بطاقة الدرس
المحاضرة الثامنة- تعريفُ الاستعارة وبيانُ أنواعها
* تعريفها :الاستعارةُ لغةً: من قولهِم، استعارَ المالَ: إذا طلبَه عاريةً .
واصطلاحاً: هي استعمالُ اللفظُ في غير ما وضعَ له لعلاقةِ (المشابهةِ) بين المعنَى المنقولِ عنه والمعنِى المستعملِ فيهِ، مع (قرينةٍ) صارفةٍ عن إرادةِ المعنَى الأصليِّ ،(والاستعارةُ) ليست إلا (تشبيهاً) مختصراً، لكنها أبلغُ منهُ كقولك: رأيتُ أسداً في المدرسةِ، فأصلُ هذه الاستعارةِ « رأيتُ رجلا ًشجاعاً كالأسدِ في المدرسةِ » فحذفتَ المشبهََّ « لفظُ رجلٍ» وحذفتَ الأداةَ الكاف – وحذفتَ وجهَ التشبيهِ « الشجاعةَ» وألحقتهُ بقرينةٍ « المدرسةِ» لتدلَّ على أنكَ تريدُ بالأسدِ شجاعاً.
وأركانُ الاستعارةِ ثلاثةٌ:
(1) مستعارٌ منه – وهو المشبَّهُ بهِ .
(2) ومستعارٌ لهُ – وهو المشبَّهُ .
(3) ومستعارٌ – وهو اللفظُ المنقول ُ.
فكلُّ مجازٍ يبنَى على التشبيهِ (يسمَّى استعارةً)،ولابدَّ فيها من عدم ذكر وجهِ الشبهِ،ولا أداة التشبيهِ، بل ولابدَّ أيضاً من تناسي التشبيهِ الذي من أجله وقعتِ الاستعارةُ فقط، مع ادعاءِ أنَّ المشبَّهَ عينُ المشبَّهِ به.أو ادعاءِ أنَّ المشبَّه فردٌ من أفرادِ المشبَّهِ به الكليِّ.بأنْ يكون اسمَ جنسٍ أو علمَ جنسٍ، ولا تتأتَّى الاستعارةُ في العلَمِ الشخصيِّ لعدم إمكانِ دخولِ شيء في الحقيقةِ الشخصيةِ، لأنَّ نفسَ تصوًُّر الجزئيِّ يمنعُ من تصوُّرِ الشركةِ فيه.إلا إذا أفادَ العلَمُ الشخصيُّ وصفاً.به يصحُّ اعتبارهُ كلياً.فتجوز استعارتُه: كتضمنِ حاتمَ للجودِ، وقُسَّ للخطابةِ، فيقال: رأيتُ حاتماً، وقُسًًّا; بدعوى كليةِ حاتمَ وقسَّ، ودخول المشبَّه في جنسِ الجوادِ والخطيبِ.
وللاستعارةِ أجملُ وقعٍ في الكتابةٍ، لأنها تمنحُ الكلامَ قوةً، وتكسوهُ حسناً ورونقاً، وفيها تثارُ الأهواءُ والإحساساتُ.
==================
المبحثُ الثاني - في تقسيم الاستعارة باعتبارِ ما يذكرُ من الطرفينِ
إذا ذكرَ في الكلامِ لفظُ المشبَّهِ به فقط، فاستعارةٌ تصريحيةٌ أو مصرّحةٌ نحو قول الشاعر[1] :
وَأَمْطَرَتْ لُؤلُؤاً منْ نَرْجِسٍ وَسَقَتْ وَرْداً وَعَضَّتْ عَلَى العُنَّابِ بِالبَرَدِ
فقد استعارَ: اللؤلؤَ، والنرجسَ و الوردَ، والعنابَ، والبرَدَ للدموعِ، والعيونَ، والخدودَ، والأناملَ، والأسنانَ.
وإذا ذكرَ في الكلام لفظُ المشبَّهِ فقط، وحذِفَ فيه المشبَّهُ به، وأشيرَ إليه بذكر لازمهِ: المسمَّى « تخييلاً» فاستعارةٌ مكنيةٌ أو بالكنايةِ، كقول أبي ذؤيب الهذلي [2]:
وإذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفارَها ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لا تَنْفَعُ
فقد شبَّه َالمنيةَ، بالسبعِ، بجامعِ الاغتيالِ في كلٍّ، واستعارَ السبعَ للمنيةِ وحذفَه، ورمزَ إليه بشيءٍ من لوازمهِ، وهو (الأظفارُ) على طريق الاستعارةِ المكنيةِ الأصليةِ، وقرينتُها لفظة ُ«أظفار» ،ثم أخذَ الوهمَ في تصوير ِ المنيةِ بصورةِ السبعِ، فاخترعَ لها مثل صورةِ الأظفارِ، ثم أطلقَ على الصورةِ التي هي مثلُ صورةِ الأظفارِ، لفظَ (الأظفارِ) فتكونُ لفظةُ (أظفارٍ) استعارة ً(تخييليةً) لأنَّ المستعارَ له لفظُ أظفارِ صورةً وهميةً، تشبهُ صورةَ الأظفارِ الحقيقيةِ، وقرينتُها إضافتُها إلى المنيةِ، ونظراً إلى أن َّ(الاستعارةَ التخييليةَ) قرينةُ المكنيةِ، فهي لازمةٌ لا تفارقُها، لأنّه لا استعارةَ بدونِ قرينةٍ.
وإذاً: تكونُ أنواعُ الاستعارة ثلاثةً: تصريحّيةً، ومكنّيةً، وتخييليةّ .
===================
المبحثُ الثالث -في الاستعارة باعتبارِ الطرفينِ
في الاستعارة باعتبار اللفظِ المستعارِ إن كان المستعارُ له محققاً حسًّا بأنْ يكونَ اللفظُ قد نقلَ إلى أمرٍ معلومٍ، يمكنُ أن يشارَ إليه إشارةً حسيةً كقولك: رأيتُ بحراً يعطي.
أو كانَ المستعارُ له محققاً عقلاُ بأنْ يمكنَ أن ينصَّ عليه،ويشارَ إليه إشارةً عقليةً، كقوله تعال: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )[الفاتحة: 6] أي: الدينَ الحقَّ، فالاستعارةُ تحقيقيةٌ.
وإن لم يكنِ المستعارُ له محققاً، لا حسًّا ولا عقلا ً فالاستعارة ُتخييليةٌ ، وذلك: كالأظفارِ، في نحو: أنشبتِ المنيةُ أظفارَها بفلانٍ.
وأما قولُ زهير[3]:
صَحا القَلبُ عن سلمى وأقصرَ باطِلُهْ وَعُرّيَ أفْرَاسُ الصِّبَا وَرَوَاحِلُهْ
فيحتملُ أنْ يكونَ استعارةً تخييليةً ، وأنْ يكونَ استعارةً تحقيقيةً، أمَّا التخييلُ فإنه يكونُ أراد أنْ يبينَ أنه ترك ما كان يرتكبُه أو انَ المحبةِ من الجهلِ والغيِّ، وأعرضَ عن معاودتهِ فتعطلتْ آلاتهُ، كأيِّ أمرٍ وطِّنَ في النفس على تركه ِ ،فإنه تهمَلُ آلاتهُ فتتعطلُ، فشبَّه الصِّبا بجهةٍ من جهاتِ المسيرِ كالحجِّ والتجارة ِقضَى منها الوطرَ فأهملَ آلاتِها فتعطلتْ، فأثبتَ له الإفراسُ والرواحلُ، فالصَّبا على هذا من الصَّبوة [4]بمعنى الميلِ إلى الجهلِ والفتوة ِ،لا بمعنَى الفتاءَ[5] وأمَّا التحقيقُ فإنه يكونُ أرادَ دواعي النفوسِ وشهواتِها والقوى الحاصلةَ لها في استيفاءِ اللذاتِ أو الأسبابِ التي قلما تتآخذُ في اتباعِ الغيِّ إلا أوانِ الصِّبا.
==================
المبحث الرابعُ - في الاستعارة باعتبار اللفظِ المستعارِ
*- تكونُ الاستعارةُ باعتبار اللفظِ المستعارِ في الأفعالِ أو المشتقاتِ أو الحروفِ على النحو التالي :
(1)-إذا كانَ اللفظُ المستعارُ «اسماً جامداً لذاتٍ» كالبدرِ إذا استعيرَ للجميلِِ ،أو «اسماً جامداً لمعنًى» كالقتلِ إذا استعيرَ للضربِ الشديدِ ، سميتِ الاستعارةُ « أصليَّةً» كقوله تعالى : { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (1) سورة إبراهيم ، وكقوله تعالى : {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (24) سورة الإسراء
وسمِّيتْ أصليةً لعدمِ بنائها على تشبيهٍ تابعٍ لتشبيهٍ أخرَ معتبَرٍ أوَّلاً .
وكقول المتنبي يمدح بدر بن عمار [6] :
في الخّدّ أنْ عَزَمَ الخَليِطُ رَحيلا ... مَطرٌ يَزيدُ بهِ الخُدُودُ مُحُولا
يقول: إذا عزمَ الخليط ُرحيلاً بكى المحبُّ بكاءً مثلَ المطر، إلا أنهُ لا ينبتُ العشبَ كغيره من الأمطار، والخدودُ يزيد محلُها به .
(2)- إذا كان اللفظ المُستعارُ « فعلاً» أو اسمَ فعلٍ، أو اسماً مشتقاًّ أو اسماً مبهماً أو حرفاً فالاستعارةُ « تصريحيةٌ تبعيةٌ» نحو: نامتْ همومي عنّي، ونحو: صهٍ: الموضوعُ للسكوتِ عن الكلام، والمستعملُ مجازاً في ترك الفعل، ونحو: الجنديُّ قاتلَ اللصَّ، بمعنى ضاربَه ضرباً شديداً، ونحو: هذا: الموضوعةُ للإشارة ِ الحسيَّةِ، والمستعملةُ مجازاً في الإشارةِ العقليةِ نحو: هذا رأيٌ حسنٌ، ونحوقوله تعالى على لسان فرعون : (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه/71])، ونحو قوله تعالى عن موسى عليه السلام : (فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص/8]) .
(3)- إذا كان اللفظُ المستعارُ اسماً مشتقاً، أو اسماً مبهماً، « دون باقي أنواع ِالتبعيةِ المتقدِّمَة» فالاستعارةُ « تبعيةٌ مكنيةٌ» ،وسميتْ (تبعيةً) لأنَّ جريانِها في المشتقاتِ، والحروفِ، تابعٌ لجريانها أولاً: في الجوامدَ، وفي كلياتِ معاني الحروفِ، يعني: أنها سميتْ تبعيةً لتبعيتِها لاستعارةِ أخرى، لأنها في المشتقاتِ تابعةً للمصادرِ، ولأنها في معاني الحروفِ تابعةً لمتعلّقِ معانيها، إذ معاني الحروفِ جزئيةٌ، لا تتصورُ الاستعارةُ فيها إلا بواسطة كليٍّ مستقلٍّ بالمفهوميةِ ليتأتَّى كونُها مشبَّهاً، ومشبَّها بها، أو محكوماً عليها، أو بها.
نحو: ركبَ فلانٌ كتفي غريَمهُ ، أي: لازمَه ملازمةً شديدة ً .
وكقوله تعالى : (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة/5])، أي تمكنوا منَ الحصول على الهدايةِ التّامَّةِ ، ونحو: (أذقتَهُ لباسَ الموتِ) أي ألبستُه إياهُ.
و في الحروفِ كقوله تعالى : { فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) [القصص/8، 9]}
قال القرطبىُّ [7]:" قوله - تعالى - : { فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } لما كان التقاطهُم إياهُ يؤدّي إلى كونه لهم عدوّاً وحزناً؛ فاللام في { ليكونَ } لام العاقبة ولام الصيرورة؛ لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّةَ عين ، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوّاً وحزناً ، فذكر الحال بالمآل؛ كما قال الشاعر [8]:
وللمنايا تُربِّي كلُّ مُرْضِعةٍ ... ودُورُنا لخراب الدهر نَبْنِيها
وقال آخرُ [9]:
فلِلْمَوت تَغْدُّو الوالداتُ سِخَالَها ... كما لِخَرابِ الدَّهْر تُبْنَى المَساكنُ
أي فعاقبة البناء الخراب وإن كان في الحال مفروحاً به . والالتقاط ُوجود الشيءِ من غير طلبٍ ولا إرادةٍ . والعربُ تقول لما وجدته من غير طلب ولا إرادة : التقطهُ التقاطاً . ولقيتُ فلاناً التقاطاً . قال الراجز [10]:
ومَنْهَلٍ وَرَدْتُه الْتِقَاطَا لم أَرَ إِذْ وَرَدْتُهُ فُرَّاطَا
ومنه اللقطة ".
ويرى بعضُهم أنَّ اللام هنا يصحُّ أن تكون للتعليلِ ، بمعنى ، أنَّ الله - تعالى - سخَّر بمشيئتهِ وإرادتهِ فرعونَ وآله . لالتقاط موسى ، ليجعله لهم عدوًّا وحزناً ، فكأنَّه - سبحانه - يقول : قدَرنا عليهم التقاطَه بحكمتِنا وإرادتِنا ، ليكون لهم عدوا وحزنا .
-------------
*-قرينةُ الاستعارةِ [11]:
فالقرينة: هي الأمرُ الذي ينصِّبُه المتكلمُ دليلاً على أنه أراد باللفظِ غيرَ معناهُ الحقيقيِّ .
وهي نوعانِ: لفظيةٌ وغير لفظيةٍ .
فاللفظيةُ: هي ما دل َّعليها بلفظٍ يذكَرُ في الكلام ليصرفَه عن معناهُ الحقيقيِّ، ويوجهَهُ إلى معناهُ المجازيِّ المرادِ على أن يكونَ من ملائماتِ المشبَّه به في الاستعارةِ التصريحيةِ، ومن ملائماتِ المشبَّهِ في الاستعارةِ المكنيةِ
وأما غيرُ اللفظيةِ: فهي التي دُلَّ عليها بأمرٍ خارجٍ عن اللفظِ ، وهذا النوعُ من القرينةِ يسمَّى (قرينةً حاليةً )لأنها أمرٌ عقليٌّ لا يدَلُّ عليه بلفظٍ من الكلامِ ، بل يدَلُّ عليه بالحالِ كقول الحطيئة [12]:
ماذا تَقُولُ لأَفْراخٍ بِذِي مَرَخٍ ... حُمْرِ الحَواصِلِ لا ماءُ ولا شَجَرُ
أَلْقَيْتَ كاسِيَهُمْ في قَعْرِ مُظْلِمَة ... فاغْفِرْ، عليكَ سَلامُ اللّهِ يا عُمَرُ
فكلمةُ أفراخٍ استعارةٌ ، فقد شبَّه الشاعرُ أطفالَه الصغارِ بأفراخِ الطيرِ بجامعِ العجز ِوالحاجةِ إلى الرعايةِ في كلٍّ منهما، ثم استعارَ الأفراخَ على سبيل الاستعارةِ التصريحيةِ الأصليةِ .
=================
المبحث ُالخامسُ- تقسيمُ الاستعارة إلى تصريحية وإلى مكنية
أولا-الاستعارةُ التصريحيةُ : هي ما صُرَّحَ فيها بلَفظِ المشبَّه بهِ.
كقوله تعالى : (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة/6]) ،والصراطُ الطريقُ ،فقد شبَّه الدينَ بالصراطِ بجامعِ التوصيل إلى الهدفِ في كلٍّ منهما وحذفَ المشبَّه وهو الإسلامُ وأبقى المشبَّهَ بهِ .
وقوله تعالى :(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) [إبراهيم/1] )، فقد شبَّه الكفرَ بالظلماتِ والإيمانَ بالنورِ وحذفَ المشبَّه وأبقى المشبَّهَ به
وكقول المتنبي [13] :
ولم أرَ قبلي مَنْ مشَى البدرُ نحوهُ ... ولا رَجلاً قامتْ تعْانقُهُ الأسْدُ
فكلمتي البدرِ والأسدِ مشبَّهٌ به في الأصلِ ، وحُذِفَ المشبَّهُ ، فالبدرُ لا يمشي والأسدُ لا تعانق
وقال في مدح خط سيف الدولة [14]:
أمَا تَرَى ظَفَراً حُلْواً سِوَى ظَفَرٍ تَصافَحَتْ فيهِ بِيضُ الهِنْدِ وَاللِّممُ
فهذا البيت يحتوي على مجاز هو "تصافحت" الذي يراد منه تلاقَت، لعلاقة المشابهة والقرينةِ "بيضُ الهند واللمم".
وإذا تأملتَ كل مجاز سبق َرأيتَ أنه تضمَّن تشبيهاً حُذِف منه لفظ المشبَّه واستعير بدله لَفْظ المشبَّه به ليقومَ مقامه بادعاء أنَّ المشبه به هو عينُ المشبَّه، وهذا أبعدُ مدى في البلاغةِ، وأدخَل في المبالغة، ويسمَّى هذا المجاز استعارةً، ولما كان المشبَّهُ به مصرّحاً به في هذا المجاز سمّيَ استعارةً تصريحيةً.
ثانيا- الاستعارةُ المكنيَّةُ : هي ما حُذِفَ فيها المشَبَّهَ بهِ ورُمِزَ لهُ بشيء مِنْ لوازمه.
كقوله تعالى : (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) [الإسراء/24] )، فقد شبَّه الذلَّ بالطائرِ ، وحذف المشبَّه به ولكنْ رمزَ إليه بشيءٍ من لوازمهِ وهو الجناحُ ، فلم يذكر من أركانِ التشبيه إلا الذلَّ وهو المشبَّهُ .
وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ »[15]، فقد شبَّه الإسلامَ بالبيتِ، ولكن حذف المشبَّهَ به وهو البيتُ وأبقى بعضاً من لوازمهِ الجوهريةِ وهو البناءُ.
وقال الحجَّاجُ بن يوسفَ في أول خطبة بأهل الكوفة [16]:"أني لأرَى رُؤوُساً قَدْ أيْنَعَتْ وحَانَ قِطافُها وإِنّي لَصَاحِبُهَا "
فإنَّ الذي يفهَمُ منه أَن يشبِّه الرؤوسَ بالثمراتِ، فأَصلُ الكلام إِني لأرى رؤوساً كالثمراتِ قد أينعتْ، ثم حذف المشبَّّه به فصار إني لأرى رؤوساً قد أينعتْ، على تخيُّلِ أن الرؤوسَ فد تمثلت في صورةِ ثمار، ورُمز للمشبَّه به المحذوف بشيء من لوازمهِ وهو أينعت، ولما كان المشبَّه به في هذه الاستعارةُ محْتجباً سميتِ استعارةً مكنيةً
وقال المتنبي [17]:
ولمّا قَلّتِ الإبْلُ امْتَطَيْنَا إلى ابنِ أبي سُلَيْمانَ الخُطُوبَا
أي لما أعوزتنا الإبلُ وفقدناها لقلةِ ذاتِ اليد أدتني المحنُ والشدائدُ إلى الممدوحِ ، فكأنها كانتْ مطايا لنا
[1] - لباب الآداب للثعالبي - (ج 1 / ص 60) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 22 / ص 38) وفقه اللغة - (ج 1 / ص 87) والإعجاز والإيجاز - (ج 1 / ص 37)
[2] - تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين) - (ج 1 / ص 95)وقواعد الشعر - (ج 1 / ص 3) ونقد الشعر - (ج 1 / ص 32) ولباب الآداب للثعالبي - (ج 1 / ص 42) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 95) ومحاضرات الأدباء - (ج 2 / ص 45) والمفضليات - (ج 1 / ص 78) وجمهرة أشعار العرب - (ج 1 / ص 67) وخزانة الأدب - (ج 1 / ص 146) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 271)
[3] - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 100) و نقد الشعر - (ج 1 / ص 32) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 61) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 42) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 21)و نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 371) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 21 / ص 154) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 166)
[4] - الصَّبْوَة جَهْلَة الفُتُوَّةِ واللَّهْوِ من الغَزَل ومنه التَّصابي والصِّبا صَبا صَبْواً وصُبُوّاً وصِبىً وصَباءً "لسان العرب - (ج 14 / ص 449)
[5] - الفَتاء بالفتح والمدّ : المصدَرُ مِن الفَتِيّ السِّنّ . يقال : فَتِيٌّ بَيِّن الفَتَاء : أي طَرِيُّ السِّنّ مختار الصحاح - (ج 1 / ص 234) والنهاية في غريب الأثر - (ج 3 / ص 778)
[6] - تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي - (ج 1 / ص 74) وشرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 114) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 134) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 68) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 131)
[7] - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 4203)
[8] - الجليس الصالح والأنيس الناصح - (ج 1 / ص 460)
[9] - حياة الحيوان الكبرى - (ج 1 / ص 388) ومختار الصحاح - (ج 1 / ص 278)
[10] - فصل المقال في شرح كتاب الأمثال - (ج 1 / ص 507)وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال - (ج 1 / ص 508) والأمثال لابن سلام - (ج 1 / ص 70) والجليس الصالح والأنيس الناصح - (ج 1 / ص 412) والمستقصى في أمثال العرب - (ج 1 / ص 135) وتاج العروس - (ج 1 / ص 4951) ولسان العرب - (ج 7 / ص 392)
[11] - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 103) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 165-175) وكتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 1288)
[12] - تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي - (ج 1 / ص 29) ومختارات شعراء العرب - (ج 1 / ص 40)والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 58) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 407) وخزانة الأدب - (ج 1 / ص 406)ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 349) وطبقات فحول الشعراء - (ج 1 / ص 15)والكامل في اللغة والادب - (ج 1 / ص 17) والأغاني - (ج 1 / ص 170) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 19 / ص 43)
[13] - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 97) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 169) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 182)
[14] - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 242) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 87) والبلاغة الواضحة بتحقيقي - (ج 1 / ص 4)-- بيض الهند: السيوف، واللمم جمع لمة: وهي الشعر المجاور شحمة الأذن، والمراد بها هنا الرموس.يقول: لا ترى الانتصار لذيذاً إلا بعد معركة تتلاقى فيها السيوف بالرؤوس.
[15] - أخرجه البخاري برقم( 8) ومسلم برقم( 121)
[16] - زهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 348) وحياة الحيوان الكبرى - (ج 1 / ص 162) وصبح الأعشى - (ج 1 / ص 89) والكامل في اللغة والأدب - (ج 1 / ص 101) وتاج العروس - (ج 1 / ص 5643) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 114) - - أينعت من أينع الثمر إذا أدرك ونضج، وحان قطافها: آن وقت قطعها، يريد أنه يصير بحال القوم من الشقاق والخلاف في بيعة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فهو يحذرهم عاقبة ذلك.
[17] - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 148) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 47 / ص 388) - - امتطينا: ركبنا، والخطوب: الأمور الشديدة، يقول: لما عزت الإِبل عليه لفقره حملته الخطوب على قصد هذا الممدوح فكانت له بمنزلة مطية يركبها.