المحاضرة الحاية عشر: تأويل النتائج
المكتسبات القبلية: ينبغي أن يكون الطالب قبل هذه المحاضرة قادراً على:
- فهم مراحل البحث اللساني (جمع المعطيات – معالجتها – تحليلها).
- التمييز بين التحليل الكمي والتحليل الكيفي.
- إدراك مفهوم النتائج العلمية وطبيعتها.
- معرفة أولية بمناهج البحث اللساني (الوصفي، المقارن...).
- القدرة على قراءة الجداول والنتائج الإحصائية وفهمها.
أهداف المحاضرة: بنهاية المحاضرة يكون الطالب قادراً على:
- تعريف تأويل النتائج وتمييزه عن عرضها وتحليلها.
- إدراك أهمية التأويل في إعطاء معنى علمي للمعطيات.
- ربط النتائج بإشكالية البحث وفرضياته.
- الكشف عن الأخطاء المنهجية التي قد تؤثر في التأويل.
- تجنب الأخطاء المرتبطة بالظروف المادية والنسبية وسوء التأويل.
- بناء تأويل علمي دقيق وموضوعي للنتائج اللسانية.
تأويل النتائج في البحث اللّسانيّ
مقدمة:
يمثل تأويل النتائج المرحلة التي تتوج مختلف خطوات البحث اللساني، حيث ينتقل الباحث من مجرد عرض المعطيات وتحليلها إلى إعطائها دلالات علمية عميقة مرتبطة بإشكالية البحث. فلا تكمن قيمة النتائج في ذاتها، بل في كيفية فهمها وتفسيرها ضمن إطار نظري ومنهجي واضح، وقد شهدت الدراسات اللسانية المعاصرة اهتماماً متزايداً بمسألة التأويل، خاصة مع تنوع المعطيات اللغوية وتعقدها، سواء كانت كمية أو كيفية. فالتأويل ليس عملية آلية، بل هو نشاط علمي يتطلب من الباحث فهماً عميقاً للسياق اللغوي والاجتماعي، وقدرة على الربط بين النتائج والنظريات اللسانية.
غير أن هذه المرحلة تظل من أكثر مراحل البحث حساسية، إذ يمكن أن تؤدي أخطاء بسيطة في التأويل إلى نتائج مضللة أو استنتاجات غير دقيقة. لذلك، يصبح من الضروري الوعي بالأخطاء المنهجية التي قد تعترض الباحث، مثل تأثير الظروف المادية، أو النسبية في الحكم، أو سوء فهم المعطيات. ومن هنا تأتي أهمية هذه المحاضرة في تأطير عملية تأويل النتائج وضبطها علمياً.
ليس من السهل دائما فصل التأويل عن التحليل، لأنه هو الآخر يعتمد أيضا على المعطيات، لكنه يبحث في الذهاب إلى أبعد من ذلك، ليس في استطاعة أي أحد القول إن الأمر لا يتعلق بتحليل دقيق، فعلا، إننا لا نهدف في هذه الحالة سوى تجاوز المشاهدات البسيطة.
مثال: إذا كان التحليل يستهدف إبراز المكونات فإن التأويل سواء لكل جزء من الساعة أو الساعة كمجموع كلي يهدف بالأحرى إلى اكتشاف الروابط بين مختلف العناصر المكونة لها، وبالتالي، من خلال دراستنا للساعة الميكانيكية مثلا. فإننا سنتوصل إلى اعتبارات حول التصورات النظرية التي منحتها شكلها. أو حول المنهج المستخدم في دراستها، أو حول الأصناف الأخرى من الساعات، أو حول أجهزة قياس الزمن أو حول أجهزة القياس بصفة عامة. ينطلق التأويل إذن من المشاهدات التي تمت حول شيء أو ظاهرة بفضل التحليل. ثم إن التحليل يميل إلى اعتبارات أكثر عمومية حول الروابط بين العناصر التي تم تحليلها.
يظهر التأويل إذن كأنه عملية ذهنية متميزة عن التحليل ومرتبطة به في نفس الوقت ولهذا نجد في معظم الأحيان تأويلات في تقارير البحث مدمجة مع تحليل المعطيات أكثر مما هي موضوعة في محور مستقل، ما عدا في البحث التجريبي أو المخبري.
إن التأويل يسمح، مثل التحليل بالميل نحو ملاحظة الواقع على أساس فرضية الانطلاق : هذا سيؤدي بنا بالتالي إما إلى مراجعة التنبؤ الأصلي أو حتى النظرية التي يندرج ضمنها هذا التنبؤ إذا ما كانت الفرضية غير صحيحة، وإما بإثراء المشكلة المطروحة للدراسة باعتبارات نظرية وميدانية جديدة إذا ما ثبتت صحة الفرضية. بفضل التأويل الذي ماهو إلا عبارة عن استدلال منطقي سيبرهن الباحث أو الباحثة على قدراته الاستدلالية وتفتح ذهنه معبراً في نفس الوقت عن وجهة نظره الشخصية . إن التعبير عن وجهة نظر شخصية لا يعني أن يكون الباحث أقل صرامة أو أن يبتعد عن جواهر ومرامي التحليل، بل يعني فقط الإتيان باعتبارات جديدة انطلاقا مما توحي به النتائج
الأخطاء التي ينبغي تفاديها: يمكن أن تنتج بعض الأخطاء أثناء التحليل أو التأويل أو خلال المراحل التي تسبقهما. إن معرفة هذه الأخطاء والقيام بالتصحيحات كلما كان ذلك ممكنا والإشارة إليها، وبالتالي أخذ في الحسبان كل الحذر فيما نصدره من أقوال، كل هذا يضمن إلى حد كبير مصداقية تقرير البحث هناك أربعة أنواع من الأخطاء الملاحظة وهي : الخطأ المتعلق بالظروف المادية الخطأ النسبي، خطأ التأويل وخطأ التقرير الموجز
الخطأ المتعلق بالظروف المادية
هناك خطأ متعلق بالظروف المادية في الحالات الآتية : عندما يقدم المخبر معلومة سيئة، عندما لا ينطبق الاختبار الإحصائي المنتقى مع نوع المتغيرات الموضوعة في علاقة، وعندما تشكو المعاينة من نقص الأفراد في إحدى المجموعات الفرعية من مجتمع البحث، وعندما لا تجرى المقابلة في أحسن الشروط وعندما يتم فحص الوثائق بطريقة سيئة، وعندما تكون إحدى المعلومات غير مؤكدة، وكذا عندما يكون تسجيل المعطيات سيئا، إلخ. باختصار، ينتج الخطأ المتعلق بالظروف المادية في غالب الأحيان من المعطيات التي لا يمكن التأكد من دقتها. لهذا لابد من تصحيح هذا الخطأ في حدود الإمكان وأخذه، على الأقل. بعين الاعتبار أثناء التحليل
الخطأ النسبي
إن الخطأ النسبي ليس خطأ في حد ذاته، ولا يصبح خطأ إلا عندما يتم أخذ معلومة ما في غير معناها ومقصدها الحقيقي. إن الخطأ النسبي يمكن إرجاعه إلى التغير الذي يتم في الزمن. قد يؤكد أحد الأشخاص مثلا انه ينوي التصويت في يوم ما على الحزب كذا، وبعد مرور أسابيع يصوت على حزب آخر، في حين لا تعتبر هذه المواقف والأخرى خطأ في حد ذاتها، ذلك لأن كل المواقف محتملة يمكن أيضا إرجاع الخطأ النسبي كذلك إلى السياق فاستجواب شخص ما بمفرده يختلف عن استجوابه ضمن مجموعة من الأشخاص مما يجعله لا يجيب بنفس الكيفية في الحالة الأخيرة بحيث سوف لا يتصرف إلا انطلاقا من تفاعله مع الآخرين لن يكون هناك خطأ إذن إلا إذا لم تأخذ بعين الاعتبار عوامل السياق و عوامل الزمن على أساس الهدف المتوخى أو مستوى الدقة المرغوبة.
خطأ التأويل
سنقع في خطأ التأويل عندما نستنتج من المعطيات أشياء لا تدل عليها. عندما تعمل على تأييد ما هو مؤكد داخل الرؤية النظرية لظاهرة ما، فإننا سنحاول أولا التحقق من صدقها وصحتها وترقب نتائج مؤكدة في هذا الخصوص ؛ في حين أنه من الممكن أن يحدث منذ أول وهلة على الأقل أن بعض الوقائع تكون بعيدة عن النتائج المرتقبة وأننا لم ننتبه لها، ولم نعر المدى صدقها وصحتها أي اهتمام لابد علينا أن نعود إذن إلى فحص المعطيات عندما يتبين أنه لا يمكننا الاستغناء عن الملاحظات الهامة ومن جهة أخرى، فإنه لا يجب المبالغة في التوافق بحكم أن النتائج جاءت مسايرة للنظرية التي تم الانطلاق منها، ذلك لأن الواقع هو دائما أكثر تعقيد من كل نظرية. هكذا ستضيع منا فرصة إثراء النظرية أو رؤية حدودها في الحال مثلا، لو أن جزءا من مجتمع البحث لا يبدو أنه يتصرف على أساس مصالحة العادية العاجلة، فإن هذه المشاهدة، في حالة ما إذا لم ترتكب خطأ اخفائها، يمكن أن تؤدي في أحسن الأحوال إلى تنقيح النظرية حول المصلحة وجعلها تتقدم بدلا من تركها راكدة.
خاتمة:
إن تأويل النتائج في البحث اللساني ليس مجرد مرحلة ختامية، بل هو عملية علمية مركبة تتطلب دقة منهجية ووعياً نقدياً عالياً. فمن خلاله تتحول النتائج من معطيات جامدة إلى معرفة علمية قابلة للفهم والتفسير، تسهم في تطوير الدرس اللساني.
غير أن نجاح هذه العملية يظل رهيناً بمدى التزام الباحث بالموضوعية، وتجنبه للأخطاء التي قد تشوّه النتائج، سواء كانت مرتبطة بالظروف المادية، أو بالنسبيّة في الحكم، أو بسوء التأويل. كما أن الربط السليم بين النتائج والإشكالية والفرضيات يشكل معياراً أساسياً لنجاح التأويل.
وعليه، فإن تأويل النتائج يمثل لحظة حاسمة في البحث، تتطلب من الباحث الجمع بين الصرامة المنهجية والقدرة التحليلية، من أجل الوصول إلى نتائج دقيقة وذات قيمة علمية حقيقية.