حدّ تعبير رجاء عيد الذي نجده ينكر الاتّجاه الإفراطيّ للغموض، إذ نجده يفصّل في ذلك قائلا:" نقصد بغموض الشّعر المقبول؛ هذا الغموض الفنّي الذي سرعان ما يكشف عن آفاق أرحب عن طريق نوع من الشّفافيّة، التي سرعان ما تفجّرها مشاركتنا الطبيعيّة للعمل الفنّيّ، والتي تتبيّن شيئا فشيئا كسائر في الظّلام، سرعان ما يقترب منه ضوء الفكر والوجدان، حتّى يبيّن عن نفسه على وجه من الاحتمال" ، ويضيف عبد القادر القط قائلا: " إنّ قدرا من الغموض ضروري للشعر الجيد، على أن يكون غموضا شفافا". فأصحاب هذا الاتجاه اعتبروه شيئا داخلا في طبيعة الشعر، فاستحسنوه وأشادوا به وعدّوه ميزة في اللغة الشّعريّة الّتي هي سمة من سمات الإبداع الأدبي الرّفيع، لا يجيدها إلّا أهل الدّراية والدّربة الّذين يقفون به عند حدود البيان غير متجاوزينه إلى التّعمية المبهمة. وقد اعتبره ابن طباطبا من أهمّ ملامح الجودة في الشّعر، قال أنّه " يأتي في تعريض خفيّ، يكون بخفائه أبلغ في معناه من التّصريح الظّاهر"، لأنّ المعاني إذا جاءت خفيّة أو مقنعة تترك النّفس في تطلّع دائم لاستكناه حقيقتها وإدراك ما يراد منها، وفي ذلك متعة للنّفس وتنشيط للعقل والتفكير الإنسانيّ، والإسراف في الوضوح والصّراحة والتعيين يفقد الفنّ سحر الخفاء، ويفقد الشّاعر ثلاثة أرباع المتعة التي يشعر بها القارئ وهو يضرب رويدا رويدا في أودية الجرس، ويذهب قدرة الشّعر على الإيحاء تلك القدرة التي تميّزه من النّثر". أمّا إبراهيم بن هلال الصابي فعدّه سمة الشّعريّة الفاخرة، إذ نجده يطلعنا في أكثر من موقف نقديّ استحسانه الصريح لظاهرة الغموض في الشعر، بحكم أنّه يخلق في الشّعر مفاجآت من خلال تعدد المعاني والاحتمالات المختلفة في التفسير، وبهذا التعدد تتشكّل اللّذة الحسّية والعقلية عند قارئ الشعر ومتلقيه. وقد عبّر عن ذلك في إحدى رسائله التي وازن فيها بين الشّعر والنّثر، مشيرا إلى أنّ النّثر مجاله الوضوح في المعاني والألفاظ، أمّا الشّعر فمجاله الغموض وذلك في قوله:" إنّ طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في منظومه، لأنّ الترسل هو ما وضح معناه وأعطاك سماعه في أوّل وهلة وما تضمّنته ألفاظه، وأفخر الشّعر ما غمض، فلم يعطك غرضه إلّا بعد مماطلة منه". ص مقدمة الكتاب، الإبهام في شعر الحداثة " العوامل والمظاهر وآليات التأويل"، محدّدا في ذلك شروط المستحسن من الغموض والمتمثّلة في :
- توفر الصنعة الشّعرية: التي ترقى بالشعر إلى مرتبة الشّرف، وتستوجب دقّة النّظر، عمق التّفكير لما تتميّز به اللغة الشّعريّة من معان خفيّة.
- توفر دلالات بعيدة: بأن ترمي إلى غير ما تبدو عليه في ظاهر القول، فلا تصل إلى المعنى المراد إلا بعد جهد وإعمال الفكر وطول تأمل، ذلك أنّ الشّعر الجيد لا يصل بسهولة إلى فهم القارئ، لذلك يستوجب بذل جهد وإمعان فكر لاستنباط المعاني المستترة، التي تشكّلت في تراكيب لغويّة وأساليب بلاغيّة استعملت بطريقة خاصة في النظم والتأليف.
2.2 اتجاه منتقد ومستهجن للغموض: خاصّة ذلك الغموض الذي يصل إلى التعمية باعتباره من دواعي الإخلال بالإبداع الأدبي، بما تستدعيه من تعقيد وإغراق في المبهمات، ليصبح معها الشّعر ضربا من الإلغاز ما يجعله شبيها بالطلاسم " حين تتحوّل الكتابة الشّعريّة عند بعض الشّعراء إلى نوع من الكتابة الهيروغليقيّة التي لا يفهمها أحد، بل يكاد لا يفهمها صاحب الكتابة نفسه"، وهذا ما عبّر عنه أدونيس بقوله:" إنّ الشّعر نفسه قد لا يفهم في وعي من انبثق عنه وهو في حالة اللاوعي، فيعجز في يقظته عن إدراك معاني قصيدته، وينجم عن ذلك اختلاف في فهم الشّعر باختلاف النّقّاد وتنوّع المحللين، وقد ينتهون أحيانا في تخريج معانيه إلى مذاهب متعارضة"، ما جعل لغة بعض الشعراء عاجزة عن التوصيل والإيصال. وهذا النوع من الغموض كان مذموما عند جميع النقّاد من أقدم العصور، ويظهر ذلك فيما كتبه بشر بن المعتمر في صحيفته المشهورة، التي حاول فيها توجيه النّاشئة وتعليمهم أساليب الكتابة والخطابة، وإرشادهم إلى أقصر الطرق لإجادتها. من ذلك تحذيرهم من التكلّف والبعد عن التعقيد الذي يستهلك المعاني ويشين الألفاظ، وذلك بضرورة الملاءمة بين اللفظ والمعنى، والابتعاد عمّا يفسدهما ويهجّنهما ويظهر ذلك في قوله: " إياك والتوعُّر، التوعّر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الّذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك، ومن أراد معنى كريما فليلتمس له لفظا كريم، فإنّ حق المعنى الشريف اللّفظ الشريف، ومن حقّهما أن تصونهما عمّا يفسدهما ويهجّنهما".
3- أسباب الغموض في الشعر:
إنّ ظاهرة الغموض تتصل في أحد مستوياتها بالجديد والغريب وغير المألوف، فأصبح في هذا العصر يتجاوز الإدراك، وبات لا يخضع للواقعيّة والعقلانيّة، وفي النقد الحديث أجمع أهل الفكر على أنّ الغموض إذا تجاوز العقلانيّة ومرحلة الإدراك فإنّه مرفوض، واعتبروا هذا اللون من الأدب مجافيا للعقل والإنسانيّة. وظاهرة الغموض لها دوافع وأسباب تتجلّى في أعمال وأقوال شيوخ وأباطرة الحداثة نذكر منها:
- اعتماد الشاعر على ثقافته أكثر من اعتماده على تجاربه المباشرة: فثقافة الشّاعر تؤثّر في شعره وتؤدّي دورا أساسيا في تلبيس الشّعر حالة الغموض، من ذلك غموض شعر أبي تمام الذي نجده مرتبطا بالثقافات الأجنبية الإغريقية والفارسية واليونانية والهندية، مما جعله يخلط الفلسفة بألوان الثقافة ممتطيا في ذلك أجنحة الخيال، متجولا فيها بين الصور المألوفة وغير المألوفة.
- التأثّر بالتيارات الفكرية و المذاهب الأدبية الغربية المعاصرة.
- الميل إلى التجديد: يلجأ الشاعر إلى الغموض جنوحا عن التقليد والسذاجة والبساطة، لذا يقوم يتكثيف الصور الخياليّة، واقتحام المشاعر والانفعالات حتى يتلوّن النص بضبابية غموضية.
- الجهل المركّب والعجز الفاضح في مقدرتهم اللغويّة، ويرافق ذلك عدم الإلمام بالأساليب البيانيّة شعرا ونثرا.
- غموض الفكرة وعدم القدرة على بلورتها: فطبيعة الموضوع تؤدّي دورا مهما في غموض الشّعر، وهذا الغموض قد يكون في الأفكار الّتي يعبّر عنها الشّاعر، وقد ينشأ عن عاطفة قويّة يحسّها الشاعر، أو فكرة في ذاتها غامضة تستعصي على الكشف، أو لأنّ الشّاعر اكتشفها أثناء فعل الكتابة، أو لأنّ الشاعر لم يسيطر عليها في ذهنه تمام السيطرة.
- تكلّف الشاعر في شعره: لأنّ التكلّف ليس إلّا إكراه للنفس بإجبارها على الإبداع، وهذا الأخير من شأنه أن يقيم حاجزا بين الشّعر والمتلقّي الذي تغمض عليه المعاني التي يريد الشاعر إيصالها.
- استخدام الرمز: يعدّ الرّمز من أكثر العناصر الشعرية التي لها علاقة بظاهرة الغموض في الشّعر بصفة عامة، والشّعر الحديث بصفة عامّة؛ فالرّمز هو حجب للمباشر واستخدام بديل عن الشّيء أو الموضوع المعبّر عنه. اعتبره وارين ويلك موضوعا يشير إلى موضوع آخر، وهو في نظر مصطفى السعدني إشارة حسّيّة مجازية لشيء لا يقع تحت الحواس، وهو في رأي سلمى الخضراء الجيوسي "تعمّد استخدام كلمة أو عبارة لتدلّ على شيء آخر لا بالتشابه بل بالإيحاء والإشارة".
من هنا ارتبط الرمز بالغموض ضرورة، فهو ليس وسيلة لنقل الأفكار، بل هو وسيلة لنقل المشاعر وحالات الوعي المعقدة والنادرة، تكمن قيمته الجماليّة من كون مضمونه غير محدّد تحديدا نهائيّا. وعدم التحديد هذا يجعل من النص الشعريّ نصّا محتملا لدلالات عدّة، "ما جعل بعض الشّعراء أمثال الشاعر العراقي بدر شاكر السياب يلجأ إلى توضيح الرموز على هوامش قصائده لإزالة الضبابيّة التي تكتنف نصّه". حتى يمكّن القارئ من الوقوف على ما فيه من معان، وحتّى لا يستنفذ طاقته في الظّنّ والتّخمين والتوهّم والمكابدة قبل أن يصل الى غايته في الإفادة والتأثر والاستمتاع.
- الهروب من مطارق النقاد: فشعراء الحداثة حسب رأي الدكتور عبد العظيم هربوا من نقد الشّكل إلى تحطيم الوزن ووأد القافية، وهربوا من نقد المضمون إلى الغموض.
- البعد عن المباشرة والوضوح والتقريريّة: من حيث المضامين فإنّ الشاعر يجتنب مباشرة الحديث في النص الإبداعيّ في مصارحة ومكاشفة، ومن حيث الأسلوب يبتعد عن وضوح المعنى والكشف عنه يكون من خلال اللغة مع نأيه عن التقريرية السائدة.
- الاعتماد على تراسل الحواس: التي تؤدّي إلى تكاثف الضّبابيّة حول نصّ الحداثة، وذلك بأن ينقل ما للذوق للنّظر وما للعقل للذوق وما للمس للذوق..إلخ.
- أسباب متعلقة بالصورة: تعتبر الصورة مكوّنا فنّيّا من مكوّنات النّص الأدبي بصفة عامة والنص الشعري بصفة خاصة، إذ نجده يحظى بدراسات متعدّدة في الثّقافة الغربيّة، فقد عرّفه غاستون باشلار بأنّه "بروز متوثّب ومفاجئ على سطح النّفس". والشّعر في رأيه يقوم أساسا على الصور التي تتناسل بصورة لا نهائيّة، تأتي حيويّتها من قدرتها على الإشراق وتجاوزها لكلّ معطيات الإدراك". والصورة في الشعر الحديث لا تأتي لتأكيد المعنى في نفس المؤلف أو المتلقي وإنّما تأتي لتقدم المفاجآت والدهشة باعتبارها تغييرا في نظام التعبير عن هذه الأشياء .فاستعمال المجاز هو بدوره يؤدّي إلى الغموض وهو غموض جزئي، وقد اعتبر الناقد والشاعر وليم إمبسون الاستعارة من أبسط أنواع الغموض التي تناولها في كتابه سبعة أنماط من الغموض. وهي العالم الذي يعيش فيه الشّاعر، وليس غريبا أن يصبح الشّعر المعاصر غامضا، إذ تعبّر الاستعارة عن تمثّل خياليّ متسامي عن الماديات"، ولا يقلّ شأن الكناية في النقد العربي القديم عن الاستعارة في احتمالية بعدها عن المتلقي فقد ذهب حازم القرطاجنّي إلى أنّ الغموض يقع إذا كان " المعنى قد قصد به الدّلالة على بعض ما يلتزمه من المعاني..، على جهة الإرداف أو الكناية به عنه أو التلويح به إليه أو غير ذلك". فقيمة المجاز والاستعارة والتمثيل تكمن في الغموض الّذي يحدثه كلّ منها، والذي بدوره يمنح النص حياة ويجعله نصّا إبداعيا متجددا عند المتلقي، وهذا التجدد ينتج من انزياح الكلام في النص عن ظاهر اللفظ، وهذا يدفع المتلقي إلى إمعان النظر في النص وإدراك صوره وإيحاءاته، ليعتبر بذلك الانزياح مجالا من مجالات الغموض.
طريقة التقييم: أعلى درجة