اللّغة العربية واللّغات السامية، اللّغة العربية ولهجاتها

من أهم مباحث فقه اللغة قديما وحديثا، مبحث مقارنة اللغات واللّهجات، وكذلك محاولة تصنيفها والنظر في العلاقة فيما بينها، وهي مقارنة تأخذ منحيين؛ منحى خارجيا، حيث تقارن اللغة العربية مع غيرها من اللغات من حيث المشترك والمختلف بين فصائل اللغات خاصة التي تدخل ضمن النطاق الذي صنفت ضمنه،  وهو اللغات السامية، ثم منحى داخليا في المقارنة، تقارن فيه مختلف لغات العرب فيما بينها وهو ما أدرجه كثير من المحدثين تحت ما يسمى اليوم باللّهجات. وإن كان تقسيم اللغات عند العرب معروفا عند القدامى في مباحث فقه اللغة، واهتموا به. أما المقارنة الخارجية فهي موجودة، لكن ليس من منطلق تتعلق بتصنيف اللغات، فهذا من المباحث الجديدة في فقه اللغة، وإن كان القدامى لهم مباحث تتعلق بالمقارنات بين اللسان العربي وغيره من الألسن قربا وبعدا. ومنه سنتناول في درسنا النّوعين معا.

أوّلا المقارنة الخارجية: المقارنة السامية (الجزيرية).

الحديث عن المقارنات الخارجية يقتضي الحديث عن مسألة تصنيف اللّغات؛ حيث إن محاولة الباحثين، خاصة الغربيين، تصنيف اللغات أنتجت عدّة تصنيفات تختلف في معايير التصنيف وأسسه؛  تصنيفها حسب الجغرافيا، إلى عائلات، حسب طبيعتها الصرفية. وقد كانت اللغة العربية متضمنة ضمن هذه التصنيفات. والتصنيف المقرّر على الطلبة هو التصنيف حسب العائلات. والتصنيف المنصوص عليه في المقرّر هو تصنيفها ضمن فئة اللغات السّامية.

 قبل الحديث عن اللغات السامية نناقش قضيّة تتعلّق بالتسمية، فإطلاق تسمية "السامية" عليها هو من عند الغربيين ؛ حيث "سماها الغربيون: اللّغات السامية. وأول من أطلق هذا الاسم على هذه اللغات هو شلوتسر الألماني في أبحاثه وتحقيقاته في تاريخ الأمم سنة 1781م ... وقد استخلص هذه التسمية من الجدول الخاص بأولاد نوح، عليه السلام، الثلاثة: سام، وحام، ويافث، التي وردت في العهد القديم، إذ رأى أن هذه التسمية تنطبق على العرب والعبريين والأحباش لوجود صلات قرابة بين لغاتهم أولاً، ولأن جدول الشعوب يرجع العرب والعبريين والآراميين إلى سام بن نوح.(حاتم الضامن، فقه اللّغة، ص24). إلا أنّ كثيرا من الباحثين العرب يرجحون تسميتها باللّغات الجزرية.  ويراد باللغات الجزرية: مجموعة من اللغات التي نطقت بها الشعوب التي كانت تسكن الجزيرة العربية، وهي اللغة البابلية والآشورية والعربية والعبرية والآرامية والفينيقية والحبشية، قسم منها حي لا يزال يتكلم به ملايين البشر، ويحمل كنوزاً غنية من الثقافة والأدب، وقسم آخر ميت عفت آثاره. (حاتم الضامن، فقه اللّغة، ص24).

 

 

 

ثانيا: المقارنة الداخليّة

اللّغة الفصحى:

يقول صبحي الصالح:  "إن الفصحى لم تكن يوماً لهجة لقبيلة معينة، بل كانت لغة أدبية رفيعة مصفاة، ارتفعت فوق مستوى اللهجات المحلية، وقد تهيأت لها أسباب السيادة بفضل الأسواق الأدبية والنشاط الديني." صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة، ص 82.

وهذا القول الذي قال به صبحي الصالح ليس قوله وحده، بل هو رأي شائع وقد قيل من قبله ولا يزال رأيا قائما، وقد أوردناه للطلبة من باب المعرفة به، لكن رغم شيوعه وذكره في كتب فقه اللغة، يبقى رأيا مفتقرا للأدلة التاريخية والاستقرائية، ولهذا سنذكر رأيا آخر في المسألة، هو ما جاء به اللّساني عبد الرحمن حاج صالح ، (الحاج صالح، السماع اللغوي العلمي عند العرب ومفهوم الفصاحة، ص249. ولم يكن رأيه فرضا افترضه، بل بناه على أدلة إحصائية، ورجوع إلى مقالات المتقدمين من مثل سيبويه، والمبرد...، ما يدل على وعي القدامى بما هم عليهم بخلاف ما رماهم به المحدثون حين جهلوا بحيثيات الجمع والدراسة عند المتقدمين.

النص  التطبيقي

عرفت العربية قديماً ظواهر لهجيّة خاصة ببعض القبائل، ومنها (العنعنة) وهي في تميم، و(الكشكشة) وهي في ربيعة ومضر... وهي ظواهر صوتية كانت العرب تتجنبها في لغتها الفصحى المشتركة." أسعد النادري، فقه اللغة، ص 79