المحاضرة الرابعة : المقاربات المنهجية في دراسة اللغة:
المكتسبات القبلية
· معرفة أساسيات المنهج العلمي في البحث (الوصفي، التاريخي، المقارن).
· التمييز بين الظاهرة اللغوية كنظام واللغة كاستعمال.
· الاطلاع على بعض آليات جمع المادة اللغوية وتحليلها.
أهداف المحاضرة
· أن يتعرّف الطالب على مفهوم المقاربات المنهجية في دراسة اللغة.
· أن يميّز بين مختلف المقاربات المنهجية المعتمدة في اللسانيات.
· أن يفهم العلاقة بين المقاربة والمنهج في تحليل الظاهرة اللغوية.
· أن يكتسب قدرة أولية على ربط كل مقاربة بنوع التحليل المناسب لها.
· أن يعي تعدد الزوايا المنهجية في دراسة اللغة وضرورة التكامل بينها.
المقاربات المنهجية في دراسة اللغة
مقدمة
تُعدّ دراسة اللغة من المجالات التي تستدعي تعدد الزوايا المنهجية نظراً لتعقّد الظاهرة اللغوية وتشابكها مع الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية، ومن هنا ظهرت ما يُعرف بالمقاربات المنهجية التي تمثل أطرًا فكرية وإجرائية يعتمدها الباحث في مقاربة اللغة كلٌّ حسب زاويته الخاصة في التحليل. ويهدف هذا التعدد إلى تحقيق قراءة أعمق وأكثر شمولاً للظاهرة اللغوية.
وتعتمد المقاربات الحديثة في جمع اللغة وتوثيقها على التقنيات الرقمية، واللسانيات الحاسوبية، والتوثيق الميداني الشامل بدلاً من الاعتماد الحصري على الموروث القديم. تشمل أبرز المناهج الحالية مقاربة الكفاءات، والمقاربة النصية (السياقية)، واستخدام الذخائر اللغوية (Corpus Linguistics) لضبط المفردات والاستعمالات الحقيقية في مواقف تواصلية واقعية، مع التركيز على توثيق اللهجات واللغة المعاصرة.
ومصطلح المقاربة Approach يؤمئ إلى اختيار أو بلورة مخطط أو إطار منهجي محدد لتناول موضوع ما وهذا يعني أن المقاربة تشير إلى أن ثمة مخططات منهجية عديدة ممكنة لمعالجة الموضوع ومقاربته، وفي هذا تصوير لمهارة بحثية محورية، وهي القدرة على بلورة مخطط منهجي يلائم الموضوع الذي أسعى لمقاربته.
الإطار أو المخطط المنهجي يحكم تفكيري ويوجهه أثناء تلبسي بالمقاربة؛ أي أثناء السعي للإجابة عن الأسئلة الرئيسة في الموضوع أو الظاهرة أو النص الذي أشتغل على مقاربته.
ما سبق، يجعلنا نقول بأن المقاربة هي بلورة منهجية ملائمة لتناول موضوع أو ظاهرة أو نص من شأنها إظفار الباحث أو المقارب بإجابات جيدة مقنعة، تتأسس على الأدلة والشواهد الداعمة للنتائج أو الآراء التي خلُص إليها الباحث، مما يعني وجود تسويغ منهجي لكل خطوة أو عملية منهجية قام بها الباحث.
وفي هذا السياق، نشدد على أهمية إيجاد تسويغ للخطوات أو العمليات التي كان يسع الباحث القيام بها، بيد أنه أشاحَ عنها لسبب ما، فالقارئ أو المحكّم أو المقيّم للعمل الذي أنتجه الباحث سيكون ذهنه مشتغلاً بسؤال: تُرى، هل يعرف الباحثُ الخطوات والعمليات الأخرى التي لم يستعملها؟ ربما يجيء في خاطره، أن الباحث لا يعرف غيرَ ما طبقه أو اختاره في بحثه، مع زعمه بأنه قد اختاره لهذا السبب أو ذاك، وهنا يتخلق شك في الذخائر المنهجية للباحث وفي قدراته ومهاراته البحثية أو الكتابية التواصلية، مما يُضعف من درجة التقييم لعمله. إذن، ثمة أهمية كبيرة للتسويغ لكل: ما قمنا به، وما لم نقم به من الخطوات أو العمليات المنهجية الرئيسة في السياقات المحورية في العمل البحثي التي تستلزم ذلك.
تشبه المقاربةُ المنهجية سعيكَ لدخول بيت ما لغرض ما، إذ يتوجب عليك حينها أن تعرف أين يقع، وأن تدرك جيداً تموضعه في الخارطة وما يحيط به، كما أنّ عليك أيضاً أن تعرف أفضل الطرق الموصلة له، والوقود اللازم (=مشروعية المبحوث)، وأن تمتلك أخيراً المفتاح، للولوج إليه من الباب، لا من النافذة (=مشروعية الباحث). إذا طُرح عليك سؤالٌ ما، فلا تفكر ابتداءً في الجواب وإنما في كيفية بلورته.
وهذا ما ينقلك إلى رحاب المقاربة. قبل الإجابة، تمهَّل، وقلِّب النظرَ في السؤال وفتَّته إلى أجزاء، وصنِّفها إنْ لزم الأمر، وفكِّر ملياً في المعالجة الذهنية الملائمة، أهي: استنتاج أم استقراء أم مزيج منهما، وفي البيانات التي تحتاجها، وكيف تحللها؛ مع التسويغ المقنع لكل ذلك، واجلب البراهين الكافية. هنا تكون قد امتلكتَ مقاربة منهجية للجواب، ويسعك إذ ذاك أن تَعبُر نحو بلورة الجواب الاجتهادي المنشود .
في الأجزاء السابقة، إيماءة لكيفية تطبيق المقاربة، وهي إيماءة تطبيقية في أكثر أبعادها، حيث عمدنا إلى أيضاحها عبر قالبتطبيقي على هذا النص الذي تقرأه الآن في مقاربة مصطلح المقاربة. وطلباً لمزيد من الإيضاح، يمكننا وضع جملة من الخطوات العملية للقيام بمقاربات جيدة:
1- قبل مباشرة الكتابة في الموضوع أو الظاهرة أو النص المبحوث، يتوجب التفكير في سؤال: كيف نُقارب ذلك؟ في هذه المرحلة، عليك أن تحدد الآتي:
أ- ما طبيعة الموضوع أو الظاهرة أو النص؟
ب- ما هدف المقاربة؟
ج- ما الأسئلة المحورية في الموضوع أو الظاهرة أو النص؟
د- ما آلية تقييم المقاربة ومعاييرها من قِبل المحكّم أو المقيّم أو القارئ؟
هـ – ما الشريحة المستهدفة بنص المقاربة وما خصائصها؟ ومن ثمَّ ما اللغة المناسبة؟
2- أعد التفكير في طبيعة الموضوع والأسئلة، وحدد بدائل المقاربة الممكنة (المخططات أو الأطر المنهجية)، وهي كثيرة جدا ومتنوعة، وقد أسهمتْ حقولٌ معرفية عديدة في إثرائها من جهة التنظير والتطبيق، ومنها على سبيل المثال:
أ- التحليل اللغوي والمفاهيمي وفق تفصيل وعمق ملائمين.
ب- التحليل النوعي /الكيفي وخطواته المنهجية المتعارف عليها (كلها أو بعضها).
ج- التحليل والتجريد والتركيب.
د- التحليل والتفسير/التأويل.
هـ- المدخل المنظومي: مدخلات، تفاعل (تشغيل)، مخرجات.
و- مدخل منطقي يُنبى داخل نص المقاربة وفق تسلسل ظاهر واضح مقنع.
3- اختر بديل المقاربة الأفضل (=المخطط أو الإطار المنهجي)، على أنه يمكن اختيار أكثر من مخطط مما سبق في مقاربة واحدة، وذلك بحسب طبيعة الموضوع وأبعاده وهدف المقاربة والشريحة المستهدفة ونحو ذلك.
4- أفصح عن المخطط المنهجي المختار للمقاربة بشكل ملائم، وفي حالة استخدام أكثر من مخطط منهجي للمقاربة، تتعين موضعةُ كل مخطط في نص المقاربة بشكل دقيق، وبيان حدود كل مخطط، وإيضاح أسباب الاختيار من جهة والترتيب لها من جهة ثانية، وذلك في: تسلسل منهجي، وانسيابية سردية، وأناقة أسلوبية.
5- حالَ اشتغالك على مقاربتك، تذكَّر مرة أخرى القارئ أو المحكّم أو المقيّم ومعاييره وآلياته، ووجه سؤالاً لنفسك: هل هذه المقاربة جيدة فعلاً ومقنعة له؟ هل ثمة ثغراث فيها أو في تطبيقي لها؟ هذه المراجعة الذاتية ناجعة جداً أثناء الكتابة، إذ سيكون من شأنها التصحيح والتحسين لأجزاء من العمل، وقد تؤدي إلى تغيير المقاربة برمتها، أو تعديلها أو تطويرها بطريقة تراها أكثر ملاءمة لتحقيق الهدف المتوخى. هذا جزء من النقد الذاتي، وكلما مارستَ نقداً صارماً لذاتك أثناء العمل قلّلتَ من صرامة النقد الذي يمكن أن يقابلك تُجاه عملك. ولكن حذارِ، أن يصل ذلك إلى الوسوسة أو التردد والبطء الشديد في العمل. مارس النقد الذاتي برشاقة، وسر صوب النهاية.
6- لا يمكن لأي مخطط أو إطار منهجي للمقاربة أن يكون كاملاً أو تاماً أو مثالياً، مما يعني وجود نقاط ضعف أو ثغرات أو سلبيات في هذا المخطط أو الإطار، وهنا يحسن ذكر ذلك بطريقة مناسبة في نص المقاربة، وفي موضع مناسب منه، وهو ما يندرج أحياناً في الأبحاث العلمية تحت مفهوم قيود أو حدود أو ثغرات البحث Research Limitations، مع السعي لتلمس طريقة للتقليل من آثارها ما أمكن، مع تقديم ما يمكن من أفكار من قبل الباحث ولو بصور أو قوالب أولية، و التوصية للأنشطة البحثية المستقبلية ببلورة بعض الأفكار المطورة في هذا السبيل.
وفي الختام، نَصبُّ الدلالةَ المفاهيميةَ لمصطلح المقاربة في عبارات موجزة، بغية أن تكون المقاربة محفورة دوماً في الأذهان:
1- المقاربة هي إنزال النص على أساس منهجي.
2- المقاربة هي تلوين النص بالمنهجية.
3- المقاربة هي حقن النص بإجابات مُسوَّغة.
4-المقاربة هي إقدار النص على العبور للقارئ.
5- المقاربة هي كسوة النص بالقبول.
أبرز المقاربات الحديثة
· المقاربة الحوسبية (الذخائر اللغوية): استخدام قواعد البيانات الرقمية الضخمة لجمع وتحليل النصوص، مما يسمح بفهم دقيق للاستعمال اللغوي الفعلي وتواتر الكلمات بدلاً من الاعتماد فقط على المعاجم التقليدية.
· المقاربة الميدانية التوثيقية: جمع اللغة من أفواه المتحدثين (اللهجات) وتوثيقها صوتياً ونصياً، مع مراعاة المعايير الجغرافية والزمنية لضمان صحة المادة المجمعة، خاصة في ظل خطر اندثار بعض اللهجات.
· المقاربة السياقية (النصية): دراسة اللغة داخل سياقها النصي والاجتماعي، حيث لا يتم جمع المفردات منفردة، بل في جمل وسياقات تعبيرية كاملة لتعزيز المهارات اللغوية.
· المقاربة التواصلية: تركز على جمع الجمل والعبارات المستخدمة في "مواقف تواصلية حقيقية" لخدمة أغراض تعليمية، وتفضيل السياق على القواعد المجردة.
· المقاربة اللسانية هي إطار منهجي تحليلي يُعنى بدراسة اللغة، نصوصاً أو خطاباً، اعتماداً على نظريات ومبادئ علم اللغة (اللسانيات) لفهم بنيتها، دلالتها، وسياقها. تهدف إلى تحليل مستويات اللغة (نحوية، دلالية، تداولية) لتطوير الكفاءة اللغوية، وتحسين الفهم والترجمة، وتتنوع بين البنيوية (تحليل التركيب) والتوليدية والوظيفية.
أبرز جوانب المقاربة اللسانية:
· المقاربة البنيوية: تنظر للغة كبنية مستقلة، حيث تُدرس العلاقات داخل التركيبة نفسها، وليس كعنصر مرتبط بالعالم الخارجي.
· المقاربة النصية/الخطابية: تعتمد في تحليل اللغة على النصوص والخطاب (خاصة المسرحي)، مفككة بنيتها الداخلية (علم الأصوات، الصرف، النحو، الدلالة) لفهم آليات إنشائها.
· المقاربة التداولية: تركز على استخدام اللغة في سياقها الفعلي، وتهتم بمقاصد المتكلمين والشروط التي تجعل الكلام مقبولاً إنجازياً.
خاتمة
يتضح أن المقاربات المنهجية في دراسة اللغة ليست بدائل متعارضة، بل أدوات تحليلية متكاملة تسهم في بناء تصور شامل عن الظاهرة اللغوية. فتنوع هذه المقاربات يعكس ثراء اللغة وتعقيدها، ويؤكد أن فهمها لا يتحقق من زاوية واحدة، بل عبر تداخل مناهج متعددة تسمح بإحاطة أدق بالظاهرة المدروسة.