جمع المدونات

مقدمة

يُعدّ جمع المدونة من المراحل الجوهرية والحاسمة في البحث العلمي بصفة عامة، وفي الدراسات اللسانية بصفة خاصة، إذ لا يمكن لأي دراسة علمية أن تقوم دون مادة علمية دقيقة ومنظمة تشكّل الأساس الذي يُبنى عليه التحليل والاستنتاج. فالمدونة ليست مجرد تراكم للنصوص أو المعلومات، بل هي اختيار واعٍ ومنهجي لمادة لغوية أو معرفية تخضع لمعايير علمية دقيقة تضمن تمثيل الظاهرة المدروسة تمثيلاً موضوعيًا.

وتتجلى أهمية هذه المرحلة في كونها تربط بين الجانب النظري للبحث والجانب التطبيقي، حيث ينتقل الباحث من مرحلة التصور والتخطيط إلى مرحلة الاشتغال الفعلي على المادة العلمية. ومن هنا، فإن عملية جمع المدونة تستلزم وعيًا منهجيًا دقيقًا يحدد نوع المصادر، وطرق الوصول إليها، وآليات التعامل معها، ثم تنظيمها وفق خطوات متسلسلة تبدأ بالجمع الأولي وتنتهي بالترتيب النهائي القابل للتحليل العلمي.

كما أن تطور البحث العلمي في العصر الحديث، خاصة مع التحول الرقمي وتعدد قواعد البيانات، جعل من مسألة جمع المادة العلمية عملية أكثر تعقيدًا ودقة، تتطلب من الباحث مهارات في الانتقاء، والتوثيق، والتصنيف، والقراءة الفاحصة، حتى يتمكن من بناء مدونة علمية متماسكة تعكس واقع الظاهرة المدروسة دون تشويه أو اختزال.

                                           

أولا: مرحلة جمع المصادر والمراجع وتدوين المادة العلمية: بمجرد انتهاء الباحث من اختيار بحثه وإعداد خطته الأولية عليه أن يبدأ في مرحلة جديدة تتمثل في جمع الوثائق والمعلومات التي تشكل المادة العلمية اللازمة لكتابة بحثه ولا يكتفي الباحث بحصر هذه المادة العلمية بل يجب عليه أن يدونها من خلال قراءة ما تتضمنه هذه المصادر والمراجع أو باستخدام وسائل أخرى للتدوين، المهم ضرورة تواجد المادة العلمية بين يديه عند مرحلة صياغة البحث سواء في مسودته الأولى، أو الثانية مع ضرورة المحافظة على هذه المادة العلمية إلى ما بعد الانتهاء من هذا البحث نهائيا.

المصادر والمراجع وطرق الحصول عليها: إن جمع الوثائق العلمية المتمثلة في المصادر والمراجع التي تتضمن كافة المعلومات المتعلقة بموضوع البحث سواء كانت مخطوطة أو مطبوعة أو مسموعة أو مرئية  أمر مهم، وقد جرت العادة لدى البعض أن المصدر هو نفسه المرجع ولكن هناك اختلاف بينهما ، حيث أن المصادر هي تلك الوثائق والدراسات الأولى منقولة رواية أو كتابة من طرف مؤلفين ثقات ساهموا في تطوير العلم، أو عاشوا الأحداث والوقائع، أو أنهم كانوا طرفا مباشرا فيها، أو أنهم واسطة في جمع ونقل العلوم والمعارف السابقة للأجيال اللاحقة، أما المراجع فهي التي تعتمد في مادتها العلمية على المصادر الأولى، فتتعرض لها بالتحليل أو النقد أو التعليق أو التلخيص .

أنواع المصادر والمراجع: إن المصادر والمراجع التي يأخذ منها الباحث معلومات تخدم بحثه متنوعة، وكل نوع له مميزاته وأن الباحث الذي يعتمد على العديد من المصادر والمراجع يكون بحثه متميزا، ويظهر أيضا مدى حرص الباحث على جمع المادة العلمية سواء تمثلت في المصادر أو المراجع.

هناك من يقسم هذه المصادر والمراجع إلى مصادر ومراجع نظرية ومثالها الكتب والمجلات المتخصصة في إطار البحث العلمي ومصادر ومراجع عملية وهذا بالنظر إلى طبيعة هذه المصادر والمراجع.

وهناك من يقسمها إلى مصادر ومراجع عامة ومصادر متخصصة وهذا بالنظر إلى جدواها وأهميتها، وهناك من يقسمها إلى مصادر ومراجع أصلية ومصادر ومراجع غير أصلية ومهما قيل بهذا الشأن فإننا نقف على أهم هذه الأنواع التي تشكل المادة العلمية للبحث و بدرجات مختلفة.

ثانيا:  فروع المراجع 

الفرع الأول: المراجع العامة.

المراجع العامة هي كل الكتب التي تتضمن شروحات عامة لموضوع ما، بحيث تتناول الموضوع بشكل عام و دون الخوض في تفاصيله الجزئية، لأن هذه الكتب تتناول مسائل فرعية كثيرة تتصل بالموضوع الأساسي وتأتي بطريقة مجملة ودون تعمق ، ومن أمثلتها الكتب الجامعية الصادرة عن الأساتذة كل في تخصصه وهي تتضمن برنامج المقياس في سنة من السنوات، أو سداسي ويتم إنجاز هذه الكتب المساعدة الطلبة المبتدئين على إنجاز بحوثهم الصغيرة، وعلى المراجعة منها ويأتي أستاذ المادة ليشرح فقط ولكن يجب أن تكون ذات قيمة عليمة حتى لا تتحول العملية إلى تجارة تتمثل في طبع كتب وبيعها بغض النظر عن مضامينها العلمية.

الفرع الثاني: المراجع المتخصصة.

المراجع المتخصصة هي كل الكتب التي تتناول موضوعا دقيقا ومحددا وله صلة بموضوع الباحث، وعلى رأس هذه المراجع نجد رسائل الدكتوراه، رسائل (مذكرة) الماجستير، مذكرة الماستر وكذا البحوث الحرة المتخصصة التي أشرنا إليها في غير هذا الموضع، فهي تتناول مواضيع دقيقة بخلاف المراجع العامة فمثلا إذا كان كتاب نظرية الالتزام المقرر على طلبة السنة الثانية ل.م.د جذع مشترك يتناول في إحدى موضوعاته تنفيذ العقود يكون بحسن نية فإن موضوعا ضمن موضوعات الكتاب وهو حسن النية في تنفيذ العقود بين القانون والشريعة الإسلامية يصلح أن يكون موضوعا لبحث متخصص مقارن

الفرع الثالث : الدوريات.

إن الدوريات هي عبارة عن مصنفات مطبوعة تصدرها جهة علمية محكمة متخصصة قد تكون دولية أو وطنية، وقد تكون الدورية سنوية أو نصف سنوية سداسية)، أو أنها ثلاثية تصدر خلال ثلاثة أشهر ) تتضمن مجموعة من المقالات العلمية المتخصصة.

تتولى إصدار هذه الدوريات إما الجامعة في حد ذاتها، أو إحدى كلياتها أو المعاهد، أو المراكز البحثية، أو جمعيات علمية من أجل نشر البحث العلمي في أي تخصص ، وأن مقالات هذه الدوريات تتسم بأبحاث قيمة لأن الدوريات تكون محكمة وتضع شروطا ومعايير للنشر يجب احترامها وإتباعها (قاشي علال، محاضرات في منهجية البحث العلمي، جامعة لونيسي عليّ، السنة الجامعية: 2017 / 2018، ص: 32- 34).

ثالثا:  جمع المادة العلمية للبحث العلمي: إن جمع المادة العلمية للبحث العلمي من اهم عوامل نجاح البحث العلمي ووصوله الى النتائج والحلول المنطقية السليمة.

إن تنوع المصادر والمراجع الموثوقة التي يجمع منها الباحث العلمي معلومات دراسته، عامل رئيسي يكسب الدراسة العلمية الثراء وتزداد قيمته.

والباحث العلمي الجيد هو القادر على أن يفهم المصادر والمراجع المتوافرة لديه، على اعتبار أن القراءة الجيدة من أهم الآليات التي يتم اعتمادها في جمع المادة العلمية بشكل غير مباشر عير الدراسات السابقة.

إن مرحلة جمع المادة العلمية للبحث العلمي إحدى أدق مراحل إعداد وكتابة البحث أو الرسالة العلمية، فبعد أن ينهي الباحث العلمي مرحلته الأولى وهي اختيار موضوع أو مشكلة البحث العلمي التي يبنى عليها كامل البحث العلمي.

تأتي المرحلة الثانية الخاصة بجمع المعلومات والبيانات التي تعتبر منابع الدراسة العلمية، والتي ترتبط بشكل رئيسي بالمصادر والمراجع المتنوعة والموثوقة، والتي ترتبط بشكل كلي او جزئي بموضوع البحث العلمي الحالي. 

ولأهمية مصادر جمع المعلومات دور أساسي في اكتساب البحث العلمي قيمته، فقوة الوثائق والمصادر الأولية وموثوقيتها تنعكس على قوة البحث العلمي وعلى نجاحه ووصوله الى الاستنتاجات المطلوبة منه.

ولأن منابع المواد العلمية متعددة ومتنوعة فإن الباحث العلمي أو طالب الدراسات العليا قد يجد صعوبة كبيرة في الوصول الى أهم هذه المنابع وأكثرها فائدة لدراسته العلمية، وبالخصوص أن هذا الأمر يحتاج الى خبرة ومعرفة من قبل الباحث العلمي.

 

 رابعا: مراحل جمع المادة العلمية: إن جمع المادة العلمية للبحث العلمي تمر بمراحل متعددة ومن أهم هذه المراحل نذكر:

-  القراءة الأولية المرتبطة بالموضوع البحثي:

 وهي القراءة العامة والشاملة التي لا تكون قراءة دقيقة وهادئة، فالهدف منها هو الاطلاع على مختلف المصادر والمراجع المرتبطة بالبحث العلمي.

والهدف من هذه المرحلة توسيع معارف الباحث العلمي واختيار أهم المصادر الموثوقة التي يمكنه الاعتماد عليها في دراسته، ويهدف الباحث الوصول الى المصادر التي تزخر بأهم المعلومات والتي تفيد دراسته وتثريها.

كما أنه يسعى الى أن يختار المصادر الحديثة التي تقدم الأفكار والنظريات الحديثة، مع السعي الى الاطلاع على المخطوطات المرتبطة بموضوع البحث العلمي، وإصدارات المجلات المحكمة والمقالات العلمية وكل المصادر الموثوقة التي تحتوي على معلومات يمكن أن تفيد البحث الحالي.

 -  القراءة المحددة والفاحصة:

 بعد القراءة العامة والموسعة والسريعة الى حد ما، يختار الباحث العلمي منها ما يراه أهم المصادر والمراجع التي يمكن أن تفيد دراسته البحثية.

وهنا يعيد قراءة هذه المصادر لجمع المعلومات، ولكن بشكل اعمق وأكثر دقة، وبنظرة الناقد والمتفحص، وذلك ليحدد بدقة المعلومات والبيانات التي سيعتمد عليها في دراسته.

 -  تصنيف وترتيب المادة العلمية:  إن المنهجية والتنظيم لكامل مراحل البحث العلمي هي أمر اساسي لنجاحه ووصوله الى الاستنتاجات والحلول المنطقية الصحيحة، وتعتبر مرحلة جمع المادة العلمية للبحث العلمي من اهم هذه المراحل التي تحتاج الى ترتيب وتنظيم منهجي.

ومن خلالها يدون ويرتب الباحث العلمي معلومات دراسته ويحدد كيفية عرضها بالشكل الذي يخدم الدراسة العلمية، ويساعدها على الوصول الى نتائج منطقية سليمة.

 -  مراجعة المواد العلمية المدونة:

وهي المرحلة التي يتجه الباحث العلمي من خلالها الى مراجعة ما قام بتدوينه من مادة علمية ليتأكد من سلامته وضرورته للدراسة العلمية.

كما أن هذه المرحلة تتضمن تأكد الباحث العلمي من أن ما قام بجمعه من معلومات وبيانات ومادة علمية كافي للقيام بكامل الدراسة العلمية وإثرائها، والوصول بها الى الأهداف المرجوة.

وفي حال كان هناك نقص في المادة العلمية يفترض استكمالها في هذه المرحلة.

 - الترتيب المنهجي النهائي للمادة العلمية:

 على الباحث العلمي بعد ان يتأكد من استكمال جمع المادة العلمية للبحث العلمي أن يقوم بترتيب وتنظيم نهائي لها، بشكل منهجي يتناسب مع تطوير دراسته العلمية والاستفادة منها بالشكل الأمثل، وصولاً الى تحقيق أهداف البحث من خلال النتائج المبرهنة بالأدلة العلمية.

خاتمة

يمكن القول في ختام هذه المحاضرة إن جمع المدونة يمثل حجر الأساس في البناء المنهجي لأي بحث علمي، إذ لا يمكن الوصول إلى نتائج دقيقة أو تحليل علمي رصين دون مادة علمية تم جمعها وتنظيمها وفق خطوات منهجية واضحة. فالمصادر والمراجع ليست مجرد أدوات مساعدة، بل هي البنية التحتية التي يقوم عليها البحث، ويحدد جودتها ومصداقيتها جودة النتائج النهائية.

وقد أظهرت مراحل جمع المادة العلمية أن هذه العملية ليست بسيطة أو تلقائية، بل هي سيرورة علمية دقيقة تبدأ بالتخطيط والبحث عن المصادر المناسبة، مرورًا بالقراءة الفاحصة التي تقوم على الانتقاء والتحليل، ثم التصنيف والترتيب الذي يمنح المادة العلمية بنية منظمة، وصولًا إلى المراجعة النهائية التي تضمن الدقة والتماسك، وأخيرًا الترتيب المنهجي الذي يحول المادة الخام إلى مدونة علمية قابلة للاشتغال والتحليل.

ومن ثم، فإن نجاح الباحث في هذه المرحلة يعكس مدى تمكنه من أدوات البحث العلمي وقدرته على التعامل النقدي مع المادة العلمية، بعيدًا عن التراكم العشوائي أو النقل غير المنهجي. كما أن إتقان هذه المهارات يعد شرطًا أساسيًا لبناء بحث علمي رصين يسهم في إنتاج معرفة علمية دقيقة وموثوقة، خاصة في الدراسات اللسانية التي تتطلب عناية خاصة بالمادة اللغوية في تنوعها واستعمالاتها المختلفة.

 

قائمة المصادر والمراجع:

- قاشي علال، محاضرات في منهجية البحث العلمي، جامعة لونيسي عليّ، السنة الجامعية: 2017 / 2018، ص: 32- 34.

- عبد القادر علي زروقي، المدونة اللغوية وطريقة الإفادة منها في صناعة الأطلس اللّساني، مجلة بدايات، المجلد الثاني، العدد 4، جوان 2021.

سعداوي فاطمة الزهراء، المدونات الالكترونية ودورها في التحصيل العلمي دراسة تحليلية على عينة من طلاب جامعة قاصدي مرباح ورقلة، مجلة بحوث ودراسات في المديا الجديدة، المجلد 1 العدد 3، سبتمبر 2020.

Vous avez terminé 0 % de la leçon
0%