النمو اللغوي خصائصه ومراحله
النموّ اللّغوي عوامله ومراحله وخصائصه
النموّ اللّغوي عوامله ومراحله وخصائصه
للنّمو اللّغوي عوامل تسهم فيه وتؤثّر عليه سلامةً واختلالا، كما أنّه لا يتمّ دفعة واحدة بل هو جار على مراحل متعاقبة بالتدرج، ولكل مرحلة خصائصها ومميزاتها، و منه سنسعى في هذه المحاضرة إلى بيان تلك العوامل، والوقوف على أهم المراحل وما يميّز النمو اللغوي خلال مراحله المختلفة. وقبل ذلك كلّه يحسن البدء بمفهوم النمّو اللّغوي.
1) مفهوم النّمو اللغوي
إذا جئنا إلى الحديث عن النّمو اللغوي فهو يندرج ضمن عملية نمو الإنسان عموما، حيث "يشير مفهوم النّمو إلى جميع التغيرات النّوعية والكميّة في الجوانب المعرفية والاجتماعيّة واللغوية والجسديّة والانفعاليّة والأخلاقية التي تطرأ على الكائن البشري نتيجة تفاعل العوامل الوراثية والبيئيّة". وإذا خصصناه بالنّمو اللغوي فهو" يتمثل في عملية اكتساب وتطوّر الكلام والقدرة على توليد المفردات وبناء التراكيب اللغوية وإدراك المعاني... ويسهم النّمو اللغوي في تطوير قدرات الفرد على التّواصل مع الآخرين واكتساب المعارف والخبرات". وقد اختلفت المنظورات في تقسير النّمو اللغوي، ما بين النظرية السلوكية والنظرية المعرفية، ونظرية النّحو التوليدي لتشومسكي.
2) عوامل النمو:
يعدّ المختصون كثيرا من العوامل منها ما يرجع إلى العامل البيولوجي أو إلى عوامل أخرى اجتماعية واقتصاديّة. قبالنسبة إلى العوامل البيولوجية مثل:
مستوى الذكاء: كلما ارتفع مستوى ذكاء الطفل زادت سرعته في تعلم أو اكتساب المهارات اللغويّة والكلاميّة أو التعبيريّة.
جنس الطفل: بيّنت نتائج الدراسات أن الأطفال الإناث في مرحلة ما قبل المدرسة أكثر قدرة على التكلّم والتعبير من الأطفال الذكور، بمعنى آخر أنّ النموّ اللغويّ عند الإناث يكون أسرع منه عند الذكور. مراحل النموّ اللغويّ عند الأطفال.
أو إلى عوامل أخرى اجتماعية واقتصاديّة مثل:
ترتيب الطفل بين إخوته: يأخذ الابن الأكبر النصيب الأكبر من الوقت لتعليمه من الوالدان. وبالتالي يكون النموّ اللغويّ والتعبيري أكثر عند الابن البكر.
حجم العائلة: العائلة الصغيرة توفر جو مناسب للطفل على تعلم الكلام وزيادة المخزون اللفظيّ عنده، ويعود ذلك إلى وجود الوقت الكافي لتعليم الطفل والقدرة على بذل مجهود أكثر، أمّا في العائلة الكبيرة لا يوجد الوقت الكافي لتعليم الطفل.
المستوى الاقتصادي والاجتماعي: كلما كان المستوى الاجتماعي والاقتصادي أعلى كلّما كانت الأنشطة التي تمارس مع الأطفال أكثر تنوعاً وأكثر تنظيماً، ممّا يتيح فرصة كبيرة للطفل على اكتساب المفردات والقدرة الجيّدة على التعبير والكلام.
3) مراحل النّمو اللّغوي وخصائصه
تقسيم مراحل النّمو اللغوي هو تقسيم نسبي ، إذ"لا يتفق علماء النفس اللغويون على فصل وتمييز المراحل المختلفة للنمو اللغوي".هذا من جهة الاختلاف في الحدّ الفاصل بين مرحلة ومرحلة، ومن جهة أخرى تختلف المنظورات في تناول هذه المراحل، فقد ينظر إليها بمنظور مراحل الطفولة، أو منظور كونها قبل الحضانة أو بعدها، أو قبل المدرسة. لكن هذه المنظورات هي في ذلك كلّه لا تمسّ مراحل النّمو المفصّلة بل تحويها، وإنّما هي تعطيها ترتيبا أشمل وفق المرحلة العمرية للطفل وفق الاعتبارات السّابقة (الطفولة، الحضانة، المدرسة...). ونحن سنذكر تلك المراحل وفق مرحلتي: الطفولة الأولى والثانية. وكلّها تتم قبل مرحلة المدرسة؛ "وهي تعني المرحلة التي تنحصر ما بين ميلاد الطفل وبداية العام السادس من العمر حيث يلتحق الطفل لأوّل مرّة –عادة- بالمدرسة الابتدائية".
3-1) مرحلة الطفولة الأولى:
وتمتد هذه المرحلة من الميلاد إلى عمر سنتين، وتشمل مرحلتين بارزتين هما التلفظ، وبداية الكلام. حيث إنّ مراحل النّمو اللغوي تقسّم ابتداءً إلى ما قبل اللغة (الكلام) ثم مرحلة اللغة (الكلام)؛ و لذا هناك من فرقّ بين مجرد التلفظ (اللغو) والكلام؛ وذلك بأنّ الكلام له معنى وهو يستخدم لتوصيل الأفكار وذلك لأناس يتكلمون نفس اللغة، بينما التلفظ هو مجرد انعكاس للإثارة العامة ولا يتطلب أناسا يتكلمون نفس اللغة.
أ) مرحلة التلفظ هي المرحلة التي يلتقي فيها الطّفل مع الأصوات، ولها مراحل:
مرحلتها الأولى، هي ابتداءً من الميلاد ومرحلة ما قبل النطق؛ حيث تعدّ هامة لتعلّم اللغة، إذ صراخ الطفل وبكاؤه هو وسيلته الاتّصالية الأولى وهي غير محدّدة في صورة ألفاظ كما ليست موجّهة إلى أحد بعينه. فالتّلفظ المبكر للطفل له مرحلتان: الصراخ الذي يكون بعد الولادة مباشرة، اللغو والمناجاة وتكون في بداية الأسبوع السادس.
والمرحلة الثانية من الطفولة الأولى، هي مرحلة النداء والإشارة، إذ يتجه الطفل إلى معيّن من خلال ما كان له من تجارب إيجابية؛ فقدوم الأم إلى الولد حال بكائه يجعل الطفل يبكي إذا أراد أمّه. وهذه مرحلة تعدّ محاولة للتكلّم لكن دون لغة فعلية، كما أنّ الطفل يمارس نوعا من اللعب بالأصوات خاصة حينما ينتبه إلى سماع صوته فيكرر أصواته الخاصة دون محاولة تقليد الأصوات التي في محيطه وذلك يعتبر تمرينا لعضلاته وجهازه الصوتي، لكن بعد شهور ينتبه إلى الأصوات التي في محيطه ويحاول تقليدها كما ينتبه إلى الفروق التي تميز الأصوات التي يسمعها بعضها عن بعض، وحين يتمكن من التمييز بينها يحاول إبدالها بالأصوات العفوية التي كان يصدرها.
المرحلة الثالثة (الطفولة الأولى):"مرحلة ما قبل اللّغة"، تبدأ، حسب ج. فرانشسكاتو (G. Francescato) عند نطق الطفل وتعلّمه للوحدات الصّيتية التي تحمل معنى محدّدا". وذلك في المرحلة ما بين 7 إلى 9 أشهر، حيث ينطق بكلمات مثل: "بابا" "ماما". بعدها تأتي مرحلة الكلمة ابتداء من الشهر 12 تقريبا، حسب ما اتفق عليه كثير من الباحثيين. لكن هناك من يرى بأن نطق الطفل لكلمة "بابا، ماما" في 7-9 أشهر، لا يعني ذلك أنّه دخل مرحلة الكلام وأنّ ذلك دليل على نضجه المبكر "على العكس فإصدار هذه الأصوات ما هو إلا كلمات يصدرها أمثاله وليست ميزة خاصة به".
ب) مرحلة الكلام (بداية الكلام)، وهذه هي التي تشمل بقية مراحل النّمو اللغوي، سواء في الطفولة الأولى أو الثانية، وممّا يدخل في الطفولة الأولى منها:
مرحلة الكلمة الواحدة: يبدأ فيها الطّفل بين الشهر العاشر والشهر الثالث عشر، أما الكلمة المفردة التي تعادل الجملة (الكلمة الجملة) فهي محل اختلاف بين الباحثين؛ حيث"يرى بعض الباحثين أنّ هذه الكلمات المفردة تعدّ ذات معنى إجمالي أي أنّها تقوم بوظيفة جملة كاملة يختفي تحتها باقي عناصر الجملة. ويرى الباحثون المحدثون أنّ الكلمة المفردة لا تعادل جملة كاملة، ولكنّها لفظ يحمل فكرة كافية لاتصال الطفل الشّفوي حيث إنّ الطفل يكمل مضمون هذه الكلمة بالإشارة والحركة والإلقاء". ومن خصائص هذه المرحلة أن ما ينطقه الطفل يتعلق بحاجياته الأساسيّة، كما أنّ الطفل يميل في هذه المرحلة إلى التعميم، مثل استخدامه كلمة تفاح لكل ما هو دائري.
مرحلة الكلمتين:حيث يبدأ فيها الطفل في منتصف السنة الثانية ويستمر ذلك إلى نهايتها، ويعبٍّ في هذه المرحلة عن رغباته وحاجاته الخاصة، وتتميز لغة الطفل في هذه المرحلة بالإيجاز والاختصار مع حملها لمعان كثيرة، ولذلك تسمى لغة التجلراف، فمثلا قوله "ماما مم" فيها تعبير عن رغبته في الطعام أو الإشارة إلى وجوده.
3-2) مرحلة الطفولة الثانية:
تبدأ هذه المرحلة عموما من سنّ الثالثة إلى ما بعدها، وهي تطابق "مرحلة شبه الجملة والجملة التّامّة"؛ حيث تنمو لدى الطفل في هذه المرحلة القدرة على اتّباع النظام اللغوي النحوي والصرفي، ويمكن النظر إلى التطوّر الحاصل في هذه المرحلة وفق مرحلتين:
أ- مرحلة الجمل القصيرة: وهذه تكون في السنة الثالثة، حيث يكوّن جملا مفيدة بسيطة مكوّنة من (3 ـــــــــــــــــــــ 4 كلمات) سليمة من حيث وظيفتها في أدائها للمعنى، حتى وإن كانت غير سليمة من حيث التركيب. وهنا تبدأ تنمو لدى الطفل القدرة على اتّباع النظام اللغوي النحوي والصرفي ، مثل معرفته يالتطابق بين الصفة والموصوف، واستعماله للجمع المذكر والجمع المؤنث، إلا أنّه قد يخطئ في بعض القواعد فيما يتعلق بالحالات الشاذة والمستثناة، حين يقيسها على الحالات المشابهة لها، وهنا يدخل في مرحلة التصحيح، حيث يستعين بالنموذج الذي يتحدث به الكبار في محيطه اللغوي، وبذلك يكتسب النطق الصحيح .
ب- مرحلة الجملة الكاملة: (في السنة الرابعة): وتكون من ( 4 ــــــــــــــــــــــــــ 6 كلمات)، وميزتها أنّها جمل مفيدة تامة الأجزاء كما أنّها أكثر تعقيدا ودقة في التعبير. ومن مظاهر النضج في هذه المرحلة هو أنّ الطفل ينجز جملا طويلة مع روابط فيما بينها (وجود الفاعل والمفعول به، استخدام أدوات التعريف)، مثل بعض حروف العطف والضمائر (و، أو، هو)، لكن لا يستعمل روابط أخرى مثل (على الرغم، لكي...). وفيها يستطيع توليد عبارات جديدة كما يمكنه الحديث لفترات أطول مع الآخرين، أو في التعبير عن الأشياء والموضوعات الخارجية.
ومن خصائص مرحلة الطفولة الثانية:
- "التمركز حول الذّات لفظيا"، حيث تبرز ثلاثية مظاهر الأنانية (العاطفي-الذكائي اللغوي)، فتظهر في تعبيرات الطفل أنّه يمتلك والدية والمساحة التي أمامه، كما أنّه يتحدّث إلى الآخرين من منظوره هو دون مراعاة هل ألأفاظه مناسبة أم لا أو هل هي مفهومة للآخرين أو لا ؟ ويبرز استخدام الضمير أنا في تعبيراته.ولذلك يرى بياجيه من خلال دراساته أنّ 45 %إلى 60 %بالمائة من كلام الطفل ما بين سن 3 إلى 5 سنوات يكون متمركزا حول ذاته، فيما يبدأ ذلك التمركز يقل من سن 5 إلى 7 سنوات إلى أن يصل 45 %بالمائة، وبعدها يصبح كلامه متمركزا حول الجماعة.
- السرعة في التحصيل والفهم والتعبير.
- يتطلب النمو اللغوي في هذه المرحلة تحصيل وفهم عدد كبير من المفردات مع ربطها ببعضها في جمل ذات معان عند التعبير.
أمّا عن رصيد الطفل من الكلمات فهناك محاولات لرصده، حيث "تقدّم بعض الإحصائيات عدّا كميا لتزايد رصيد الكلمات ضمن مراحل النمو اللغوي المختلفة، منها إحصائية "س.و. سترن (C.W. Stern)" التي وفقها: الطفل البالغ 18 شهرا يعرف 100 كلمة، والبالغ عامين يعرف من 303-400 كلمة، والبالغ ثلاثة أعوام يعرف حوالي 1000 كلمة. وحسب إحصائية "أ.د. ديسكويدرس (A. Descoeudres)" : الطفل البالغ 21 شهرا يعرف 174 لفظا، والبالغ 33 شهرا يعرف 639، والبالغ 46 شهرا يعرف 1394 لفظا.