الأطاليس اللغوية

الأطاليس اللغوية

مقدّمة

بدأت فكرة الأطاليس اللغوية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر 19، وكان من روادها الأوائل مدرستان وضعتا القواعد الأساسية لصناعة الأطالس اللغوية في العالم: المدرسة الألمانية (خاصة مع فنكر) والمدرسة الفرنسية (خاصة مع جليرون). وهناك طرق أخرى، سنحاول في هذه المحاضرة الاقتصار على الطريقتين والتعريف يهما يإيجاز.

أولاً: الطريقة الألمانية (منهج المسح الكمي الشامل):

تأسست هذه الطريقة على يد جورج فنكر (Georg Wenker) عام 1876، لإنتاج "الأطلس اللغوي الألماني".

 منهجية العمل:

وضع استمارة موحدة تحتوي على 40 جملة نمطية مصاغة باللغة الألمانية الفصيحة، وتتضمن ظواهر صوتية وصرفية مستهدفة. وقد أُرسلت هذه الاستمارات إلى معلمي المدارس في القرى والبلدات. وكان المطلوب من المعلم إعادة كتابة هذه الجمل بلهجة تلاميذه وأهل القرية. ومن ناحية التغطية الجغرافية؛ فقد حقق هذا المنهج مسحاً شاملاً، حيث غطى أكثر من 40,000 نقطة لغوية، مما يعني رصد لهجة كل قرية تقريباً.

النقد العلمي (العيوب والمميزات)

  • المميزات (الجانب الإيجابي):
    • الشمولية الجغرافية المطلقة وعدم ترك أي ثغرات على الخريطة.
    • توفير مادة علمية ضخمة جداً سمحت برسم حدود دقيقة للظواهر اللغوية.
  • العيوب (الجانب السلبي):
    • غياب الدقة الصوتية: المعلمون لم يكونوا متخصصين في علم الأصوات، فكتبوا اللهجات بالحروف الأبجدية العادية، مما طمس النطق الحقيقي.
    • التلوث الفصيح: تأثر المعلمون باللغة المكتوبة، مما جعل المادة المجموعة "مستعارة" وليست عفوية.
    • آلية الترجمة: تحويل جملة جاهزة من الفصحى إلى العامية يفقد الكلام طبيعته وسياقه الثقافي.

ثانياً: الطريقة الفرنسية:

أسسها جول جيليرون (Jules Gilliéron) مطلع القرن العشرين لإنتاج "الأطلس اللغوي لفرنسا" (ALF).

2. العمل المنهجي:

  • المعاين الخبير (المسجل الواحد): حيث يكون مدرباً على التدوين الصوتي. ثم يتم النسخ الصوتي الفونيتيكي: تدوين المادة فوراً باستخدام الرموز الصوتية الدقيقة المستندة إلى السمع المباشر.
  •  (العينات الممثلة): تخلت الفرنسية عن الشمولية العددية، واختارت مجموعة قرى (نقاط) فقط موزعة بعناية لتمثيل الخريطة الفرنسية.
  • المقابلة المباشرة والعفوية: مقابلة الرواة وجهاً لوجه. واعتمد على استمارة تحتوي على أسئلة غير مباشرة لتسمية الأشياء المحسوسة (أدوات الزراعة، الحيوانات، الطقس) لتجنب الترجمة الآلية.

3. النقد العلمي (العيوب والمميزات)

  • المميزات (الجانب الإيجابي):
    • الأمانة الصوتية الصارمة: التدوين تم بأذن لغوية واحدة خبيرة، مما ضمن ثبات معيار القياس والتدوين في كل الخريطة.
    • العفوية والاصالة: المادة المجموعة تمثل لغة الحياة اليومية الحقيقية غير المتأثرة بالتعليم أو الكتابة.
    • عزل المؤثرات الخارجية: التركيز على الرواة الأميين وكبار السن المستقرين في بيئاتهم.
  • العيوب (الجانب السلبي):
    • الفجوات الجغرافية: اختيار نقاط دون أخرى دون دراسة، قد يخفي ظواهر انتقالية مهمة.
    • العامل البشري المعرض للخطأ: الاعتماد على باحث واحد يعني أنه إذا كان لديه ضعف في سماع صوت معين، سيتكرر هذا الخطأ في الأطلس كاملاً.
    • الكلفة الزمنية والبدنية: استغرق العمل الميداني سنوات من الترحال المضني والجهد الجسدي الشاق.

ثالثاً: المفاضلة بين الطريقتين:

1.   الكم مقابل الكيف: ركزت الألمانية على "كمية البيانات واتساعها"، بينما ركزت الفرنسية على "كيفية البيانات وعمقها الصوتي". بالإضافة إلى أن المسجلين في الطريقة الألمانية هم معلموا المدارس، بينما المسجّل في الطريقة الفرنسية مدرَّب.

2.   المشافهة مقابل التحرير: نقلت الطريقة الفرنسية البحث اللغوي من الأوراق والبريد إلى الميدان والمشافهة الحية. كما أن الطريقة الفرنسية طريقة مباشرة في الأسئلة دون نموذج سابق يمكن أن يؤثر على الراوي بخلاف الطريقة الألمانية التي أسئلتها جاهزة ما يجعلها تؤثر على الراوي وبهذا الدّقة في الفرنسية أكثر.

 لا يعني التفاضل بين الطريقتين إغناء إحداهما عن الأخرى بل يمكن الجمع بين إجابياتهما.