اللغة حقيقتها وخصائصها

المحاضرة السادسة: اللّغة طبيعتها وخصائصها

مقدّمة

إنّ طبيعة اللغة ذات الجوانب المختلفة، النفسية، الفيزيولوجية، الاجتماعية، والوظائف المختلفة التي تؤديها؛ تجعل من الوقوف على حقيقتها وفق تعريف جامع دقيق أمرا صعبا يشبه المستحيل، لكنّه أمر لابدّ منه من أجل الوقوف على حقيقتها ولو جزئيا، ومنه سنحاول في هذه المحاضرة أن نبيّن ذلك، حيث سنذكر الخصائص العامة للغة من حيث تصنيفها في أنظمة التواصل، ثم خصائصها بالنظر إلى مستوياتها.

أولاً: حقيقة اللغة:

1-           من خلال الاتجاهات اللسانية الحديثة:

كما قدّمنا للدرس حول طبيعة اللّغة وتنوعها، فالأمر نفسه ينعكس على تعريفها، لذا نجد الاتجاهات والمدارس اللّسانية تختلف في تعريفها وبيان حقيقتها، ومن جملة  ما ذهبت إليه تلك التعريفات من بيانها لطبيعة اللغة وحقيقتها:

فمثلا "دي سوسير" فرّق بين ثلاثة أبعاد للظاهرة اللغوية: مما يوجد في الإنسان بالقوّة، ثم اللغة التي هي في الذهن، ثم الكلام. وكان محلّ بحثه هو اللغة في الذهن، باعتبارها نظاما من العلامات يتسم بالتجريد مبني على اتحاد الهويات واختلافها.

أما "تشومسكي" فيرى: أنها ملكة فطرية بيولوجية (Competence) تتيح للمتكلم إنتاج عدد لا متناهٍ من الجمل السليمة تركيبياً.

أما "رومان ياكبسون" فقد ربطها بوظيفتها التواصلية، ويرى بأنها "نظام أداتيّ غايته التواصل، يتكون من شفرة (Code) مشتركة تمكّن المرسِل من تحويل الأفكار إلى رسالة، وتمكّن المرسَل إليه من فك هذه الشفرة وتأويلها وفق سياق محدد"".

2-           في التراث العربي من خلال حدّ ابن جني:

من أبرز التعاريف التي يتداولها الباحثون العرب حين تناولهم لتعريف اللغة، هو الذي الحدّ الذي صاغه ابن جني، حيث بيّن قال: " أما حدّها فإنها: أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم"". ومنه انطلق كثير من الباحثين في توضيح التعريف ومنه يبينون أبرز خصائص اللغة عموما ووظائفها. وكذا مقارنته بتعاريف مختلف الغربيين، وهذا أمر جيّد؛ حيث يجمع بين المنظور التراثي والحديث في تناول ماهية اللغة وخصائصها. وممن قام بذلك "عبده الراجحي" في كتابه "فقه اللغة في الكتب العربية"؛ حيث قدّم تعريف ابن جني وبيّن، إجمالا، أهم الجوانب التي جاء بها الحدّ الذي ذكره ثم توسّع فيها. وهذا ما سنذكره في خصائص اللغة من خلال ذلك التعريف، وفق تحليل عبده الراجحي.

ثانيا: خصائص اللغة وفق حدّ ابن جني وتحليل عناصر التعريف وفق منظور الراجحي:

يقوم عبده الراجحي بالتوسع في العبارة من خلال النظر إلى أبعادها الأربعة:

  • البُعد  الصوتي ، وذلك من خلال ما قاله ابن جني بأنّها: ("أصوات") ، رأى الراجحي أن ابن جني وضّح طبيعة اللغة في الأصل بوصفها "ظاهرة صوتية" نطقية تصدر عن الجهاز البشري. ولم يذكر الكتابة فالكتابة مرحلة ثانوية تالية، بينما الأصل في اللغات هو المادة الصوتية المسموعة.  وقد ربط الراجحي، من خلال هذا التعريف، ما بين تعريف اللغة بأنّها أصوات وبين منهج العرب القدامى في دراستهم للغة؛ حيث انطلقوا من المسموع "السماع والرواية"[1].

ومن جهة أخرى ربط "الراجحي" بين مقول ابن جني وعلم الأصوات الحديث، حيث بيّن سبق ابن جني عندما حدد المادة الأولية للغة بأنها "أصوات مسموعة" وليست رموزاً مكتوبة. وهذا يتطابق تماماً مع ما أسسه فرديناند دي سوسير من أن اللغة نظام صوتي في المقام الأول، وما ذهب إليه اللساني الفرنسي أندريه مارتيني في نظرية "التمفصل المزدوج" (بأن الوحدات الصوتية الدنيا هي أساس البناء اللغوي).

  • البُعد النفعي/الوظيفي ("عن أغراضهم"): الغاية النهائية من اللغة هي وظيفتها النفعية والاتصالية وقضاء الحاجات اليومية، وتبادل المنافع ونقل الخبرات بين البشر.

ورأى الراجحي أنّ حد ابن جني يتطابق مع المدارس الوظيفية الحديثة في الغرب، والتي ترى أن الوظيفة الأساسية للغة هي الاتصال والتواصل النفعي وقضاء الحاجات البشرية، وليست مجرد تراكيب شكلية جامد.

  • البُعد النفسي والذهني ("يعبّر بها"): اللغة هنا أداة وسيطة لنقل ما يدور في الذهن والوجدان. ويربط الراجحي هذا العنصر بوظيفة التفكير؛ فالإنسان لا يمكنه صياغة أفكاره إلا من خلال قوالب لغوية تعبيرية. مفهوم "يعبّر بها" والوظيفة النفسية، يربط الراجحي هذا الجزء بأطروحات المدارس اللسانية الغربية التي تدرس العلاقة بين اللغة والفكر. فاللغة ليست مجرد أداة ميكانيكية، بل هي مرآة للنشاط الذهني والنفسي، وهو ما تلتقي فيه مع تعريفات اللساني الأمريكي إدوارد سابير. وبيّن بأنّ عبارة ابن جني بكلمة عن أغراضهم، هي أدق ولا تدخل في الخلاف حول جدلية اللغة والفكر أيهما أسبق.
  • البُعد الاجتماعي ("كل قوم"): يشدد الراجحي على أن اللفظة تُثبت "اجتماعية اللغة". فاللغة لا تنشأ في عزلة، بل هي ملكية مشاعية للجماعة البشرية (القوم)، وتخضع لـ "المواضعة والاتفاق" بين أفراد المجتمع لضمان الفهم المشترك.

يُبرز الراجحي أن كلمة "قوم" عند ابن جني تعادل بدقة مصطلح "الجماعة اللغوية" (Speech Community) في اللسانيات المعاصرة. فاللغة ظاهرة اجتماعية، وتتعدد بتعدد الأقوام، وهي الفكرة ذاتها التي جعلها دي سوسير حجر الزاوية في كتابه "محاضرات في الألسنية العامة" حين اعتبر اللغة (Langue) ملكاً للمجتمع وعقداً اجتماعياً تواضعياً.

 



 [1]  عبده الراجحي، فقه اللغة في الكتب العربية، ابتداء ص60