المحاضرة العاشرة: إجراءات المقارنة
المكتسبات القبلية: ينبغي أن يكون الطالب قادراً على:
- التمييز بين المناهج اللسانية (الوصفي، التاريخي، المقارن).
- معرفة أولية بالعائلات اللغوية (كاللغات السامية).
- الإلمام بأساسيات تحليل المعطيات اللغوية (كمية وكيفية).
- إدراك مفهوم التغير اللغوي ومستوياته (الصوتي، الصرفي، الدلالي).
أهداف المحاضرة: بنهاية المحاضرة يكون الطالب قادراً على:
- تعريف المقارنة اللسانية وتحديد مجالاتها.
- إجراء مقارنة بين لغتين أو أكثر من نفس الأصل اللغوي.
- استخراج أوجه الاتفاق والاختلاف بين اللغات.
- تحليل مظاهر التغير اللغوي عبر المقارنة.
- التمييز بين المقارنة الكيفية والمقارنة الكمية.
- التعرف على طرق التحليل المقارن وتطبيقها.
- إدراك الصعوبات المنهجية في الدراسات المقارنة.
إجراءات المقارنة
مقدمة
تُعدّ المقارنة من أقدم المناهج التي اعتمدها الدرس اللساني حيث شكلت أساساً لظهور اللسانيات التاريخية المقارنة التي سعت إلى الكشف عن العلاقات بين اللغات، وردّها إلى أصول مشتركة، وقد ساهم هذا المنهج في تصنيف اللغات ضمن عائلات لغوية كبرى، مثل: اللغات السامية والهندو-أوروبية، اعتماداً على دراسة أوجه التشابه والاختلاف بينها، ولا تقتصر المقارنة على البعد التاريخي فحسب، بل تمتد لتشمل التحليل الوصفي المعاصر، حيث تُستخدم للكشف عن الفروق البنيوية والدلالية بين اللغات أو اللهجات، مما يساهم في فهم أعمق للأنظمة اللغوية. كما تمكّن المقارنة الباحث من تتبع مسارات التغير اللغوي، سواء على المستوى الصوتي أو الصرفي أو التركيبي أو الدلالي.
ومع تطور المناهج اللسانية، أصبحت المقارنة تستند إلى أدوات كمية وكيفية، وتوظف معطيات المدونات اللغوية والتقنيات الإحصائية، مما زاد من دقتها وموضوعيتها. غير أن هذا المنهج يظل معقداً، إذ يتطلب تحكماً في عدة لغات، وفهماً عميقاً لخصائصها، إضافة إلى وعي بالصعوبات المنهجية التي قد تؤثر في نتائج التحليل.
- المقارنة بين لغتين أو عدة لغات منتمية إلى أصل واحد كالمقارنة بين اللغات السامية ، ومن الدراسات المقارنة في هذا المجال المقارنة بين الكنعانية والعربية ، حيث تنبه الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى العلاقة بينهما، وأنهما متضارعان ، كما عرف أبو عبيد القاسم بن سلام (ت) (224هـ) ، اللغة السريانية ، وأداة التعريف فيها هي الفتحة الطويلة في أواخر كلماتها حيث يرى أن للعرب في كلامها علامات لا يشركهم فيها أحد من الأمم نعلمه ، منها إدخال الألف واللام في أول الاسم ، وإلزامهم إياه الإعراب في كل وجه في الرفع والنصب والخفض (الجز)، كما أدخلوا في الطور وحذفوا الألف التي في الآخر، فألزموه الإعراب في كل وجه ، وهو بالسريانية طور على حال واحد في الرفع والنصب والخفض ، وكذلك اليم هو بالسريانية "يما" فأدخلت العرب فيه الألف واللام وصرفته في جميع الإعراب على ما وصفت ...
- الوقوف على مظاهر الاتفاق والاختلاف بين اللغتين المدروستين أو اللغات المدروسة صوتيا ، صرفيًا ، نحويا ، ودلاليا مع التركيز على جوانب الاتفاق ، وكمثال عن ذلك ما ذكره أحمد مختار عمر في أن بعض نحاة عرب الأندلس الذين عرفوا في القرن الرابع هجري قدموا دراسات مقارنة بين العربية والعبرية ، ومن هؤلاء "ابن بارون" الذي ألف كتابا عنوانه الموازنة بين اللغة العبرية والعربية ، حيث خصص الكتاب للمقارنة بين اللغتين من جانب المعجم والنحو ، واهتم ببيان أوجه التشابه والاختلاف بينهما ، وقد كان تحديده لأوجه الشبه بين اللغتين على هذا النحو :
ü التشابه في الخط واللفظ والمعنى.
ü التشابه نتيجة لتعاور الحروف المتشابهة المخارج.
ü التشابه نتيجة لتعاور الحروف المتجاورة.
ü التشابه نتيجة التصحيف .
- الوقوف على التغيرات اللغوية التي تحدث لأي من اللغتين المدروستين أو اللغات المدروسة ، مثل : التغيرات التي طرأت في حروف الحلق، فالعين مثلا تغيرت إلى الهمزة في الأكادية ، والخاء تغيرت إلى الحاء في العبرية والآرامية ....
- التوصل إلى قواعد مطردة (عامة) تفسر التغيرات الصوتية التي طرأت على مدى الزمن ، حيث انقسمت اللغة الواحدة إلى لهجات ، ولغات كثيرة انقسمت بدورها إلى اللغات الأخرى، وقد اتضح في إطار البحث اللغوي الصوتي المقارن أن مجموعة من الأصوات مستمرة دون تغيير ، وهناك أصوات خضعت لتغيرات بعيدة المدى منها : صوت الضاد الذي اختفى بمضي الوقت من كل اللغات السامية باستثناء اللغة العربية .
- تصنيف اللغات بحسب خصائصها وتجميعها في عائلات ، ومستوى هذه المقارنة هو الجانب الفيزيولوجي والنحوي والدلالي ، وقد قام الباحثون في اللغات السامية بتطبيق المنهج المقارن الذي يدرس مجموعة اللغات العربية والعبرية والآرامية ، والأكادية والعربية الجنوبية والشمالية والحبشية بغية الوصول إلى الخصائص المشتركة بين هذه اللغات .
أنواع المقارنة:
1- المقارنة المغايرة: وهي المقارنة بين حادثين اجتماعيين أو اقتصاديين أو أكثر وتكون أوجه الاختلاف فيها أكثر من اوجه الشبه.
2- المقارنة الخارجية: وهي مقارنة حوادث اجتماعية أو اقتصادية متباعدة عن بعضها أو مختلفة عن بعضها مثلاً المقارنة بين بلد يتع النظام الاشتراكي وأخر يتبع نظام إقتصاد السوق الحرة وتؤخذ في هذه الحالة تأثير كل من الحالتين على جانب واحد مثل التنمية الاقتصادية .
3- المقارنة الداخلية: تدرس حادثة واحدة فقط في زمان معين ومكان معين ولكن بالمقارنة بين أسباب هذه المشكلة للتوصل الى الأسباب الأكثر ترجيحاً والتي يمكن أن تكون هي الأسباب الرئيسية لها وكمثال على هذا النوع من المقارنة قد نقوم بدراسة ظاهرة التضخم في سورية بين عامي 2007 -2008 ونستطيع أن نضع نجموعة من الأسباب التي قد يكون لها تأثير على ظهور مثل هذه المشكلة ومن خلال تحليل كل سبب ومن ثم المقارنة بين هذه الأسباب يمكن لنا أن نستشف الأسباب الرئيسية لهذه المشكلة .
4- المقارنة الاعتيادية :وهي المقارنة بين حادثين أو أكثر من جنس واحد تكون أوجه الشبه بينهما أكثر من أوجه الاختلاف مثلاً مقارنة بين تغير أذواق المستهلكين بين منطقتين x)),(y)وهاتين المنطقتين ضمن نظام حكم وتأثير اقتصادية واحدة ولكن قد يختلفان عن بعضهما بأمور بسيطة مثل درجة التمدن .
سادساً: أشكال المقارنة :
المقارنة الكيفية: وتشمل عملية المقارنة الكيفية شكلين أساسيين:v
1- يعتمد الأول على جمع المعلومات حول مواضيع الدراسة عن كثب والتعرف على صفاتها وأوصافها ومن ثم المقارنة بينها على النحو المطلوب من تلك الدراسة وذلك يتطلب التعرف على الظاهرة على أرض الواقع ومراقبة تطورها والعوامل المؤثرة وقد يتطلب ذلك من الباحث القيام برحلات الى المجتمع المراد المقارنة به.
2- أما الشكل الثاني للمقارنة الكيفية فيكتفي فيه الباحثون بجمع الأخبار عن طريق الكتب والمقالات حول الظاهرة المدروسة والقيام بالتعليق على تلك الأخبار ومناقشتها إعتماداً على مخزون علمي لديه حوا الظاهرة المدروسة (غالباً ما تستخدم في نقد نظريات تاريخية سابقة نتيجة ظهور معلومات جديدة نتيجة الأبحاث).
المقارنة الكمية: تقوم المقارنة الكمية على حصر حالات الظاهرة بعدد أو بكم معين وهنا تبرز أهمية الإحصاء ودوره في ضبط ذلك الحصر بدقة ووضوح ويشكل التعداد السكاني والإحصاءات الحيوية أهم مصادر البيانات الكمية في الدراسات المقارنة .v
الطرق المتبعة في التحليل المقارن:
• التلازم في الوقوع: وهذه الطريقة تنطلق من مبدأ أن تشابه الظروف المؤدية الى نفس النتيجة في أحداث أو ظواهر مختلفة يجعل منها السبب الرئيسي في ذلك .فمثلاً قد تكون السرعة عاملاً مشتركاً من حوادث السيارات بأنواعها المختلفة التي ينجم عنها خسائر مادية و بشرية وبالتالي تكون السرعة بحك ذلك السبب الرئيسي الذي يؤدي الى هذه الخسائر.
• التلازم في الوقوع وعدم الوقوع : تقوم هذه الطريقة على مبدأ توافر عامل مشترك أو أكثر يف حالتين من الحالات التي تحدث فيها الظاهرة بينما لا تكون بين حالتين أو أكثر من الحالات التي لا تحدث فيها الظاهرة سوى غياب ذلك العامل وبالتالي فإن وجود هذا العامل في المرة الأولى وعدم وجوده في المرة الثانية مع اختلاف النتيجة يجعل هذا العامل السبب الرئيسي في ذلك.
• التلازم في عدم الوقوع : ويكون ذلك بملاحظة تكرار غياب الظاهرة في مرات أو أمكنة متعددة فان رافق هذا الغياب عنصر معين في كل هذه المرات على حين أن العناصر الاخرى قد تغيب جيناً وتظهر حيناً أخر,يعتبر ذلك دليلاً على أن العنصر المفترض هو سبب حدوث الظاهرة.
• تلازم التغير في السبب والنتيجة : وهذه الطريقة تتمثل في أن النتيجة تزداد بازدياد المسبب وتنخفض كلما انخفض المسبب فمثلاً يزداد عدد ساعات الدراسة كلما ازداد التحصيل العلمي والعكس.
• طريقة العلاقات المتقاطعة :فإذا كان هناك سببان 1,2 وكان هناك نتيجتان 3,4 فإذا استطعنا ايجاد علاقة بين السبب1والنتيجة 3 فاننا نستطيع أن نتوقع وجود علاقة بين السبب 2والنتيجة4وهكذا.
الصعوبات التي تواجه التحليل المقارن :يواجه المنهج المقارن مجموعة من الصعوبات التي يمكن تلخيصها فيما يلي:
• من الصعب في كثير من الأحيان تحديد السبب من النتيجة أو العلة من المعلول خصوصاً إذا ما كان التلازم بينها هو تلازم قائم عل الصدفة وليس تلازماً سببياً.
• لا ترتبط النتائج غالباً وفي كثير من العلوم يعامل واحد بل تكون حصيلة مجموعة من العوامل المتداخلة والمتفاعلة مع بعضها البعض.
• قد تحدث ظاهرة ما نتيجة لسبب ما في ظرف معين وقد تحدث هذه الظاهرة نتيجة لسبب أخر يختلف عن السبب الاول في ظرف أخر.
• لا يمكن في حالة المنهج المقارن ضبط المتغيرات المختلفة والتحكم بها كما هو الحال في المنهج التجريبي وذلك بسبب تداخلها وتشابكها مع بعضها البعض وبالتالي يصعب عزلها والسيطرة عليها لذلك فإن المنهج المقارن لا يوصل لنفس دقة النتائج التي يمكن تحققها في حالة المنهج التجريبي على سبيل المثال .
خاتمة
تُبرز إجراءات المقارنة في البحث اللساني أهمية هذا المنهج في الكشف عن العلاقات العميقة بين اللغات، وفهم تطورها عبر الزمن. فهي لا تكتفي بإظهار أوجه التشابه والاختلاف، بل تتجاوز ذلك إلى تفسير الظواهر اللغوية في ضوء التاريخ والسياق الثقافي والاجتماعي. غير أن فعالية المقارنة تظل رهينة بمدى دقة تطبيقها، واحترام شروطها العلمية، مثل اختيار عيّنات لغوية مناسبة، وضبط معايير المقارنة، وتجنب التعميمات غير المبررة. كما أن الجمع بين المقاربة الكيفية والكمية أصبح ضرورة لضمان نتائج أكثر توازناً وموضوعية.
وعليه، فإن المنهج المقارن يمثل أداة أساسية في البحث اللساني، لكنه يتطلب تكويناً علمياً رصيناً ومهارات تحليلية عالية، حتى يحقق أهدافه في تفسير الظواهر اللغوية وبناء معرفة علمية دقيقة.