النبر

من بين الظواهر التي نجدها في كثير من اللغات ومنها اللّغة العربيّة، ظاهرة النّبر. وقد كان الاهتمام به قديما لكن زاد الاهتمام بها أكثر حديثا. إلا أنّه في القديم، عند علماء العربيّة، لم يكن هناك ما يسمى النبر ولم يكن هناك مبحث مخصًّ له، وإنّما تناوله العلماء ضمن ظواهر مختلفة فيما يعرض لهم من مباحث، ومن ذلك ما رآه بعض الدارسين المحدثين أنّه داخل منه، لكن بمسميات مختلفة، من أشهرها، ما تناوله لغويو العربيّة قديما تحت مسمى "المطل"، فيما ورد عن "ابن جنّي"، أو "إشباع الحركة" فيما ورد عند "سيبويه" ومع ذلك يتخوّف بعض الدارسين المحدثين في نسبة ذلك إلى القدامى، فمثلا تمام حسان رأى بأنّ القدماء لم يسجلوا لنا شيئا حول هذه الظاهرة وأنّ دراستها في العربية تعد نوعا من المجازفة (تمام حسان مناهج البحث في اللّغة، ص163-164). ومنه سنتناول هذا المفهوم عند المحدثين ثم الإشارة إلى ما ذكره ابن جنّي. كما أنّ لعلماء التجويد اهتماما بهذا الجانب، سنورد فيه، من باب التكميل، مقطعا (فيديو) يوضّح الأمر بالنطق.

وإذا جئنا إلى تعريف النبر، فنجد هناك بعض الاختلافات في تحديده، ومن بين ما حدّ به، ما ذكره تمام حسان، حيث قال: "وحدّه أنّه وضوح نسبي لصوت أو مقطع إذا قورن ببقية الأصوات والمقاطع في الكلام ويكون نتيجة عامل أو أكثر من عوامل الكمية والضغط والتنغيم"(تمام حسان مناهج البحث في اللّغة، ص160):. وهذا التعريف يحتاج شرحا لكثير من مصطلحاته، إلا أنّنا سنقف فيه على المهم، ومن ذلك أنّ النبر هو وضوح لصوت أو مقطع، حيث يبرز مصطلح محوري في الدرس الحديث هو مفهوم "المقطع".  وهنا نجد بأنّ الوقوف على مفهوم النبر يقتضي الوقوف على مفهوم المقطع،  الذي يعرّف بأنّه هو"وحدة صوتية تبدأ بصامت يتبعه صائت ، وينتهي قبل أول صامت يرد متبوعا بصائت، أو حيث تنتهي السلسلة المنطوقة قبل مجيء القيد "(ابحاث في اصوات العربية ، د. حسام النعيمي ، ص8).

وقد ذهب الباحثون إلى أنّ المقاطع الصوتية في اللغة العربية تنحصر في خمسة أنواع، سنذكرها بإيجاز مع مثال عن كلّ نوع:

مثال توضيحي

الصيغة الرمزية

المكونات

نوع المقطع

م

بَـ

ص ح

صامت + حركة قصيرة

قصير مفتوح

1

فِي

ص ح ح

صامت + حركة طويلة (مد)

طويل مفتوح

2

مِنْ

ص ح ص

صامت + حركة قصيرة + صامت

طويل مغلق (بحركة قصيرة)

3

بَابْ

ص ح ح ص

صامت + حركة طويلة + صامت

طويل مغلق (بحركة طويلة)

4

بِنْتْ

ص ح ص ص

صامت + حركة قصيرة + صامت + صامت

زائد في الطول

5

وإذ عرفنا أنواع المقاطع يمكن النظر في ما اجتهد فيه الباحثون حول ورود هذه المقاطع في الكلّمة، وعلى أيّها يقع النبر:، حيث ذكر "محمد داود" أنه يمكِنُ ملاحظةُ مَوقِعِ النَّبْرِ داخِلَ الكَلِمةِ من خلالِ الضَّوابِطِ التَّاليةِ:

1- إذا توالَت عِدَّةُ مقاطِعَ مَفتوحةٍ، يكونُ الأوَّلُ فيها منبورًا؛ ففي كَلِمةِ "كَتَبَ" نجِدُ ثلاثةَ مقاطِعَ قَصيرةٍ مفتوحةٍ، أوَّلُها منبورٌ.

2- إذا ضَمَّت الكَلِمةُ مقطعًا طويلًا واحِدًا، يكونُ النَّبْرُ على هذا المقطَعِ الطَّويلِ، كما في كَلِمةِ "كِتاب" بنَبْرِ المقطَعِ الثَّاني.

3- إذا ضَمَّت الكَلِمةُ مقطَعينِ طويلَينِ، يكونُ النَّبْرُ على أوَّلِهما، كما في كَلِمةِ: كاتِب، نجِدُ مَقطَعَينِ طويلَينِ، أوَّلُهما مفتوحٌ، والثَّاني مُغلَقٌ، والنَّبْرُ على المقطَعِ الأوَّلِ

(((محمد داود، اللغة وعلم اللغة الحديث، 131- 132 ).

ويذكر تمام حسان ستة مقاطع، وفق ثنائية صحيح /معتل (تمام حسان مناهج البحث في اللّغة، ص141):

أنواع النبر:

هذا بالنسبة إلى المقطع، لكن حين الحديث عن مواضع النبر؛ فقد خلُص تمام حسان إلى أنّ النبر في اللّغة العربيّة نوعان، نبر صرفي، ونبر دلالي. سنوضحهما:

أ‌-      النبر الصرفي: هو يقع على الكلمات، وهو وظيفة الميزان الصرفي، فمثلا صيغة "فَاعِل" يقع النبر على الفاء منها، وهذا ينطبق على كلّ مثال جاء على هذا الوزن مثل: حابس، ناقل، عازل، فكلّها يقع النبر على حرفها الأوّل(ح، ن، ع) الذي هو في الميزان "فاء الكلمة". بينما كلمة مفعول، يقع النبر فيها على "عين الكلمة"، ومستفعل، النبر يقع على "تاء الكلمة" وهكذا. وبهذا يتَّضح، من خلال ما ذكره تمام حسّان، أنّ هذا النبر متعلّق بالكلمة مفردة بغض النظر عن موقعها في الجملة. وقد قسّم النبر الصرفي حسب قوّته إلى نبر أوّلي ونبر ثانوي وذكر مواضع ورود ذلك (للتوسع فيها ينظر: تمام حسان، مناهج البحث في اللغة، ص161-162)

النبر الدلالي (السياقي): وقد ربطه تمام حسان بالجمل، وجعله مرتبطا بالدلالة، أي عامل النبر فيه هو الدلالة؛ ولهذا سماه سياقيا. ويختلف عن الصرفي بأنّه يمكن وصفه؛ فمثلا يمكن القول هذا: نبر تقريري، وهذا نبر تأكيدي، (تمام حسان، مناهج البحث في اللغة